رأى بول سالم، مدير مركز كارنيغي للشرق الأوسط في لبنان، أن هذا القرن قد يكون قرن تركيا لأنها البلد الوحيد في الشرق الأوسط الذي يتّجه بالفعل إلى المستقبل. وقال خلال مقابلة مع صحيفة "تودايز زمان"، أثناء وجوده في إسطنبول لمناقشة وجهات النظر العربية في تركيا: "لقد فهمت تركيا كيف تكون ديمقراطيةً فاعلةً في الشرق الأوسط، وكيف تجعل الإسلام السياسي معتدلاً وتُمكِّنه من أن يكون حزباً نظامياً. كما فهمت كيف تمارس النشاط الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين، وكيف تجمع بين الإسلام والعلمانية، والعلم، والفردية، والجماعات ذات المصالح المشتركة كلّها في المجتمع نفسه في الشرق الأوسط".
 
وأجاب سالم، الذي حضر إلى إسطنبول للمشاركة في مؤتمر حول النتائج التي توصّل إليها استطلاع أجرته في تموز/يوليو الماضي المؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية (TESEV)، في مصر، والأردن، والأراضي الفلسطينية، ولبنان، والمملكة العربية السعودية، وسورية، والعراق، على أسئلتنا في زاوية "حوار الاثنين" Monday Talk. 
 
 
أظهرت نتائج الاستطلاع الذي أجرته المؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية (TESEV) أن وجهات النظر العربية في تركيا أصبحت إيجابيةً إلى حدّ كبير في السنوات الأخيرة. الاستطلاع جاء بعد عملية التوغّل الإسرائيلية في قطاع غزة وحادثة دافوس، عندما بلغت شعبية رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ذروتها. وتخطّط المؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية (TESEV) لتكرار هذا الاستطلاع، ولكن أريد أن أسألك ما إذا كنت تتوقّع حدوث تحوّل كبير لدى الرأي العام العربي تجاه تركيا؟ 
 
لا أعتقد أن الموقف العربي من تركيا سيكون مختلفاً جداً؛ قد يكون مختلفاً قليلاً في الأراضي الفلسطينية. فجزء كبير من الموقف تجاه تركيا في البلدان العربية الأخرى لا يتّصل مباشرة بحادثة دافوس أو حرب غزة نفسها. تغيّرت صورة تركيا إلى حدّ كبير منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، ورفضه الحرب على العراق، ومنذ أن أقامت تركيا علاقات اقتصاديةً وسياسيةً وأمنيةً مع العديد من الدول العربية، ومنذ أن اتّخذت موقفاً أكثر صرامةً تجاه إسرائيل في شأن عملية السلام. لم تكن حادثة دافوس إلا الجزء الظاهر في التحوّل في السياسة الخارجية التركية تجاه إسرائيل. 
 
 
ماذا تقول في تصوّرات الشعب اللبناني لتركيا، بما أنك لبناني؟
 
اللبنانيون يمرّون بفترة من الانقسام، ومختلف المجموعات تنظر إلى تركيا بصورة مختلفة. فالطائفة السنّية، التي تشعر بالتهديد من جانب إيران وحزب الله والطائفة الشيعية، ترنو إلى تركيا باعتبارها قوّةً سنّيةً مستقرّةً ومُطْمَئنّةً. وفي لبنان أيضاً ثمة أولئك (العديد من نخبة رجال الأعمال) الذين ينظرون إلى تركيا باعتبارها نموذجاً إيجابياً للتصنيع والعولمة من دون تغيير ثقافي جذري. معظم هؤلاء لديهم وجهات نظر إيجابية لأن سياسة تركيا القاضية بـ"عدم حدوث مشاكل البتة" تعني سياسة الصداقة مع الجميع. علاقة الصداقة التي كانت تزعج الناس في العالم العربي هي الصداقة مع إسرائيل. وقد غيّر رئيس الوزراء [رجب طيب] أردوغان تلك العلاقة قليلاً. لازالت علاقات تركيا وإسرائيل جيدة، لكن تركيا تمارس بعض الضغوط على إسرائيل. بخلاف ذلك، علاقات الأتراك جيدة مع الإيرانيين، والسعوديين، والسوريين، والمصريين، والعراقيين، والأميركيين، والروس، وما إلى ذلك، بحيث لا يزعجون أحداً، ويكونون موضع ترحيب كلاعبين.
 
 
تطرّقت في مداخلتك إلى نظام عربي جديد؟ هل لك أن تعطينا تفاصيل عن ذلك؟ وكيف تغيّر النظام العربي؟
 
إذا نظرنا إلى فترة الـ90 عاماً التي مرت منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية حتى انهيار العراق، نجد أن الدول العربية حصلت على استقلالها من تركيا في الحرب العالمية الأولى، ومن القوى الاستعمارية الغربية في الحرب العالمية الثانية. بعد ذلك نظّمت الدول العربية المنطقة بوصفها عالماً عربياً، لابوصفها عالماً إسلامياً، ولا عالماً شرق أوسطياً. وأُسِّست جامعة الدول العربية في العام 1945 لتنظيم تلك العلاقة. في الخمسينيات، كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر زعيماً جماهيرياً جعل من القومية العربية حركته الإديولوجية. واعتُبِرت الدول الثلاث الأخرى في المنطقة - إسرائيل وتركيا وإيران - غريبةً أو عدوةً من نوع أو آخر. كانت إسرائيل عدواً لدوداً للغاية، وكان يُنظَر إلى إيران في عهد الشاه على أنها عميلة الولايات المتحدة ومُعادية للعالم العربي. في الماضي، كان يُنظَر إلى تركيا أيضاً على أنها مُعادية نوعاً ما لأنها كانت تقيم علاقات قويةً مع إسرائيل، وكانت جزءاً من حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وقريبة من الولايات المتحدة، وكان القوميون العرب ينظرون إليها نظرةً سلبيةً. وخلال معظم تلك الفترة، لم تكن تركيا مهتمّةً بالعالم العربي، ولم تكن إيران مهتمّةً بالعالم العربي كذلك. معظم ذلك تغيّر الآن. تركيا الآن مهتمّة. وإيران أصبحت مهتمّةً في العام 1979، كما أن النظام العربي نفسه أصبح ضعيفاً عندما وقّعت مصر اتفاقاً مع إسرائيل في العام 1979 بوصفها زعيمةً للعالم العربي وتمّت خسارة مصر. ومثّل احتلال العراق للكويت نهاية كل نوع من التعاون العربي تقريباً. ولكن الانهيار النهائي تمثّل بغزو العراق من قبل الولايات المتحدة وانهيار العراق كدولة.
 
 
لماذا كان ذلك هاماً؟
 
كان العراق يمثّل في الواقع الحدود العربية والدولة الحاجزة تجاه إيران وتركيا. وعندما انهارت تلك الحدود أصبحت إيران وتركيا جزءاً من الشرق الأوسط العربي. ومامِن قدرة حقيقية الآن لإعادة بناء النظام العربي القديم كنظام خاص. على العرب والأتراك والإيرانيين الآن التعامل مع بعضهم بعضاً. عليهم الاعتراف بهذا الواقع الجديد. يجب أن تُبنى العلاقة التركية-العربية-الإيرانية، ولاسيما في مايتعلّق بإيران. العلاقات التركية-العربية آخذة في التحسّن، إذ مامِن قضايا كبيرة بينهما في الواقع، لكن إيران لاعب كبير أيضاً. إنها تحتاج إلى مزيد من الانخراط بصورة عملية مع جيرانها، وجيران إيران في حاجة أيضاً إلى الانخراط معها أكثر. 
 
 
ما تقييمك لمقاربة تركيا تجاه إيران بهذا المعنى؟ 
 
مقاربة تركيا تجاه العالم العربي جيدة جداً، فهي مقاربة واقعية لا إديولوجية. وتركيا أيضاً صديقة لإيران، إذ تُطَمئِن هذه الأخيرة في شأن القضايا التي تحتاج إلى طمأنة إزاءها، وتشجّعها كذلك على اتّخاذ مواقف أكثر واقعية. تركيا تبذل قصارى جهدها، ولكنها بالطبع، لا تستطيع أن تقرّر الموقف بمفردها.
 
 
ماهي فرص النجاح التي تتوقّعها للصفقة التي وافقت عليها إيران والبرازيل وتركيا يوم الاثنين الماضي لإرسال 1200 كيلوغرام من اليورانيوم المنخفض التخصيب إلى تركيا، كجزء من صفقة مبادلة الوقود النووي لتجنّب عقوبات دولية جديدة بسبب برنامجها النووي؟ 
 
تمثّل الصفقة إعلاناً في الاتّجاه الصحيح. نحن لا نعرف ما إذا كان ماحدث انفراج، بمعنى أنه حلّ حقيقي أم لا؛ أشكّ في ذلك إلى حدّ ما. إذا كان ثمة انفراج فعلاً، فإنه حدث في الواقع نتيجةً للضغوط الدولية على إيران. وثمة اتفاق بين جميع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي في شأن فرض عقوبات على إيران، وسيتم طرح هذا الاقتراح في حزيران/يونيو. إيران تعرف ذلك. إنها فرصة إيران الأخيرة لتجنّب العقوبات وتقديم بعض الإشارات. إيران لا تسير في الاتجاه الصحيح، ونهجها الأمني لا مبرّر له، فهو يثير مخاوف جيرانها وأصدقائها. إنها تردّ على تهديد غير موجود أصلاً. إيران تتّبع مساراً يتيح لها القدرة على صنع قنبلة نووية. هذا المسار حقيقة واقعة، لكننا لا نعرف ما إذا كانت ستصنع قنبلةً نوويةً بالفعل. لكن حتى مجرّد المضي في مسار تخصيب اليورانيوم من دون طمأنة الوكالة الدولية للطاقة الذرية يثير التوتر. تقول إيران إنها ضدّ الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن جيرانها وأصدقاءها خائفون.
 
 
هل تعتقد أن إنجازات تركيا تحظى بالتقدير في العالم العربي؟
 
عامة الناس متحمّسون ومهتمّون بالسياسة الخارجية التركية تجاه إسرائيل وقطاع غزة. الحكومات ترحّب في الغالب بالدور التركي في موازنة الوجود الإيراني، فيما ترحّب حكومات أخرى بتركيا بسبب تعاونها الاقتصادي معها. الشيء المفقود هو أنه لا توجد شريحة كبيرة من المجتمع العربي تُقدِّر فعلاً إنجازات تركيا في السياسة والاقتصاد والثقافة. في السياسة، تتمتّع تركيا بنظام ديمقراطي فعّال، وحكومات خاضعة للمساءلة، ومستويات معقولة من الشفافية والمواطنة الحرة، وهلم جراً. هذه العوامل لاتحظى باهتمام كبير في العالم العربي. ثانياً، إنجازات تركيا الاقتصادية، أي هذا النمو الاقتصادي الكبير مقارنةً بالصين وماليزيا وتايوان، الذي حقّقته من دون أن تكون دولةً منتجةً للنفط، لم يتم تلمّسها في العالم العربي بشكل عام.
 
 
تطرّقت إلى ذلك أيضاً بالنسبة إلى الثقافة التركية. 
 
العالم العربي في وضع بائس وحرج للغاية في حضارته وثقافته. لقد تراجعنا إلى الوراء. نحن لا ننتج ثقافةً حقيقيةً أو فكراً عميقاً. لدينا القليل من الشعر والأدب والسينما، وهو مايُعَدّ ضئيلاً مقارنةً بحجم العالم العربي. وتخضع الثقافة العامة بشكل تام إلى الثقافة الشعبية المعولمة أو الثقافة الشعبية المعرّبة، وكلتاهما سطحيّتان، أو إلى ثقافة الدينية سلفية. وأي من هاتين الثقافتين ليس إبداعياً أو تقدّمياً على المستوى الفكري. هذا الانحدار مستمرّ منذ 50 عاماً إلى حدّ أنه لا توجد مراكز حقيقية للفكر. وفي هذا الصدد، كان أداء تركيا أفضل بكثير: فهي تمتلك فهماً أكثر تقدّماً وتطوّراً لدور الدين في المجتمع، والعلمانية، والإيمان والعلم، والمجتمع والفرد، والفرد والدولة، والإيمان والمجتمع المدني، وإلى ماهنالك. مسائل الحياة هذه كافة تُعالَج بطريقة أكثر ذكاءً وتقدّماً وتطوّراً في تركيا. 
 
 
اسمح لي إذاً بطرح السؤال الذي طرحته في أحد مقالاتك: أيكون هذا القرن قرن تركيا في الشرق الأوسط؟
 
لقد فهمت تركيا كيف تكون ديمقراطيةً فاعلةً في الشرق الأوسط، وكيف تجعل الإسلام السياسي معتدلاً، وتُمكِّنه من أن يكون حزباً عادياً، كما فهمت كيف تمارس النشاط الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين، وكيف تجمع بين الإسلام والعلمانية، والعلم، والفردية، والجماعات ذات المصالح المشتركة كلّها في المجتمع نفسه في الشرق الأوسط. وبهذا المعنى، قد يكون هذا قرن تركيا لأنها الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تتّجه إلى المستقبل. إيران لاتقدّم مستقبلاً قابلاً للنجاح، ولا المملكة العربية السعودية، ولا مصر، ولا سورية، ولا المغرب، ولا إسرائيل. تركيا هي الوحيدة التي تقول: "هذا هو السبيل لتحقيق ذلك." كذلك، تركيا هي الوحيدة التي تقترح نظاماً أو مروحةً من العلاقات في الشرق الأوسط تبدو معقولةً بالنسبة إلى الجميع. أما إيران فتقترح شرقاً أوسطاً ثورياً تهيمن هي عليه. وقلة هم الذين يريدون ذلك. والمملكة العربية السعودية تقترح شرقاً أوسطاً وهابياً تهيمن هي عليه. وقلّة تريد ذلك. إسرائيل أيضاً تقترح منطقةً تسيطر هي عليها، وما إلى ذلك. الاقتراح الوحيد الذي يبدو منطقياً بالنسبة إلى الجميع هو اقتراح تركيا الذي يقول: "لا أريد إمبراطوريةً تركيةً، ولكن أقول دعونا جميعاً نحترم سيادة الآخر وأمنه، دعونا نبني على المصالح الاقتصادية والسياسية المشتركة، دعونا نساعد بعضنا بعضاً، دعونا نمارس التجارة ونعمل معاً". وبهذا المعنى، قلت إنه قد يكون قرن تركيا، تماماً كما كان القرن العشرون القرنَ الأميركي. 
 
 
ثم يأتي دور النقاش حول استمرارية السياسة الخارجية التركية. هل السياسة الخارجية التركية في العالم العربي مستدامة؟ ماهي رؤيتك لمستقبلها؟ إذا ذهبت هذه الحكومة، فهل يُكتَب الاستمرار لسياساتها في الشرق الأوسط؟ 
 
إن الكثير مما حدث في السياسة الخارجية التركية والإقليمية يعكس تغيّر المصالح التركية، وليس أهواء حزب ما. النمو الاقتصادي في تركيا، على غرار النمو الاقتصادي في الصين، يتوقّف الآن على استقرار بيئته بأكملها. وذلك يعتمد على قيام علاقات جيدة مع الجميع في تلك البيئة لأنها، أي تركيا، تحتاج إلى النفط والغاز، وإلى نقل النفط والغاز، وإلى التجارة والتصدير مع أكبر عدد ممكن من البلدان. هذه عوامل أساسية. وقد حصل بالفعل عدد من الإنجازات مع سورية ومع سقوط صدام. وبالتالي فإن حكومة جديدة ستأتي ببساطة وتجني ثمار ذلك، ولن يكون عليها أن تفعل أي شيء آخر سوى الاستمرار في إدارة هذه المصالح. اليوم، يبدو من الواضح، حتى بالنسبة إلى طرف خارجي، أن الجانب الآخر، أي المعارضة، في السياسة التركية لم يَعُد كما كان عليه سابقاً، وبالتالي فإن الكثير من أساسيات السياسة الخارجية التركية، كالأمن والاقتصاد، لم تتغيّر. بعض الأمور التي من المُتوَقَّع أن تتغيّر هي اللهجة - وربما بعض جوانب العلاقات مع إسرائيل - ولكن لا أعتقد أنه سيكون هناك تغيير جوهري.
 
 
ماهي رؤيتك في شأن المستقبل في منطقة الشرق الأوسط؟ هل ترى أنها منطقة تقسمها الصراعات أم تعيش في انسجام؟ كيف يمكن لدول المنطقة أن تتحرّك إلى الأمام؟ 
 
مستقبل منطقة الشرق الأوسط عرضة إلى التغير. ثمة سيناريوهات ثلاثة محتملة: قد يتصاعد التوتّر إلى حرب بين إسرائيل وإيران، أو بين الولايات المتحدة وإيران، أو بين إسرائيل ولبنان وسورية، وهذا سيكون أمراً مروّعاً بالنسبة إلى المنطقة، وقد يؤدّي إلى تدهور في العراق ولبنان. بدلاً من ذلك، قد يستمرّ الوضع الراهن، من دون حدوث تصعيد حقيقي باتجاه الحرب، لكن من دون إحراز أي تقدّم حقيقي نحو السلام والازدهار. البديل الأفضل، والذي يتطلّب جهداً كبيراً من دول المنطقة كافة، فضلاً عن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، يتمثّل في تحقيق اختراق باتجاه تحقيق السلام على الجبهة العربية–الإسرائيلية، وكذلك حول القضية النووية الإيرانية. وإذا ماحدثت مثل هذه الاختراقات، بعدها يمكننا أن نتخيّل شرقاً أوسطاً مسالماً أكثر، شرقاً أوسطاً تبني دوله علاقات ثقة وتعاون، وتبدأ شعوبه في التمتّع بثمار السلام والرخاء. ومن الواضح أن الطريق إلى الأمام يتمثّل في محاولة تحقيق اختراقات دبلوماسية في محاور الصراع الرئيسة في المنطقة، والانتقال إلى بناء نظام تعاون إقليمي.