سئل محدثي، وهو مسؤول في الإدارة الأميركية ومعني بملفات الشرق الأوسط، عن حقيقة حراك المعارضة في مصر اليوم وأوجه التشابه والاختلاف بينه وبين لحظة الحراك التي سبقت انتخابات 2005 الرئاسية والتشريعية ولم تسفر، كما قال، في التحليل الأخير عن تغيرات عميقة في البنية السلطوية للسياسة المصرية. أجبت بأن الحراك الراهن يتماثل مع سلفه في 2005 على مستويات أربعة: الدور المركزي الذي تضطلع به المعارضة غير الرسمية وغير الحزبية، انتظام حركات ومجموعات ونشطاء ينتمون لتوجهات أيديولوجية وسياسية مختلفة وتوافقها على أجندة وطنية للإصلاح والتغيير، إعطاء تعديل الإطار الدستوري والقانوني الناظم للمنافسة السياسية والعملية الانتخابية باتجاه ديموقراطي صريح أولوية قصوى، السعي الى توظيف الشارع من خلال تظاهرات ومسيرات سلمية كساحة الفعل المعارض الرئيسية. أما أوجه الاختلاف فترتبط بسعي المعارضة غير الرسمية وغير الحزبية اليوم الى تجاوز النخبوية التي صبغتها في 2005 وتحايلها على القيود الحكومية المفروضة على فعالياتها باستخدام مكثف للتكنولوجيات التواصلية الحديثة، وكذلك بدور محمد البرادعي كرمز وعنوان لحراك المعارضة في 2010.

عقّب محدثي مؤكداً أنه يدرك أهمية دور البرادعي وحقيقة وجود قطاع معتبر من المصريين الذين ينظرون إليه كمشروع لسياسي يستطيع أن يحوز قبول الداخل والخارج، بيد أنه يرى أن الرجل لا يعرف الكثير عن تفاصيل إدارة السياسة في مصر لبعده الطويل عنها وأنه وضع نفسه في مأزق، باشتراطه تعديل الإطار الدستوري والقانوني كي يشارك في الانتخابات الرئاسية كمرشح مستقل ورفضه الانضمام الى حزب قائم والحصول على حق الترشح من خلاله. قلت أن الغياب الطويل عن مصر يمثل ولا شك عقبة لدور البرادعي ويضع بعض الحدود على قدرته على إدارة حوار ناجع حول مستقبل مصر إن مع المؤسسات والقوى الفاعلة داخل نخبة الحكم كالمؤسسة العسكرية والأمنية ونخبة المال والأعمال أو مع المعارضة الحزبية، والأخيرة تظل هامة على رغم انحسار دورها. اتفقت معه أيضاً على أن اشتراط تعديل الدستور كشرط مسبق يشكل مأزقاً وربما يؤدي إلى غياب البرادعي عن الانتخابات الرئاسية عام 2011 إن استمر رفض نخبة الحكم للتعديل، وهو بحسابات اليوم السيناريو الأقرب الى الحدوث. إلا أنني عبرت عن تفهمي لبعض الاعتبارات التي دفعت البرادعي لربط ترشحه بتعديل الدستور، وهي رفضه المشاركة في لعبة التعددية المقيدة وقناعته بأن قطاعاً واسعاً من المصريين يرغب في رؤية تغير حقيقي والخوف من اختزال دوره إلى مجرد أحد مرشحي المعارضة في انتخابات رئاسية معلوم سلفاً فوز مرشح نخبة الحكم بها.

لم تعجبه دفوعي فقال إن الإصلاح الديموقراطي لا يمكن أن يحدث في بلد كمصر من دون تدرجية تعتمد على بناء التوافق بين نخبة الحكم وبعض فاعلي المعارضة، وإن الإصلاح لن يتقدم من دون معارضة واعية تسعى لتوظيف أنصاف وأشباه الفرص المتاحة لتعظيم المشاركة السياسية وتجاوز القيود الحكومية. وقبل أن أعبر عن شيء من الاتفاق معه وأعيد تذكيره بأن التعددية المقيدة هي معنا في مصر منذ عقود ولم تسفر إلى اليوم عن منافسة حقيقية بين النخبة والمعارضة، عاجلني بملاحظة هامة مفادها أنه يرى الكثير من المنطق في رفض النخبة تعديل الدستور باتجاه تخفيف القيود المفروضة على ترشح المستقلين في الانتخابات الرئاسية نظراً لمركزية دعم الأحزاب وإخراجها من وضعية التردي الراهنة، وخوفاً من أن يرتب تخفيف القيود قيام جماعة «الإخوان المسلمين» بالدفع بأحد قياداتها كمرشح في الانتخابات الرئاسية وهو ما قد لا تحمد عقباه في مصر. وعلا إعجابي بصراحة المسؤول ووعيه بما قد يعنيه واقعياً تعديل ديموقراطي الجوهر يطاول المادة 76 من الدستور في ضوء الأوزان المختلفة للقوى السياسية المصرية، إلا أنني اختلفت معه مشدداً على أن تقوية ودعم الأحزاب الرسمية يفترض السماح لها بالتحرك الجماهيري والفعل السياسي المنظم، وفي وجه ذلك تقف حال الطوارئ كما أن مشاركة بعض الأحزاب بمرشحين في الانتخابات الرئاسية عام 2005 لم تعد عليها بالكثير من الحيوية التنظيمية أو السياسية. ثم ذكرته بأن جماعة «الإخوان» بوضعيتها في 2010، وبعد خمسة أعوام من المواجهة المرهقة بينها وبين النخبة ومن تصاعد الخلاف الداخلي بين من يتبنون المشاركة السياسية ومن يشككون بها، ليست في وارد الدفع بمرشح في الانتخابات الرئاسية القادمة في حال تخفيف القيود على المستقلين، بل أنها على الأرجح ستخفض من مساحة مشاركتها في الانتخابات التشريعية هذا العام لضمان عدم استفزاز النخبة وأملاً في تراجع الضربات الأمنية الموجهة ضدها.

أردفت قبل رده، ولتغيير قواعد لعبة الحوار بيننا قليلاً، سائلاً عن موقف إدارة أوباما من حراك المعارضة في مصر وقراءتها للمشهد الانتخابي القادم وتداعياته المحتملة. أجاب باختصار مشيراً إلى النقاط الآتية: 1- من الخطأ الظن إن إدارة أوباما غير معنية أو غير مهتمة بقضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان في مصر لمجرد تخفيضها لاعتمادات الديموقراطية في المعونة السنوية المقدمة لمصر أو لغياب الموقف العلني، فالحوار بين الحكومتين الأميركية والمصرية يدور خلف أبواب موصدة. 2- تحاور الولايات المتحدة الحكومة المصرية انطلاقاً من وعود الإصلاح التي صاغها الرئيس مبارك وتبنتها الحكومة خلال الأعوام الماضية، كإنهاء العمل بقانون الطوارئ ورفع القيود عن عمل الأحزاب والمجتمع المدني والتزام نزاهة العملية الانتخابية. 3- غياب التقدم عن جل أو بعض مثل هذه الملفات، وهو حال اليوم خاصة والإشارات تتواتر من القاهرة عن قرب تمديد قانون الطوارئ، لن يرتب تأزماً في العلاقات الرسمية بين الولايات المتحدة ومصر، لقناعة إدارة أوباما، وعلى النقيض من إدارة بوش، بأن الحوار حول الديموقراطية ينبغي إن يتسم بالإيجابية ووعيها بأهمية الحفاظ على استقرار مصر ومركزية دورها الإقليمي. 4- موسم الانتخابات المصرية سيفرض على الإدارة، وربما الكونغرس، صياغة موقف علني من شروط العملية الانتخابية وإداراتها يرتكز إلى ضرورة السماح بأكبر قدر ممكن من المنافسة بين نخبة الحكم والمعارضة الحزبية وضمان الرقابة الداخلية وإن أمكن الدولية على الانتخابات. 5- تعتقد الإدارة أن الأولوية اليوم في مصر ليست لتعديل الدستور، بل لاختبار تداعيات التعديلات الدستورية التي أدخلت عام 2007 والعمل على تعظيم التنافس في الإطار الدستوري القائم. 6- ظاهرة البرادعي محل اهتمام في واشنطن، ولكن من دون مبالغات في تقييم دوره المحتمل، بخاصة مع مأزقه إن لم يعدل الدستور وفي ظل غياب برنامج عمل محدد للجمعية الوطنية للتغيير، ومن دون تجاهل المواقف السلبية لبعض الحركات المتحلقة حوله إزاء الولايات المتحدة ومصالحها في الشرق الأوسط.

أعاد المسؤول تغيير قواعد لعبة الحوار مجدداً طالباً رأيي لجهة «المطلوب» من الولايات المتحدة في موسم الانتخابات المصرية. قلت أن الإطار الذي وضعه هو لفعل إدارة أوباما يعني واقعياً دوراً أميركياً محدوداً وأولوية هامشية لملفات الديموقراطية في الفترة القادمة. أما القراءة المحلية فتتراوح بين قبول حكومي بالدور المحدود وتسليم في أوساط المعارضة بأن الولايات المتحدة أكثر اهتماماً بدور مصر الإقليمي وباستقرار الحكم فيها وغير معنية بالديموقراطية وصيرورتها. أما قناعتي الخاصة فهي أن على إدارة أوباما، والى جانب استمرارها في الحوار الإيجابي مع النخبة، أن تنتج موقفاً علنياً يستند إلى خليط من وعود الحكم ومطالب المعارضة الإصلاحية، كإنهاء العمل بقانون الطوارئ والرقابة على الانتخابات، ويركز في 2010 على الانتخابات التشريعية ولا يتعجل الحديث عن الاستحقاق الرئاسي وظروفه وشروطه.