مقدمة
 
شهد كل من لبنان، والعراق والأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967 (الضفة الغربية وقطاع غزة) في السنوات القليلة الماضية انقسامات داخلية حادة قادت إلى مواجهات مسلحة بين قوى ممثلة في مجالس نيابية أوتشريعية منتخبة ديمقراطياً، أي لديها بالتالي مؤسسات جاهزة لحل خلافاتها السياسية. فقد شهدت المجتمعات الثلاثة انتخابات عامة (على درجة مقبولة من الحرية والنزاهة)، أسهمت في الانقسام الداخلي، والصراع العنفي بدلاً من تعزيز الديمقراطية السياسية. الملفت أن الانقسام والاستقطاب الحاد في الحالات الثلاث، تم في ظل سيطرة خارجية أوتأثير خارجي قوي، وتحت تأثير مباشر لصراع إقليمي- دولي.
 
تهدف هذه الورقة إلى فهم الأسباب الرئيسة والعوامل المساعدة التي قادت إلى تفجّر الصراع الداخلي في المجتمعات الثلاثة في أوقات متقاربة، بهدف استخلاص توجهات ختامية إزاء السياسات التي يمكن أن تساهم في تحييد تأثير العوامل الرئيسة وتقليص وقع العوامل المساعدة على إنتاج الاستقطاب الحاد في المجتمعات الثلاثة. الحقول السياسية الوطنية خضعت وتخضع إلى حالة من الانكشاف الشديد تجعلها عرضة إلى انقسامات عمودية تقود إلى اقتتال داخلي. ويُقصد بمصطلح الحقل السياسي الوطني الفضاء الذي تشكّله وتتشكّل منه دولة أوسلطة مركزية ما. يتكوّن الحقل السياسي من الأحزاب والحركات السياسية التي تنشط فيه، ومايُعمل به من نظام حكم ونظام انتخابات أو أشكال تداول السلطة، ومايُحتكم إليه في تحديد شرعية النظام السياسي وفي تعيين قواعد اللعبة السياسية. في الحالات الثلاث، نحن أمام حقول سياسية وطنية تعاني من استقطاب حاد جعلها عرضة إلى احتراب داخلي يتمثّل في حالة الانكشاف الشديد أمام تدخلات القوى الخارجية، وإلى فعل قوى داخلية تتبنى هويات أوّلية أو فوق - وطنية.
 
أربعة عوامل رئيسة تطرح نفسها كمسببات أومحرّكات للاستقطاب الحاد، هي:
 
- ضعف أوغياب أوتفكك الدولة (أوالسلطة) الوطنية، مايدفع نحو تسييس الهويات الأولية؛
 
- انكشاف الحقل السياسي الوطني أمام التدخل المباشر من قوى خارجية (إقليمية - دولية)؛
 
- انكشاف الحقل السياسي الوطني أمام ضغوط مباشرة من قوى سياسية داخلية مشكّلة وفق هويات أولية (دينية، طائفية، مذهبية، إثنية، عشائرية)؛
 
- تعرّض الحقول السياسة الثلاثة إلى تحولات مفصلية خلال العقدين الأخيرين مسّت البنية السياسية (دخول لاعبين جدد على الحقل السياسي وخروج آخرين منه)، ونظام الحكم، وتداول السلطة، ومحددات الشرعية السياسية، وقواعد اللعبة السياسية.
 
وكما سنرى، فإن تأثيرات العوامل الأربعة المذكورة تصب في محصلة واحدة تتمثل في توسيع وتعميق انكشاف الحقل السياسي الوطني.
 
أما العوامل المساعدة للاستقطاب الحاد التي تم تحديدها، فهي:
 
- إجراء انتخابات عامة من دون تحديد وظائفها ومن دون الاتفاق على مجمل قواعد اللعبة السياسية؛
 
- النظام الرئاسي - البرلماني الأكثر توليداً للاستقطاب الحاد من النظام البرلماني أوالرئاسي؛
 
- شيوع خطاب استقطابي يتنافر مع المواطنة وبناء مؤسسات الدولة الوطنية الديمقراطية؛
 
- تعرّض المجتمعات الثلاثة إلى هزات عنيفة وانعطافات حادة، وإلى تراجع في مستوى المعيشة والدخل لفئات واسعة من المجتمع؛
 
- اتساع الفروق في الثروة والدخل على نحو يعزز الإحساس بالغبن و"المظلومية"؛
 
وهذه كلها عوامل مساعدة كونها، كما ستوضح الورقة، تصب في تغذية الشروط والأوضاع المولّدة للعوامل الرئيسة التي تنتج أوتعيد إنتاج انكشاف الحقل السياسي الوطني.:..