هل دخل التحوّل الديمقراطي في العالم العربي النفق المُـظلم؟

 
سؤال حاولت الإجابة عنه أحدث دراسة لمسيرة التعدّدية السياسية في العالم العربي ومحاولات الإصلاح السياسي منذ عام 2003 بعنوان "فُرَص التعدّدية وحُدُودها: واقع القوى السياسية في العالم العربي"، نشرت نتائجها مؤسسة كارنيغي للسلام العالمي وشارك في إنجازها كلّ من الدكتور عمرو حمزاوي، كبير الباحثين بالمؤسسة والدكتورة مارينا اوتاوي، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي.
 
 
 
 
بدأت الدراسة بتشخيص وضْـع توازُن القوى بين الحكّـام العرب ومؤسسات الحُـكم والأمن من جهة، وبين قِـوى
المعارضة وأحزابها في الدّول العربية، فذكرت أن العملية السياسية في العالم العربي تنحصِـر في ثلاثة لاعبين سياسيين: نُـظم الحُـكم ومؤسساتها وقوى المعارضة، التي لا تستند إلى عقيدة دِينية، سواء أكانت ليبرالية أو يسارية، وقِـوى وحركات الإسلام السياسي، التي نبذت العُـنف وقرّرت المشاركة في العملية السياسية.
 
وأشارت الدِّراسة إلى أن وجود خَـلل هائل في التوازن بين هذه القِـوى، هو الذي حال ويحُـول دون التحوّل الديمقراطي في العالم العربي خلال العشرين عاما الماضية، بينما كانت رياح التغيير والتحوّل نحو الديمقراطية تحقِّـق نجاحا منقطع النّـظير في دول كانت تُـعاني من أعتى النّـظم الدكتاتورية القمعية.
 
وترى الدكتورة مارينا أوتاوي أن التحوّل نحو الديمقراطية، يقتضي اقتسام السلطة، ولكن الحكومات العربية برَعت في احتِـكار السلطة والتّـخويف من الإسلاميين، وتّـفننت في إضعاف أحزاب المعارضة الليبرالية واليسارية، التي لم تستطع من جانبها تحقيق شعبية بين الناخبين، تجبر نظم الحكم العربية على اقتسام السلطة معها، وشرعت الحكومات العربية في إجراء إصلاحات شكلية لذرّ الرّماد في العيون، ولم تكن مهتمّـة أبدا بخُـطوات حقيقية نحو التحوّل الديمقراطي.
 
وفي لقاء أجري معها في واشنطن، قالت لـ swissinfo.ch: "لا يقتصر الخلل في التوازن بين نظم الحكم العربية وقِـوى المعارضة على السلطات الواسعة التي ينفرد بها الحكّـام العرب، وإنما يجب أن نأخذ في الاعتبار أجهزة الأمن ذات السطوة الكبرى، سواء أمن الحاكم أو أمن الدولة وطبقة رجال الأعمال وأصحاب المصالح، الذين يجمعون بين السلطة والثروة، وكذلك تكريس إمكانيات الدولة لخِـدمة الحزب الحاكم، خاصة وزارات الإعلام، أو لإعادة انتخاب الرئيس عن طريق وزارات الداخلية في العالم العربي أو الحفاظ على حُـكم الملك أو الأمير مدى الحياة، بينما لم تنجح الأحزاب والحركات الليبرالية واليسارية في حشد التأييد الشعبي لها، إلا عندما ارتدت عَـباءة القومية العربية أو التحرّر من الاحتلال، وحتى الحركات الإسلامية التي كانت تعدّ أقوى قِـوى المعارضة العربية وأكثرها تنظيما وشعبية، أخذت تنحسِـر إما بسبب عدم وضوح رُؤيتها أو ضعف قدرتها على التنظيم أو الإنقسام في صفوفها أو ضعف إمكانياتها وقُـدرتها على الاتصال بالجماهير أو كسْـر شوكتها بالتّـخويف أو بالقمْـع".
 
رياح التغيير لم تفلح في العالم العربي
 
ويرى الدكتور عمرو حمزاوي أن هناك نوعين من أنواع نظم الحكم في العالم العربي: الأول، هو نظمُ حكم تسمح بقدر من التعدّدية بشكل أو بآخر، مثل مصر والكويت والمغرب والأردن، حيث توجد أحزاب معارضة ومنظمات للمجتمع المدني. والثاني، نظم حكم فردي تفتقر إلى أي نوع من التعددية المنظمة، مثل المملكة العربية السعودية وليبيا وسوريا، وفي الحالتين، لم تشهد الدول العربية خلال الأعوام الستة الماضية تحرّكا يُـذكر في دينامكيتها السياسية، حيث تتحكّـم أنظمة الحكم العربية في كل مكوِّنات الحياة السياسية، حتى النظم البرلمانية منها تخضع لنفوذ الحزب الحاكم، كما يمارس الحكّـام العرب قدرا هائلا من النفوذ على السلطة القضائية والسلطة التشريعية، وهو شكل لم يتغيّـر على مستوى العالم العربي منذ الثمانينيات من القرن الماضي.
 
وقال الدكتور حمزاوي لـ swissinfo.ch: "رغم تنامي الدّعوة إلى التحول الديمقراطي في العالم العربي منذ عام 2003، فإن هناك عامِـلان أسهَـما في فشل الأخذ بأي إصلاحات ديمقراطية: العامل الأول هو الشعور الشعبي بالإحباط وعدم القُـدرة على التغيير، وهو ما أدّى إلى انخفاض وتيرة الجدل الشعبي حول ضرورة الإصلاح وانخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات إلى ما دون 20% في أغلب الأحوال، والعامل الثاني، هو تحوّل الإقبال الشعبي العربي من المشاركة في العمل السياسي إلى الانخراط في حركات الفَـوَران والاحتجاج الاجتماعي والإضرابات، للحصول على مكاسِـب اقتصادية، وكلّـها ممارسات خارج العمل السياسي من أجل الإصلاح، كما أن أنظمة الحكم العربية حالت بسيطرتها الكاملة على الحياة السياسية من دخول الحركات الشعبية المحتجّـة إلى حلبة العمل السياسي التقليدي، وهو ما يحمِـل في طيّـاته خطر التطرّف والنزوع لاستخدام العنف".
 
الإصلاح من الداخل لتكريس الأمر الواقع
 
وناقشت دراسة مؤسسة كارنيغي تجربة تبنّـي بعض أنظمة الحُـكم العربية في السنوات الأخيرة لفكرة الإصلاح من القمة لتكريس بقائها في الحكم، وقالت: إن أنظمة الحكم في مصر والمغرب والبحرين، مارست هذه اللّـعبة بامتياز واضِـح، حيث تمكّـنت من إقناع دول الغرب بأنها تخطُـو خطوات نحْـو التحوّل الديمقراطي، نالت عليها الثّـناء والمديح، دون أن تتحرّك خطوة واحدة نحو اقتِـسام السلطة.
 
وضربت الدراسة مِـثالا على ذلك بالتّـعديلات الدستورية التي طرحها الرئيس المصري حسني مبارك والتي سمحت بإجراء أول انتخابات رئاسية يتنافس فيها عدّة مرشحين، وخفّـفت القيود على تأسيس الأحزاب السياسية، ولكن فوز الإخوان المسلمين بحوالي 20% من مقاعد مجلس الشعب في الانتخابات التشريعية عام 2005، أجبر النظام الحاكم على تأجيل الانتخابات المحلية وتمديد العمل بقانون الطوارئ وقمع المظاهرات والمسيرات السلمية، خاصة لحركة كفاية، بل واستهداف زعماء حركة الإخوان المسلمين وتقليم أظافرها، وسرعان ما استغلّ الحزب الوطني الحاكم أغلبيته في البرلمان لتمرير تعديلات لأربع وثلاثين مادّة في الدستور المصري، من بينها استبدال إشراف القضاء المصري على الانتخابات بلجنة للإشراف يعيِّـنها الرئيس.
 
وعن المثال المغربي، قالت الدراسة: إن نظام الحكم نجح في تفتيت المعارضة السياسية من خلال زعماء سياسيين، خطب نظام الحُـكم ودّهم، فانفصلوا عن أحزابهم الكبيرة وأنشؤوا أحزابا صغيرة منشقّـة، تساند بقاء الحال على ما هو عليه، ووصل أكثر من عشرين منها إلى عضوية البرلمان ولم يعُـد لأيٍّ منها القُـدرة على تحدى سلطة الملك محمد السادس.
 
 
 
 
 
 
تسمع جعجعة ولا ترى طحنا
 
وخلّـصت الدراسة إلى أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي باتا يفضِّـلان ما يسمّـى بعملية الإصلاح النابع من أنظمة الحُـكم العربية، بعدما أدّت الانتخابات الحرّة والنزيهة الخاضِـعة للرقابة الدولية إلى فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية الفلسطينية في عام 2006، وبحيث تركِّـز الدول الغربية المانِـحة على العمل من أجل تطوير المؤسسات الديمقراطية وتنمِـية المجتمع المدني لقيادة التحوّل نحو الديمقراطية، عِـوضا عن الاعتماد على الانتخابات التي يمكِـن أن تأتي بما لا تشتهي دول الغرب أو نُـظم الحكم العربية الصديقة لها.
 
وقالت دراسة مؤسسة كارنيغي: إن أجواء التفاؤل التي عاشتها الجماهير العربية خلال السنوات القليلة الماضية بقُـرب نهاية عصور الاستبداد والحُـكم مدى الحياة أو التوريث وعدم تداول السلطة بشكل سِـلمي، أخذت في الإنحسار، فيما يستعدّ جيل جديد من سُـلالة الحكّـام الحاليين لوراثة السلطة، حتى في نظم غير مَـلَـكية، مثل جمال مبارك في مصر وسيف الإسلام القذافي في ليبيا.
 
وردّا على سؤال لـ swissinfo.ch عما يمكن أن يفعله الرئيس أوباما للوفاء بوعده بمساندة التحول نحو الديمقراطية، قالت مارينا اوتاوي، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي: "أنا مقتنعة تماما بأن الرئيس أوباما سيؤجِّـل ملف الإصلاح الديمقراطي في العالم العربي إلى فترة لاحقة، لأن أجندة الحرية التي نادى بها الرئيس بوش اعتمدت على تغيير الأنظمة بالقوّة المسلحة، مما أحاط أي محاولة أمريكية لمساندة التحوّل الديمقراطي في العالم العربي، بقدر هائل من الشكوك في النوايا الأمريكية، ولكن هذا لن يمنع إدارة أوباما من انتقاد أي انتخابات عربية يشوبها التزوير، ولكنه لن يتدخّـل في قضايا الإصلاح السياسي حاليا".
 
أما الدكتور عمرو حمزاوي، كبير الباحثين في مؤسسة كارنيغي والذي شارك في إعداد الدراسة، فيرى أنه من الناحية التاريخية، لم يحدُث أن شهدت دولة تحوّلا ناجحا نحو الديمقراطية بسبب الضغط من الخارج فقط، باستثناء حالتيْ ألمانيا واليابان، وبالتالي، يجب أن ينبع التحوّل من داخل البلاد العربية ومن خلال ديناميكية التغيير الديمقراطي، بما يقتضيه ذلك من تنشيط المجتمع المدني وخلق قِـيم المواطنة وثقافة الديمقراطية وبناء مؤسساتها ونمُـو قوة اللاعبين السياسيين وإعادة توزيع السلطة السياسية.
 
وقال الدكتور عمرو حمزاوي: "يجب أن نُـدرك أن دول الغرب، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لها علاقات قوية مع أنظمة الحُـكم العربية المستبدّة، وواصلت تلك الدول الحفاظ على تلك العلاقات الوثيقة مع الحكام العرب بغضّ النّـظر عن الطنطنة بأجندة الحرية، بل إن دول الغرب تخشى أن يأتي التحوّل الديمقراطي في العالم العربي بإسلاميين يُـناصبون الغرب العداء، ولذلك، فالسؤال الذي يجب أن يُـطرح ليس هو ما الذي يمكن أن يقدِّمه الغرب للتحوّل الديمقراطي في العالم العربي، بل متى سيتوقّـف الغرب عن عرقلة طموح الشعوب العربية في التمتّـع بحقها في الحرية والتحول نحو الديمقراطية؟".