العزلة الآمنة للشرائح القبطية في مصر 
 
ندوة في مركز كارنيغي
 
نظم مركز كارنيغي للشرق الأوسط حلقة نقاش حول موضوع " قضايا المواطنة والوحدة الوطنية في مصر" تناول خلاله د. سمير مرقص، رئيس مجلس أمناء مؤسسة المصري لدعم دراسات المواطنة وثقافة الحوار، الحالة المصرية من منظور علماني وطرح مسألة "العزلة الآمنة" التي اعتمدتها الشرائح القبطية للتخفيف من تبعات المد الاسلامي المتشدّد، وأدار الحوار د. عمرو حمزاوي، وشارك فيه مجموعة من الأكاديميين والمفكرين. 
 
مراحل صعود الانتماء الديني
 
وبالعودة الى تاريخ مصر الحديث، لاحظ مرقص ان الساحة المصرية بدأت منذ مطلع السبعينات تشهد حالة من التوتر الديني المتصاعد الذي تجاوز حد الأمان، والمفارقة هي ان بداية الطائفية انطلقت من الجهود الآيلة الى محاولة حل هذه المشكلة! وحدّد مرقص أربع مراحل شهدها هذا الصعود:
 
المرحلة الأولى اتسمت بالعنف المادي المباشر من جانب جماعات العنف الديني (ضد الأقباط)
 
المرحلة الثانية شهدت تصاعد الاحتقان، اذ تحولت كل واقعة اقتصادية أو اجتماعية الى واقعة دينية (في حال كان الطرفين أحدهما مسلم والآخر مسيحي)
 
المرحلة الثالثة، مرحلة التديّن أي التأصيل النظري للعنف المادي من خلال تقديم المبررات من الجانبين وعلى أكثر من مستوى الأدبيات ذات الطابع السياسي-الديني. وقد اتخذ هذا التبرير طابعاً عقيدياً فقهياً/لاهوتياً لتفسير العزلة أو المواجهة وهي مسألة خطيرة (رد العنف بالعنف) وخصوصاً خلال السنوات الخمس الماضية وبتشجيع من الفضائيات التي غطّت المشاكل بشكل غير مسبوق.
 
المرحلة الرابعة، بروز التناحر القاعدي أي مواجهات على مستوى الشعب انعكست في وسائل الاعلام ومن خلال المنشورات والأعمال الفنية.
 
التداعيات على الحياة العامة
 
ولاحظ مرقص أن آثار هذه الانقسامات الدينية ظهرت في أكثر من مجال وفي مقدمها المجال العام السياسي الذي شهد تحوّلات أبرزها:
 
-تدييّن المجال العام واضفاء الطابع الديني أو المقدس عليه وما تبع هذه العملية من اعادة تقسيم مصر على أساس ديني ( برزت في المجلس ما سمي "الكتلة البرلمانية "القبطيّة والاسلامية" و"مجموعة النواب الأقباط"...) وطال هذا التصنيف المجالات المهنية (صحافي قبطي /صحافي مسلم...)
 
-تقسيم المجتمع على أساس التكافل الديني وتضييق دائرة الانتماء لتقتصر على التجمعات الاولية بعد تراجع دور الدولة الجامعة. بالتالي عاد الانتماء الى المؤسسة الدينية المسيحية والإسلامية.
 
-النظر الى الأقباط على انهم أولاً جماعة سياسية في عهد عبدالناصر في العام 1964 خلال الانتخابات بإغلاق الدوائر المسيحية لمقعد واحد (مسيحي)، وثمّ كجماعة دينية في عهد السادات واستمرت من خلال العُرف القاضي بمنح رئيس الجمهورية الحق بتعيين 10 نواب تكون غالبيتهم من الأقباط وهي ممارسة تطرح مسألة مشاركة الأقباط ليس على أساس المواطنة ولكن من خلال تكريس هويتهم الدينية، "مجموعة سياسية دينية"، وكأنهم كيان خارج عن الكيان الوطني العام. لقد شكل اعتبار السادات نفسه رئيسا مسلما لدولة مسلمة بداية الدفع بمصر إلى الكيانية االدينية.
 
كرّس هذا الواقع مع الظهور القوي للإخوان المسلمين في انتخابات 1984، 1995، 2005 تباعا. إن خطاب الإخوان ركز بشكل واضح على هويته الإسلامية وهي نظرة مستمدة من ادبيات الإمام حسن البنا، مؤسس الحركة، الذي اعتبر ان لابأس من الاستفادة من خبرات غير المسلمين في الوظائف العليا عند الضرورة. ظهر التركيز على المواطنية الشاملة للمرّة الاولى في في أدبيات الاخوان المسلمين في مسودة "بيان الاصلاح" 2004. إنمّا لاتزال التنشئة المنهجية لشباب الحركة تعتمد نص المؤسس وتغيّب ادبيات المجتهدين الأكثر انفتاحا.
 
"العزلة الآمنة"
 
وأضاف مرقص انه "أمام هذا المدّ الديني التوسعي والحيرة المصرية في حسم ما هو ديني وما هو سياسي، اختار الأقباط العودة الى الكنيسة والنأي بأنفسهم عن المواجهة من خلال "العزلة الآمنة"، علماً انهم لا ينتمون الى أي حزب "قبطي" بالمعنى الحرفي للكلمة بل انهم منخرطون كلياً في النسيج الاجتماعي والسياسي المصري وتقتصر مساهماتهم "القبطبة" على بعض الجمعيات الخيرية والأعمال الرعوية الضيقة. واللافت أن الكنيسة القبطية لا تمتلك أي مشروع ديني ولا تدير أي نظام تعليمي او مدارس ابتدائية او ثانوية كما هو الحال في لبنان مثلاً."
 
المستقبل: سيناريو الدولة العثمانية؟ أو الدولة الدينية؟ أو دولة المواطنة؟
 
واعتبر مرقص ان الواقع المصري الحالي يطرح امكانية الاستعانة بأدوات الدولة العثمانية أي التعامل مع المجتمع على أساس أنه يضم مجموعة من الطوائف ولكل طائفة ممثل أمام "الباب العالي"، أي الدولة. أما الحل الثاني فيقضي بقيام الدولة الدينية أي "الأسلمة" من دون أن يكون ثمة حكم فعلي للاسلاميين ولكن من خلال هيكلة المؤسسات على أساس ديني. أما الحل الثالث فيكون من خلال إرساء دولة المواطنة التي تقبل الجميع بغض النظر عن العرق او اللون او الجنس او الدين والتي تفضي بالتالي الى الاندماج في المجتمع العام، ما يؤمن الحماية والأمان للأقليات ولكافة المجموعات الأخرى على حد السواء. علماً أن هذا الاندماج موجود بالممارسة على مستوى الشرائح العليا من المجتمع ولا تبرز الانقسامات الدينية الا لدى الشرائح المتوسطة والدنيا. لا يميز الدستور المصري بين المواطنين ويتحدث بشكل مطلق عن تساوي حقوقهم. إلّا ان الواقع مغاير لما طرحه الدستور بسبب طائفية الموظفين في الدوائر العامة كلما تدرجت نحو أسفل الهرم البيروقراطي.وأدى التعاطي الطائفي للمسؤولين إلى تحويل كل نزاع بين المواطنين غلى نزاع طائفي كمشكلة دير فانا عام 2008 التي بدأت كنزاع حول ملكية ارض وثمّ تتطورت لتأخذ منحى طائفي. وعلى مستوى آخر، حصل تغييب للقوانين التي تسمح بتطبيق عملي للدستور.
 
 
وبعد التقديم، دار نقاش بين الحاضرين حول المسائل المطروحة تناولت امكانية حدوث سيناريو الدولة العثمانية، ومسؤولية الاقباط كأقلية، وأسلمة المجال العام. واعتبر أحد الحاضرين أن إلصاق فكرة الاخوان بمنشأها ظلم لأن الخطاب تطور وثمة عضو قبطي (رفيق حبيب) في قيادة الاخوان، وتساءل عن دور الاقباط في الحياة العامة وعن مدى مسؤوليتهم كأقلية أمام ما يواجهون وما إذا كان هناك دور للخارج في تغذية فكرة الاقليات لدى الاقباط. رد مرقص بأن الأقباط شركاء في المشروع الوطني وكان لهم دور فاعل في ثورة 1928. وما من شك بأن الخطاب الطائفي يتأجج في الازمات، غير انّ الحراك الاقتصادي سيفرز تناقضات اجتماعية مختلفة. كما اعتبر مرقص ان الخطاب الديني لا يتطور إلى بصدور نص جديد يحدد معالم التطور. لقد أهمل الأخوان المراجعات الفقهية الأصيلة التي تعتمد الأصول الفقهية للاجتهاد واعتمدوا الإجتهادات غير الاصيلة.
 
أوضح حمزاوي أنّ خطاب الإخوان تعامل مع المواطنية من خلال محورين: الأقباط والمرأة. ولكن يجب التفريق بين ثلاثة مستويات عند الحديث عن الخطاب الإخواني:
 
القيادة التي طرحت المواطنية للمرة الاولى في مسودة أذار 2004.
 
المفكرين المعتدلين الذين لا تقرأهم القاعدة
 
والنقاش العام الذي يميّز طائفيا ودينيا.
 
التيارات الإسلامية تتحمل المسؤولية. فالمفكرين الإسلاميين المعتدلين غير مقروئين في أوساط القواعد الشعبية الإسلامية ولا تزال القيادة تعتمد نص "الرسائل" الذي وضعه الامام حسن البنا كأساس التوجيه الفكري /العقائدي. كما تساهم الدولة في أسلمة المجال العام من خلال عدم إيجاد قوانين تترجم مفهوم المواطنية الوارد في الدستور.
 
كما ناقش الحضور مسألة ارتباط الخطاب الديني بالتقديمات الخدماتية التي توفرها المؤسسات الدينيية والحركية الإسلامية خصوصا خارج القاهرة حيث يظهر الخطاب الديني بشكل واضح في الحملات الدعائية الإنتخابية للإخوان المسلمين.
 
اعتبر مرقص أنّ مصر تقهقرت منذ بداية القرن العشرين اذ هي دخلته مع محاولات توفيق بين الديني والعام (الوطني أو المدني) وذكر أفكار الإصلاحيين كالافغاني ومحمّد عبده الذين تمحورت افكارهم حول كون الدين للوطن والتمييز بين الدولة والدين.
 
وعلى مستوى سيناريو الدولة العثمانية، ذكر مرقص أن مصر ابتعدت منذ زمن عن نظام الملة بسبب بعد العثمانيين عن التدخل المباشر في تنظيم الحياة اليومية في مصر. لقد أوكل العثمانيون حكم مصر إلى المماليك الذين أوكلوه بدورهم إلى آخرين حتى قدوم محمد علي الذي بنى الدولة على أسس مؤسساتية. لقد شهدت مصر بناء دولة المواطنية حتى عام 1928. أمّا بعد 1928، فبدأت تأخذ منحى إسلامي وعزى مرقص ذلك إلى وضع الدولة فوق المجتمع من خلال التأميم والتديين أيام عبد النصر والسادات وحمل الأكثرية (ومن ضمنها الاخوان) مسؤولية هذا التحوّل وقدم مثالاً على ذلك حديث الإخوان عن الحرب في غزّة من منطلق ديني إسلامي؛ وتمّ إقصاء الأقباط عن الموضوع تلقائيا. كما اعتبر أن طرح الاخوان قد اوجد إشكالية للمشروع الوطني الجامع في مجالات أخرى. واختتم مرقص بالتشديد على اعتماد قراءة غير دينية للواقع المصري، كما ركّز على أن انتقاد الإخوان متاح للجميع حتى لو كانوا ينتمون الى الكنيسة القبطية، ما دام الانتقاد ينبع من مواطنيتهم، واعتبر أن الأمل يبقى في بناء دولة المواطنية.