بذريعة الحفاظ على الأمن والوقاية من شبح التهديد الإرهابي، بات ممنوعاً على الجزائريين التمتع بحقوقهم المواطنيّة والمشاركة بواسطة صناديق الاقتراع. وفي 5 تشرين الأوّل (أكتوبر) الجاري قمعت الشرطة 300 ناشط في حقوق الإنسان وطالب وصحافي وعضو في منظمات غير حكوميّة احتشدوا في العاصمة للاحتفال بذكرى ثورة 5 تشرين الأوّل/أكتوبر 1988 التي سقط فيها خمسمئة شخص وسجن الآلاف. وكان متظاهرو ذلك العام قد غلّبوا بعد بضعة أشهر من اعتصامهم نهاية نظام الحزب الواحد، أي «جبهة التحرير الوطنيّة» التي تبوأت السلطة قبل 26 سنة، وساهموا باعتماد دستور جديد يُكرِّس حريّة النقابات والصحافة. ولا ينفك الخوف من أن يُعيد 
التاريخ نفسه يقضّ مضجع العاصمة.
 
بيد أنّ النظام حرص على إعادة تنظيم صفوفه. فمنذ العام 1992 أدّى إعلان حال الطوارئ الذي رمى في المقام الأوّل إلى الحيلولة دون فوز «الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ» في الانتخابات إلى تفويض وزارة الداخليّة فرض حدود على نشاطات النقابيين ورفض تشكيل أحزاب معارضة جديدة لا بل حتّى منع انعقاد نشاطات أدبيّة في الأماكن العامة. وجرى منع أي محاولة قام بها الشارع للتباحث مع النظام. وهذا ما حصل في وجه التعبئة الشعبيّة الكبرى في 14 حزيران (يونيو) 2001 التي ضمت مليوني شخص قدموا من شتّى أنحاء البلاد ومعظمهم من منطقة القبائل للتعبير عن شكواهم إلى الحكومة. وحتّى التظاهرات الداعمة للفلسطينيين خلال الحرب الاسرائيلية على غزّة والتي جرى تنظيمها بعفويّةٍ في العاصمة في شهر كانون الثاني (يناير) الماضي قوبلت بالصدّ.
 
ليست السلطة وحدها المسؤولة عن الصعوبات التي تواجه الجزائريين في إعادة التحرك في الشارع باعتباره مركز مواجهة سياسيّة. فأحزاب المعارضة في غالبيّتها وبدعمها تعديل دستور تشرين الثاني (نوفمبر) 2008 للإفساح بالمجال أمام رئيس الجمهوريّة لتولّي ولايةٍ ثالثةٍ عزلت نفسها عن أي منافسةٍ سياسيّةٍ. وما عاد الجزائريّون بغالبيّتهم وقد أنهكتهم سنوات النزاع الطويلة مع المجموعات الإسلاميّة والقوّات المسلّحة يتمتعون بالقوّة لتأليب الشارع في مواجهة قرارات زعمائهم. وبعدما أداروا ظهرهم لسياسة الحزب، ما عاد أمامهم من سبيل للبقاء سوى أن يُصبحوا «زبائن» النظام بدل أن يكونوا مواطنيه.
 
أعمق من ذلك كشفت ردود الفعل الأمنية للدولة عن صعوبات فعليّة في إيجاد أفكار سياسيّة جديدة تُعيد الحياة إلى البلاد. ولكنّ البقاء في السلطة من خلال مواجهة الفساد هو إستراتيجية تفقد قوّتها وتنقض إطار المصالحة الوطنيّة الذي وضعه الرئيس بوتفليقة الذي يسعى إلى أن يقلب صفحة الإرهاب. أمّا القيود الأمنيّة المفروضة منذ 20 سنة على مطالب المواطنين في الساحات العامة فتُحدث على ما يبدو مفعولاً مناقضاً لحال الاستقرار المنشودة. فإعادة استملاك الشارع تتم بواسطة العنف، مثل حرّاس المواقف المزعومين الذين يبتزّون المواطنين بذريعة حماية عجلات سيّاراتهم من التعرّض للثقب أو راكبي الدراجات النارية الذين لا يتوانون عن إطلاق النار على من يجرؤ على تخطيهم.
فكلّما نُحيَّت الدولة عن صفة الشريك في الحوار وكلّما جرى التخلّص من أدوات التصويت والتظاهرات السلمية كلّما عاد الشارع إلى ممارسة طقوس العنف من خلال التظاهرات التي تتفجّر يوميّاً في شتّى أصقاع البلاد. ومن يعتنق شعار العنف يرى في إضرام النار في الدائرة بلا لافتة أو مرافقة أو تفويض بالتظاهر أسهل السبل لتحصيل الحقوق الاجتماعيّة.