تكثّفت المناورات لتشكيل حكومة جديدة في العراق في الأيام الأخيرة. وقد تم الانتهاء من عملية إعادة فرز الأصوات في بغداد ولايزال توزيع المقاعد هو نفسه. مامِن تحالف يملك المقاعد الـ163 اللازمة لتشكيل حكومة جديدة. الكتلة البرلمانية الجديدة، والهشة إلى حدّ ما، التي تضمّ ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي، والائتلاف الوطني العراقي هي الأقرب إلى تشكيل الحكومة بامتلاكها 159 مقعداً. لكن العراقية - الائتلاف الذي يتزعمه إياد علاوي - والتي دعمها معظم الناخبين السنّة - خرجت من الانتخابات بـ91 مقعداً، ولايزال الأمل يحدوها في أن تتمكّن من تشكيل الحكومة الجديدة. وحتى الآن، لا أحد من الطرفين على استعداد لتقديم التنازلات الضرورية لتشكيل حكومة شاملة تتمتّع بتأييد واسع.

المالكي مُصَمِّم على أن يبقى رئيساً للوزراء، وهو في الوقت الحالي مرشّح ائتلاف دولة القانون الوحيد لهذا المنصب. لكن ائتلاف دولة القانون لايملك سوى 89 مقعداً في البرلمان الجديد، فيما يحوز ائتلاف العراقية بزعامة علاوي على 91 مقعداً. وبالتالي، لايمكن للمالكي أن يحصل على تفويض لتشكيل الحكومة، إلا إذا بقيت الكتلة البرلمانية الجديدة التي أعلن عنها ائتلاف دولة القانون والائتلاف الوطني العراقي في أوائل شهر أيار/مايو متماسكةً. وعلى أي حال، تفكّك الكتلة أمر غير مُرجَّح، لكنه ليس مستحيلاً.

كتلة الائتلاف الوطني العراقي وائتلاف دولة القانون لاتزال هشّة

لا أحد من الأحزاب الشيعية في الائتلاف الوطني العراقي يريد المالكي رئيساً للوزراء (المعارضة له هو شخصياً هي التي منعت أعضاء الائتلاف الوطني العراقي من التحالف مع ائتلاف دولة القانون قبيل الانتخابات). وهي (الأحزاب) وزّعت أسماء بديلة. لكن المالكي لم يُبدِ أي مؤشر على الإذعان. وعلى الرغم من أن المعركة لم تنتهِ بعد، يبدو أن ثمة تصاعداً في وتيرة الاستقالات بين أعضاء الائتلاف الوطني العراقي في الأيام الأخيرة، احتجاجاً على احتمال أن يحصل المالكي على فترة ولاية ثانية. ونتيجةً لذلك، يشهد العراق الآن المفارقة المتمثلة في أن جزءاً من الائتلاف الذي يختار رئيس الوزراء الجديد – والذي سيكون جزءاً من الحكومة - يريد إضعاف صلاحيات رئيس الوزراء. 

فقد صرّح ناطق باسم الائتلاف الوطني العراقي، إبراهيم بحر العلوم، أن الائتلاف يقترح إنشاء ثلاثة مناصب لنائب رئيس الوزراء، هي نائب رئيس الوزراء للشؤون الأمنية، ونائب رئيس الوزراء للشؤون المالية، ونائب رئيس الوزراء لشؤون الخدمات على التوالي. حالياً، يوجد في العراق نائب واحد لرئيس مجلس الوزراء. ومع ذلك، لاينصّ الدستور على منصب نائب رئيس الوزراء (أو مناصب)، وليس من الواضح ما إذا كان التغيير الذي اقترحه الائتلاف الوطني العراقي يتطلّب تعديلاً دستورياً. ووفقاً لبحر العلوم، فقد قدّم الائتلاف الوطني العراقي أيضاً إلى ائتلاف دولة القانون وثيقةً من 50 مادةً تحدّد بشكل ضيق وظيفة رئيس الوزراء، وتختزل منصب رئيس الوزراء في إدارة الحكومة، بدل أن يكون رئيساً لها. ولذلك تظلّ الأحزاب الشيعية منقسمةً إلى حدّ بعيد، على الرغم من تشكيل الكتلة الموحدة في الآونة الأخيرة.

 بيد أن الاستياء لايقتصر على الائتلاف الوطني العراقي، إذ يخشى ائتلاف دولة القانون أيضاً من أن تنفيذ الاتفاق الذي سمح بتشكيل التحالف الوطني سيكون صعباً ومُعقّداً. فقد شمل الاتفاق تشكيل لجنة لتسوية النزاعات تتألّف من عددٍ متساوٍ من ممثّلي ائتلاف دولة القانون والائتلاف الوطني العراقي. وإذا مافشلت هذه اللجنة في التوصل إلى توافقٍ في الآراء، فإن السلطات الدينية الشيعية (تفسَّر على أنها إشارة إلى علي السيستاني، الذي لم يَنفِ أو يؤكّد قبوله لهذا الدور) ستكون مخوّلةً اتّخاذ قرارات نهائية مُلزِمة. إن الاتفاق مرهق في الواقع، لكن من المشكوك فيه أن الائتلاف الوطني العراقي كان سيوافق على تشكيل كتلة من دونه. وبالتالي فإن محاولة تعديل الاتفاق يمكن أن تكون خطيرة.

الخلافات التكتيكية بين الأحزاب الكردية 

الانشقاقات تظهر أيضاً بين الأحزاب الكردية، على الرغم من أنها أعلنت بعد الانتخابات أنها ستشارك في السياسة الوطنية ككتلة مُوحَّدة. ووفقاً لبعض التقارير، فإن الاتفاق الذي تم التوصّل إليه بين ائتلاف دولة القانون وبين الائتلاف الوطني العراقي، عندما شكّلا التحالف الوطني، افترض أن الأكراد سيؤيّدون التحالف، وأنهم سيحتفظون بمنصب الرئاسة في مقابل دعمهم له. لكن التصريحات التي أدلى بها مؤخراً زعماء أكراد مختلفون تشكّك في صحة هذه الفكرة. ومامِن شك في أن الرئيس الحالي، جلال الطالباني، وحزبه "الاتحاد الوطني الكردستاني"، يريدان الاحتفاظ بالرئاسة، وسيدعمان تحالف الائتلاف الوطني العراقي وائتلاف دولة القانون نتيجةً لذلك. لكن قادة غوران، الحزب الذي انفصل عن الاتحاد الوطني الكردستاني ويبقى منافسه الرئيس، يقترح الآن بأنه لاينبغي للأكراد أن يطالبوا بالرئاسة، بل بمنصب رئيس مجلس النواب. من الناحية الظاهرية، السبب في ذلك هو أن المنصب الأخير ينطوي على نفوذ أكبر. وليس من قبيل الصدفة أنه إذا ماقبلت الأحزاب الكردية موقف غوران واختارت منصب رئيس البرلمان بدلاً من الرئاسة، فإن ذلك سيحرم الطالباني من المنصب الذي يتوق إليه. ولعل مايوحي أكثر بوجود شقاق بين الأكراد هي حقيقة أن مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، ينأى بنفسه عن المالكي على مايبدو. فقد صرح بارزاني أن الساسة العراقيين يجب أن يحترموا الدستور وإرادة الشعب، وبالتالي فإن علاوي، الذي فاز ائتلافه "العراقية" بأكبر عدد من المقاعد، ينبغي أن يحصل على تفويض لتشكيل الحكومة. 

من المستحيل في هذه المرحلة تحديد ما إذا كان موقف بارزاني هو مجرّد مناورة افتتاحية لكسب مزيد من التنازلات من الأحزاب الشيعية، أو إذا كان ثمة احتمال بأن بعض الأحزاب الكردية، على الأقل، ستخرج عن الصف وتدعم علاوي. وعلى الرغم من ذلك، فإن ثمة استنتاجين واضحين: الأول هو أن ائتلاف دولة القانون غاضب وقلق على حدّ سواء في شأن موقف بارزاني، لأنه يحتاج إلى دعم الأكراد لتشكيل حكومة. فقد أعلن علي الدباغ بغضب، متحدّثاً بالنيابة عن ائتلاف دولة القانون، أن الأكراد موضع ترحيب إن هم أرادوا التحالف مع قائمة العراقية، ولكنه أعاد النظر في الأمر واتّخذ قراراً حكيماً، نافياً أن يكون قد أدلى بمثل هذا التصريح. والثاني هو أن الأكراد يحاولون الحصول على ثمن باهظ مقابل دعمهم، إذ تشير التقارير إلى أنهم يطالبون بتنفيذ المادة 140 من الدستور، التي تدعو إلى إجراء استفتاء في كركوك؛ والسيطرة على الرئاسة إضافةً إلى واحدة على الأقل من الوزارات السيادية؛ وقانون للنفط يدافع عن مصالحهم؛ والتزام من جانب الحكومة بتوفير التمويل اللازم لقوات البشمركة على الرغم من أن البشمركة لديها درجة من الاستقلال عن أجهزة الأمن العراقية. وقد أعلن بهاء الأعرجي، من ائتلاف دولة القانون، أن الأكراد سيضطّرون إلى إعادة النظر في مطالبهم الباهظة إذا كانوا يخطّطون للتفاوض بجدية. 

تضاؤل فرص علاوي

يبدو أن الخاسر في هذه المناورات هو إياد علاوي الذي ربما لن يحصل على تفويض لتشكيل الحكومة. بيد أن مجرّد زلّة خطيرة من جانب المالكي (مثل التراجع عن بنود الاتفاقية التي أدت إلى تحالف ائتلافه مع الائتلاف الوطني العراقي، أو محاولة فاقعة للغاية لاستبعاد أو شق العراقية) يمكن أن تغيّر مصير علاوي. على الرغم من ذلك، يبدو من المرجح للغاية أنه سيتعيّن إدراج قائمة العراقية، أو على الأقل أعضاء في العراقية، في ائتلاف حاكم لأن القائمة حصلت على أكثر الأصوات السنّية. في هذه النقطة أيضاً، يبدو ائتلاف دولة القانون والائتلاف الوطني العراقي منقسمَين. فقد كان الحكيم منفتحاً على علاوي والعراقية، وقد عُقِدت اجتماعات على أساس منتظم. علاوة على ذلك، سافر الحكيم، والرئيس طالباني، وممثلو التيار الصدري، إلى عواصم عربية مختلفة، وعرضوا إعادة إدماج العراق في العالم العربي، وذلك في تناقض تام مع انطواء المالكي. لكن المالكي لم يجتمع بعد مع علاوي، على الرغم من أنه وعد مراراً وتكراراً بأنه سيفعل في الوقت المناسب. وهكذا لايزال علاوي في طي النسيان في الوقت الحاضر. وهو لديه حالياً جدول أعمال دولي مزدحم (كما هو حال الحكيم وطالباني)، كما يقيم اتصالات مع جميع الفئات السياسية إلى جانب ائتلاف دولة القانون. وقد ذهب حتى إلى النجف ليقدّم احترامه وتحياته إلى آية الله السيستاني. لكن لاشيء يدلّ إلى وجود أي انفراج في علاقاته مع المالكي.

أصبح من الشائع القول إن شهوراً عدة تفصلنا عن تشكيل الحكومة العراقية الجديدة. هذا صحيح وغير صحيح في آن. فالقضايا التي يجب التفاوض في شأنها قبل تشكيل الحكومة لاتحتاج إلى أشهر، مالَم تكن جميع الأطراف مصرّةً على تسوية كل القضايا العالقة سلفاً، بما في ذلك، مثلاً، الاستفتاء على كركوك وقانون النفط. وإصرار الائتلاف الوطني العراقي على فرض قيود على سلطة رئيس الوزراء، التي تتطلّب تعديلات دستوريةً، سيجعل العملية برمّتها في حالة من الفوضى ويسبّب تأخيراً أطول. ومع ذلك، لاتكمن المشكلة الحقيقية في هذه المرحلة في أن القضايا التي سيتم التفاوض في شأنها ستستغرق وقتاً طويلاً، بل في أن المفاوضات الجادة لم تبدأ بعد على مايبدو. فالساسة العراقيون لايزالون يركّزون على التموضع أكثر مما يركّزون على التوافق.