هل أضحت مصر بالفعل عاجزة عن الدفاع عن أمنها القومي وحماية مصالحها الحيوية؟ هل تراجعت فاعلية الديبلوماسية المصرية وأجهزة الدولة السيادية ليس فقط لجهة الدفاع عن أمن ومصالح مصر في الشرق الأوسط، بل أيضا في حوض نهر النيل، شريان حياتنا وشرط وجودنا؟ هل نحن أمام لحظة تراجع كبرى لدور مصر في محيطها الإقليمي الشرق الأوسطي والأفريقي؟ وهل صحيح أن الجوار صار ينظر إلى مصر كدولة "عادية" لم تعد مؤهلة لممارسة النفوذ والقيادة وإن تغنّى رسميوها طويلا بماضي زعامتها التليد؟ مثل هذه التساؤلات تطرحها اليوم بقوة أزمة الاتفاقية الإطارية لدول منابع حوض نهر النيل وتداعياتها الخطيرة على تقسيم مياه النهر وحصة مصر من المياه.

توالت مشاهد محدودية فاعلية، إن لم يكن عجز، الديبلوماسية المصرية خلال الأعوام القليلة الماضية في المحيط الشرق الأوسطي: احتلال العراق، وصعود النفوذ الإيراني، والدور التركي، وحرب إسرائيل على لبنان، والصراع الفلسطيني الداخلي، وانفصال حماس بغزة، وتعثر إنجاز المصالحة الفلسطينية، والحصار الدولي المفروض على القطاع، وحرب إسرائيل عليه، والتظاهرات المتكررة أمام السفارات المصرية في العواصم العربية. ورسخ في أذهاننا كمصريين وفي نقاشاتنا العامة أن دورنا الإقليمي يتراجع، وأن مصر لم تعد تلك الدولة العظيمة مرهوبة الجانب في الجوار، أو على الأقل صاحبة الكلمة المسموعة بشأن قضاياه وصراعاته.

على الرغم من توالي مشاهد محدودية الفاعلية هذه، إلا أن الديبلوماسية المصرية أبدا لم تبدُ على هوانها الذي أظهرته أزمة الاتفاقية الإطارية لدول منابع النيل. ببساطة وبعد فشل جولة المفاوضات الجماعية الأخيرة بشرم الشيخ ودون كبير انشغال بتداعيات سلبية محتملة، وقعت خمس من دول المنابع على اتفاقية تتجاهل الحقوق التاريخية لمصر والسودان في مياه النهر والاتفاقات الدولية السارية المفعول والمعمول بها منذ عقود طويلة لتقسيم حصص المياه، ولم يعنها معارضة القاهرة والخرطوم للاتفاقية وتلويحهما برد قوي. ثم استيقظت الديبلوماسية المصرية وأجهزة الدولة السيادية (أو على الأقل هكذا بدت الأمور للمتابع من الخارج) على خلفية الكارثة الجديدة لتنتج بدايةً خطابا رسميا، كان به من التحايل على الذات بغرض تخفيف وقع الكارثة الشيء الكثير، قلل من أهمية الاتفاقية الإطارية وشدد على طابعها غير الإلزامي وكونها لا تمثل سوى موقف أقلية من بين دول حوض نهر النيل. 

وحين ظهر جليا أن غالبية دول الحوض تتبنى الاتفاقية وأنها تكتسب لذلك زخما إقليميا حقيقيا، عدلت مصر الرسمية من توجهها لتناشد دول الحوض العودة إلى مائدة المفاوضات الجماعية وبدأت بإرسال الوفود إلى بعض عواصم دول الحوض بحثا عن بداية جديدة للحوار معها. ودون تسرع في الحكم على النتائج المحتملة لديبلوماسية اللحظة الأخيرة، يبدو تعامل عواصم دول المنابع معها مراوحا بين التحفظ الشديد والاستخفاف إن لم يكن التجاهل (منذ أيام قليلة طالعتنا بعض الصحف المصرية بخبر رفض الرئاسة الكينية وضع قضية الاتفاقية الإطارية على جدول أعمال القمة الرئاسية المصرية - الكينية، وكانت كينيا قد وقعت أخيرا على الاتفاقية).

ما الذي أوصل الديبلوماسية المصرية إلى هذا الهوان وأضعف نفوذها في دول منابع حوض النيل إلى حد التعامل الاستخفافي مع مصالح مصر وأمنها القومي؟ الإجابة، باختصار، هي أن العامل المسبب الأول يتمثل في غياب الدور المصري النشيط والفعال عن حوض النيل ومحدودية العلاقات الاقتصادية والتجارية والثقافية مع دوله، وغياب الفاعلية عن الحوض لا يشكل الاستثناء، بل ويا للأسف القاعدة حين النظر إلى مجمل دور مصر في القارة الأفريقية الذي تراجع على نحو مريع خلال العقدين الماضيين.

العامل الثاني هو اعتماد الديبلوماسية المصرية في تعاملها مع ملف تقسيم مياه النيل خليطاً من النهج التأجيلي والتحايلي قللت بمقتضاه طويلا من أهمية نزوع بعض دول المنابع إلى تجاهل حقوق مصر في المياه، ولم تأخذ الحديث المتواتر للمسؤولين الأثيوبيين والأوغنديين عن رفض "سطو" مصر والسودان على مياه النيل على محمل الجد. وعندما حلت كارثة توقيع الاتفاقية الإطارية، لم تتجاوز ديبلوماسيتنا في فعلها حدود ديبلوماسية ما بعد وقوع الكارثة بتركيزها على التحرك السريع دون مقاربة إستراتيجية واضحة واهتمامها بالتداعيات دون النظر في المسببات، وذلك ويا للأسف الشديد هو منطق الدول الضعيفة والصغيرة في التعاطي مع أزماتها.

أما العامل الثالث، وهنا يتلاقى جزئيا ضعف دور مصر في المحيط الشرق الأوسطي مع ضعفه في المحيط الأفريقي، فيتمثل في تراجع ريادة مصر وإشعاعها الحضاري وانقضاء عصر الانبهار بمصر كنموذج يحتذى به - أو بعبارة قصيرة تراجع قوة مصر الناعمة. بهرت مصر الناصرية الجوار الأفريقي بتبنيها قضايا التحرر الوطني ومناهضتها للاستعمار على امتداد القارة ثم بانضمامها إلى ركب التعاون القاري منذ تأسيس منظمة الوحدة (الاتحاد الأفريقي الحالي) وكذلك بمساهمتها التنموية في مشاريع تحديث الدولة والمجتمع في العديد من البلدان الأفريقية وتطويرها للعلاقات الاقتصادية والتجارية معهم. وحافظت مصر في السبعينات والثمانينات على قدر معقول من دورها الريادي ومن الاهتمام والانفتاح على أفريقيا، إلا أنها ابتعدت كثيرا عن القارة وعن دول حوض النيل خلال العقدين الماضيين. 

وما أن فقد الجوار الأفريقي انبهاره بريادة مصر وإشعاعها الحضاري ودورها التنموي حتى طغت لغة المصالح على العلاقات مع القاهرة، وهنا أضحى متوقعا بل طبيعيا أن تناهض بعض دول حوض نهر النيل المصالح المصرية حين تتعارض مع مصالحها هي. غابت مصر عن أفريقيا فتحولت النظرة إليها في بعض أرجاء القارة إلى دولة غريبة، وغابت أفريقيا عن مصر فاختزلها فضاؤنا العام إلى منافسات كرة قدم مع الفرق المصرية وأنباء متفرقة عن كوارث إنسانية هنا وهناك رتبت أحيانا شيئا من الاهتمام الشعبي.

ومن الخطأ البالغ، وهو ما وقع به بعض المعلقين والمحللين خلال الأيام الأخيرة، أن تختزل هذه العوامل المركبة والمتنوعة في قراءات سطحية تتبنى إما نظرة تآمرية – دور إسرائيل في حوض النيل والقارة الأفريقية – أو تنطلق من أوهام كراهية بعض قيادات دول المنابع لمصر أو تلوح باستخدام الأداة العسكرية للتعامل مع تهديد أمن مصر المائي. فالأمر أكبر من ذلك وأكثر تعقيدا، والتعامل مع تداعيات الاتفاقية الإطارية بفاعلية ونجاح يستدعي كخطوة أولى مصارحة الذات على مستوى الدولة والمجتمع بإخفاقاتنا في إدارة العلاقة مع دول حوض النيل والمحيط الأفريقي. ثم يتطلب في خطوة ثانية صوغ الديبلوماسية المصرية لمقاربة واقعية تجاه حوض النيل تبحث من جديد عن إمكانات التوافق بين مصالحنا ومصالح بقية دول الحوض. وفي خطوة ثالثة، لا بديل من إحياء قوة مصر الناعمة وإعادة إشعاعها الحضاري، إلا أن ذلك مشروط بنهوضنا الداخلي وتحولنا دولة ديموقراطية ومجتمعاً حديثاً عادلاً يشكل نموذجا يحتذى به في المحيط الأفريقي.