طيلة نصف قرن كامل، كان ثمة نظريتان لاثالث لهما تسيطران على التحليلات العربية للسياسات الأميركية في الشرق الأوسط.

الأولى، يسارية او ماركسية أو قومية عربية، تقول أن أميركا (كما كانت بريطانيا قبلها طيلة 100 عام) هي التي تقبض على مجرى الأحداث، فيما إسرائيل ليست سوى حاملة طائرات أو موقع عسكري متقدم للإستعمار أو الإمبريالية الغربية في قلب العالمين العربي والإسلامي.
 
والثانية، يمينية أو محافظة أو إسلامية، ترى أن اليهود والحركة الصهيونية هم الذين يسيطرون على السياسات الأميركية ويسيّرون رياحها وفق ما تشتهي السفن الإسرائيلية.
 
كلا النظريتين تتمتعان بمناحي قوة. فأميركا، بالنسبة إلى الاولى، أشبه بعملاق امبراطوري ديناصوري، وبالتالي من غير المُتصور ان تتمكن إثنية كاليهود لاتتعدى نسبتها الواحد في المئة من السيطرة على مقاليد الأمور، مهما بلغ نفوذها المالي والاقتصادي والإعلامي والثقافي. الديموغرافيا ومصالح الغالبية العظمى للشعب الأميركي هي هنا المحك الاول والأخير.
 
في المقابل، تورد النظرية الثانية العديد من الوقائع التاريخية التي تؤكد ان إسرائيل نجحت بالفعل في إدخال الجمل القومي الأميركي من خرم إبرتها الخاصة: من "سرقتها" لجدول أعمال مؤتمر يالطا في 4 شباط/فبراير العام 1945 الذي كان يجب أن يؤدي إلى وضع فلسطين تحت الانتداب الدولي (كما كانت تقترح وزارة الخارجية الأميركية) إلى حمل واشنطن على وضع القرار الرقم 242 وبقية القرارات الدولية غداة حرب 1967 في الثلاجة الإسرائيلية، مروراً بالنجاح في تكييف كل السياسات والحروب الأميركية لصالحها حتى ولو كانت متناقضة مع المصالح القومية الأميركية.
 
التنافس بين هاتين النظريتين لما يصل مرة إلى خواتيم واضحة، لكن يبدو ان ثمة الآن فرصة ثمينة لاختبارهما.
 
فالمصالح القومية الأميركية دفعت الرئيس أوباما إلى وضع مسألة استعادة النفوذ والهيبة الأميركيتين المتدهورتين في العالمين العربي والإسلامي على رأس أولوياته. وهكذا، تم تعيين جورج ميتشل موفداً رئاسياً في اليوم الثاني لجلوس أوباما على عرش جورج واشنطن؛ وكان محمود عباس أول رئيس أجنبي يتّصل به الرلئيس الأميركي الجديد. وهكذا أيضاَ، سارع أوباما إلى الإعلان بأنه ينوي التقدم بمشروع لتسوية شاملة، ومد يده في خطابه في القاهرة إلى إيران وسوريا وبقية العالم الإسلامي، داعياً إلى صفحة تاريخية جديدة في العلاقات بين الحضارتين الإسلامية والغربية.
 
بيد أن هذه التوجهات الكبرى سرعان ما علقت في الشباك العنكبوتية اليمينية الإسرائيلية، فرد بنيامين نتنياهو بسلسلة مناورات تؤدي في خاتمة المطاف إلى تدمير مبادرة أوباما "التاريخية"، كما دمّر نتنياهو نفسه في أواخر التسعينيات مبادرة كلينتون "الجغرافية" لإيجاد حل نهائي.
 
كيف يفعل نتنياهو ذلك؟
 
عبر الادعاء بأنه أوقف الاستيطان، فيما العمل جار على قدم وساق لتوسيع مستوطنات القدس وبعض مناطق الضفة الغربية؛ وعبر التحرك لجعل قيام دولة فلسطينية أمراً مستحيلاً، ليس فقط من خلال جدار الفصل (450 ميلاً) والحواجز (640 حاجزاً أمنياً) والقواعد العسكرية (48 قاعدة)، بل أيضاً من خلال منح إيران، عملياً، حق الفيتو على مفاوضات التسوية، من خلال الإصرار على ربط سلام فلسطين بالحرب على إيران.
 
لكن الأهم في ما يفعله نتنياهو لايكمن في الشرق الاوسط، بل في أميركا نفسها.
 
كيف؟
 
قبل أيام، نشرت "جيروزاليم بوست" مضمون رسالة وقعت في 11 صفحة بعث بها الوزير يوسي بيليد إلى رئيسه نتنياهو، يدعو فيها إلى فرض "عقوبات إسرائيلية" على الولايات المتحدة لحملها على تغيير سياساتها الراهنة. هذا على رغم أن بيليد يعترف بأن أهداف أوباما هي تحقيق المصالح القومية الأميركية في الانسحاب المنظّم من العراق، واستعادة النفوذ الأميركي، ووقف "صدام الحضارات" المدمّر مع الإسلام.
 
العقوبات التي يقترحها بيليد، والتي تشبه تحدّي النملة للديناصور، تتعلق بتنويع مشتريات الأسلحة الإسرائيلية (هذا رغم أن الدولة العبرية تحصل من واشنطن على 20 مليون دولار يومياً للتسلّح)، وبيع مواد عسكرية حسّاسة لدول كالصين، ومنح دول أخرى (الأرجح ان من بينها روسيا التي زارها ليبرمان مؤخراً) موطيء قدم استخباري وعسكري في إسرائيل ودوراً في عملية السلام.
 
لكن الأهم في "عقوبات" بيليد هو الدعوة إلى تحريك يهود أميركا ضد أوباما "لحمله على وقف سياساته الراهنة التي باتت تشكّل خطراً على إسرائيل"، كما قال بيليد.
 
بالطبع، نتنياهو رفض اقتراحات بيليد وقال أنه متمسك بالحفاظ على العلاقات الخاصة للغاية بين أميركا وإسرائيل. لكن، وطالما أن الأمر كذلك، لماذا وافق نتنياهو على نشر هذه الرسالة؟ ولماذا حرص مكتبه على إبراز ما قالته شوشانا براين، مديرة السياسة الأمنية في المؤسسة اليهودية لشؤون الأمن القومي في واشنطن، من أنه "إذا ما كان بيليد يعبّر عن احباط إسرائيل من "الدوس عليها" على رغم أنها كانت طويلاً ولاتزال صديقاً صدوقاً وحليفاً لأميركا، فهو على حق".
 
الأرجح أن نتنياهو أراد أن يدشّن حملته على أوباما في الداخل الأميركي مستخدماً الأسلحة الثقيلة، من دون أن يبدو أنه يُمسك بالزناد. وهذا ،على أي حال، مطابق لتكتيكاته الراهنة مع إدارة أوباما. فهو يعطيها شعار وقف الاستيطان في يد ويحاول أن يأخذ منها الموافقة عليه في اليد الأخرى. وهو يعلن قبوله فكرة الدولة الفلسطينية، لكنه يوثقها بحبل طويل من الشروط والقيود التي تجعلها غير قابلة للتنفيذ.
 
لكن، هل يملك نتنياهو فرصاً للانتصار على اوباما، كما انتصر في السابق على كلينتون في أواخر التسعينيات؟
 
الحصيلة ستعتمد على أمرين متلازمين إثنين:
 
الأول، مدى تمسّك أوباما بالمصالح القومية الأميركية الراهنة، التي تدفعه إلى تهدئة العالم الإسلامي، وإعادة تنظيم و"تهذيب" الوجود الأميركي العسكري والدبلوماسي في العراق والشرق الأوسط (خاصة في ضوء الأزمة الاقتصادية الطاحنة) والإشراف على حلول إقليمية شاملة لأزمات المنطقة: من الصراع العربي- الإسرائيلي إلى أمن الخليج، مروراً بمسألة النمو الاقتصادي والتنمية البشرية لشعوب المنطقة.
 
والثاني، موقف يهود أميركا من هذه المجابهة الدقيقة بين المصالح القومية الأميركية والمطامح التوسعية الإسرائيلية، خاصة إذا ما تبيّن للقوى الجديدة بينهم الرافضة لمنطق "إيباك" الصهيوني المتطرف أن من "يداس عليه" في الحقيقة هو هذه المصالح على يد تلك المطامح.
 
وبالانتظار، وحين ينجلي غبار هذه المجابهة، سيعرف العرب حينذاك أي النظريتين مُحقة: الاولى التي تقول أن إسرائيل مجرد مُلحق أميركي، أم العكس.