تبدو مرحلة مابعد الانتخابات التي جرت في العراق أكثر صعوبةً مما كان متوقعاً، ما أدّى إلى تأجيل التحسّن على صعيد الأمن والتنمية الاقتصادية في العراق على المدى الطويل إلى أجل غير مسمى. فتشكيل حكومة جديدة يؤَجَّل باستمرار بسبب عملية اجتثاث البعث في مرحلة مابعد الانتخابات، إضافةً إلى المطالب المتزايدة لإعادة فرز الأصوات على نطاق واسع.

من المفارقات أن من غير المُرجَّح أن يكون للمفاوضات الجارية حالياً بين الائتلافات أثر يُذكَر، لأنه في النهاية سيكون من المستحيل على أي ائتلاف تشكيل حكومة لاتستمدّ الدعم من الشيعة والسنّة والأكراد، وبالتالي من الائتلافات الأربع التي فازت بمعظم المقاعد في مجلس النواب: ائتلاف العراقية وائتلاف دولة القانون والائتلاف الوطني العراقي والتحالف الكردستاني. فإياد علاوي، الذي فاز ائتلافه "العراقية" بـ91 مقعداً، في حاجة إلى دعم من الائتلاف الوطني العراقي وائتلاف دولة القانون لتشكيل حكومة تكون ذات صدقية في نظر الغالبية الشيعية. أما ائتلاف دولة القانون والائتلاف الوطني العراقي فسيلقيان بنفسيهما إلى التهلكة إذا ما استبعدا كتلة العراقية، التي تستحوذ على الجزء الأكبر من الأصوات السنّية. ولا أمل لأي من الطرفين في حكم عراق موحد إن لم يكن التحالف الكردستاني شريكاً في الحكومة. فالفصائل المتنافسة في حاجة إلى بعضها لتشكيل حكومة وهي تدرك ذلك، لكن هذا لايُسهِّل التوصل إلى اتفاق. 

ائتلاف دولة القانون في مواجهة كتلة العراقية

تكمن المشكلة الرئيسة في الصراع بين كتلة العراقية التي فازت بـ 91 مقعداً، وائتلاف دولة القانون، الذي حصل على 89، بيد أن هذا الأخير لايزال يناور منذ الانتخابات لتقليص تفوق العراقية أو التخلص منه. يخوض الائتلافان صراعاً ضد بعضهما بعضاً في ساحتين: عملية اجتثاث البعث وإعادة فرز الأصوات. وفي كلتا الساحتين بادر ائتلاف دولة القانون إلى الهجوم. وفي حين يبدو أن الأمور تتجه لصالح ائتلاف دولة القانون في المدى القصير، فإن هذا يمكن أن يكون نصراً باهظ الثمن.

حكاية اجتثاث البعث في مرحلة مابعد الانتخابات 

بعد الانتخابات مباشرةً، أطلق نوري المالكي الهجوم الأول في معركة اجتثاث البعث في مرحلة مابعد الانتخابات، عندما قال إن بعض المرشحين الذين انتخبوا يجب أن يكونوا في السجن وليس في مجلس النواب. وفي الواقع، وقبل أقل من أسبوع من الانتخابات، سعى علي اللامي رئيس لجنة العدالة والمساءلة، إلى حرمان 52 مرشحاً إضافياً، إضافة إلى أكثر من 500 مرشّح تم حظرهم بالفعل قبل الانتخابات. وفي يوم 26 نيسان/أبريل، أيدت لجنة الطعون القضائية استبعاد هؤلاء المرشّحين الـ52، على الرغم من أن الانتخابات جرت بالفعل. 

وفي حين أن واحداً أو اثنين فقط من المرشحين الـ52 الذين تم حظرهم فاز فعلاً بمقعد، فقد كانت للحكم آثار سياسية بعيدة المدى. علاوة على ذلك، أشارت لجنة العدالة والمساءلة إلى أنه قد يتم حظر تسعة مرشحين من الذين فازوا بمقاعد في وقت قريب. ووفقاً لتفسير محكمة الاستئناف الاتحادية، لن تخسر الأحزاب المقاعد التي فاز بها المرشحون المحظورون فقط، لكنها ستخسر أيضاً جميع الأصوات التي حصل عليها هؤلاء المرشحون. وهذا يعني أن عملية فرز الأصوات برمّتها ستتأثر، ونتيجةّ لذلك، سيتأثّر توزيع المقاعد الـ325 في مجلس النواب أيضاً، وهي نتيجة غير مقصودة لاعتماد نظام القائمة المفتوحة (الذي أثنى عليه المجتمع الدولي كثيراً)، والذي لم يسمح للناخبين باختيار الأحزاب فقط، بل باختيار المرشحين الأفراد أيضاً. ومن الجوانب المؤسفة للوضع القائم أن القواعد المتعلقة بما سيحدث نتيجة للحظر يجري وضعها بطريقة خاصة من قبل لجنة العدالة والمساءلة. ويقول العديد من الأحزاب بوجوب أن تحتفظ بجميع الأصوات التي حصلت عليها هي ومرشحوها، وأن تذهب المقاعد التي فاز بها المرشحون الذين تم حظرهم الآن إلى الشخص التالي في القائمة.

هذا القرار الذي اتخذ لحظر مسؤولين منتخبين، جرّ العراق إلى منطقة مجهولة حقاً، حيث ازدادت صعوبة فصل القرارات السياسية الخاصة عن تلك التي تستند إلى المعايير القانونية. القانون الذي صدر في كانون الثاني/يناير 2008 والذي تم بموجبه إنشاء لجنة العدالة والمساءلة وتحديد ولايتها، لم يلحظ إمكانية حظر المرشحين بعد الانتخابات، وليس ثمة من سابقة يمكن اتخاذ قرار على أساسها، حيث إن هذه الانتخابات هي الأولى التي تجرى في ظل القانون. ومما يجعل القرار سياسياً أكثر هو أن عمليات الحظر بعد الانتخابات ستؤثّر على كتلة العراقية بشكل خاص، كما حدث في عمليات الاستبعاد التي سبقت الانتخابات. وبما أن اثنين وعشرين من المرشّحين الذين تم حظرهم بعد التصويت ينتمون إلى كتلة العراقية، فإنها يمكن أن تخسر أفضليتها الضئيلة بمقعدين على ائتلاف دولة القانون.

ثمة أيضاً تساؤلات حول الوضع القانوني الحالي للجنة العدالة والمساءلة، التي تم اختيار أعضائها من قبل مجلس الوزراء ووافق عليها البرلمان، وصادق عليها مجلس الرئاسة، وهي مؤسسات انتهت ولايتها مع نهاية ولاية البرلمان السابق، وتعمل في فراغ قانوني في الفترة الانتقالية لحين تشكيل الحكومة. الوضع سيزداد سوءاً حيث تمتدّ الفترة الانتقالية من بضعة أسابيع نص عليها الدستور إلى أشهر عدة، وهو مايبدو الآن ممكناً.

ومازاد البلبلة حول ولاية أعضاء لجنة العدالة والمساءلة، هو أن عضواً في كتلة العراقية يزعم أن المالكي أعرب عن نيته استبدال بعض أعضاء اللجنة، وهو الأمر الذي ربما لايمكنه القيام به من الناحية القانونية في هذه المرحلة. ومع ذلك، فقد دافع بعض أعضاء ائتلاف دولة القانون والائتلاف الوطني العراقي عن قرار لجنة العدالة والمساءلة ولجنة الطعون الخاصة، والذي وافق عليه أيضاً البرلمان المنتهية ولايته. ويبدو أن المالكي يعيد النظر في الحكمة من الانحياز إلى حدّ بعيد إلى قرارات اللجنة الاستشارية المشتركة ولجنة الطعون؛ ففي 29 نيسان/أبريل، أعلن المتحدث باسمه، علي الدباغ، أن آخر قرار لاجتثاث البعث يحتاج إلى إعادة نظر، كما هو الحال بالنسبة إلى قانون المساءلة والعدالة، في ضوء انعكاساتهما السياسية. 

مطالب إعادة فرز الأصوات

الجدل حول إعادة فرز الأصوات يبعث على الحيرة وهو يجري في فراغ قانوني كذلك، حيث تلعب السياسة دوراً يوازي في أهميته، على الأقلّ، القواعد والإجراءات القانونية الواجبة. فالعملية الرسمية تقتضي أن يتم تقديم الشكاوى ضد الانتهاكات التي تتم في الانتخابات في غضون 48 ساعة من وقت حصول الانتهاك المزعوم، ويفترض أن يتم ذلك في يوم الانتخابات أو أثناء عملية الفرز. وبعد ستة أسابيع من إجراء الانتخابات، لاتزال الأحزاب السياسية تطالب بإعادة الفرز في مناطق مختلفة من البلاد. والواقع أن فرج الحيدري، رئيس المفوضية العليا للانتخابات العراقية، اعترف بأن الأحزاب لم تحترم المواعيد النهائية لتقديم الشكاوى، كما أنها لم تقدّم بالضرورة شكاوى دقيقةً. وأشار أيضاً إلى أن قانون الانتخابات ينصّ على إعادة فرز الأصوات في المراكز الانتخابية التي تم فيها تقديم شكاوى محددة، وأنه يواجه الآن القرار الذي اتخذته لجنة الطعون القضائية الذي ينصّ على إعادة فرز كل بطاقات الاقتراع في بغداد، حتى في المراكز التي لم تقدّم فيها شكاوى مُحدَّدة.

لقد أدّى التراخي في مراقبة القانون إلى فتح الباب أمام طوفان حقيقي من المطالب لإعادة فرز الأصوات. وكما ذُكِر سابقاً، فقد طالب ائتلاف دولة القانون بإعادة فرز الأصوات في بغداد، ويفترض أن تبدأ عملية إعادة فرز الأصوات في 3 أيار/مايو. لكن أحزاباً أخرى تتبع الآخرين في مطالبهم. فقد طلبت كتلة العراقية إعادة فرز الأصوات في البصرة والنجف بدعوى وجود مخالفات هناك، إلا أن بياناً صدر عن الأحزاب في 20 نيسان/أبريل يُعرِب عن القلق أيضاً حول مكان صناديق الاقتراع التي تريد إعادة فرزها والرقابة عليها. كما أعربت عن مخاوف من أن تكون الحكومة تستهدف موظّفي المفوضية العليا للانتخابات. هذه البيانات تشير إلى أن كتلة العراقية لم تَعُد تؤمن أن عملية إعادة فرز نزيهة للأصوات أمر ممكن. والواقع أن علاوي وغيره من زعماء كتلة العراقية يلمحون الآن إلى أن الوضع ربما يكون تجاوز النقطة التي يمكن لإعادة فرز الأصوات أن تحلّ المشاكل، وأن إجراء انتخابات جديدة قد يصبح ضرورياً، أو أنه ربما تكون هناك حاجة إلى تدخّل الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو جامعة الدول العربية، لكن ليس واضحاً على أي أساس. وعلى الرغم من هذه التعليقات، لم تدع كتلة العراقية رسمياً إلى إجراء انتخابات جديدة. 

وقد تبعت الأحزاب الكردية أيضاً الآخرين في مطالبهم. فهي أعلنت أولاً، كما فعل الائتلاف الوطني العراقي، أنها أوقفت المفاوضات حول مشاركتها في الحكومة المقبلة حتى تنتهي عملية الفرز ويتم نشر نتائج الانتخابات المعتمدة. وهي ثانياً، طالبت بإعادة فرز الأصوات في بعض المناطق. مصادر قريبة من التحالف الكردستاني تشير إلى الحاجة إلى إعادة فرز الأصوات في كركوك، واستناداً إلى بعض التقارير، في الموصل و/أو نينوى، وبعبارة أخرى، في جميع المناطق المُتنازَع عليها. ونفت المفوضية العليا للانتخابات تلقي طلب رسمي من السلطة القضائية لإعادة فرز الأصوات في هذه المناطق حتى الآن، ولكن أحد أعضائها ذكر أنه إذا كان قد تم تلقي مثل هذا الطلب وقبوله، فسيتعيّن على المفوضية إجراء انتخابات جديدة بدلاً من ذلك.

المعركة حول نتائج الانتخابات لمّا تنته بعد، بل هي إلى تصاعد. وبغض النظر عن كيفية حلها، فمن الواضح الآن أن الحلّ سيكون على أساس قرارات سياسية، وليس بناءً على المعايير القانونية، وأن الفترة الانتقالية ستستمرّ لأشهر عدة.