مع ظهور نتائج انتخابات مجلس الشعب المصري التي أجريت في 28 نوفمبر/تشرين الثاني – يا للمفاجأة! فاز الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم – غالب الظن أنها لن تتمتّع بالكثير من المصداقية لا في الداخل ولا في الخارج نظراً إلى الغياب الكامل للشفافية، والمخالفات وأعمال العنف الواسعة النطاق التي شابت عمليّتَي التصويت والفرز.
 
لقد افتقرت الانتخابات إلى الشفافية بسبب القيود المكثَّفة التي فُرِضت على التغطية الإعلامية والمراقبة من المجتمع الأهلي. فقد منعت السلطات المصرية النقل المباشر من البلاد عبر الأقمار الصناعية، وألغت برامج تلفزيونية كان من المقرّر عرضها عبر وسائل إعلامية بارزة مثل هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”. وبعدما رفضت السلطات المصرية الطلبات التي تقدّمت بها منظّمات دولية لمراقبة الانتخابات بذريعة أنّه سيكون هناك جهد محلّي واسع النطاق في هذا الإطار، عادت فعرقلت عمل المراقبين المحليين من المجتمع الأهلي. فقد مُنِحت نسبة ضئيلة منهم فقط تراخيص رسمية، ثم مُنِع معظم المراقبين الحائزين على تراخيص من دخول مراكز الاقتراع والفرز أو طُرِدوا منها بعد دخولهم. (وكذلك، مُنِع مندوبو مرشّحي المعارضة من دخول مراكز الاقتراع في عدد كبير من الدوائر على الرغم من امتلاكهم تراخيص رسمية، في حين سُمِح لمندوبي مرشّحي الحزب الحاكم بالدخول). واللجنة العليا للانتخابات التي ردّت على الشكاوى الأولى بشأن استبعاد المراقبين بالإعلان بأنها ستنظر في المسألة، تسبّبت هي نفسها بالمشكلة عبر إصدار تنظيمات تفرض قيوداً شديدة على المراقبة، وتنص مثلاً على أنّه لا يجوز للمراقبين المرخَّصين دخول مراكز الاقتراع إلا بإذن من رئيس المركز، وكأن التراخيص ليست كافية.
 
على الرغم من أن المراقبين راقبوا الانتخابات في معظم الحالات من خارج مراكز الاقتراع، إلا أنّهم لاحظوا وجود مؤشرات عن تزوير انتخابي واسع النطاق، ولا سيما من خلال تسويد بطاقات الانتخاب في صناديق الاقتراع. لقد شهد المراقبون أو بلغتهم روايات شهود عيان (وأدلة بواسطة أشرطة فيديو مصوَّرة) عن إغلاق مراكز اقتراع لساعات فيما كان العاملون فيها يعبِّئون أوراق الاقتراع الواحدة تلو الأخرى، وعن وصول أنصار مرشّحي الحزب الحاكم إلى مراكز الاقتراع حاملين أكياساً بلاستيكية كبيرة مليئة ببطاقات الناخبين أو أوراق الاقتراع التي تمّت تعبئتها. وخارج مراكز الاقتراع، كان شراء الأصوات يتواصل كالمعتاد، وكان سعر الصوت يختلف بحسب المكان والزمان.
 
وشابت الانتخابات المصرية أيضاً ممارسات إكراهية وترهيبية نفّذها في شكل خاص البلطيجة الذين استخدمتهم الأجهزة الأمنية أو المرشّحون أنفسهم. وقد عمد هؤلاء إلى منع الناخبين من دخول بعض مراكز الاقتراع لساعات متواصلة، وطردوا مراقبي المجتمع المدني والصحافيين بالقوة، ولجأوا إلى ترهيب البلطجية أو العاملين في حملات مرشحين آخرين أو ضربهم. يبدو أن عدداً قليلاً من البلطيجة كان يعمل لحساب مرشّحي الإخوان المسلمين، في حين أن الغالبية العظمى مرتبطة على ما يبدو بالنظام أو الحزب الوطني الديمقراطي، وقد سمحت الأجهزة الأمنية بوجودها. وهكذا مع تكفّل البلطجية بتنفيذ العمل القذر، بدا في الظاهر أن ضباط الأمن النظاميين أفضل سلوكاً منه في الانتخابات السابقة، وانحسر الكلام الذي كنّا نسمعه في الانتخابات السابقة عن فرض طوق أمني حول مراكز الاقتراع لإبعاد الناخبين أو ترهيبهم.
 
من المفاجآت التي لم تسترعِ الكثير من الانتباه في الانتخابات الإعلان بأن البابا القبطي شنودة صوّت لمرشح معارض هو رامي لكح (قبطي) من حزب الوفد. يتناقض هذا تماماً مع الموقف الذي اتّخذه البابا شنودة في انتخابات 2005، حيث اعتبر أنّه من واجب الأقباط التصويت للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، وذهب إلى حد فرض الحرم الكنسي على العديد من الأقباط الذين اختاروا الترشّح كمستقلّين. صحيح أن التبدّل في موقف شنودة لن يؤثّر في نتائج الانتخابات، لكنه مؤشّر قوي عن استيائه من طريقة تعاطي النظام مع التشنّجات المذهبية المتأجّجة، ولا سيما الحادثة التي وقعت قبل أسبوع فقط من الانتخابات حيث تسبّبت الأجهزة الأمنية بالاضطرابات عبر تعطيلها لبناء إحدى الكنائس، ما أسفر عن مقتل شاب قبطي.
 
تندرج النزاعات المذهبية في سياق العديد من المسائل الأخرى – التململ الاقتصادي، الهمجية والتعذيب على يد الشرطة، مشاكل السلامة العامة – التي تثير استياء المصريين من الحكومة، وتبقي الوضع الداخلي على نار حامية، لا بل في حالة غليان. من شأن انتخابات تشريعية يعتبر المصريون أنها سُرِقت منهم أن ترفع درجة الحرارة أكثر فأكثر.