ملاحظة : اقرأ تحديثا لموضوع الإجتثاث هنا, هنا, و هنا.

في السابع من كانون الثاني/ يناير، منعت هيئة المساءلة والعدالة في العراق 9 أحزاب سياسية معظمها سنّية ونحو 458 فرداً من خوض الانتخابات البرلمانية المُقررة في آذار/مارس، بتبرير أنهم كانوا مرتبطين بنظام صدام حسين السابق أومدافعين عنه. وفي وقت لاحق، أوضحت اللائحة الرسمية التي أصدرتها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في 26 كانون الثاني/يناير أن قرار 7 كانون الثاني/يناير تضمّن في الواقع خفض تقدير عدد الأحزاب والأشخاص الممنوعين من المشاركة في الانتخابات من 15 حزباً و500 شخص إلى 9 أحزاب و458 فرداً. لكن، وعلى رغم هذا التعديل، فإن القرار الذي اتخذته هيئة المساءلة والعدالة التي يُسيطر عليها الشيعة، والتي خلفت لجنة اجتثاث البعث، يؤثّر على العديد من الشخصيات والأحزاب البارزة السنّية العراقية، ما يؤكد الطابع الطائفي المتزايد للانتخابات. كما أن القرار يجعل من المُرجّح أن تُسجّل الأحزاب والمرشحون السنة، الذين هم بالفعل منقسمون للغاية، نتائج سيئة في الانتخابات، وهذا قد يفاقم من تعقيد عملية المصالحة الصعبة أصلاً. وهكذا، باتت نزاهة العملية الانتخابية الآن مرصّعة بالشوائب. وفي حين لاتزال التسوية بين النخبة السياسية في العراق مُحتملة، إلا أن المصالحة بين السنّة والشيعة ستواجه عقبة كأداء أخرى بسبب الخطوة التي أقدمت عليها هيئة المساءلة والعدالة.

الأسباب السياسة للقرار
 
يرأس علي اللامي هيئة المساءلة والعدالة، وهو عضو في المؤتمر الوطني العراقي الذي هو جزء من الائتلاف الوطني العراقي (المظلة التي تنضوي تحتها جميع الأحزاب الشيعية الرئيسة عدا حزب الدعوة بزعامة رئيس الوزراء). اللامي نفسه مُرشّح على لائحة الائتلاف الوطني العراقي، وهذا مايدفع إلى الاعتقاد بأن قرار الحظر نبع من وجود تعارض كبير في المصالح. وفي حين انتقد بعض أعضاء هيئة المساءلة والعدالة القرار وادّعوا أنه كان مُسيّساً، لم تقدم الهيئة أية أدلة لدعم الحظر، باستثناء قوائم مرشحي التحالف، مايجعل القرار أكثر إثارة للجدل.
 
لايتوفّر في هذه المرحلة تحليل كامل للهوية المحددة ولانتماءات السياسيين الذين تم منعهم من خوض الانتخابات، بيد أن الصحافة العراقية تعج بالإشاعات والتكهنات. ظاهرياً، يبدو أن الحظر يؤثّر على الشيعة والسنة العرب بأعداد متساوية تقريباً، وكذلك بعض الأكراد، هذا إضافة إلى أن معظم السياسيين والأحزاب المحظورة من اللاعبين الصغار في الانتخابات ولن يكون لإبعادهم أي تأثير، إذا كان لهم من تأثير. بيد أن أبرز السياسيين الذين تم حظرهم هم من السنّة، وهذا سيكون له تأثير على كلٍ من نتيجة الانتخابات وعلى احتمالات المصالحة على حد سواء. ذلك أن التحالفين الشيعيين بصورة رئيسة، أي ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي والوفاق الوطني العراقي، لم يفقدا أياً من أعضائهما الهامين، وكذا الأمر بالنسبة إلى الأحزاب الكردية؛ هذا في حين تأثّرت التحالفات السنيّة واللاطائفية تأثراً شديداً، حيث لم تفقد الحركة الوطنية العراقية اثنين من أعضائها الرئيسيين وحسب، بل خسرت أيضاً نحو 70 عضواً إضافياً.
 
لقد أمهلت هيئة المساءلة والعدالة المرشحين المستبعدين ثلاثة أيام لاستئناف القرار. والأحكام النهائية المتعلقة بالأهلية لخوض الانتخابات ستُقدمها لجنة قضائية متخصصة مُعيّنة من قِبَل السلطة التشريعية. لكن في 21 كانون الثاني/يناير، أضاف الرئيس العراقي جلال طالباني بُعداً جديداً إلى هذه العملية حين أبدى انزعاجه ودعا المحكمة العراقية العليا إلى النظر في مدى دستورية القرار.
 
مهما يكن الأمر، من المؤكد أنه سيتم اتخاذ القرار النهائي على أسس سياسية لا قانونية. والواقع أن هيئة المساءلة والعدالة بررت قرار المنع تبريراً غامضاً جداً،  استناداً إلى المادة 7 من الدستور التي تنص على أنه : "لايجوز لأي كيان أو قائمة، تحت أي اسم كان، أن تعتمد العنصرية والإرهاب، وتكفير الآخرين، والتطهير العرقي، أو التحريض عليه وتسهيله وتمجيده وتشجيعه، أو تبريره، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه، بغض النظر عن الاسم الذي تعتمده. هذا قد لايكون جزءاً من التعددية السياسية في العراق، وسوف يتم تنظيمه بموجب القانون".
 
الأحزاب المتأثرة
 
ابرز المرشحين الذين حرموا من خوض الانتخابات كان صالح المطلك، الذي تم منعه جنباً إلى جنب مع الجبهة العراقية للحوار الوطني. إنه لم يُمنع وحسب، بل تم تحذيره أيضاً من استئناف القرار، لأن القضية المرفوعة ضده قوية جداً. صالح المطلك، الذي له ماض بعثي على نحو لايمكن إنكاره على الرغم من أنه ترك الحزب في أواخر سبعينيات القرن الماضي، هو بلاشك قومي عربي. وعلى الرغم من أنه كان من أبرز الأعضاء السنّة في اللجنة التي وضعت مسودة الدستور في العام 2005، إلا أنه رفض قبوله لأنه منح الحكم الذاتي لكردستان ولم يُشدّد على هوية العراق العربية. ونتيجة لذلك، رفض أيضاً الانضمام إلى الأحزاب السنّية الأخرى في كتلة التوافق قبل الانتخابات البرلمانية للعام 2005، لأنها وافقت على الدستور. بدلاً من ذلك، شكّل المطلك الجبهة العراقية للحوار الوطني.
 
إن حظر المطلك وحزبه سدّد ضربة إلى الحركة الوطنية العراقية (أو "العراقية")، وهو الائتلاف العلماني الكبير الذي يخوض الانتخابات المقبلة. الشريك الرئيس للمطلك في الحركة الوطنية العراقية هو رئيس الوزراء السابق إياد علاوي، وهو شيعي. في البداية هدّد علاوي بالانسحاب من الانتخابات مالم يتم إلغاء الحظر المفروض على المطلك، لكنه منذ ذلك الحين خفف من حدة تصريحاته. ومايزيد المشكلة تعقيداً بالنسبة إلى الحركة الوطنية العراقية أن هيئة المساءلة والعدالة حظرت أيضاً سعد الجنابي وكتلته، التجمع الجمهوري العراقي. ومن دون مشاركة المطلك والجنابي، أهم الأعضاء السنّة في التحالف، سيكون من الصعب على الحركة الوطنية العراقية الحفاظ على صورتها اللاطائفية.
 
ردود الفعل السنّية

من المثير للاهتمام أن السياسيين السنّة الكبار لم يحتجوا بشدة على منع المطلك وغيره من المرشحين. ويبدو أن ثمة مروحة من العوامل ساهمت في هذا الصمت، أحدها بلاشك الخوف من أن من شأن الاحتجاج العنيف أن يحفز هيئة المساءلة والعدالة على اتخاذ خطوات ضدهم أو دفع مؤيديهم المحتملين في المحافظات مُختلطة السكان إلى اعتبارهم مدافعين عن حزب البعث. علاوة على ذلك، كان المطلك مثيراً للجدل بين السياسيين السنّة، بسبب رفضه التحالف مع الأحزاب السنّية الأخرى، وبسبب مازعم في الآونة الأخيرة من أنه دافع عن البعثية في خطاباته. وثمة عامل آخر قد يُفسّر رد الفعل الصامت هو المصلحة الذاتية: إذ كان من المعتقد أن المطلك والحركة الوطنية العراقية يحظيان بأكبر قدر من التأييد في أوساط تحالفات ليس فيها أغلبية شيعية؛ وبالتالي فإن تهميش المطلك قد يوفّر فرصاً جديدة للأحزاب السنّية على الأقل ما لم يقرر المطلك دعوة أنصاره إلى مقاطعة الانتخابات مرة أخرى، وهو سيناريو محتمل لكنه غير مُرجّح.
 
الحزب السنّي الذي احتجّ على حظر المطلك بشدة كان الحزب الإسلامي العراقي، وهو نفسه تضرر بشدة من جراء حظر اثنين من القادة الهامين في تحالف التوافق العراقي الذي ينتمي إليه. ومن المتوقع أن يفقد الحزب الإسلامي العراقي، الذي تزداد عزلته عن الأحزاب السنّية الأخرى، الكثير من المقاعد في الانتخابات، وهو قد يرى في الاحتجاج وسيلة لاستعادة جاذبيته.
 
من المثير هنا أنه لايبدو أن الحظر طاول الأعضاء الرئيسيين في مختلف مجالس الصحوة، والتي تتواجد الأحزاب الرئيسية منها الآن في ثلاثة من التحالفات الهامة: مجلس إنقاذ الأنبار في الائتلاف الوطني العراقي الذي يُهيمن عليه الشيعة، والجبهة الوطنية لإنقاذ الأنبار في ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي، ومجلس صحوة العراق في ائتلاف وحدة العراق العلماني. بدلاً من ذلك، أُعلن مؤخراً أن 50000 من "أبناء العراق"، كما يُطلق على أفراد ميليشيات مجالس الصحوة، حصلوا الآن على وظائف القطاع العام،. إن حقيقة أن التنظيمات السياسية ذات الصلة بمجالس الصحوة لم تتأثر بالحظر، يؤكد أن قرارات لجنة المساءلة والعدالة تلوّنت باعتبارات سياسية. فقد كان الكثير من أعضاء مجالس الصحوة جزءاً من المقاومة ضد الاحتلال الأميركي ولهم ارتباطات مع نظام صدام حسين. بيد أن حظر أعضاء هذه التنظيمات، يمكن أن يدفعهم إلى الانقلاب على الحكومة مرة أخرى، وفي بعض الحالات، إلى فقدان حلفاء سنّة رئيسيين في إطار التحالف الوطني العراقي وائتلاف دولة القانون. وهكذا، فقد تم تركهم وشأنهم.
 
تجري هذه الأيام مفاوضات مُكثّفة في العراق في محاولة لنزع فتيل الأزمة. فقد زار نائب الرئيس الأميركي جو بايدن العراق في 22-23 كانون الثاني/يناير لتشجيع العراقيين على التوصّل إلى حل وسط، وثمة مناقشات جارية في العراق بشأن الآليات الممكنة. لكن، ومهما تكن النتيجة، فقد تأثرت نزاهة العملية الانتخابية في العراق وستكون العواقب وخيمة بالنسبة إلى المصالحة، حتى لو تم التوصل إلى حل وسط.