بعد ثلاثة أسابيع من الانتخابات، أعلنت المفوضية المستقلّة العليا للانتخابات العراقية فرز الأصوات النهائية وتوزيع المقاعد بين القوائم. يُنهي الإعلان الترقّب القلق، لكنه يبدأ فترة من المفاوضات المُكثَّفة بين الأحزاب يمكن أن يشوبها العنف. فازت قائمة "العراقية" بزعامة إياد علاوي بـ91 مقعداً، وائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي بـ89 مقعداً، يليهما الائتلاف الوطني العراقي بـ70 مقعداً، ثم التحالف الكردستاني بـ41 مقعداً.

نتائج الانتخابات

لم يتمّ التصديق على نتائج الانتخابات حتى الآن، وثمة معركة كبرى آتية لامحالة قد تؤجِّل التصديق على النتائج لأسابيع. ويطالب المالكي وأعضاء آخرون من ائتلاف دولة القانون، على نحو خطير، بإعادة فرز إجمالية للأصوات، مُعبِّرين عن رفضهم للإجراء الذي أقرّه قانون الانتخابات لتسوية النزاعات الانتخابية. والفارق الضئيل في عدد المقاعد التي فاز بها كل من علاوي والمالكي سيُمثِّل اختباراً لالتزام جميع السياسيين العراقيين بالديمقراطية. ليس من المؤكّد أنهم سينجحون في الاختبار. فقد اعترض المالكي، الذي بدا غاضباً بشكل ظاهر، على النتائج فور إعلانها، مُعلِناً أنه كان ينبغي حظر بعض الأفراد الذين فازوا بمقاعد بوصفهم بعثيين، ومطالِباً لجنة العدالة والمساءلة بإجراء تحقيق. وتعهّد بمواصلة الاعتراض على النتائج، وأعلن أيضاً عزمه على تشكيل حكومة وحدة وطنية. ووفقاً لحكم صادر عن رئيس المحكمة الاتحادية العليا، وهو حكم اتُّخِذ على نحو مريب إلى حدّ ما في اليوم الذي سبق الإعلان عن نتائج الانتخابات فقط، فإنه سيعهد بمهمّة تشكيل الحكومة إما إلى زعيم الائتلاف الذي فاز بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات، وإما إلى زعيم أكبر كتلة ائتلافية تُشكَّل في البرلمان بعد الانتخابات.

الفارق الضئيل في عدد المقاعد التي فاز بها علاوي والمالكي يُمثِّل اختباراً لالتزام جميع السياسيين العراقيين بالديمقراطية.

ووفقاً للنتائج التي أُعلِنَت يوم 26 آذار/مارس، فازت تسعة كيانات فقط من أصل 306 كيانات متنافسة في الانتخابات بمقاعد عادية (مقاعد الأقليات لم تُؤخَذ في الاعتبار هنا). وبالإضافة إلى القوائم الرئيسة المذكورة أعلاه، فازت قائمة التوافق، وهي ائتلاف من الأحزاب السنّية يسيطر عليها الحزب الإسلامي العراقي، بستة مقاعد، والائتلاف العراقي الموحَّد بأربعة مقاعد. وحصلت ثلاثة أحزاب كردية إضافية أيضاً على تمثيل: حصلت حركة غوران، التي انفصلت عن الاتحاد الوطني الكردستاني في العام 2009، على ثمانية مقاعد، وحصل حزبان إسلاميان كرديّان على مامجموعه ستة مقاعد. ولأن عدد المقاعد التي حصلت عليها قليل جداً كي يكون لها تأثير، فإن الأرجح أن تقف الأحزاب الكردية الأصغر إلى جانب التحالف الكردستاني في المفاوضات الوطنية، مع الاستمرار في معارضتها داخل كردستان. كان أداء الائتلاف الوطني العراقي أفضل نوعاً ما مما كان متوقَّعاً بحصوله على 70 مقعداً؛ حيث كانت حصة التيار الصدري حوالي أربعين مقعداً، مايجعل من مقتدى الصدر لاعباً هاماً. وتجدر الإشارة أيضاً إلى نتيجة التصويت في مدينة كركوك المُتنازَع عليها، والتي يريد الأكراد ضمّها إلى كردستان. فقد وُزِّعَت المقاعد هناك بالتساوي بين قائمة العراقية والتحالف الكردستاني. ومن المحتمل أن يزيد هذا مسألة تشكيل الحكومة تعقيداً، كما هو مبين أدناه.

مأزق إعادة فرز الأصوات قد يستمرّ

يمكن للمعركة حول نتائج الانتخابات أن تتحوّل إلى معركة مشؤومة. وربما تؤدّي إلى العنف، لكنها قبل كل شيء تؤدّي بالفعل إلى دعوات إلى التخلّي عن آلية البتّ في الخلافات الواردة في قانون الانتخابات. فقد بدأ المالكي يدعو إلى إعادة فرز شاملة للأصوات حالما أصبح واضحاً أنه قد لايفوز. قبل الانتخابات، وكانت قائمة العراقية هي التي أصدرت تحذيرات ملحّة في شأن احتمال حدوث تلاعب في الانتخابات. وجاءت مزاعم الاحتيال أيضاً من قائمة التوافق والائتلاف العراقي الموحَّد، ولاسيما من جانب جواد البولاني. وقد اقترح هذا الأخير تشكيل وفد مكون من الرئيس وزعماء كل التحالفات التي فازت بمقاعد في الانتخابات، للتشاور مع مسؤولي المفوضية المستقلة العليا للانتخابات على وضع خطة لإعادة فرز أصوات عيّنة محدَّدة من 10 في المئة من صناديق الاقتراع على الأقل. وأشار الرئيس طالباني أيضاً إلى أنه يعتقد بوجوب أن تكون هناك على الأقل عملية إعادة فرز جزئية للأصوات. وطالبت أصوات أكثر اعتدالاً، بما في ذلك زعيم المجلس الأعلى الإسلامي العراقي عمار الحكيم، بمجرد التحقيق في المخالفات، وهو ماكانت تقوم به المفوضية المستقلة العليا للانتخابات في الواقع. لكن ممثلي ائتلاف دولة القانون يرفضون أي دور للمفوضية في تسوية المنازعات الانتخابية، بحجة أنه يتمّ التحكّم باللجنة والتلاعب بها من قبل الولايات المتحدة التي ترغب في أن يصبح علاوي رئيساً للوزراء. العداء لأميركا يصبح على نحو متزايد الموضوع الرئيس لممثّلي ائتلاف دولة القانون.

ألمح المالكي إلى احتمال اندلاع أعمال عنف بعد الانتخابات، وذكّر الجمهور، من دون إصدار تحذير أو تهديد محدد - ولكن على نحو ينذر بالسوء بما يكفي - بأنه هو قائد القوات المسلحة. 

رفضت المفوضية حتى الآن رفضاً قاطعاً فكرة إعادة فرز الأصوات يدوياً، وتتّبع بدلاً من الإجراءات القانونية للنظر في ادّعاءات محددة قبل أن يتمّ التصديق على النتائج. وأعلن رئيس المفوضية فرج الحيدري أن إعادة فرز يدوية كاملة للأصوات ستكون مثيرةً للجدل، مايزيد من إمكانية حدوث غشّ، وتحتاج إلى ما لايقِلّ عن ثلاثة أشهر كي تكتمل.

لن تتمّ تسوية المسألة بسهولة. ائتلاف دولة القانون مُصِرّ على إعادة فرز الأصوات، وهو يتحوّل إلى تكتيكات تخويف كي يتمّ له ذلك. وقد لمّح المالكي إلى احتمال اندلاع أعمال عنف بعد الانتخابات، وذَكَّر الجمهور، من دون إصدار تحذير أو تهديد مُحدَّد، ولكن على نحو يُنذِر بالسوء بما يكفي، بأنه قائد القوات المسلحة. ويُعتقَد على نطاق واسع أن التظاهرات التي جرت في بعض المدن للدعوة إلى إعادة فرز الأصوات قد تم تصميمها من قبل ائتلاف دولة القانون، في تقليد للحركة الخضراء في إيران أو "الثورات الملوّنة" الأخرى التي نظُِّمَت في بلدان مختلفة للاحتجاج على انتخابات يُزعَم أنها مسروقة. حاول مسؤولون كبار في مجالس المحافظات في بغداد وتسع مناطق جنوبية يغلب عليها الشيعة أيضاً الضغط على المفوضية، مشيرين إلى أنه مالَم تتمّ إعادة فرز الأصوات فإنهم لن يتعاونوا مع الحكومة في المستقبل، بما في ذلك رفض تقاسم عائدات النفط مع الحكومة المركزية. قد يكون الكثير من هذا مجرد كلام فقط، لكن الوضع قد يخرج عن نطاق السيطرة.

لايستطيع المالكي ولا علاوي تشكيل حكومة لايكون الأكراد ممثَّلين فيها، كما لايمكن لأي منهما تدبّر الأمر من دون دعم سنّي.

من المرجّح أن يستمرّ الجمود في شأن إعادة فرز الأصوات لبعض الوقت، لكن المفاوضات حول تشكيل الحكومة بدأت بالفعل. وفي حين تكثر الإشاعات حول صفقات أبرمت بالفعل بين الجماعات المختلفة، إلا أنها متناقضة للغاية. علاوة على ذلك، تستمرّ المحادثات بين الأطراف، والتي تبيّن أنه لم يتمّ التوصّل خلالها إلى قرارات، على الرغم من أن بعض الاتجاهات تبدو واضحة بالنسبة إلى العناصر الفاعلة من الدرجة الثانية مثل كتلة التوافق.

مفاوضات صعبة لتشكيل ائتلاف 

مايعطي المفاوضات قوة خاصة هي حقيقة أن ائتلاف دولة القانون وقائمة العراقية في حاجة إلى استرضاء المجموعات الكبيرة نفسها من أجل تشكيل الحكومة. لايستطيع المالكي ولا علاوي تشكيل حكومة لايكون الأكراد ممثَّلين فيها، كما لايمكن لأي منهما تدبّر الأمر من دون دعم سنّي. وحتى لو كان ذلك ممكناً من الناحية العَدَدية، فإنه سيكون غير مقبول من الناحية السياسية. كلاهما يحتاج أيضاً إلى دعم الائتلاف الوطني العراقي، أو على الأقل جزء منه. المالكي سيجد صعوبةً في الحصول على بعض الدعم السنّي. فكتلة التوافق تميل بشكل واضح في اتجاه المالكي بالفعل، لكنها فازت بستة مقاعد فقط. علاوي لديه دعم من السنّة، لكنه لايستطيع الحصول على الدعم الكردي، إلا إذا نأى بنفسه عن بعض الحلفاء السنّة، بما في ذلك طارق الهاشمي وأسامة النجيفي، اللذين يدافعان عن دولة مركزية قوية وأطلقا تصريحات معادية للأكراد. الأكراد مصمّمون على الحصول على ثمن باهظ مقابل دعمهم، بما في ذلك استمرار الاعتراف بالحكم الذاتي الكردي، وتسوية النزاعات في شأن حدود كردستان، واتّخاذ إجراء برلماني في شأن دور القوات العسكرية الكردية، البشمركة، وإجراء استفتاء في كركوك نصّ عليه الدستور. الإصرار على إجراء استفتاء يثير الدهشة إلى حدّ ما في هذه المرحلة، لأن التصويت في كركوك توزّع بالتساوي بين التحالف الكردستاني وائتلاف العراقية.

ثمة اختبار يكشف عما إذا كان المالكي رجل دولة، يتمثّل في ما إذا كان مستعداً للتنحي لضمان أن التحالف الشيعي-الكردي في الغالب، الذي حكم في السنوات الخمس الماضية، سيحتفظ بالسيطرة. في الوقت الحاضر، يبدو هذا غير وارد.

المخاوف في شأن المالكي كرئيس للوزراء تعقّد تشكيل الحكومة

سيواجه كلا الطرفين صعوبةً كبيرةً في تشكيل ائتلاف قابل للحياة. فالمالكي الذي لايملك إلا القليل من الدعم السنّي حتى لو تمكّن من جذب التوافق إلى الائتلاف، يحتاج إلى كل الدعم الشيعي الذي يمكنه الحصول عليه. ولذلك فهو في حاجة إلى إعادة العلاقات مع الائتلاف العراقي الموحَّد. المشكلة هي أنه لم يعد المرشّح الوسط الضعيف الذي قبلت به كل الجماعات الشيعية في العام 2006. بدلاً من ذلك، أصبح زعيماً حازماً، مع أكثر من نفحة تسلّط، وصنع بعض الأعداء الحقيقيين في صفوف مؤيّديه السابقين. وعلى وجه الخصوص، فإن مقتدى الصدر، الذي فقد السيطرة على البصرة بعد هزيمة الميليشيا التابعة له على يد الجيش العراقي الذي كان يعمل بناءً على أوامر المالكي، متصلّب في رفضه الانضمام إلى ائتلاف دولة القانون لتشكيل الحكومة إذا مابقي المالكي رئيساً للوزراء. وأعرب آخرون في الائتلاف الوطني العراقي عن تحفّظات مُماثِلة حول المالكي شخصياً. ليس ثمة مايدلّ حتى الآن على أن فكرة التنحي مقبولة حتى بالحدّ الأدنى لدى المالكي. أما بالنسبة إلى الحصول على دعم سنّي إضافي، فقد زاد المالكي الأمر صعوبة من خلال الدفاع عن حظر اللحظة الأخيرة على حوالى 500 مرشح لاتهامهم بأنهم بعثيون. علاوة على ذلك، فإن بعض مساعديه، فضلاً عن أعضاء في الائتلاف الوطني العراقي مثل أحمد الجلبي وإبراهيم الجعفري، يتّهمون "العراقية" الآن بأنها تحالف بعثي بسبب الدعم التي تحظى به من السنّة. وثمة اختبار يكشف عما إذا كان المالكي رجل دولة يتمثّل بما إذا كان مستعداً للتنحي لضمان أن التحالف الشيعي-الكردي في الغالب، الذي حكم في السنوات الخمس الماضية، سيحتفظ بالسيطرة. في الوقت الحاضر، يبدو هذا غير وارد.

على علاوي إيجاد توازن بين العديد من الأفكار لتشكيل ائتلاف ناجح: أولاً، لابد له من إيجاد وسيلة لاجتذاب الدعم الكردي من دون أن يخسر الكثير من حلفائه من العرب السنّة، وهو يحتاج إلى اجتذاب جزء من الائتلاف الوطني العراقي على الأقل، ويحتاج في النهاية إلى التغلّب على الإحساس بعارِ الاتّهامات المتناقضة التي يقذفه بها خصومه، من أنه صنيعة الولايات المتحدة التي تتلاعب بالانتخابات لصالحه، وأنه يتّجه إلى تشكيل ائتلاف سيعيد البعث.

ها هي المساومة قد بدأت للتو.