منذ أن أطاحت الولايات المتحدة صدام حسين، ظلّت الحكومات العربية بعيدة عن بغداد. وفي الوقت الذي تنافست فيه الولايات المتحدة وإيران وتركيا على النفوذ في الديمقراطية العراقية الوليدة، ظلّت الدول العربية تشعر بالقلق من الارتباط بالاحتلال الأميركي الذي لايحظى بالشعبية، وبالحضور الجديد في المنطقة الذي يُهيمِن عليه الشيعة. واليوم، تبذل المملكة العربية السعودية جهوداً لإعادة العلاقات مع النخبة السياسية العراقية. 

على الرغم من أن الأسابيع القليلة الماضية حملت مؤشّرات على تحالف محتمَل بين ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، وبين الائتلاف الوطني العراقي الشيعي والأكراد، فإن جميع اللاعبين السياسيين في البلاد يتفقون على أهمية التمثيل السنّي النسبي في الحكومة المقبلة. وشجّع احتمال وجود برلمان عراقي يعد بتمثيل سني أكثر إنصافاً، السعوديين على أن يغيّروا رأيهم بعد انتخابات آذار/مارس. كان إقبال الناخبين العراقيين في آذار/مارس، بالنسبة إلى السعوديين، علامة إيجابية على أن السنّة تخلّوا عن عمليات المقاومة والاحتجاج والمقاطعة، وباتوا مستعدّين للعمل ضمن النظام الجديد. شارك السنّة في الانتخابات بأعداد كبيرة، مايُرجّح أن يكون لهم دور كبير في تشكيل مستقبل البلاد بعد انسحاب القوات الأميركية في العام 2011. والأهم من ذلك، أن الرياض تدرك الآن أنها تحتاج إلى إقامة علاقات قوية مع النخب السياسية في العراق، للتأكّد من أن الحكومة المقبلة في بغداد استيعابية وقادرة على حلّ مختلف النزاعات العرقية والطائفية.

أصبحت المملكة العربية السعودية حريصة على إشراك ممثّلي المجموعات العرقية والدينية الرئيسة في البلاد، كما تكشف المفاوضات. ففي منتصف نيسان/أبريل، التقى العاهل السعودي الملك عبدالله عدداً من أهم الساسة العراقيين في الرياض. وعقد رئيس حكومة إقليم كردستان مسعود بارزاني، والرئيس العراقي جلال الطالباني، ورئيس المجلس الأعلى الإسلامي في العراق عمار الحكيم، ووفد من التيار الصدري، فضلاً عن نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي من ائتلاف رئيس الوزراء السابق إياد علاوي، اجتماعات مع الملك عبد الله، تم فيها بحث رؤيتهم للحكومة العراقية المقبلة واحتمال تعزيز العلاقات مع المملكة. وتشير إعادة الانخراط الحذرة هذه إلى أن الرياض تقبّلت الآثار السياسية المترتبة على التركيبة العراقية متعددة الطوائف. وربما وجد السعوديون أيضاً أن من المجدي القيام بدور أوسع، في الوقت الذي يتراجع فيه نفوذ واشنطن وتواصل إيران استعراض عضلاتها. 

وبما أن المالكي انقلب بشكل كبير ضدّ الولايات المتحدة وجيران العراق العرب كذلك، مثل سورية والمملكة العربية السعودية، خلال الأشهر الأخيرة (أيّد سياسة اجتثاث البعث المثيرة للجدل وشديدة القسوة، وانتقد علناً الملك عبدالله) فقد عزّز مبدئياً وجهات النظر العربية التي تقول إن الوقت لم يحن بعد للانخراط مع بغداد. وقد ظهر هذا من خلال تجميد السعودية لتعاونها مع حكومة المالكي، وهو ما اتّضح أكثر عندما طلب المالكي زيارة المملكة، وتم رفض الطلب فيما بعد، وحُرِم المالكي من الزيارة. ومع ذلك، ففي الوقت الذي يتعزز فيه النفوذ الإيراني في العراق، ويتضح أن واشنطن لايمكنها مواجهته، أدرك السعوديون ودول عربية أخرى أن ثمة فرصة وضرورة للمشاركة هناك.

بعد إعلان نتائج الانتخابات التي جرت في آذار/مارس، توجّه ممثّلون رفيعو المستوى من المجلس الأعلى والتيار الصدري والأكراد وائتلاف المالكي إلى طهران أولاً لإجراء محادثات. لم تتم دعوة علاوي في البداية، لكن بعد أن اشتكى من هذا التجاهل، التقى الإيرانيون ممثّلين عنه في طهران. وفي 15 نيسان/أبريل، دلّل الملك عبد الله أن في وسع السعوديين أن يلعبوا لعبة إيران أيضاً، وكان حريصاً على أن يأتي الزعماء العراقيون للقائه في الرياض. ومع ذلك، لم يوجّه أي دعوة إلى رئيس الوزراء العراقي الحالي، مايشير إلى أن فترة ولاية ثانية للمالكي قد تُعرِّض تحسين العلاقات بين البلدين إلى الخطر.

ليس سرّاً أن السعوديين، إلى جانب معظم الحكومات العربية والغربية وتركيا، يُفضِّلون أن يتولى علاوي رئاسة الحكومة العراقية المقبلة. ومع أن علاوي شيعي علماني، فقد حقق ائتلافه "العراقية" أداء قوياً في أوساط السنّة في انتخابات آذار/مارس، وفاز بـ 91 من 325 مقعداً، وأظهر لبقية العراق والعالم العربي أن السنّة مستعدون للعب دورهم في مستقبل البلاد. وقد جعل علاوي أيضاً من استعادة العلاقات مع الدول العربية الحذرة أولوية، وزار هو وشركاؤه في الائتلاف عدداً من تلك الدول خلال الأشهر الستة الماضية. الدول العربية تُقدِّر أن ائتلاف العراقية بزعامة علاوي سيسعى إلى دمج السنّة في النسيج السياسي العراقي. ويبدو الآن أن السعوديين يردون على مبادرات علاوي من خلال الإدلاء بدلوهم في عملية مابعد الانتخابات. 

طوال هذه الفرصة الخجولة، حرصت المملكة العربية السعودية على الوقوف على مسافة متساوية من جميع الأطراف، وعلى دعم تشكيل حكومة وحدة وطنية. إذ يدرك السعوديون بأن عليهم ألا يظهروا دعمهم لعلاوي على وجه الحصر. وبدلاً من الإصرار على اختيار علاوي، يبدو أن الملك عبدالله أعرب لممثلي الأكراد والشيعة في العراق عن أمله في أن يكون ائتلاف العراقية مُمثَّلاً بشكل جيد في الحكومة المقبلة، وأن يكون رئيس الوزراء المقبل مستعداً وقادراً على تهيئة نظام شامل، ويحافظ على استقرار العراق ويعمل على إدماج هذا البلد في الخليج.

ويُدرك الملك عبدالله بالتأكيد أن العديد من اللاعبين الرئيسيين في العراق لديهم مشاكل مع حكومة يرأسها علاوي، وأن الدفع بقوة في هذا الاتجاه في هذه المرحلة سيؤدّي إلى نتائج عكسية. وعلى السعوديين أن يؤكّدوا لنظرائهم العراقيين أن دوافع مشاركتهم لاتقتصر فقط على الرغبة في مواجهة النفوذ الإيراني، أو تقويض علاقات طهران مع القادة في بغداد، وإنما يرون الآن أن اللحظة مناسبة، وأنهم على استعداد لمساعدة العراق في اتخاذ الخطوة التالية إلى الأمام . 

يتمتع الملك عبدالله بنفوذ كبير، باعتباره الزعيم الفعلي للعالم العربي. فإذا، ومتى، بارك الحكومة العراقية المُقبِلة، فإنه سيشجع القادة العرب الآخرين على تعزيز علاقاتهم مع بغداد. مبادرة الملك عبدالله – وعزم ائتلاف العراقية على تقديم نفسه على أنه يُبشِّر بتحسين العلاقات مع العالم العربي - حفزا بالفعل على حدوث حركة هادئة في مختلف أنحاء العالم العربي تجاه العملية السياسية في العراق، بما في ذلك الزيارة التي قام بها الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى للعراق، والبيان السعودي - البحريني المشترك لدعم صوت عراقي مُوحَّد. وبالإضافة إلى ذلك، وبناء على طلب نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي، أمر أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح مؤخراً بإطلاق سراح جميع من تبقى من السجناء العراقيين في السجون الكويتية.

على الرغم من أن السعوديين قد لايُعرقِلون " الفيتو الإيراني" الذي كثيراً مايتمّ التهامس به في شأن مَن سيكون رئيس الوزراء العراقي المقبل، تبدو مشاركة الرياض في الوقت الحالي خطوةً في الاتجاه الصحيح.