في حين انشغل العالم خارج الولايات المتحدة بمناقشة مدى استحقاق باراك أوباما الحصول على جائزة نوبل للسلام بعد
تسعة أشهر فقط في البيت الأبيض لا تكفي لتقييم سياسته الخارجية، وعلى رغم كونه رئيس حرب يشرف على عمليات عسكرية مستمرة في أفغانستان ويحتمل تصاعدها في المستقبل القريب إن تمت الزيادة المتوقعة لعدد القوات الأميركية العاملة هناك، أعطت جائزة نوبل اليمين المحافظ في الولايات المتحدة فرصة جديدة للهجوم على أوباما وانتقاد توجهات إدارته.
 
في نظر رموز اليمين المحافظ، على سبيل المثال مقدم البرامج الإذاعية الشهير راش ليمبو وكاتب الرأي في صحيفة «واشنطن بوست» تشارلز كراوثهامر وأستاذ العلاقات الدولية بمؤسسة كارنيغي للسلام روبرت كيغان والفريق التحريري لأسبوعية «ويكلي ستاندرد» حول ويليام كريستول، في نظر هؤلاء أهدى الأوروبيون ممثلين في لجنة نوبل النرويجية أوباما الجائزة لأنه عازم على التخلي عن وضعية الولايات المتحدة كقوة القرن الحادي والعشرين العظمى وتدمير مرتكزات تفوقها العسكري والسياسي والاقتصادي عالمياً. تسرد قراءة اليمين المحافظ هذه ممارسات أوباما في مجال السياسة الخارجية كدلائل دامغة على ضعف إدارته وانتفاء رغبتها وقدرتها على الاضطلاع بدور القوة المهيمنة الذي شكل الخلفية الأيديولوجية والعملياتية لفعل إدارة بوش بين عامي 2001 و2006.
 
والحقيقة أن أبرز ما ينتقده رموز اليمين هنا يتماهى إلى حد بعيد مع الحيثيات التي ساقتها لجنة نوبل لمنح أوباما الجائزة، بيد أن اليمين يقرأها كمفردات عريضة اتهام بالخيانة للرئيس الأميركي: ابتعاد الولايات المتحدة مع أوباما عن انفرادية إدارة بوش وتعويلها على الديبلوماسية المتعددة الأطراف غير المجدية، ترددها في إرسال مزيد من القوات إلى أفغانستان وعدم سعيها الى الحسم العسكري، إسقاطها لخطط بناء شبكة الدرع الصاروخية في جمهورية التشيك وبولندا إرضاء للحكومة الروسية، الانفتاح التفاوضي على إيران النووية على رغم التهديد الذي تمثله للمصالح الأميركية في الشرق الأوسط ولأمن الحليف الإستراتيجي إسرائيل، وأخيراً ما يعتبره اليمين الاميركي اعتذارية مبالغاً فيها تجاه العرب والمسلمين ميزت خطب أوباما المتتالية حول علاقة الولايات المتحدة بالعالم العربي والإسلامي وكيفية تصحيح مسارها بعد حرب بوش على الإرهاب وغزوه للعراق.
 
بعبارة بديلة، يزدري اليمين المحافظ – المتموضع أخلاقياً وسياسياً في ذات المواقع التي شغلها منذ التسعينات - بمجمل مقومات الصورة الإيجابية لأوباما كما يراها الرأي العام العالمي، بخاصة الأوروبي، بعد أن ذاق الأمرين وقت بوش وعلّق بعد نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية آمالاً عظاماً على ما يمكن للإدارة الحالية أن تقوم به لاستعادة السلم والأمن العالميين.
 
وعلى رغم أن اليمين المحافظ يسعى إلى إضفاء مصداقية أخلاقية وسياسية على انتقاداته لأوباما، من خلال التشديد على تخليه عن «الهيمنة الخيرة» للولايات المتحدة (كما في صياغة روبرت كيغان) التي دوماً ما عملت عالمياً على تحقيق الديموقراطية والحرية والدفاع عن حقوق الإنسان، وكذلك اتهامه بالاستسلام لشراكة غير فعالة مع «قوى الشر» كالاتحاد الروسي والصين وإيران، إلا أن مجمل ما يسوقه اليمين ضد أوباما من انتقادات يتسم بشعبوية مقيتة وبعنف خطابي متصاعد - وأقذع أشكال الأخير يمكن التعرف اليها بالاستماع إلى البرنامج الإذاعي للمقدم راش ليمبو حيث يوظف بانتظام خليطاً من مفردات عنصرية وأخرى ذات إيحاءات جنسية نابعة من افتتان اليمين التقليدي والمحافظ بالقوة العسكرية الأميركية للتنكيل بالأفريقي الأسود «المذعور» وإدارته الضعيفة.
 
كما يتبدى زيف انتقادات اليمين المحافظ حين النظر إلى ما تصمت عنه في معرض معالجة قضية الهيمنة العالمية للولايات المتحدة وموقف إدارة أوباما منها. فرموز اليمين ينطلقون من تفسير إرادوي مفاده أن أوباما عازم على التخلي عن الهيمنة هذه أو تقويضها، لا لشيء سوى انتفاء رغبته وقدرته كرئيس للولايات المتحدة على ممارستها. المسكوت عنه هنا هو حقيقة أزمة السياسة الخارجية الأميركية بعد مغامرات بوش التي ورطت واشنطن في حروب لا نصر محتملاً فيها وكلفت الخزانة الاميركية الكثير، وباعدت بينها وبين قوى فاعلة في المنظومة العالمية كالاتحاد الروسي والصين وفرضت سلبية خانقة على صورتها في معظم أرجاء العالم.
 
يصمت اليمين المحافظ، بأيديولوجيته التي لا ترى عالمياً سوى التفوق الأميركي ولا عقلانيته التي تتعالى عن رصد الكلفة الفعلية لممارسة الهيمنة، عن كون تعويل إدارة أوباما على الديبلوماسية المتعددة الأطراف وبحثها عن توافقات جديدة مع أطراف عالمية وإقليمية وتغييرها لمضامين خطابها تجاه العرب والمسلمين، تشكل استجابة واقعية للتركة الثقيلة التي ورثتها عن سابقتها ومرادف بحث عن استراتيجيات جماعية للخروج من كارثة أفغانستان والتعامل مع التحدي الإيراني واستعادة شيء من الثقة المفقودة بالدور الأميركي عالمياً.