رحّبت الولايات المتحدة رسمياً بتشكيل الحكومة العراقية التي طال انتظارها. فبعد محاولات عديدة فاشلة لدفع الفصائل العراقية المتنافسة باتجاه التوصل إلى حلّ وسط، يبدو أن واشنطن حصلت على ماكانت تأمل به وتعمل من أجله: حكومة مصالحة وطنية تمثَّلُ فيها جميع القوى العرقية والطائفية والسياسية الكبرى، ورئيس وزراء يمكن للولايات المتحدة أن تتعايش معه. وعلى الرغم من شجبهم أداء نوري المالكي الأولي الضعيف والباهت، وشعورهم بالقلق تجاه ظهور مؤشرات على نزعات سلطوية لديه في الجزء الأخير من ولايته وخلال عملية مابعد الانتخابات، فقد خَلُص المسؤولون الأميركيون إلى أنه لايزال يمثّل أفضل خيار مُتاح. ومع ذلك، كان ثمة شيء مايُفسِد الوضع، يتمثّل في أن المالكي يحظى أيضاً بدعم من إيران. فقد تعاونت الولايات المتحدة وإيران بحكم الأمر الواقع للإبقاء على المالكي رئيساً للوزراء. ونتيجة لذلك، فقد تغيّر دور الولايات المتحدة في العراق وعلاقتها مع الحكومة العراقية بشكل دائم.

المالكي لايُدين بمنصبه لمهاراته السياسية وتصميمه واستعداده لتجاوز القواعد والتطاول على خصومه وازدرائهم وحسب، بل أيضاً للدعم الذي يحظى به من الولايات المتحدة وإيران في آن. صحيح أن ثمة مؤشرات على أن المالكي لم يكن الخيار الأول بالنسبة إلى إيران كرئيس للوزراء، وأن طهران ربما كانت تفضّل مرشحاً أكثر إسلامية من أعضاء "المجلس الأعلى الإسلامي العراقي"، لكن عندما تبيّن أن ذلك مستحيل احتضنت إيران المالكي. ومن خلال إقناعها مقتدى الصدر بدعم هذا الأخير، قدّمت إيران دفعةً قويةً إلى جهود المالكي كي يبقى رئيساً للوزراء.   

بمجرّد تنازل التيار الصدري (أقوى حزب شيعي يقاوم زعامة المالكي)، حذت حذوه كل الجماعات الشيعية الأخرى في نهاية المطاف. ومن ثم أقنعت الولايات المتحدة، بدعم قوي من الأحزاب الكردية وخاصة من رئيس إقليم كردستان مسعود برزاني، إياد علاوي المتردّد للغاية بقبول زعامة المالكي، وبذلك كسبت دعم السنّة. وبالتالي فإن المالكي مَدين بالفضل إلى كل من إيران والولايات المتحدة.

يبدو أن الوضع يناسب المالكي تماماً. فهو لم يضيّع وقتاً في الإشارة إلى تصميمه على عدم التقرّب كثيراً من الولايات المتحدة، وعدم التفاوض مجدداً على "اتفاقية وضع القوات" الحالية، والتي تقضي بأن تسحب الولايات المتحدة جميع قواتها من العراق بحلول نهاية العام 2011. وقد جادل مسؤولون أميركيون، وخصوصاً الجيش، منذ توقيع الاتفاقية في تشرين الثاني/نوفمبر 2008، بأن العراق لايزال في حاجة إلى الدعم العسكري، وأنه يتعيّن لذلك إعادة  التفاوض بشأن الاتفاقية. ولايزال البعض يجادل في هذا الأمر. لكن في مقابلة أجرتها معه صحيفة "وول ستريت جورنال" في 28 كانون الأول/ديسمبر، أوضح المالكي أنه لايرى سبباً لإعادة التفاوض على الاتفاقية. وأعلن أنه لاينوي السماح بجر دولته إلى الانحياز إلى إيران أو أي "محور أو فلك" دولة أخرى سواء كانت الولايات المتحدة أو تركيا أو غيرها من الدول العربية.

بدأ المالكي، بعبارة أخرى، يعبّر عن آرائه بحرية مثل الكثير من القادة الطموحين الذين كانوا يتطلّعون، خلال الحرب الباردة، إلى أن يبقوا غير منحازين، بل وحاولوا أن يثيروا الخلافات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي من أجل الحصول على أقصى قدر من المنافع في الوقت الذي يدَّعون فيه الحياد. وفي الواقع، قليلون هم الذين نجحوا في ذلك واضطروا بعد ذلك إلى الاختيار بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. وقد يكتشف المالكي بسرعة أن عدم الانحياز مستحيل، وأن عليه أن يختار. في هذه المرحلة، لايمكن للمرء أن يفترض أنه سيختار الانحياز إلى الولايات المتحدة، فالمؤشرات في هذه المرحلة ليست مشجّعة.

تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز وتوثيق العلاقات بين العراق والدول العربية كترياق للنفوذ الإيراني، حتى أنها ضغطت بقوة على العديد من الأنظمة العربية لتحسين علاقاتها مع العراق. كان حظ حملة واشنطن من النجاح محدوداً لأن الأنظمة العربية، ومعظمها ذات غالبية سنية، مرتابة من المالكي والنفوذ الإيراني في العراق.

كانت العلاقات بين العراق والمملكة العربية السعودية، والتي هي مفتاح تقارب العراق مع بقية جيرانه السنة، باردة بوضوح، حتى أن السعوديين لم يهنّئوا المالكي على تشكيل الحكومة الجديدة. ويرد العراق بطريقة مماثلة، حيث يُطلَق ممثّلو ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي، والتحالف الوطني العراقي الشيعي الأوسع، وابلاً من التصريحات المُعادية للسعودية. التركيز الحالي في حدة التوتر يدور حول إشاعات تقول إن المملكة العربية السعودية أعدمت، من دون محاكمة حقيقية، 40 عراقياً بتهمة دخول الأراضي السعودية من دون إذن.

مهما تكن الوقائع الموضوعية لهذا الاتهام، فإنه لايمكن إنكار وجود حقد في العلاقات بين السعودية والعراق. كما أن هذا الاتهام ليس جديداً، إذ تظهر وثيقة نشرها موقع "ويكيليكس" أن الحكومة العراقية اعتبرت، في العام 2007، بما فيها الرئيس العراقي جلال الطالباني الذي يرد اسمه في الوثيقة، أن المملكة العربية السعودية تمثّل خطراً أكبر على مصالحها من إيران.

على الجبهة الداخلية، ثمة دلائل واضحة على أن الأحزاب الإسلامية الشيعية أصبحت أكثر ثقة بالنفس، وتحاول فرض أفكارها، ودفع البلد في اتجاه هو بالتأكيد أكثر قبولاً لدى إيران من الولايات المتحدة. وثمة ضغوط متزايدة على الجامعات للفصل بين الرجال والنساء، على سبيل المثال، كما تشكو المؤسسات التي تبيع الكحول، والتي تقتصر الآن على تلك التي يملكها غير المسلمين، من أنها لاتستطيع تجديد تراخيصها.
مع ذلك، فإن العراق قد يقترب أكثر من الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. وهو قد يستنتج أنه لايزال بحاجة إلى دعم عسكري والسماح بنوع ما من الوجود العسكري الأميركي. ويتوقف مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق، إلى حد كبير، على مدى براعة المالكي في ممارسة لعبة عدم الانحياز. فحتى لو خَلُص المالكي إلى أن إقامة علاقات قوية مع الولايات المتحدة مسألة هامة لموازنة دور إيران، فإن الولايات المتحدة ستضطر إلى إعادة النظر في وجودها ودورها في العراق. إذا كانت واشنطن لاتزال ترى في نفسها القوة الخارجية المُهيمِنة، التي تدافع عن العراق ضدّ مكائد إيران غير الشرعية، وتتمتّع بعلاقة فريدة مع الحكومة، فإنها ستجد نفسها على خلاف مع الحكومة الجديدة في العراق، ومع المالكي الجديد الواثق من نفسه والحازم. وهذا قد يضعف موقفها أكثر.

ليس لدى الولايات المتحدة من خيار سوى القبول بالواقع الجديد: فهي مجرّد واحدة من اثنتين من الدول الكبرى التي تتنافس للتأثير على حكومة جديدة تعتمد على إيران بقدر ماتعتمد على الولايات المتحدة. ولاتزال نتائج هذا التنافس موضع شك كبير.