نشرت «المصري اليوم» في عدد ٢٧ فبراير ٢٠٠٧ تغطية قصيرة لدراسة حديثة لنا في مؤسسة كارنيجي حول جماعة الإخوان المسلمين، ودورها في الحياة السياسية، إلا أننا وجدنا أن الاختزال أثر علي المحتوي الموضوعي للدراسة ورأينا أهمية عرض الدراسة بشيء من التفصيل.

والدراسة وهي تحمل عنوان «التساؤلات التي ينبغي علي الحركات الإسلامية الإجابة عليها: جماعة الإخوان المسلمين المصرية كنموذج» سعت إلي معالجة تلك الجوانب في فكر وممارسة الإخوان التي تثير الشكوك في الداخل والخارج حول حدود التزامها بمنهجية ديمقراطية وربطت بينها وبين القيود بل والتشوهات التي تفرضها البيئة السياسية علي الجماعة في سياق قمع النظام الحاكم المستمر لها، أكدنا كذلك أن الطريق الوحيد لتمكين هذا الفصيل المهم من التحول بوضوح نحو الديمقراطية يتمثل في تقنين دوره في الحياة السياسية المصرية وتغيير وضعية الجماعة المحظورة علي نحو يضع الإخوان علي مفترق طرق بين البقاء كحركة دينية بالأساس والفصل بين تلك وبين كيان سياسي مدني ذي مرجعية إسلامية.

وحقيقة الأمر أن المخاوف التي تغلف النظر إلي الإخوان ليست بحكر عليهم أو علي نظرائهم من الحركات الإسلامية في العالم العربي، فمن المهم أن نتذكر أن مثل هذه المخاوف قد أحاطت تاريخياً بظهور الأحزاب والحركات السياسية ذات المرجعيات الدينية في أوروبا، فعندما تشكلت الأحزاب الديمقراطية المسيحية وبدأت في المشاركة في الانتخابات اتهمت بالسعي إلي استغلال الآليات الديمقراطية بهدف الوصول إلي السلطة وفتح الطريق أمام سيطرة الكنيسة علي المجتمع، وبالتالي الانقلاب علي الديمقراطية،

ولم تتغير النظرة العامة إلي المسيحيين الديمقراطيين سوي علي وقع مشاركتهم الفعلية في الحياة السياسية والتي عكست التزامهم المطلق بآليات العمل الديمقراطي، وعلي الرغم من أن الإسلاميين يستدعون أحياناً الخبرة الأوروبية للتدليل علي إمكانيات التوافق بين المرجعية الدينية للحركة السياسية والتزامها الديمقراطي، فإن هذا التشبيه لم يختبر بالفعل، فمجمل الحركات ا لإسلامية في العالم العربي لا يمتلك حتي الآن سوي سجل يسير من النشاط كأحزاب تشارك في العملية السياسية بل وليس لها أي سجل علي الإطلاق فيما يتعلق بالوصول إلي السلطة بطريقة ديمقراطية باستثناء حالة حماس في فلسطين وهي شديدة الخصوصية وحديثة العهد.

 النموذج الثاني الوحيد لوصول الإسلاميين العرب للسلطة هو سودان البشير - الترابي وهما لم يصلا لها بآلية ديمقراطية ولم يؤسسا بالتبعية لنظام ديمقراطي. السجل غير القاطع لمشاركة الحركات الإسلامية في السياسة يدفع العديد من الباحثين العرب والغربيين إلي التدبر طويلاً في خطابهم وممارستهم بهدف استخلاص العبر، وليس هذا بمثابة اتهام مسبق موجه إلي الحركات الإسلامية، بل هو مجرد وصف واقعي لشكوك أولية تحيط بكل المنظمات السياسية ذات المرجعيات الدينية.

وفي حالة جماعة الإخوان ثمة قضايا رئيسية تثير الشكوك حول مشاركتها في الحياة السياسية المصرية، أولاها كما تفصل الدراسة هي قضية الشريعة، ليس باستطاعة الإخوان، بالطبع، التخلي عن الشريعة لكن بإمكانهم صياغة رؤية واضحة حول ماهية مبادئ الشريعة التي يعتبرونها جوهرية وحول تفاصيل الآلية القانونية أو الدستورية المقترحة للتأكد من اتساق القوانين المعمول بها مع تلك المبادئ.

هنا تشدد الدراسة علي أن مجرد رجوع الإخوان إلي عموم الشريعة لا يفيد الشيء الكثير، إذ أن الشريعة ليست مجموعة قوانين واضحة المعالم أو وثيقة مدونة يمكن الاستناد لها بل هي نظم وتفسيرات وممارسات قانونية طورت طيلة حقبة دامت ١٤ قرناً وفي سياق مدارس فقهية مختلفة.

تتمثل القضية الثانية في ازدواجية هوية الإخوان كحركة دينية وسياسية في آن واحد وتحت مظلة تنظيمية واحدة، تشير الدراسة إلي أن هذا الأمر لم يأت كنتيجة اختيارات الإخوان، فالنظام الحاكم مازال علي رفضه السماح للإخوان بالخروج من وضعية الجماعة المحظورة قانوناً بل ويرفض مبادرات تسجيل أحزاب مدنية ذات مرجعية إسلامية حتي وإن جاءت من خارج الإخوان كما في حالة مبادرة حزب الوسط، إلا أن الجماعة من جهتها، ظلت لفترة طويلة عازفة عن توضيح موقفها في هذا الصدد، إن غياب الفصل بين الهويتين الدينية والسياسية هو مدعاة للارتياب،

 فمادة فكر الحركات الدينية، إذا ما استثنينا ما تقدمه من خدمات اجتماعية، هي أمور الخير والشر الإطلاقية، أما الحزب السياسي فمهمته اتخاذ أو المشاركة في اتخاذ قرارات تتعلق بالصالح العام وهو ما يستدعي احترام الاختلاف والقدرة علي تقديم تنازلات وقبول تسويات مع فاعلين آخرين بهدف صناعة التوافق العام.

هناك قضية إضافية ذات علاقة بمدي الفصل بين الديني والسياسي، ألا وهي قضية الهيكلية التنظيمية والقيادية للإخوان المسلمين، فقد ترك الإخوان بصورة منتظمة التساؤلات المتعلقة بهيكليتهم الداخلية دون إجابات واضحة. مما لاشك فيه أن وضعية الجماعة كمنظمة محظورة واجهت مرارًا وتكرارًا قمع النظام قد فرضت عليها درجة عالية من السرية في تخطيط وإدارة نشاطها السياسي، علي الرغم من ذلك فإن الصورة النمطية العامة عن الإخوان ظلت صورة الحركة المنظمة داخليا علي نحو غير ديمقراطي، غياب الهيكلية الديمقراطية قد يكون مقبولاً بالنسبة لحركة دينية، أما الفصيل السياسي الراغب في الدفع باتجاه حياة سياسية تعددية فعليه التماهي في تنظيمه الداخلي مع قيم وإجراءات الديمقراطية التي يرجوها للمجتمع ككل.

أما القضية الرابعة فهي تضارب خطاب الجماعة حول مبدأ المواطنة الشاملة وحقوق الأقباط المدنية والسياسية، هنا تنتقد الدراسة السمة التميزية لمواقف عدد من قيادات الإخوان، فيما يتعلق بحق الأقباط في الترشح لمنصب رئيس الجمهورية أو ما تواتر في الآونة الأخيرة من أقاويل بشأن فرض ضرائب إضافية عليهم لأنهم لا يدفعون الزكاة كالمسلمين، ففي بلد مثل مصر حيث يشكل المواطنون الأقباط نسبة تتراوح ما بين ١٠ و١٥% من السكان، تنتقص مثل هذه الإشارات كثيرًا من صدقية ادعاء الإخوان بأنهم مع ضمان حقوق ديمقراطية متساوية لجميع أعضاء المجتمع.

تنتقل الدراسة بعد ذلك إلي الإشارة إلي أن الرؤية الغربية للحركات الإسلامية لا تتوقف فقط علي خطابها وبرامجها حول القضايا الداخلية، فربما كان الهاجس الأكبر للحكومات الغربية يرتبط علي وجه التحديد بما إذا كانت الحركات الإسلامية قادرة علي التعامل بسلمية وإيجابية مع المنظومات الحاكمة للعلاقات الدولية والإقليمية، وفي حالة الإخوان فإن التساؤل الأهم هنا هو ما إذا كانت حكومة يسيطر عليها الإخوان المسلمون أو يؤثرون في قراراتها سوف تقبل وتواصل الالتزام باتفاقية كامب ديفيد الموقعة مع إسرائيل ولا تتراجع عن العلاقات الدبلوماسية القائمة معها،

 وثمة تساؤل ثان يتعلق بموقف الإخوان من القضايا الاقتصادية، فخيارات السياسات الاقتصادية في حاضرنا المُعولم لم تعد مجرد خيار سياسي محلي، ذلك أن أي تغيير في السياسات الاقتصادية في بلد ما يؤثر علي اللاعبين الخارجيين المرتبطين معه بعلاقات اقتصادية وتجارية، يبدو البرنامج الاقتصادي للإخوان، كما تمّ رسمه في مبادرة الإصلاح عام ٢٠٠٤ وفي البرنامج الانتخابي لعام ٢٠٠٥ متضاربًا علي نحو ملفت للنظر، فمع أن الإخوان فضلوا تقليديا وبالعودة إلي المرجعية الإسلامية اقتصاد السوق، فإنهم حافظوا علي مساحة واسعة من الغموض فيما يتعلق ببرامج الخصخصة التي تنفذها الحكومة في مصر بل هم صاغوا خطابًا شعبويا واضحًا ينتقد بعنف بيع القطاع العام والتخلي عن الملكية العامة للدولة.

ثم تنتهي الدراسة إلي التأكيد علي أننا ندرك بوضوح صعوبة التحديات التي يواجهها الإخوان وعموم الحركات الإسلامية في بيئات سياسية عربية تغيب عنها الديمقراطية فالقليل من الفاعلين السياسيين في العالم العربي أحزاب حاكمة ومعارضة تمتلك هيكلية ديمقراطية داخلية ومستوي تسامحها مع أصحاب الرأي والفكر الآخر ما لبث في حدوده الدنيا، بعبارة أخري، قليلة هي الحكومات العربية أو الأحزاب الليبرالية واليسارية المعارضة التي تلبي المعايير التي قمنا علي أساسها بتشريح جماعة الإخوان.