"لاستيعاب منطق الأحداث الأليمة التي تعصف بالأراضي الفلسطينية، وتحديداً في غزة، لا بد من النظر الى المحيط الاقليمي الشديد الانقسام على عدة مستويات؛ وبالأخص بين المؤسسات الرسمية العربية والحركات الشعبية وكذلك بين مختلف الانظمة العربية التي تنظر الى الأحداث الجارية انطلاقاً من اعتبارات تكتيكية في حين تطالب الشعوب بخيارات استراتيجية، كالمقاومة مثلاً"، بحسب الدكتور عمرو حمزاوي الذي أدار النقاش حول "حرب غزة" بمشاركة الأستاذ فاتح عزّام، الممثّل الاقليمي المقيم للمفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الانسان، د.ساري حنفي، الأستاذ المشارك في الجامعة الأمريكية في بيروت، والسيد حلمي موسى، المعلق السياسي في صحيفة "السفير".

 إستهلّ فاتح عزام الحديث مشددّا على ضرورة التفكير سوية ببعض الجوانب القانونية واعتبر أنّ ثمة انتهاكات واضحة وجسيمة للقوانين الدولية بالمعنى القانوني وليس بالمعنى الثقافي، وهي انتهاكات على مستوى جرائم الحرب وتستدعي مقاضاة الفاعلين، وتقع مسؤولية متابعة هذه الجرائم أمام المحاكم الدولية ووفقاً للقانون الدولي على عاتق كل دولة. وشدّد عزام على أهميّة توثيق هذه الانتهاكات ضمن ملفّات قانونية كاملة. وتناول عزام المزاعم الإسرائيلية التي تفيد بأن إسرائيل لا تستهدف المدنيين، في حين ان العدد الكبير من القتلى والجرحى ونوعية الإصابات وآثار الرصاص في الجثث تبيّن ان التعرض للمدنيين كأهداف مباشرة ليس بالأمر العرضي في العمليات التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في غزّة. وإن دلّ هذا الأمر على شيء فهو يدل على إفراط في ردة الفعل واستخدام القوة من الجانب الإسرائيلي بحسب القانون الدولي. أما على مستوى مقاضاة الفاعلين فرأى عزام ان المحاسبة يجب أن تطال المؤسسات السياسية والعسكرية الإسرائيلية، إضافة إلى الأفراد الذين إتخذّوا القرارت ونفذوا الأوامر، وأوضح أنّ القانون الدولي يعتبر الافراد مسؤولين إذ أن عليهم رفض أوامر القصف إذا تواجد مدنيين في الموقع المستهدف. ثم تطرّأ إلى مسألة مقاضاة سياسيين وعسكريين إسرائيليين في بعض الدول مثل بلجيكا وبريطانيا ورأى أنه على الرغم من عدم نجاح هذه الملاحقة غير ان المسؤولين الإسرائيليين باتوا يتجنّبون الذهاب إلى تلك الدول خوفاً من الاعتقال. وذكر عزام محاولات توثيق الانتهاكات التي ارتكبها الاسرائيليون في لبنان اثناء حرب تمّوز كقصف النازحين وقانا وتساءل لماذا لم تستمر هذه الملاحقات على صعيد دولي.

 وتابع عزام بالقول ان الجميع، ومن ضمنهم موظفّو الأمم المتحدة، ينتظرون قرارا سياسيا عاجلا لوقف اطلاق النار في غزة، وتساءل إن كان نص القرار المتوقع سيلحظ في بنوده مسألة حماية المدنيين واجراء محاكمات دولية لمرتكبي جرائم الحرب أم أن القرار سيكون مؤقتا وتأتي المحاسبة السياسية متأخرة. ودعا عزام الى التعاطي بواقعية مع مؤسسات الأمم المتحدة التي انتقلت اليها تجاذبات الدول الاعضاء، وقال بانّها منبر وأداة لا يجب التخلي عنها ولكن لا يمكن توقع الكثير نظراً الى محدودية امكاناتها ونفوذها.

 وفي سياق منفصل، توجه عزّام الى مؤسسات المجتمع المدني وحقوق الإنسان وحثّها على التحرك والضغط باتجاه رفع جرائم الحرب الى الهيئة القضائية الدولية من خلال تحضير ملفات مفصّلة وموثّقة، وأوضح ان قاعدة القانون الدولي هي احترام حقوق الإنسان حتى لا يضطر الفرد الى التمرّد على الظلم واللجوء الى الرد العنيف، وحثّ على تفعيل قنوات المنظمة الدولية التي سبق لها ان اصدرت قرارات جيّدة، كموضوع عنصرية الجدار ودعا الى الضغط على مجلس الأمن لاتخاذ قرارات مشابهة، واعتبر ان الدول لا تحب ان تجبر على القيام بشيء تحت اي نوع من الضغط السياسي وتضع مصلحتها السياسية في سلم الأولويات من دون الالتزام بموانع.

 من جهته، تناول حلمي موسى الأسباب القديمة المتجسّدة في الإحتلال والتي أدّت الى إحباط الفلسطينيين بشكل عام والغزّاويين بشكل خاص، ودفعتهم إلى دعم حماس. كما نبّه إلى انّ العنف المفرط الذي مارسته إسرائيل اتى بنتيجة عكسيّة ضدّها ونتج عنه استعطافا عالميا مع القضية الفلسطينية وغزة حتى بين الأوساط التي لم تكن معنية بالقضية الفلسطينية. وشدد موسى على ان العنف الذي يمارسه الإسرائيليون في غزّة سيولّد المزيد من العنف لدى الاجيال الفلسطينية القادمة التي لن تهتم لحماس أو لفتح بل للإنتقام من إسرائيل. وتكلم عن إحباط الفلسطينيين من الأمم المتحدة التي لم تقدّم له حلاً منذ طرد من أرضه. فالمشكلة قائمة منذ نشوء الاحتلال الإسرائيلي وقبله خلال مرحلة الإنتداب البريطاني، ولا يمكن تحميل حماس وحدها مسؤولية الوضع السيء. وتطرأ موسى إلى الأوضاع اليومية السيئة التي يعيشها اهل غزّة جرّاء الحرب القائمة معتبرا أنها كلما زادت سوءا ازداد تطلّع الفلسطينيين اللاجئين الذين يشكّلون غالبية سكّان غزّة إلى التمسّك بحق العودة والقضيّة الفلسطينية الأشمل، واعتبر موسى أنّ مشكلة الصراع هي في تصوير الصراع بين الطرفين وكأنّه حول الحد الأدنى أو المسائل التفصيلية، في حين يتمّ تجاهل الأسباب الأولى لنشوء الصراع.

واختتم موسى مداخلته باعتبار أنّ اسرائيل صادرت حقّ الفلسطينيين في الحياة واعتمدت قاعدة استخدام المزيد من العنف ضدّهم لكسر إرادتهم، ما أدخل الفريقين في حلقة مفرغة من العنف هدفها إلحاق أقصى ضرر بالطرف الآخر.

من جهته، ركّز ساري حنفي على عجز الامم المتحدة وانتقد خطابها المائع الذي يساوي بين القاتل والضحية، وفي هذا السياق اعتبر أن العنف المفرط المستخدم من قبل إسرائيل لا يمكن مساواته بالدفاع المتواضع الذي تلجأ اليه حماس، كما تحدّث عن السعي الإسرائيلي الى المزيد من خلع الشرعية و"لا أنسنة" الإنسان الفلسطيني الذي تتعامل معه إسرائيل كجسد مجرّد من الإنسانية وبالتالي مباح قتله وتشاركها في ذلك بعض الانظمة العربيّة. وردّ حنفي عملية نزع الشرعية و"اللا أنسنة" إلى الحرب على الإرهاب التي فصلت بين العالم المتحضّر الذي يحق له الدفاع عن نفسه أمام الإرهاب الممارس من الجزء الآخر الإرهابي الذي يجب أن ينال عقابه، وهو الأمر الذي مهّد لضرب غزة، ولفت حنفي إلى أن الإسرائيليين يستخدمون عنفهم على قاعدة الحكم بالاستثناء وجواز ممارسة العنف ضد المستثنى.

واختتم حنفي مداخلته بالتساؤل حول امكانية التوفيق بين الخطاب العلماني والديني ومن خلاله تحقيق المصالحة بين فتح وحماس ولام الجانب العلماني (فتح) الذي يجب أن يمدّ يده للجانب الديني (حماس). واعتبر حنفي أن الحرب على غزة هي حرب على الديموقراطية لأن إسرائيل جعلت حياة الفلسطينيين ثمنا لاختيارهم حماس في الانتخابات من خلال الحصار والحرب.

في ختام الندوة، عقّب عمرو حمزاوي على النقاش واعتبر أنّه ينبغي النظر إلى المحيط الاقليمي الشديد الانقسام على عدة مستويات لفهم ما يجري، حيث يوجد انقسام بين المؤسسات الرسمية العربية والحركات الشعبية الإسلامية والعلمانية على حدّ سواء. كما اعتبر أن الأنظمة تقيس ما يجري في غزة وفقاً لاعتبارات تكتيكية مثل تركيز الموقف الرسمي المصري على السيطرة على معبر رفح، وقلقه من علاقة حماس وحركة الأخوان المسلمين المصرية، فضلاً عن دعم الفريق الفلسطيني المفاوض الحليف لمصر، إضافة الى محاولة تثبيت دور مصر كلاعب اقليمي في المنطقة، بينما تطالب الشعوب بخيارات استراتيجية، كالمقاومة، بعد زوال خيار قيام الدولتين ومعاهدة أوسلو من الفكر الشعبي. كما اعتبر أنّ هذه الحقبة تشهد إعادة صياغة للإهتمام العربي بالقضية الفلسطينية بعد تراجعه إثر أحداث 9 سبتمبر/أيلول 2001. وشدد على أهمية الحركات الشعبية ودلالاتها السياسية المستقبلية.

ثم فتح باب النقاش بين المتحدثين والمشاركين وتركز الحوار على حقوق الانسان وحق العودة ومأزق التسوية السياسية وضرورة التضامن مع غزة وصولاً الى حل انساني أولاً وسياسي في المقام الثاني لضمان عدم تكرار حملة مماثلة.