يشير تقرير جديد صادر عن مؤسسة كارنيغي إلى أنّ السياسة الأميركية التي حاولت إقامة "شرق أوسط جديد" متجاهلةً وقائع المنطقة أدّت الى مجموعة نتائج لم تكن في الحسبان. يبحث التقرير بتفاصيل هذه التحولات في مجالات عدة ويدفع بضرورة إعادة النظر في السياسة الاميركية على أسس أكثر وضوحا وواقعية لتعزيز فرص التحولات الايجابية والتخفيف من حدة المواجهات والتخلي عن الوهم القائل بقدرة الولايات المتحدة على إعادة رسم خريطة المنطقة بصورة أحادية وبما يناسب مصالحها هي فقط.

وفي تقريرالشرق الأوسط الجديد، يبحث عدد من خبراء برنامج كارنيغي للشرق الأوسط هم مارينا أوتاواي، وناثان ج. براون، وعمرو حمزاوي، وكريم سجدبور، وبول سالم في الوقائع الجديدة في المنطقة عبر التركيز على مجموعات محددة من البلدان هي إيران-العراق ولبنان-سوريا وفلسطين-إسرائيل ، وعلى قضايا ثلاث ملحّة هي الانتشار النووي والطائفية وتحدي الإصلاح السياسي ، لصياغة مقاربة جديدة لسياسة أميركية تعمل على إشراك اللاعبين الإقليميين للتوصل إلى تعزيز الامن والاستقرار والعمل على إنهاء الصراعات الإقليمية على أسس عادلة وثابتة.

توصيات للسياسة الأميركية:

  •  نظراً إلى التزاماتها العسكرية الحالية في العراق وأفغانستان، ليس بوسع الولايات المتحدة فرض نظام جديد على الشرق الأوسط عبر المواجهة، بل يجب عليها العمل مع القوى الإقليمية لإعادة إرساء ميزان قوى جديد في المنطقة.
     
  •  إيران: لا يمكن إرغام طهران بالقوة فقط على التخلي عن برنامجها النووي علماً أن السياسة الأميركية الحالية تكاد تشجّع المتشدّدين في داخل النظام. لذا على الولايات المتحدة أن تتعاطى مع إيران بدءاً من المسألة العراقية حيث يرد احتمال إيجاد أرضية مشتركة بينهما والتعامل مع المسألة النووية كجزء من تسوية كبرى.
     
  •  العراق: اتخذت الادارة الاميركية مجموعة قرارات أثرت سلبا على فرص الاستقرار والنمو السياسي والمؤسساتي في العراق. هنا يجب تطوير السياسة الاميركية حول العراق استنادا الى قراءة موضوعية للواقع العراقي المعقد ويجب لفت انتباه القادة السياسيين في العراق إلى أن قدرة الولايات المتحدة على البقاء في العراق محدودة وحثّهم على التعجيل في البت بالملفات السياسية والاقتصادية العالقة.
     
  •  إسرائيل وفلسطين: لا بدّ للولايات المتحدة من الاعتراف بأن الوقت يكاد ينفذ لتطبيق حلّ الدولتين. وأنه من المستحيل بمكان إحراز أيّ تقدم إلا باعادة بناء البيت الفلسطيني، رأب الصدع بين فتح وحماس، رفع الحصار عن قطاع غزة، وايقاف عمليات الاستيطان في الضفة الغربية.
     
  •  لبنان وسوريا : كان للولايات المتحدة تأثير كبير على لبنان ، حيث اخرجت سوريا منه واعطته فرصة حقيقية لاستعادة سيادته. ولكن دعم اميركا لحرب إسرائيل الواسعة على لبنان في صيف 2006 والانقسامات اللبنانية الحادة تداعت بالسلب على أوضاع البلاد. على الولايات المتحدة أن تشجع الفرقاء اللبنانيين على استعادة الوحدة الوطنية عبر التوافق على انتخاب رئيس ومن ثم تشكيل حكومة وحدة وطنية، كما عليها الاستمرار في موقف ثابت تجاه سوريا مع محاولة ايجاد سبل لدفع سوريا نحو تعاطي أكثر إيجابية مع لبنان والدول العربية.
     
  •  الديمقراطية: لا ريب في أن المزج بين الخطابات الطنّانة والسياسات غير المتناسقة قد قوّض مصداقية الجهود الأميركية الرامية إلى تعزيز الديمقراطية. لذا يجب على أي سياسة جديدة أن تستند إلى فهم واضح لمتطلبات الدمقرطة في منطقة الشرق الأوسط وأن تتوفر الجهوزية لدى الولايات المتحدة لقبول نتائج الانتخابات عندما تحدث.

وعلى ما ختم المؤلفون: "لا بدّ للولايات المتحدة من اعتماد مقاربة جديدة في هذا الجزء من العالم تستند فيها إلى قسط أكبر من الواقعية والدبلوماسية. والحق أن غالبية المشاكل المطروحة في هذا التقرير تبقى عصيّة على الحلّ بيد أنه ليس بالإمكان تجاوزها عبر إنشاء شرق أوسط جديد كما حاولت إدارة بوش أن تفعل. ويمكن التخفيف من حدة بعض مشاكل المنطقة من خلال التعاطي معها بحكمة بينما لا يمكن لبعض المشاكل الأخرى إلا أن يجري احتواؤها في أفضل الحالات."