شهدت الأشهر الأخيرة نقاشًا حادًا حول أهمية صناديق الثروة السيادية في النّظام الاقتصادي العالمي ودورها في الأسواق المالية. وقد أكّدت شركة "غلوبال إنسايت" للأبحاث أن صناديق الثروة السيادية شهدت نسبة نموٍ سنويّة بلغت 24% خلال السنوات الخمس الماضية. وتوقّع مصرف "مورغن ستانلي" للإستثمار أن يرتفع إجمالي قيمة هذه الصناديق من 3 تريليون إلى 12 تريليون دولار أميركي بحلول العام 2015. 
 
حاول المعلّقون وضع هذه الأرقام المدهشة في إطارها الصحيح. وهكذا، اعتبر نائب وزير الخزانة الأميركية روبرت كيميت أنه إذا ما أراد المرء إظهار حجم صناديق الثروة السيادية الكبير، بإمكانه أن يذكر أن صناديق التحوّط تدير 1،5 تريليون دولار تقريبًا، فيما تبلغ قيمة رسملة السوق الحالية في مؤشرS&P 500  حوالى 12 تريليون دولار. إلاّ أن مبلغ 12 تريليون دولار، من جهةٍ أخرى، ليس سوى جزء بسيط من إجمالي الأصول الماليّة في العالم التي تبلغ 190 تريليون دولار تقريبًا. وتبلغ قيمة الأصول التي يديرها المستثمرون المؤسسيون في الأسواق الناضجة (على غرار صناديق المعاشات التقاعدية وصناديق الهبات) حوالى 53 تريليون دولار. وتدير صناديق المعاشات التقاعدية أكثر من 15 تريليون دولار، وشركات التأمين 16 تريليون، وشركات الاستثمار 21 تريليون دولار. وهذه الأرقام لاتمثّل سوى نسبة ضئيلة من قيمة أوراق المديونية والملكيّة التي تتخطّى 100 تريليون دولار. 
 
لكن هذا التقييم يُغفل عنصرًا أساسيًا هو أن صناديق الثروة السيادية في دول الخليج تهدف في المقام الأول إلى أن يستفيد منها المواطنون. فما أهمّيتها، إذًا، في إطار الاقتصاد الوطني؟ 
 
يظهر التحليل نتائج مثيرةً للاهتمام في هذا الصدد، إذ تُقدَّر قيمة الأصول التي يديرها جهاز أبو ظبي للإستثمار بـ875 بليون دولار أميركي، أي مايوازي 675% من إجمالي الناتج المحلي في الإمارات العربية المتحدة. كما تشير التقديرات إلى أن صندوق الأجيال المقبلة، الذي تديره الهيئة العامة للإستثمار في الكويت، يدير أصولاً تفوق قيمتها 170 بليون دولار، أي ضعف إجمالي الناتج المحلي. وتبلغ قيمة أصول جهاز قطر للإستثمار أكثر من 60 بليون دولار أميركي أي 141% من إجمالي الناتج المحلي القطري. وحدها المملكة العربية السعودية تحظى بأصولٍ أكثر محدوديّة تديرها مؤسسة النقد العربي السعودي، فلا تبلغ سوى 100% من إجمالي الناتج المحلي السعودي. 
 
بناءً على هذه الأرقام، نستنتج أن صناديق الثروة السيادية على الرّغم من حجمها، قد لاتكون هائلةً إذا ماقارنّاها بأصول الجهات الأخرى في الأسواق المالية العالمية. إلا أنّ الأرقام تُظهر أن الصّناديق هذه بالغة الأهمية في إطار الاقتصادات الوطنية. 
 
إليكم بعض الأمثلة الأخرى: إذا ماتمكّن جهاز أبو ظبي للإستثمار من تحقيق عائدٍ بنسبة 8% وفق التوقّعات المتفائلة، تكون قيمة العائد 44300 دولار أميركي لكل مواطن إماراتي (من دون الأجانب) أي 63% من نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي، وهي نسبة هامة جدًا. والأمر ينطبق كذلك على الكويت. وقد حقّقت الهيئة العامة للإستثمار في الكويت نسبة نموٍ بلغت 8%، أي 17160 دولار أميركي لكل مواطن كويتي، أو 44% من نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي. وهذه ليست بالنّسبة الزهيدة بل تُظهر أهمية دور صناديق الثروة السيادية في المحافظة على ثروة دول الخليج المصدِّرة للنفط. 
 
إذن، لابدّ من التساؤل عن قدرة صناديق الثروة السيادية على المحافظة على الثروة هذه للأجيال المقبلة أو حتى تنميتها. تهدف الصّناديق هذه إلى تمكين الحكومات من تنويع الاستثمارات خارج الاقتصادات الوطنية والبحث عن آفاق عائدات مثيرة للإهتمام في أماكن أخرى. وإذا مافشلت الصّناديق في تحديد فرص الاستثمار الجذّابة خارج الاقتصاد الوطني، تكون غاياتها محطّ تساؤلات.
 
تشهد إقتصادات دول الخليج وتيرة نموٍ مُتسارعةً تتخطّى إلى حدٍّ بعيدٍ نسَب النمو في معظم اقتصادات العالم. لذلك من الصعب أن تحدّد هذه الصناديق فرصًا للاستثمار في الخارج توازي فرص الاستثمار المتاحة وطنيًا. فإذا ماتواصل نمو نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي في منطقة الخليج العربي بالوتيرة نفسها، وإذا ما افترضنا أن الصناديق تستثمر في الخارج أي في المناطق التي تشهد نموًا أبطأ، لن تنجح هذه الصناديق في المحافظة على رفاهية مواطني دول الخليج. علاوة على ذلك، لن تتمكّن هذه الصناديق من أداء مهمّتها بتأمين مستوى معيشي جيّد للأجيال المقبلة لما بعد الثورة النفطية، إلاّ في حال هدأت طفرة إقتصادات دول الخليج وبدأت وتيرة النمو في الاقتصادات الأخرى في العالم تتسارع. 
 
لعلّ أهمية صناديق الثروة السيادية ضمن الاقتصادات الوطنية وتعرّضها إلى النزعات الاقتصادية العالمية، من الأدلّة التي تشير إلى ضرورة إطلاق نقاشٍ واسع حول غاياتها واستراتيجيات الاستثمار التي تعتمدها. والحال أن صناديق الثروة السيادية لم تُمسِ موضوعًا مثيرًا للجدل لصانعي السياسات في الغرب وحسب، بل يجب أيضاً أن يولي الجمهور العربي اهتمامًا بالغًا بها عبر مقارنة العائد الذي تدرّه بنسبة المخاطر، إذ أن رفاهية المجتمعات العربية الاقتصادية في المستقبل على المحكّ.