تحل الذكرى الأربعون لثورة الفاتح من ايلول (سبتمبر) خلال الأيام القليلة المقبلة، وهي مناسبة يمكن مقاربتها من زوايا متعددة ومختلفة. بالطبع، من السهل كثيراً تقييم حصيلة المئة يوم الأولى من حكم رئيس أو قائد ما، او حتى حصيلة أربع او خمس سنوات. وتكون هذه المهمة أسهل حين يكون الرئيس قد انتخب على اساس برنامج تم اعداده بدقة وتأن كي ينال رضى الجماهير. يكفي عندئذ مقارنة الوعود المتضمنة في البرنامج الانتخابي بما تحقق على ارض الواقع، وتصبح هذه العملية ابسط بكثير بالاعتماد على التقارير الحكومية وغير الحكومية المتاحة للجميع، وعلى البيانات والاحصائيات التي يتفق الكل على مصداقيتها واحترامها للمعايير المتعارف عليها دولياً.
 
تحل الذكرى الأربعون لثورة الفاتح من ايلول (سبتمبر) خلال الأيام القليلة المقبلة، وهي مناسبة يمكن مقاربتها من زوايا متعددة ومختلفة. بالطبع، من السهل كثيراً تقييم حصيلة المئة يوم الأولى من حكم رئيس أو قائد ما، او حتى حصيلة أربع او خمس سنوات. وتكون هذه المهمة أسهل حين يكون الرئيس قد انتخب على اساس برنامج تم اعداده بدقة وتأن كي ينال رضى الجماهير. يكفي عندئذ مقارنة الوعود المتضمنة في البرنامج الانتخابي بما تحقق على ارض الواقع، وتصبح هذه العملية ابسط بكثير بالاعتماد على التقارير الحكومية وغير الحكومية المتاحة للجميع، وعلى البيانات والاحصائيات التي يتفق الكل على مصداقيتها واحترامها للمعايير المتعارف عليها دولياً.
 
لكن من الصعب، او من شبه المستحيل، القيام بتقييم مماثل حين تمتد الفترة الى اربعين سنة، مع غياب اي برنامج او رؤية واضحة عن التوجه السياسي والاقتصادي العام. وتزيد درجة العسر مع انعدام اي بيانات في الكثير من المجالات، ناهيك عن جودتها وتقيدها بالضوابط والممارسات الدولية.
 
لقد عاشت ليبيا فترات طويلة من العزلة السياسية والاقتصادية، حاولت خلالها انتهاج نماذج اقتصادية غير تقليدية ومتفردة في غالب الاحيان من حيث منطقها واساليب تطبيقها. كما انها تميزت بإطلاق عدد قياسي من المبادرات الاقليمية والجهوية والقارية من قبيل اتحاد المغرب العربي، ومجموعة دول الساحل والصحراء، ووصولاً الى الاتحاد الافريقي ثم الولايات المتحدة الافريقية، والاتحاد النقدي الافريقي، من خلال تلك المبادرات، كانت ليبيا تسعى الى خلق فضاءات بديلة لا تستعيض بها عن عزلتها وحسب، وانما ايضا لتشكيل تجمعات سياسة واقتصادية يحسب لها حسابا دولياً بحيث تساهم في خلق قوة تفاوضية تعيد بعض التوازن الى العلاقات الدولية. على اي حال، كانت هي النية منها، على الأقل.
 
أعادت ليبيا، خلال العقد الاخير ولأسباب متعددة، النظر في مواقفها وتوجهاتها ورضخت الى قرارات الامم المتحدة، فرفع عنها الحصار الاقتصادي، وأعادت علاقاتها السياسية والدبلوماسية مع دول اوروبا، ومع الولايات المتحدة الامريكية وعادت الى الاندماج في المنظومة الدولية. كما انها قررت منذ سنوات خمس البدء في تبنّي النظام الاقتصادي الليبرالي والاعتراف بالدور المركزي للمبادرة الفردية والملكية الخاصة، وفتحت بذلك المجال لولوج مرحلة تطبيق وصفات ما يسمى بالإصلاحات الاقتصادية بإشراف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
 
فما هي أوضاع الاقتصاد الليبي اليوم، وما مواطن قوته وضعفه؟
 
ان اجمالي الناتج المحلي الليبي خلال العام 2008 قارب من الـ 90 مليار دولار. وباعتبار ان عدد سكان ليبيا لا يتجاوز ستة ملايين نسمة، فان متوسط دخلها الفردي وصل الى 15000 دولار، وهو الأعلى في افريقيا ويجعل من ليبيا دولة ذات دخل متوسط حسب تصنيفات البنك العالمي. وقد بلغ فائض ماليتها العمومية 25 في المئة من الناتج الاجمالي المحلي وفائض حسابها التجاري الى ما يربو عن 40 في المئة من اجمالي ناتجها المحلي. وتُعدّ هذه الأرقام قياسية بالنظر الى مستويات العجز الداخلي والخارجي التي تعاني منه الكثير من الدول ولا سيما في الفترة الراهنة، الا انها تخفي مجموعة من الاختلالات لا يمكن تجاهلها:
 
أولاً: ان الفضل كله في هذه الارقام يعود الى الثروات النفطية والغازية التي تزخر بها ليبيا والتي تساهم بنصف الناتج الاجمالي المحلي، وما يناهز 97 في المئة من الصادرات، وثلاثة أرباع الايرادات الحكومية. وهذا ما يفيد ان الاقتصاد الليبي لا يزال يرزح تحت التقلبات العشوائية لأسعار النفط والغاز في الاسواق العالمية، ينتعش بارتفاعها، وينكمش بهبوطها، وان مليارات الدولارات التي تم تحصيلها خلال سنوات طويلة لم تنفع في تنويع الاقتصاد وفك ارتباطه المفرط بقطاع الطاقة، ولا سيما وان ليبيا تتوفر على مؤهلات طبيعية اخرى مهمة. فموقعها الجغرافي الاستراتيجي يهبها واجهة فريدة على البحر المتوسط تمتد على طول الفي كيلومتر، بالاضافة الى صحاري شاسعة يمكنها توظيفها في الميدان السياحي.
 
ثانياً: ان ارتفاع متوسط الدخل الفردي، بالاضافة الى عدم استقراره وخضوعه الى تغيرات اسعار النفط، يخفي التباين الهام في توزيع الدخل بين مختلف الشرائح الاجتماعية، ولا تتوفر ليبيا حتى الآن على اي مسوحات مفصلة حول دخل ونفقات الأسر ومستويات المعيشة لقياس مستوى هذا التباين، الا ان ثمة بيانات اخرى تشير الى ذلك بشكل واضح.
فالقطاع الفلاحي، على سبيل المثال، يوفر العمل لما يقارب 20 في المئة من اليد العاملة، بينما لا تتجاوز مساهمته في الناتج المحلي 2 في المئة. في المقابل، فان القطاع الصناعي الذي يضم الصناعة البيتروكيماوية، اضافة الى انتاج النفط والغاز الطبيعي، يساهم بما يزيد عن 60 في المئة من الناتج المحلي بينما يشغل اقل من 25 في المئة من مجموع العمالة. ويتميز هذا القطاع بمستويات أجوره المرتفعة واستفادة العاملين فيه من امتيازات عينية متعددة مقارنة بالقطاعات الأخرى التي تمتص الجزء الأكبر من العمالة.
 
ثالثاً: ما أهمية توافر فائض في المــــيزانية الحـــكومية في ظل ضعف البنيات التحتية من طرق وموانئ ومطارات، وفي ظل خدمات اجتماعية من تعليم وصحة ذات جودة متدنية، ومستويات مرتفعة للبطالة تتراوح بين 15 و30 في المئة.
 
ان ثمة اعترافا على أعلى مستويات الدولة في ليبيا بفشل القطاع العام في مهمته، بل هناك مطالبة بخصخصته بالكامل، وهو ما تسميه الأدبيات الليبية التحوّل نحو 'الرأسمالية الشعبية'.
 
رابعاً: ان تجاوز الوضع الحالي يتطلب رؤيا اقتصادية واضحة وخطاباً سياسياً شفافاً يطمئن ويشجع المبادرة والاستثمار المحلي والأجنبي على حد سواء، بالاضافة الى بيئة استثمارية قانونية وادارية ملائمة، وهي عناصر لا تزال في مجملها غائبة.