خلال القمة الثلاثين لمجلس التعاون الخليجي التي عُقدت في الكويت هذا الأسبوع، ناقش المجتمعون عددًا من القضايا ذات الاهتمام المشترك. ومن بين القضايا المطروحة على جدول أعمال القمة طموحات إيران النووية والعملة الخليجية الموحدة والموقف المالي العالمي الراهن. وبصرف النظر عن كل هذه الهموم المطروحة، فإن مستقبل اليمن يعتبر من أكبر القضايا الحساسة التي تواجه دول مجلس التعاون.

فالموقف الأمني في اليمن يتدهور بشكل سريع بما يهدد استقرار البلاد، وينذر بانفجار داخلي. وكل هذا بطبيعة الحال سوف يكون له انعكاسات خطيرة على المنطقة. فاليمن يواجه مجموعة خطيرة من التحديات غير المسبوقة تشمل التطرف والعنف والانهيار الاقتصادي ومشكلة نقص المياه التي تلوح في الأفق والحركة الانفصالية المتنامية. وإذا ما بلغت أي من هذه التحديات نقطة الذروة، فإنها يمكن أن تُغرق الحكومة اليمنية. وما لم يتم اتخاذ الخطوات الملائمة، فإن اليمن يمكن أن تصبح دولة فاشلة ومرتعًا خصبًا للإسلاميين المتشددين، وفي كلتا الحالتين سوف تنعكس مشكلات هذا البلد سلبًا على المنطقة بأكملها.

ونظرًا لضعف سيطرة الحكومة المركزية ، غالبًا ما واجه هذا البلد، على مدار تاريخه، مخاطر الفوضى والاضطراب. وقد نجا هذا البلد من عدة أزمات متفرقة في الماضي، لكن تجتمع عليه اليوم العديد من التحديات المتداخلة في ذات الوقت. وتمثل الأزمة الاقتصادية لب مشكلات اليمن. فسرعان ما ستنضب احتياطيات النفط اليمني، ولا تملك البلاد سوى القليل جدًا من الخيارات لبناء اقتصاد قوي عقب نضوب النفط. أضف إلى ذلك أن هذا البلد يستهلك موارده المائية المحدودة بصورة أسرع بكثير من معدل تعويض النقص في تلك الموارد. وهناك زيادة هائلة في عدد السكان الذين يعانون الفقر ومن ثم فإن هذا يمثل عبئًا ثقيلًا يجعل الحكومة عاجزة عن توفير الخدمات الأساسية. ومما يزيد من مخاطر تعرض البلاد لعدم الاستقرار داخليًا ذلك الإرهاب الإسلامي الذي يدعمه تنظيم القاعدة والعصيان المسلح في الشمال وتصاعد أنشطة الحركة الانفصالية في الجنوب.

ومن الناحية التاريخية، واجهت الحكومة المركزية مواجهة شرسة في محاولاتها توسيع نطاق سلطاتها حيث يربط الشعب اليمني بين هذه الحكومة والفساد والمحسوبية وتضاؤل الفرص الاقتصادية والاجتماعية. ويفكر المسئولون اليمنيون في تطبيق سياسة اللامركزية، بحيث يتم منح المزيد من الاستقلال الذاتي للسلطات المحلية ومن ثم تحويل أنظمة المحسوبية غير الرسمية إلى مؤسسات تعمل بدلًا من حكومة وطنية فعالة.  

ويظل الفساد هو التحدي الأكبر الذي يواجه الحكومة اليمنية بين المزاعم التي تشير إلى أن 30% تقريبًا من إيرادات الحكومة لا يتم إيداعه أبدًا في الحسابات الحكومية. ولمواجهة المشكلة المتنامية والمستمرة لابتزاز الأموال الحكومية، سوف تكون البلاد في حاجة إلى إجراء إصلاحات قضائية صارمة بما يحقق مقاضاة عادلة وشفافة.

ومما يزيد الموقف تعقيدًا ذلك التحول السياسي الوشيك. فالرئيس اليمني علي عبد الله صالح يحكم جمهورية اليمن منذ توحيدها عام 1990، ومن المقرر أن تُجرى الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2013. وليس واضحًا ما إذا كان صالح سيكون مؤهلًا من الناحية الدستورية لخوض تلك الانتخابات من أجل تولي مقاليد الحكم لفترة رئاسية ثالثة له، كما أنه ليس هناك خليفة واضحة له.

وفي الوقت نفسه، تخوض الحكومة اليمنية منذ عام 2004، حربًا أهلية متقطعة ضد مناصري إحياء الشيعية الزيدية في محافظة صعدة الشمالية والمعروفين باسم الحوثيين. وتحول هذا الصراع مرة أخرى إلى قتال مفتوح في شهر أغسطس/ آب عندما شنت الحكومة عملية "الأرض المحروقة". وعلى مدار الصراع، كان القتال شرسًا ودون تمييز، وتخلله فترات من الهدوء النسبي. وكانت الخسائر فادحة في صعدة نفسها، مما أدى إلى إلحاق أضرار جسيمة في البنية التحتية ونزوح نحو 175,000 شخص داخل اليمن.

ويأتي الصراع من مزيج معقد من الهويات الطائفية المتنافسة، والتخلف الإقليمي، ومظالم اجتماعية واقتصادية واضحة، ومظالم تاريخية. وبمرور الوقت يزداد العداء، وتزداد رغبة المتمردين في الانفصال عن النظام.

وتسبب النزاع في حدوث توتر في الجيش اليمني، مما أدى إلى تساؤلات حول قدرته على الاشتراك في مهمات أخرى في نفس الوقت، بما في ذلك عمليات مكافحة الإرهاب. وبالإضافة إلى ذلك، أثار فشل الحكومة في إخماد التمرد الخوف من أن يرى منافسون محليون آخرون النظام ضعيفًا، وربما يتحركون ضد الحكومة المركزية. وهناك احتمال أن يشن متشددون إسلاميون أو غيرهم من الجماعات المتطرفة هجمات على جبهات أخرى، بينما تنشغل الحكومة بالحرب في صعدة. وفي نهاية المطاف، تزيد الحرب من حدة الأزمة الاقتصادية في اليمن. ويتوقع الاقتصاديون عجزًا كبيرًا في الموازنة العام القادم، كما أن الحكومة تنفق احتياطياتها من العملة الأجنبية بمعدل ينذر بالخطر.

وفي نوفمبر تشرين الثاني 2009، اتسع نطاق الصراع، ودخلت فيه القوات السعودية بعد توغل المتمردين الزيديين داخل الأراضي السعودية، وهو ما يمثل تدهورًا كبيرًا في الوضع، ويقدم مثالًا آخر على الانعكاسات السلبية لعدم الاستقرار في اليمن بالنسبة للمنطقة بأسرها.

وبالرغم من أن المنطقة يمكن أن تخسر الكثير نتيجة للانهيار الحالي في اليمن، فإنها يمكن أن تجني الكثير من المكاسب من خلال تنسيق تحرك دولي لتحسين الاستقرار هناك. وينبغي على المجتمع الدولي تشجيع دول الخليج على منح اليمن عضوية - أو على الأقل 'علاقة خاصة' مع - دول مجلس التعاون الخليجي في مقابل خطوات صارمة، بما فيها إحراز تقدم بشأن المخاوف الأمنية، والحد من الإعانات الحكومية، والتصدي للفساد.

  وفي نهاية المطاف، ليس هناك حل يمني أو أمريكي لمشكلات اليمن. ولا يمكن حلها دون مساعدة جيران اليمن والشركاء الدوليين. وربما تصبح عواقب التقاعس عن ذلك أكبر من أن يتم علاجها خاصة أن مشكلات البلاد الديموغرافية والاقتصادية تزيد من تدهور الوضع الأمني.