منذ وقت ليس ببعيد، كانت جماعة الإخوان المسلمين قوة المعارضة الأكثر حيوية في مصر. لكنها الآن، ولكونها مُستبعدة من أي مشاركة سياسية ذات مغزى وتعصف بها صراعات داخلية عاتية، لم يعد من الممكن عملياً تمييزها عن أحزاب المعارضة الأخرى في البلاد. 

كيف حدث هذا؟

لقد أظهرت انتخابات قيادة الحركة - مكتب الإرشاد المؤلف من 16 عضواً ومنصب المرشد العام – حجم المتاعب التي يعاني منها الإخوان. إذ أوضحت النتائج الأثر الكبير للبيئة السياسية المُغلقة في مصر في مجال تعميق الانقسام الداخلي وترسيخ القيادة الأكثر  ُمحافظة في هذه الحركة.

 

والحال أن الجماعة، ومنذ أدائها القوي في الانتخابات البرلمانية للعام 2005، والتي حصدت فيها 20 في المائة من المقاعد في مجلس الشعب، تعرّضت  إلى قمع متواصل من قِبَل نظام مبارك. وفي محاولة للحد من النفوذ السياسي للجماعة، اعتقلت الحكومة أعضاءها بشكل منهجي، وحكمت على زعماء الحركة ومن يمولونها بفترات سجن طويلة فرضتها محاكم عسكرية، وتلاعبت بالإجراءات الانتخابية ونتائج الانتخابات. 

 

كما أقدمت الحكومة أيضا على إجراء تعديلات دستورية وقانونية عدة، اعترفت هي نفسها بأنها ترمي إلى تقليص المساحة المُتاحة لمشاركة الإخوان في الحياة السياسية. والأهم من ذلك كله هو أنه تم حظر تكوين الأحزاب السياسية المستندة إلى مرجعية دينية بموجب تعديل دستوري أقرّ في العام 2007، وجرى تغيير مواد دستورية لتمهيد الطريق أمام نظام انتخابي يعتمد القوائم الحزبية. ولا شك أن النتائج التي ستترتب على جماعة الإخوان كجماعة محظورة بموجب القانون حال تغيير نظام الانتخاب ستأتي شديدة القسوة، على نحو سيفرض عليها الانضمام إلى قائمة حزب مرخص له أو الاكتفاء بالمنافسة الانتخابية في الهامش الصغير الذي سيتيحه القانون الجديد للمستقلين.

 

الحصيلة الرئيس الأولى من كل هذا تمثّلت في الإغلاق التدريجي للمجال السياسي الرسمي في وجه الجماعة. وعلى الرغم من تمثيلها الكبير في مجلس الشعب والمظهر الصلب لكتلتها البرلمانية، بات الإخوان حركة معزولة وذات تأثير ضئيل على الحياة السياسية المصرية. والواقع أن احداً في كل قيادة الإخوان تقريباً لا يتوقّع أن تحصل الجماعة على تمثيل يتجاوز نسبة خمسة في المئة في مجلس الشعب الجديد الذي سيُنتخب في الخريف المقبل. 

 

الحصيلة الرئيس الثانية هي الاعتراف المتزايد من جانب العديد من قياديي الجماعة بأن الحركة باتت تحت الحصار وستبقى كذلك إلى أجل غير مسمى. والرأي السائد هو وجوب أن تكون أولوية الإخوان الحفاظ على التضامن التنظيمي للحركة في مواجهة قمع النظام، بدلاً من أن تستثمر جهداً في مشاركة سياسية عقيمة. وهذا يعني، بعبارة أخرى، أن البيئة المُغلقة التي ظلت جماعة الإخوان تعمل في إطارها منذ العام 2005 لاتقدِّم أي حافز للمشاركة السياسية، مما يدفع الحركة إلى التركيز على الجوانب الدعوية والاجتماعية لأنشطتها وأن تهتم بصورة متصاعدة بما يحدث بداخلها.

في ظل مثل هذه الظروف، لم يكن مفاجئا أن تتشكل الديناميات الداخلية لجماعة الإخوان المسلمين وفق تباين المواقف حيال القيمة الإستراتيجية للمشاركة السياسية. فالجناح المعتدل في قيادة الإخوان، الذي يدعو إلى المشاركة، خسر الدعم والسلطة التنظيمية على مدى السنوات القليلة الماضية، فيما أصبح الانعزاليون أكثر تأثيراً، وهم يمثّلون الآن أغلبية واضحة داخل هيئات الجماعة. 

 

وقد عكست نتائج الانتخابات الداخلية في الشهر الماضي هذا التغيّر في موازين القوى، إذ فقد عبد المنعم أبو الفتوح، الذي يُعد من المعتدلين النافذين ومن أشد المدافعين المُفوّهين عن المشاركة السياسية في الجماعة، منصبه في مكتب الإرشاد لصالح خصومه الذين يعطون الأولوية لجهود الجماعة الاجتماعية وفي مجال الدعوة.

علاوة على ذلك، فشل محمد حبيب، نائب المرشد العام السابق الذي سبق أن حظي بشهرة  لتمكّنه من بناء توافق بين المعتدلين والانعزاليين، في الحفاظ على مقعده في مكتب الإرشاد. ومن بين الأعضاء الأربعة الذين انتخبوا مؤخراً لعضوية المكتب، يمكن اعتبار عصام العريان العضو الوحيد الداعي إلى المشاركة. وثمة عدد قليل جداً من أعضاء المكتب الذين أعيد انتخابهم، بمن فيهم رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان محمد سعد الكتاتني، يمكن اعتبارهم مؤيدين للمشاركة. 

 

أخيراً، فإن المرشد العام محمد بديع الذي انتخب أخيراً، معروف باهتمامه بتحقيق تضامن داخلي في الحركة وبتعزيز أنشطتها في المجالات الاجتماعية والدينية. لكن، لايزال يتعيّن عليه جلاء موقفه من المشاركة السياسية.

 

لقد فوجئ الشعب المصري بالعرض العلني للانقسامات الداخلية للإخوان، وهي الانقسامات التي تم نشر معظمها في وسائل الإعلام. لم يعد الإخوان تلك الحركة السرية التي كانت سابقا باستمرار تتكتم أمرها، حين لم يكونوا يكشفون سوى القليل من شؤونهم الداخلية للغرباء. وفي الآونة الأخيرة، اتهمت شخصيات مثل محمد حبيب قيادات أخرى داخل مكتب الإرشاد بالتلاعب في العملية الانتخابية لمكتب الإرشاد. وفي الواقع فإن أصواتاً عديدة في المجموعة المعتدلة المؤيدة للتركيز على المشاركة السياسية ناقشت علناً إمكانية تفكك الجماعة.

إن نظام مبارك بالكاد يُخفي حبوره الشديد لتداعي جماعة الإخوان وتحولّها من كونها قوة المعارضة الأكثر قابلية للاستمرار في مصر إلى جماعة تبتعد تدريجيا عن السياسة وإلى مجموعة من الأشخاص المتخاصمين، وهو، على أي حال، يعتزم إبقاء الساحة السياسية في البلاد في حالة من تقييد الحركة ومواصلة معاقبة جماعة الإخوان المسلمين إذا ماهي حاولت التقدّم نحو المشاركة الحقيقية.

 

* نُشر هذا المقال في صحيفة "ذا ناشيونال" الإماراتية بالغة الإنكليزية بتاريخ 18 كانون الثاني/يناير 2010