منذ الحرب الأهلية في التسعينيات، لم تمنح الحكومة الجزائرية الأحزاب الإسلامية المعتدلة سوى دور شكلي. و نتيجة لذلك ازداد الدعم للسلفية الجزائرية التي ترفض النظام السياسي في البلاد والتي عمدت إلى خلق أسلوب حياة منفصل لأتباعها، من دون الانخراط في السياسة أو المواجهة مع الجيش.

في دراستها الجديدة توضح أمل بوبكير كيف أن صعود السلفية يؤشّر على حاجة الجزائر إلى رفع وتائر الشفافية والمشاركة السياسيين وإلى التواصل مع مواطنيها، وبالأخص منهم الشباب، لكبح جماح التطرف خارج النظام السياسي.
 
يستمر العنف في اجتياح الجزائر على الرغم من تفعيل الإجراءات الأمنية على حساب الحريات المدنية. وقد أدى قرار الحكومة الجزائرية بإلغاء الانتخابات وحظر الجبهة الإسلامية للإنقاذ في العام 1992، إلى قذف الراديكاليين إلى خارج أطر النظام السياسي. وفي المقابل، اتّجه العديدون نحو المجموعات الإرهابية على غرار القاعدة في المغرب الإسلامي للترويج لأجندتهم، فيما انضم آخرون إلى حركات ترفض المشاركة السياسية برغم حفاظها على طابعها الراديكالي مثل الدعوة السلفية .
 
استنتاجات رئيسة
 
الدعوة السلفية، التي هي حالياً الحركة السلفية الأكثر شعبية، ترفض الاعتراف بالنظام السياسي العلماني وتشجّع أتباعها على إعادة أسلمة المجتمع خارج إطار أي حزب سياسي. ويشي نجاح هذه الحركة بتنامي عدم اهتمام الشباب بالأحزاب الإسلامية الأكثر اعتدالا وباستراتجيتها القائمة على المشاركة الشكلية.
 
يعزا تطور الدعوة السلفية في شكل كبير إلى الازدهار الاقتصادي الأخير في الجزائر. ونظراً إلى استفادتهم بشكل واسع من شبكة الأعمال المختلفة القائمة على وفرة عائدات النفط، يتبنّى السلفيون موقفا محايداً من الدولة التي بدورها تتسامح معهم؛ وهو تطور يتناقض مع الطرح القائل بوجود علاقة سببية بين التطرف الإسلامي وبين الكساد الاقتصادي.
 
 
سمح ابتعاد الدعوة السلفية عن السياسة لكثير من مسلحي الجبهة الإسلامية للإنقاذ السابقين بمعاودة الاندماج في المجتمع المدني. بيد أن هذا لم يوفّر لاحلاً كاملاً في مواجهة العنف الإرهابي، ولافرصة لإعادة ادماج الإرهابيين التائبين والمتطرفين في نظام سياسي ديمقراطي.
 
منذ أحداث 11 أيلول/سبتمبر أطلّت الولايات المتحدة على الجزائر بوصفها شريكاً مهماً في الحرب على الإرهاب. لكن هذه الشرعية التي حصلت عليها الحكومة سمحت لها أيضاً بمواصلة تأجيل أي عملية تطبيع أو تعددية في المجال السياسي. ويكشف تطور السلفية الجزائرية عن مدى حاجة المجتمع الدولي إلى إعادة التفكير بموقع الحركات الراديكالية في نشر الديمقراطية، وإلى التركيز على دمج المتطرفين ـ وليس المعتدلين فقط ـ في النظام السياسي .
 
على الحكومة الجزائرية إن تمكّن الجمعيات المدنية وأن تشجّع اندماج أعضاء الحركة السلفية في المؤسسات الديمقراطية والأحزاب السياسية. كما عليها أن تجعل عملية المصالحة أكثر شفافية وأن تطوّر أشكالا جديدة من الشرعية السياسية لاتقوم على العنف والدين .
 
تستنتج بوبكير:
 
" يتعرّض الاستقرار الاجتماعي والتماسك الوطني إلى تحديات لأن الشعب الجزائري لايزال محروماً من الفرص الحقيقية للمشاركة في عملية حوارية تضم اللاعبين العسكريين والسياسيين والمدنيين. ومن خلال علاقتها بالدولة، تكشف الأشكال الجزائرية من السلفية عن وجود حاجة عميقة إلى التحول من السياسات ذات التوجه الأمني التي كانت سائدة على مدى ست عشرة سنة إلى أنماط جديدة من سياسات المشاركة".