بات الحُكّام الأوتوقراطيون العرب ماهرين للغاية في العلاقات العامة. فهم يجيدون استخدام لغة الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والأسواق الحرة، فيما يُثابرون على الحفاظ على الادوات القديمة والاعتباطية في عملية اتخاذ القرار. وخلال السنوات العشر الماضية، سقطت الأنظمة العربية في مايمكن تسميته "الجُمْهوريانيّة السُلالية"، وهو شكل من أشكال الحكومات يُترجم نفسه تقريباً بتعبير الإرْداف الخُلْفي: "الرئاسة الملكية".

لكن، ومهما كان شكل المظاهر الخارجية التي تعرضها الحكومات الجمهورية داخل الأنظمة العربية، إلا انها لاتتقدم في الواقع بأي ضمانات تاريخية أو قانونية. فالهيمنة العائلية على الحكومات العربية تختصر الدول إلى مجرد أدوات لتعزيز المصالح الخاصة والشخصية، بدلأ من تحقيق المصلحة العامة. هذا علاوة على أن الدول العربية التي توجد فيها مؤسسات سياسية محدودة، غالباً ما تكتنفها القَبَلِية. وهذه الأخيرة تُسفِر بدورها عن مؤسسات سياسية لاديمقراطية ومُشوّهة.

في مصر، المسرح بات مُعدّاً لاستقبال جمال مبارك كي يكون مرشح الخلافة الوحيد للحزب الوطني الديمقراطي. والواقع ان احتمال أن يخلف جمال أبيه مرتفع، إذا ماحدثت الخلافة فيما هذا الأخير على قيد الحياة. لكن، من دون حسني مبارك، سيكون جمال وحيداً، في وقت لاتخلو الساحة من مرشحين مفاجئين يمكنهم نظرياً وحرفياً أن يبلوا بلاءً حسناً في السباق نحو الرئاسة.

وفي ليبيا، حدّد معمر القذافي كلاً من الوريثين العسكري والسياسي، وبالتالي ليس ثمة مفاجآت غير مُُتوقّعة هنا في عملية الخلافة الوراثية. لكن مايمكن أن يكون غير متوقّع، هو أن تضع قبيلة القذافي ثِقَلها وراء هذا الوريث السياسي أو ذاك الوريث العسكري.
في اليمن، تستند الخلافة السياسية إلى ميثاق ضمني بين قبيلة الرئيس علي عبد الله صالح (حاشد) وبين الجيش. لذا، وحده العضو في القبيلة مُؤهّل لتسنّم رئاسة البلاد. ويبدو الآن أن صالح يُعِد نجله أحمد لاستلام زمام السلطة، من خلال تسهيل صعوده الكاسح في الصفوف العسكرية وتحميله مسؤولة قيادة اكثر القوات فتكاً في البلاد.
مصرفي(جمال)، مهندس مدني/معماري(سيف) وقائدان عسكريان (أحمد صالح ومعتصم القذافي): كل هؤلاء يُشكَّلون الآن اختباراً لكلٍ من الجُمْهوريانيّة العربية ولترقية الغرب للديمقراطية. وخلافتهم قد تقرع ناقوس الموت لادّعاءات المباديء الجمهورية، أو ما تبقى منها.