يعكس إصدار مسودة البرنامج الحزبي لجماعة الأخوان المسلمين المصرية تطورات حقيقية في السياسة المصرية، بعضها مشجع والبعض الآخر مقلق. ففي حين تحظر الحكومة المصرية على الإخوان المسلمين تشكيل حزب سياسي، وهو حظر من غير المرجح التراجع عنه في المستقبل القريب، فإن إعلان هذا البرنامج السياسي يجلي الغموض حول طبيعة الحزب- إن سمح لهم مستقبلا تأسيسه، كما جاء في بحث صدر عن مؤسسة كارنيغي.

في ورقة كارنيغي عنوانها: ماذا يحدث داخل جماعة الإخوان المسلمين المصرية؟ النقاش حول برنامج الحزب وتداعياته، يحلل الباحثان ناثان ج. براون وعمرو حمزاوي الانطباعات المتناقضة التي تثيرها مسودة البرنامج، بمعنى الإصلاحات التقدمية المفاجئة، والمواقف الارتدادية المثيرة للجدل، وفرص تحقيق توافق حول الوثيقة النهائية المتوقعة.

الأمر المشجع هو أن البرنامج يقدم أفكاراً حول الحرية الدينية وحرية التعبير، والسياسة التعددية، وحقوق الملكية، ومنح الحقوق السياسية للمرأة، وسيادة الدولة. ولكنه يدعو أيضاً إلى إنشاء هيئة منتخبة لعلماء الدين، مما يضع الحكومة فعلياً تحت رقابة هيئة غير دستورية، وهذا ما يمثل ارتداداً عن المواقف المعتدلة لقيادات حركة الإخوان المسلمين في السنوات الأخيرة.

الاستنتاجات الرئيسية:

  •  تمّ إعداد برنامج حزب سياسي من أجل العودة إلى دائرة الفعل بعد الازدياد الملحوظ في القيود الحكومية اتجاه الإخوان المسلمين نتيجة نجاحهم في الانتخابات التشريعية عام 2005. لكن حملت مسودة البرنامج الإخوان كلفة تمثلت في وضعهم بمأزق المفاضلة بين مطلبية الأعضاء الأنصار الذين يساندون بقوة تطبيق الشريعة الإسلامية من جهة و توقعات الرأي العام من جهة أخرى.
     
  •  يفشل البرنامج في معالجة تنظيم علاقة الحزب بالجماعة. يتجاهل الإخوان المسلمون خبرات وتجارب كل من الإسلاميين المأطرين حزبيا في المغرب، والأردن، واليمن التي تدعو إلى إنشاء فصل وظيفي بين الحزب والجماعة، كما أنه يفشل في تخطي حاجز دستوري رئيسي متمثل في معالجة مسألة فتح باب عضوية الحزب أمام كافة المصريين.
     
  •  تركّز النقاش العام حول البرنامج بصورة حصرية على القضايا الخلافية على حساب المواقف الاقتصادية والاجتماعية المفصلة. فعلى سبيل المثال، تدعو الاستراتيجية الاقتصادية إلى نموذج الدولة القوية المتدخلة في تسيير جل شؤون المجتمع، بينما يدعو البرنامج أيضاً إلى دور اجتماعي محدود للدولة مع دور أكبر للمجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية.
     
  •  وفي حين يتوقع استبعاد البرنامج النهائي لإمكانية تولي النساء وغير المسلمين المناصب العليا في الدولة، فإن البيانات الأخيرة لقادة رئيسيين تشير إلى أن الإخوان المسلمين يقبلون بإجراء استفتاء ديمقراطي للشعب المصري حول هذه المسألة.

"واليوم يبدو الإخوان في سياق صناعة التوافق بينهم والتعامل مع كلفة البرنامج الباهظة بمظهر القوة الباحثة عن إمكانات للارتداد ومساحات للتراجع لا لشيء سوى المواقف الرمادية التي أرادت هي التخلص منها بإعداد برنامج ذي مقاربة تفصيلية. وما لبثت حركة المعارضة الإسلامية الأهم بمصر عاجزة عن السير على دروب الإسلاميين في دول عربية أخرى فصلوا بين الديني-الدعوي والسياسي-المدني بتأسيس أحزاب وجمعيات تمارس العمل السياسي فقط وتبحث عن الإستراتيجيات الأمثل للتعامل مع بيئات ضاغطة، وإن كان الأمر هنا لا يرتبط فقط برؤى الإخوان بل يتعداها إلى موقف نخبة الحكم الرافض لدمجهم كفاعل شرعي بالحياة السياسية لا لرماديتهم بل خوفاً من قدرتهم على المنافسة."