على الرغم من اتفاقى مع قطاع واسع من المهتمين بالشأن الداخلى المصرى فى تقرير أن عامى ٢٠١٠ و٢٠١١ حاسمان فى تحديد وجهة التطور السياسى المستقبلية، فإننى أعتقد جازما أن النزوع الطاغى اليوم لاختزال العامين المقبلين، ومن ثم أجندة مصر السياسية، فى نقاش أحادى حول الانتخابات الرئاسية وهوية المرشحين المحتملين بها يشكل خطيئة استراتيجية كبرى ذات تداعيات شديدة الخطورة.

فمن جهة أولى، يرتب تعاظم النقاش حول الانتخابات الرئاسية والسيناريوهات المتوقعة لكيفية إدارتها من قبل نخبة الحكم إن بترشح الرئيس مبارك لفترة سادسة أو انتقال الرئاسة منه إلى نجله جمال أو قيادى آخر تتوافق عليه النخبة،

وكذلك فرص المعارضة الحزبية والمستقلة فى مزاحمة النخبة على المنصب الرئاسي، يرتب تهميشا مؤلما لقضايا مصيرية تستحق أن تشغل موقعا متقدما فى خريطة النقاش العام، أبرزها التطورات الاقتصادية والاجتماعية فى ظل الأزمة العالمية والحصاد الفعلى لسياسات التنمية المنفذة حكوميا، وسبل مكافحة ظاهرة الفساد المستشرية فى المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص وضعف الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين فى قطاعات حيوية كالتعليم والصحة العامة والمواصلات والضمانات الاجتماعية وغيرها. والحقيقة، وباستثناءات محدودة، بدا هناك بؤس شديد فى كثير من أعمدة وصفحات الرأى فى الصحافة المصرية لكثرة ما يكتب بها عن الانتخابات الرئاسية وسيناريو التوريث ومعارضيه وندرة وتهافت معالجات القضايا الأخرى.

من جهة ثانية، يتسم النقاش الدائر حول الانتخابات الرئاسية المقبلة بشخصنة مرضية تختزل الأمر فى حديث مرسل عن الرئيس مبارك وجمال مبارك وبعض الراغبين فى الترشح كمعارضين مثل أيمن نور أو المدعوين للترشح كمحمد البرادعى وعمرو موسى، وتغيب التعاطى الجدى والنقدى مع حصاد الفترة الخامسة لمبارك ووعود نخبة الحكم للأعوام المقبلة، وكذلك «الرؤى والأفكار» التى يطرحها المنافسون.

وعد الرئيس مبارك أثناء حملته الانتخابية ٢٠٠٥ وبعد نجاحه فى الانتخابات بتنفيذ برنامج للإصلاح الاقتصادى والسياسى والنهوض المجتمعى وألزم حكومة الحزب الوطنى بأهداف تنموية طموحة. واليوم ومع اقتراب الفترة الرئاسية الخامسة من نهايتها لم يتحقق من الوعود والأهداف هذه الشىء الكثير، بل إن الثابت هو أن بعض المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الرئيسية كمعدل الفقر والأمية والبطالة والفجوة فى الدخل بين الفقراء والأغنياء ازدادت سوءا خلال الأعوام الماضية فى حين سجل الإصلاح السياسى، بمعنى الدفع نحو تحولات ديمقراطية حقيقية، غيابا شبه تام.

عوضا عن توجيه النقاش العام حول الانتخابات الرئاسية ٢٠١١ نحو مساءلة نقدية للرئيس مبارك والنخبة عن حصاد الفترة الخامسة وعن توجهات وبرامج المرحلة المقبلة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، تكتفى المعارضة المصرية والإعلام المستقل القريب منها بسجالات عقيمة ومكررة حول شخوص المرشحين المحتملين.

وبينما يمكن تفسير غياب التناول الجاد للحصاد والتوجهات والبرامج على صعيد نخبة الحكم، فهى شأنها فى ذلك شأن غيرها من النخب غير الديمقراطية التى لا ترغب فى التعرض للمساءلة والمحاسبة، وتدرك بواقعية سلطوية أنها قادرة على الاحتفاظ بالمنصب الرئاسى بغض النظر عن حصاد أدائها وصعود أو هبوط معدلات الرضاء الشعبي، يظل من الصعب قبول تكاسل المعارضة الحزبية والمستقلة عن الاضطلاع بمهام المساءلة والمحاسبة للنخبة وصياغة رؤى وبرامج محددة لإخراج مصر من عثراتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

فجلّ ما تطرحه المعارضة اليوم إما يتصف بعمومية شديدة تدخله فى باب التمنيات عوضا عن السياسات، أو ينظر فقط فى النواقص الدستورية والسياسية التى تعترض الإصلاح السياسى، مكتسيا فى أغلب الأحيان فيما خص الحلول المقترحة بمضامين غير واقعية تطالب رموز المعارضة من خلالها نخبة الحكم «غير الديمقراطية» بإدخال إصلاحات ديمقراطية كاملة قبل الانتخابات الرئاسية ٢٠١١، بل ويشترطها البعض كأساس مسبق للمشاركة فى الانتخابات على النحو الذى تناقلته مؤخرا وسائل الإعلام عن محمد البرادعي.

أمر محبط الحديث المرسل عن شخوص المرشحين بينما تغيب برامجهم عن النقاش العام، ويستفزنى صمت المعارضة اللاعقلانى عن التساؤل حول ماهية الدوافع والمحفزات التى قد تحمل نخبة الحكم على إدخال إصلاحات ديمقراطية قبل ٢٠١١ فى ظل الضعف البين للمعارضة، حزبية ومستقلة، دينية وغير دينية، وثقة النخبة فى الاحتفاظ بالمنصب الرئاسى بعد ٢٠١١ وتراجع الاهتمام الخارجى بملفات الإصلاح والديمقراطية فى مصر.

من جهة ثالثة، وفى استمرارية مؤلمة لغياب التناول الجاد للحصاد والتوجهات والبرامج، يدفع النزوع الطاغى لاختزال أجندة العامين المقبلين فى مسألة الانتخابات الرئاسية بملف الانتخابات البرلمانية ٢٠١٠ بعيدا عن واجهة النقاش العام، ويسبب تجاهل العديد من القضايا المركزية التى تطرحها على السياسة المصرية.

فعلى الرغم من تنامى تمثيل المعارضة فى مجلس شعب ٢٠٠٥-٢٠١٠، والحضور العددى المتميز لجماعة الإخوان، فإن طبيعة ونتاج العمل البرلمانى لم يتغيرا كثيرا إزاء أغلبية ما فوق الثلثين المريحة للحزب الوطنى الحاكم وعجز قوى المعارضة عن التنسيق الفعال فيما بينها، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول حدود الأهمية السياسية لمؤسسة البرلمان ودورها الحقيقى فى الدفع نحو الإصلاح فى مصر.

وعندما نضيف إلى ذلك التوقع السائد بعد تعديلات ٢٠٠٧ الدستورية، وخبرة انتخابات مجلس الشورى والمحليات الأخيرة وفى ظل التعقب الأمنى للمعارضة، خاصة جماعة الإخوان، بأن الانتخابات البرلمانية ٢٠١٠ ستتسم، على الأرجح بقدر أكبر من التسيير السلطوى إذا ما قورنت بانتخابات ٢٠٠٥ وستسفر من ثم عن تمثيل أقل للمعارضة فى مجلس الشعب، يصبح من الأهمية بمكان طرح تساؤلات أعم عن مستقبل الحياة السياسية الرسمية وقواعد إدارة لعبة التعددية المقيدة داخلها والتحديات التى ستواجهها المعارضة الحزبية والمستقلة بحثا عن الفعل والفاعلية.

تستحق أجندة مصر السياسية فى ٢٠١٠ و٢٠١١ نقاشا أقل اختزالية وأكثر عمقا من الدائر اليوم حول احتمالية فترة سادسة للرئيس مبارك، أو انتقال المنصب الرئاسى إلى جمال مبارك، أو فرص محمد البرادعى فى الترشح والمنافسة.

تستحق معضلاتنا الاقتصادية والاجتماعية المتنامية تعاملا جادا مع حصاد الأعوام الماضية والبرامج التنموية المقترحة للمرحلة المقبلة وحدود قدرة المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص على الاضطلاع بها.

تستحق مصر إزاء الإصلاح السياسى الغائب نقاشا أذكى حول فرص التحول الديمقراطى يأخذ فى الاعتبار قوة نخبة الحكم وضعف المعارضة وتهافت دور العامل الخارجي، ويبحث فى المقام الأول فى إمكانات دفع الإصلاح من داخل النخبة فى لحظات انتقال السلطة من جيل إلى جيل آخر أو من مجموعة إلى أخرى على النحو الذى شاهدناه فى العديد من الخبرات الناجحة للتحول الديمقراطى فى مجتمعات أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية ذات الماضى السلطوى القريب.