تستكشف أمل سعد غريّب ومارينا أوتاوي ثلاث هويات التي يحاول حزب الله التوفيق في ما بينها، فهناك أولاً هوية حزب الله الذي يتطلع إلى الدعم الإيراني له بوصفه حركة تلعب دورها على ساحة الشرق الأوسط. وهناك الهوية الثانية لحزب الله كحركة مقاومة اكتسبت سمعة بطولية في أعين كافة العرب. هذا، إلى جانب الهوية الثالثة لحزب الله كلاعب على المسرح السياسي اللبناني الداخلي يسعى لزيادة نفوذه، كما لتغيير القواعد المعقدة للعبة السياسة في البلاد.

خلال الاسبوع الماضي، بلغت المواجهة بين الحكومة اللبنانية وبين حزب الله نقطة حرجة. فالاضراب العام الذي دعا إليه حزب الله في 23 كانون الثاني/يناير، والذي اقترن بحواجز من الاطارات المشتعلة على كافة الطرق الرئيسية، أرغم الناس على ملازمة منازلهم، ودفع البلاد إلى شفير هاوية العنف. ولم يمضِ يومان على الاضراب حتى نشب عراك بين بضع طلاب في جامعة بيروت العربية، ما لبث أن امتدَّ بسرعة إلى الشوارع. وكان لبنان، بعد حرب الصيف الماضي، قد استعاد ظاهرياً نمط حياته الطبيعية، والتي كانت تعكرها من وقت لآخر المظاهرات الحاشدة في شوارع العاصمة بِفعل تعبئة حزب الله لمناصريه، في محاولة منه لاجبار الحكومة على الدعوة لاجراء انتخابات نيابية مبكرة. وفي حين رفضت الحكومة الانصياع لهذا الضغط، يحاول حزب الله الآن التماس مخرج من هذا المأزق.

من واشنطن، تبدو صورة الازمة اللبنانية كأنها مواجهة بين حكومة معتدلة مؤيدة للغرب وبين حركة اصولية تنفذ مآرب إيران، لكونها الطرف الغربي للهلال الشيعي الذي تأمل طهران في أن تفرض نفسها عبره كقوة مسيطرة في الشرق الاوسط. أما من داخل لبنان، فيبدو حزب الله كحركة تحاول التوفيق بين ثلاث هويات، كما بين ثلاث أجندات، يتعارض واحدها مع الآخر بشكل متزايد، الأمر الذي يفسد عليه تلك المحاولة. فهناك أولاً هوية حزب الله الذي يتطلع إلى الدعم الإيراني له بوصفه حركة تلعب دورها في اللعبة الجيوسياسية القائمة في الشرق الاوسط. وهناك الهوية الثانية لحزب الله كحركة مقاومة اكتسبت سمعة بطولية في أعين كافة العرب، من سُنَّة وشيعة على حد سواء، نظراً لصمودها خلال الصيف الماضي بوجه إسرائيل، ومنعها من تحقيق نصر عسكري. هذا، إلى جانب الهوية الثالثة لحزب الله كلاعب على المسرح السياسي اللبناني الداخلي يسعى لزيادة نفوذه، كما لتغيير القواعد المعقدة للعبة السياسة في البلاد.

وينفي المسؤولون في حزب الله في خطاباتهم العامة، كما خلال سلسلة المقابلات التي أجرتها مؤخراً أمل سعد غريّب (منشورة على موقع الانترنت هذا) نفياً قوياً في أن تكون حركتهم مجرد بيدق في لعبة شطرنج تلعبها ايران. فهم يذهبون إلى القول أن المظاهرات والاضرابات التي وصمت طريقة عملهم منذ شهر كانون الأول/ديسمبر، ليست بأي حال من الأحوال جزءاً من حركة انقلابية زاحفة ببطء تخطط لها ايران وسوريا من أجل السيطرة على لبنان، من جهة، ولتعزيز قدراتهما في مواجهة الولايات المتحدة واسرائيل من جهة أخرى، كما يدّعي أعداء حزبهم. لكننا "لا ننفي هذا التحالف، بل نعلنه على رؤوس الإشهاد"، هذا ما صرّّح به نواف الموسوي، رئيس مكتب العلاقات الخارجية في حزب الله. ويضيف الموسوي قائلاً: "نحن جزء من المحور المقاوم لهيمنة الولايات المتحدة في المنطقة، ابتداءاً من افغانستان وانتهاءً بفلسطين". وحزب الله يعترف دون تردد أنه يتلقى الدعم المالي من إيران، كما أنه يعبر عن شكره لها على الأسلحة التي زودته بها، وهو يعترف علناً بأن آية الله خامنئي هو المرشد الروحي لهذه الحركة؛ لكن الحزب، في الوقت نفسه، ينفي أن يكون مسيّراً من إيران أو سوريا. وهو يرفض قبل أي أمر آخر النظرة الشائعة بأن هدف الحزب الاولي، من خلال شل عمل الحكومة، هو منع تشكيل المحكمة الدولية العليا التي سوف تنظر في حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري وتحاكم المجرمين. بل أن هذه العلاقة هي بمثابة علاقة اتحاد استراتيجي يستخدمه حزب الله لمصلحة لبنان. أما برنامج عمل الحزب فلا يتوافق إلاّ جزئياً مع برامج عمل حلفائه الخارجيين.

إلاّ أنه يبدو أن برنامجي عمل ايران وحزب الله يزدادان تقارباً. ففي أعقاب الغزو الأميركي للعراق، بدأ حزب الله يندد بمجمل السياسة الاميركية في الشرق الاوسط، وليس لمجرد دعمها لاسرائيل. وهذا التركيز الجديد على المنطقة بكاملها، والاهتمام الشمولي بها، يعتبر تحولاً في مسيرة حياة هذه الحركة التي نشأت أصلاً عام 1982 لمقاومة الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان. فالحرب التي اندلعت في الصيف الماضي، والتي رفضت الولايات المتحدة وقفها، عمداً أو علناً، كجزء من إستراتيجية تهدف إلى تكوين شرق اوسط جديد، أقنعت حزب الله، بدرجة أكبر، ان واشنطن تشكل تهديداً للمنطقة بنفس القدر الذي  يشكله تهديد تل أبيب لها. فليست اسرائيل هي التي تمسك بزمام المبادرة، بينما تقدم لها الولايات المتحدة الدعم الأعمى؛ بل على العكس فإن الولايات المتحدة هي التي تقرر، بينما تذعن اسرائيل بالتنفيذ. وليس من الواضح ماذا يعني ذلك في الممارسة العملية ما دام أن حزب الله حركة متجذرة في لبنان، تركز اهتمامها على الدفاع عن ارضه فحسب. لكن، التركيز المتعاظم لاهتمام الحزب على الولايات المتحدة يُشكِّل دلالة ذات مغزى على تحوله الملحوظ عن الاهتمامات المحلية إلى الاهتمامات الجيوستراتيجية الاقليمية.

ومهما يكن من أمر، فإن حزب الله يبقى حزباً متجذراً بثبات في السياسات اللبنانية المحلية. فمهما كان مدى خطاب نصر الله قد توسع إلاّ أن سلوك حزبه يبقى محكوماً بمنطق النظام السياسي اللبناني. ورغم ما يسميه حزب الله "نصراً إلهياً" في حرب الصيف التي خاضها، إلا أنه يبقى بعيداً عن الشعور بالأمان. فالقرار 1701، الصادر عن مجلس الامن الدولي، قاد إلى زيادة كبيرة في  عدد أفراد قوات الامم المتحدة العاملة في لبنان (اليونيفيل). وبات من الممكن، نظرياً، إرسال هذه القوات إلى أي مكان آخر من لبنان ترى الحكومة اللبنانية ضرورة لنشرها فيه. كما يمكن لها أن تضغط باتجاه التطبيق القسري للقرارات السابقة لمجلس الامن الدولي، الداعية إلى نزع سلاح حزب الله. والدول الاوروبية التي تقدم الدعم والعديد الأساسي للقوات العاملة تحت مظلة الامم المتحدة في لبنان أوضحت، بما لا يقبل الالتباس، أن لا نية لديها في نزع سلاح حزب الله بالقوة، ولا في نشر هذه القوات بعيداً عن الحدود الدولية مع اسرائيل، كما أنها لن تخاطر بالتورط في حرب اهلية لبنانية. لكن حزب الله لا يأمن، رغم ذلك، جانب الحكومة اللبنانية، وهو يريد أن يحقق لنفسه ما يكفي من السيطرة على قراراتها للتأكد من أن مهمة القوات الدولية في لبنان سوف تبقى مقتصرة بشكل صارم على حماية لبنان من اسرائيل. هذا يعني أن حزب الله يريد ان يسيطر على ثلث المقاعد الوزارية، زائد واحد. وبذلك يتمكن من منع تمرير قرارات حكومية أساسية يحتاج اقرارها إلى اغلبية ثلثي عدد الوزراء. وبما ان الحكومة ترفض الانصياع لهذا المطلب، فقد سحب حزب الله وزراءه من الحكومة، وهو يحاول شل أعمالها بحيث لا تجد امامها مخرجاً سوى الدعوة لاجراء انتخابات مبكرة.

هذا ويبدو حزب الله واثقاً من أن تحالفه مع التيار الوطني الحر، برئاسة ميشال عون، وحلفاء آخرين اصغر حجماً، قادرٌ على الفوز في الانتخابات الجديدة. رغم ذلك، تتدخل القواعد الضمنية، غير المكتوبة، للسياسة اللبنانية لتلعب دورها. فحتى لو كسب تحالف مكون من احزاب شيعية ومسيحية تلك الانتخابات، فإن رئيس الوزراء يجب أن يبقى في أي حال، مسلماً سنياً. ومع أن حزب الله على استعداد لقبول هذه القاعدة المتجذرة بعمق في اتفاق الشراكة في السلطات الذي يقوم عليه النظام السياسي البالغ التعقيد للبلاد، فإن ذلك يعني في الممارسة، انه وإن فاز مرشحو حزب الله وحلفاؤه في الانتخابات الجديدة فسوف تجد البلاد نفسها بظل وزارة يرأسها رئيس وزراء سني، يحاول ان يترأس حكومة مؤلفة في غالبيتها من وزراء تابعين لحزب الله وللتيار الوطني الحر. وهكذا، تثابر الحكومة الحالية على التمسك بمواقفها، مصممة على عدم الاستسلام، بينما يستمر حزب الله في إصراره على إسقاط الحكومة. والحقيقة ان الشيعة في لبنان لم ينالوا حصة في السلطة السياسية تتناسب مع تنامي عددهم نسبة الى العدد الاجمالي للسكان، مما يجعل إجراء أي تغيير في التوازن الحالي أمراً فيه الكثير من التهديد بالخطر.

ومع كون حزب الله، والتيار الوطني الحر، والمعارضين الآخرين، لا يحوزون على أكثر من نسبة 45 بالمئة من مجموع مقاعد مجلس النواب، فإن المعارضة لا تستطيع اسقاط الحكومة من خلال التصويت بحجب الثقة، ولا يستطيع حزب الله اقناع الحكومة بالاستقالة والدعوة لاجراء انتخابات جديدة باستخدام المغالطات والحجج السياسية التي تقول أن الحكومة قد فقدت الدعم الشعبي، كما قد تشير إلى ذلك بعض استفتاءات الرأى العام. وهذا ما يعني ضمناً أن على الحكومة أن تستقيل، كما تفعل حكومات أخرى في ظروف مماثلة في الدول الديمقراطية. أو أنها قد فقدت شرعيتها بنقضها لاتفاق يقوم على حماية المقاومة (أي حزب الله) مقابل ما تلقته من دعم لمرشحيها في الانتخابات الاخيرة، وبذلك تكون قد خانت ثقة الشعب بها. إلا أن الحكومة بكل بساطة لم تذعن لهذه الحجج. وهكذا، كانت النتيجة لجوء حزب الله إلى الشارع، في تظاهرات كبيرة وصغيرة. وحتى الاسبوع الفائت كان الوضع يأخذ شكل احتكاكات جعلت من المستحيل على البلاد أن تعمل بصورة طبيعية، وأدت إلى شل النشاط الاقتصادي، على أمل إجبار الحكومة في نهاية المطاف على الاستسلام. أما الآن، فقد باتت المواجهة تنذر بالتحول إلى عنف حقيقي. أما النتيجة فبلاد يسودها التوتر، واقتصاد يحتضر، دون ثمة حل يلوح في الافق، رغم المبادرات التي اتخذتها حكومات عربية، بالاضافة إلى مبادرة جامعة الدول العربية.

ولبنان بمجمله يدفع الآن ثمناً غالياً لهذه المواجهة التي تُبطئ عملية إعادة الاعمار التي تحتاج البلاد اليها بصورة ماسة بعد حرب الصيف الماضي، وتدفع شركات الاعمال إلى تعليق نشاطاتها، "بانتظار غودو" (أي الزائر الذي لا يأتي)، كما كُتب على لافتة أُلصقت على متجر مغلق في وسط المدينة.

ولكن حزب الله يدفع في الوقت نفسه ثمناً غالياً أيضاً. ففي فترة زمنية من الصيف الماضي، كان حزب الله يمثل حركة بطولية، حينما بدا كرمز المقاومة العربية ضد اسرائيل، تلك المقاومة التي كانت تُسحق في المواجهات السابقة، لكنها برزت منتصرة هذه المرة. إذ أن حرمان اسرائيل من النصر شكّل فوزاً كافياً في أعين العرب. وهكذا، انتشرت صور نصرالله في كل مكان لفترة من الزمن. ففي خلال الانتخابات النيابية الاخيرة التي جرت في اليمن في ايلول/سبتمبر الماضي رَفعت كافة الاحزاب صورة نصر الله في تجمعاتها الحزبية. أما اللبنانيون، المنقسمون فيما بينهم، والذين تحملوا الوطأة القاسية للقصف الاسرائيلي، فكانوا دائماً ميالين إلى الشك في أن تكون تلك الاحداث قد شكلت نصراً. غير أن العديد منهم تردد في التنديد بحزب الله. واليوم، يفسر معظم المسلمين السنة، في المنطقة كما في لبنان، الانتقاد القاسي لرئيس الوزراء فؤاد السنيورة كهجوم ضد جميع السنة، ويستنتجون ان حزب الله حركة طائفية تلعب لعبة ايران وتضع الطائفة الشيعية في مواجهة الطائفة السنية.

غير أن حزب الله لا يزال يرى نفسه كتجسيد للمقاومة، متسلحاً بانتصاره في الصيف الماضي، وبالمشاكل السياسية التي نتجت عن هذا الانتصار في اسرائيل. لذلك فإنه بدأ يعرض عضلاته السياسية داخل البلاد. ويدعي الحزب أن كافة تدابيره إنما فرضتها ضرورة حماية المقاومة، وليس الطمع بالسلطة. وأنه من اجل حماية المقاومة يتوجب على حزب الله وحلفائه تأمين عدد كافٍ من الحقائب الوزارية لإحباط قرارات الحكومة، التي قد تشل عمل الحركة، وأن حماية المقاومة تفرض على حزب الله الاحتفاظ بأسلحته لانه لو فقدها فلن تتمكن القوات الحكومية لوحدها من منع اسرائيل من اجتياح لبنان، بل هي حتى قد لا تحاول منعها عن ذلك. فالصراع السياسي الحالي هو بكل بساطة استمرار للحرب. أن الولايات المتحدة تحاول مرة اخرى، ان تهزم حزب الله، ولكن هذه المرة من خلال الاصرار على نزع سلاحه بدلاً من السماح لاسرائيل بقصف لبنان حسب مشيئتها. لذلك، فإن حزب الله سوف يحتفظ بسلاحه إلى ان تظهر حكومة لبنانية قوية قادرة على حماية البلاد من اسرائيل.

لكن مثل هذه الحجج فقدت مصداقيتها لدى الكثيرين، باستثناء مؤيدي حزب الله ومحازبي ميشال عون، القائد المسيحي المتفرد في موقفه عن جماعته، والذي عاد من المنفى في فرنسا وانطلق من جديد في عمله السياسي موحداً قواه مع قوى حزب الله. أما بالنسبة لمؤيدي حركة 14 آذار/مارس، كما بالنسبة إلى عدد متعاظم من السنة في الخارج، فإن صورة حزب الله المُجسّد للمقاومة، وهي صورة طالما كانت باهتة من الأصل، فقد زالت تماماً لتحل محلها صورة حزب الله المُجسِّد للطائفية.

وحزب الله اليوم حركة قوية جيدة التنظيم تملك انضباطاً رائعاً وعقيدة معتمدة متماسكة، وحتى إن لم تكن مُقنعة. وقد عبّر كافة المسؤولين الذين تمت مقابلتهم لغرض كتابة هذه المقالة عن الافكار نفسها بلغة كانت في الواقع متماثلة. لكن يبقى لحزب الله أيضاً برامج عمل أخرى متعددة مرهونة بالظروف. فبينما هو يدعي دائماً العمل باسم المقاومة، فانه في بعض الاحيان يعمل قبل كل شيء كحزب يسعى لتعديل القواعد السياسية التي تدار السياسة في لبنان على أساسها، كما أنه يعمل في بعض الاحيان كلاعب استراتيجي يصر إصراراً أصيلاً على القتال إلى جانب ايران ضد الوجود والنفوذ الأمريكيين في الشرق الاوسط. ولا يعترف حزب الله بأن هذه الأجندات قد لا تكون متجانسة ولا متطابقة، وهو يستخدم حججاً معقدة، أو قد يلجأ إلى المغالطة،  للتوفيق في ما بينها جميعاً.

يتبيّن الآن أن هذا الوضع يزداد صعوبة. فبرنامج عمل المقاومة، وعلّة وجود الحزب، يطيح بهما معاً التورط العدائي لحزب الله في السياسات اللبنانية، مع ما ينتج عن ذلك من خسارة للدعم السني، في الداخل والخارج. فالتحالف الاستراتيجي لحزب الله مع ايران قد أثار المخاوف من احتمال استلهام المثل العراقي، بحيث تنتزع السلطة في لبنان مجموعة شيعية مدعومة من ايران. وفي الوقت نفسه، فإن إصرار حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه، قوّض شرعيته كحزب سياسي في نظر العديد من اللبنانيين، حتى وإن استند في ذلك إلى حجة مجرد الدفاع عن لبنان. لقد بدأ حزب الله يكتشف انه من الصعب عليه الاحتفاظ بصورته البطولية في الوقت الذي ينغمس فيه بعمق في مستنقع التنافس.