بالنسبة إلى العرب اليوم، ينطبق نعت "المعتدلين" على مسألة واحدة فقط: موقف المرء في شأن عملية السلام العربية-الإسرائيلية. فالدول العربية أو الأفراد العرب الذين يسعون إلى/أو يؤيّدون السلام بين إسرائيل والفلسطينيين والعرب الآخرين من خلال الوسائل السلمية، معروفون باسم "المعتدلين". أما الذين لا يؤيّدون، إما عن طريق تأييد أو دعم أو الانخراط في العنف من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، فيوصفون بأنهم متشدّدون. والحصيلة: تُعتَبَر دول مثل مصر والسعودية والأردن دولاً عربية معتدلة، فيما سورية والجهات الفاعلة غير الحكومية مثل حماس وحزب الله تُصنَّف متشدّدةً.
 
مما لاشك فيه أن المحور الأردني السعودي المصري بذل جهوداً هائلةً لتحقيق السلام على مدى العقد الماضي، عبر طرح أفكار مثل مبادرة السلام العربية وخريطة الطريق في الشرق الأوسط. وفي حين تحدث الإسرائيليون عن كونهم الطرف الوحيد الذي يريد السلام، فإنهم لم يبذلوا جهوداً مماثلة خلال هذه الفترة. بدلاً من ذلك، سعوا إلى إضعاف فكرة التسويات المتفاوَض عليها، مثل بناء جدار الفصل الإسرائيلي العازل وفكّ الارتباط بغزة.
 
الآن، إذا ما ألقينا نظرة أوسع نطاقاً على التحديات التي تواجه العالم العربي اليوم، والتي تشمل أيضاً الحكم الرشيد والإصلاح السياسي، هل يمكن القول أن العديد من هذه البلدان لا تزال "معتدلة"؟ إن سجلّ المملكة العربية السعودية في مجال حقوق المرأة أو التنوّع السياسي والحكومة التمثيلية لا يوحي بنهج معتدل، ولا سجلّ مصر أيضاً، حيث يتم إلى الآن منع أحزاب سياسية تحظى بالشعبية مثل الإخوان المسلمين من خوض الانتخابات، وحيث يبدو أن القادة يورثون مناصبهم. وبالكاد يبدو نظام الحكم في الأردن معتدلاً، وهو الذي يخنق عمداً المؤسسات السياسية.
 
كما تُبيِّن هذه الأمثلة، السلام ليس سوى أحد التحديات التي تواجه منطقة الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن "المعتدلين" خاضوا غمار عملية السلام مباشرة وببسالة، إلا أنهم تجاهلوا التحدي الآخر الحاسم في عملية بناء الدولة: تطوير نظام الفصل بين السلطات (الضوابط والتوازنات). ولذا، لم يَعُد إعطاء الأولوية لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي على كل الصراعات الأخرى مقبولاً لدى الشعب، فالناس يريدون أن يروا تقدّماً على صعيد تحسين الحوكمة.
 
نتيجةً لذلك، فشل "المعتدلون" في تحقيق أي من الهدفين، وتضرّرت صدقيتهم تبعاً لذلك. ومن ناحية أخرى، لم يقدّم المتشدّدون بديلاً أفضل. فهم يميلون إلى تبني سياسات جامدة بشأن السلام والإصلاح، ويحتكمون إلى السلاح في بعض الأحيان للتعبير عن وجهة نظرهم. وهم، في أحسن الأحوال، يدعون إلى إصلاحات انتقائية تناسب فقط احتياجاتهم الخاصة، من دون التزام واضح بمبادئ التعددية السياسية والثقافية والدينية اللازمة لتحقيق سلام دائم.
 
من سوء الطالع أن كل الدول العربية، المتشددة كما المعتدلة، قاومت الإصلاح السياسي إلى حدّ كبير. فقد بادر بعضها إلى إطلاق برامج خاصة في بعض الأحيان لتوسيع حريات سياسية معينة، في الغالب بسبب الضغط الخارجي. لكن لم يعتمد أي منها عملية طويلة الأجل ومنتظمة لتشجيع البنية التحتية اللازمة لقيام مجتمع ديمقراطي، يتمتع بنظام متطور للفصل بين السلطات، أو السماح بمساءلة وشفافية حقيقيتين في العملية السياسية.
 
وقد أصبحت هذه المخاطر جليةً في الأسابيع الأخيرة، حيث تهزّ الاضطرابات العالم العربي. وفي حين أن الأزمات المنبثقة في تونس ومصر وجميع أنحاء المنطقة تثور استناداً إلى تظلّمات اقتصادية، إلا أنها تتعلّق بالقدر نفسه بمسألة الحوكمة.
 
منذ فترة طويلة، جرى استخدام الفكرة بأن الإصلاح السياسي يجب أن يتم داخلياً في العالم العربي كذريعة لعدم اتخاذ إجراءات تُذكَر. وعندما تم إحراز نجاحات صغيرة، كانتخاب أحزاب إسلامية مثل حماس في فلسطين أو جماعة الإخوان المسلمين في مصر، خفّ الضغط الخارجي. وكذلك كان حال العمل في شأن الإصلاح.
 
وفي السنوات الأخيرة، تجنّبت الولايات المتحدة بشكل أساسي ممارسة أي ضغط من أجل دفع الإصلاح قدماً في العالم العربي. بيد أن هذا التهرّب هو المسؤول جزئياً عن نكوص الإصلاح العربي. وبالتالي، يتعيّن على واشنطن أن تواجِه الأزمات التي تختمر في العالم العربي، وأن تساهم في التغيير الإيجابي.
 
إن الحكومات العربية أمام خيار واضح اليوم: فإما أن تقود عملية إصلاح جدّي، وإما أن تراقب تلك العملية تتكّشف في الشوارع. الأمر الواقع الراهن الذي لا يفعل سوى القليل أو لاشيء على الإطلاق، لا يمكن أن يستمرّ. 

مقاومة النخبة للإصلاح

إن قدراً كبيراً من مقاومة عملية إصلاح جادة، جاء من النخبة السياسية في العالم العربي التوّاقة إلى حماية امتيازاتها في ظلّ النظام الريعي الذي يقايض الولاء بالخدمات. النخبة لا تريد للعملية السياسية أن تتطور إلى نظام يستند إلى الجدارة، ما سيفضي بالتأكيد إلى حرمانها من هذه الامتيازات.
 
لحماية نفسها، استخدمت هذه النخبة صعود الإسلام السياسي كتكتيك تخويف ملائم، على الصعيد المحلي ومع المجتمع الدولي. وحجّتها بسيطة وفعّالة: "ما إن تفتح النظام حتى يدخل الإسلاميون".
 
بيد أن الأحداث التي جرت في تونس في مطلع العام 2011 أثبتت خطأ هذه المقولة، إذ تسبّبت تصرفات شخص واحد لا ينتمي إلى حزب إسلامي، في حدوث ثورة أدّت إلى سقوط حاكم مستبد.
 
وحتى عندما تجرى الانتخابات، مثل انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر في مصر والأردن، فإنه يتم وضع قوانين لحماية النخبة من خلال إنتاج برلمانات ضعيفة ذات توجّهات خدمية، بدل إنتاج برلمانات تمارس الرقابة الحقيقية على السلطة التنفيذية، إذ ليس المراد من البرلمانات أبداً تقاسم السلطة مع السلطة التنفيذية أو إخضاعها إلى الرقابة ضدّ أي تجاوزات.
 
واليوم، نشهد النجاح الكبير لهذه القوانين ولكن بنتائج كارثية. فقد أصبح حكم النخبة، الذي لا يعوقه وجود صحافة حرة وأحزاب معارضة أو مجتمع مدني حيوي، منغلقاً أكثر فأكثر على مرّ السنين. وقد صنّف تقرير "مؤشر مدركات الفساد" للعام 2010 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، اثني عشر بلداً عربياً فوق المرتبة 80 (الرقم 1 هو أفضل)، من أصل 178 بلداً حول العالم.

صعود الأحزاب الدينية

مع توسّع امتيازاتها، ازداد اهتمامه النخبة بحمايتها. وحلّ تفخيم الذات محلّ الولاء للدولة وللجدارة كفضيلة. وجنباً إلى جنب مع الحكومات العربية، تهيمن الأحزاب الدينية على الحياة العامة وتملأ الفراغ الذي يسفر عن القمع لتوفير الخدمات العامة.
 
من خلال أعمالها الخيرية وخدماتها الاجتماعية، بنت الأحزاب الإسلامية قاعدةً واسعةً وعميقةً من الدعم. وحينما فكّرت بعض الأنظمة العربية بالقيام بإصلاحات سياسية في أوائل التسعينيات، كانت الجماعات الدينية قد حقّقت بالفعل تفوّقاً كبيراً على جماعات المجتمع المدني الأخرى، التي واجهت، على أي حال، صعوبة في كسب قوة جذب.
وقد أنتج الجمود السياسي الذي استهدف الحفاظ على الوضع الراهن بالنسبة إلى النخب، في البداية، والذي استهدف فيما بعد "حماية" المجتمع في مواجهة الإيديولوجيات المتطرّفة، تأثيراً عكسياً: نخبة حاكمة ينظر إليها الرأي العام العربي شيئاً فشيئاً ليس بوصفها "معتدلة" بقدر ما هي غير خاضعة إلى المساءلة، وصعود الجماعات الدينية التي تستخدم الإسلام مطية لأغراض سياسية.
 
نتيجة لذلك، يردّ الذين يدعون إلى إصلاح تعدّدي في العالم العربي بحجة مختلفة: "أنت لا تفتح النظام فيدخل الإسلاميون، الإسلاميون فقط، ليحصدوا دعماً شاملاً".
 
ليس ثمة أي مبرّر لهذا الوضع المؤسف. ففي حين تعلّمت مناطق أخرى كيفية مواجهة التحديات والمضي قدماً، حتى ولو كانت ضخمةً كالصراع العربي–الإسرائيلي، يؤكّد العالم العربي، بطريقة أو أخرى، أن ظروفه الخاصة ينبغي أن تسمح له بمصادرة عملية إصلاح جدية.

الحاجة إلى طريق ثالثة

يبدو هذان الخطابان المهيمنان، خطاب النخبة السياسية وخطاب القوى التي تستخدم الدين لتحقيق أغراضها الخاصة، غير مريحين أكثر فأكثر بالنسبة إلى الكثيرين في المنطقة العربية. فثمة حاجة ماسة إلى طريق ثالثة في العالم العربي: قوة سياسية معتدلة شاملة للجميع على حدّ سواء؛ قوة شغوفة بالإصلاح كما بالسلام، ومُصِرّة على التنوّع السياسي والثقافي بقدر إصرارها على السعي لتحقيق أهدافها من خلال الوسائل السلمية. مثل هذا الخطاب شبه غائب عن السياسة العربية اليوم، إن لم يكن غائباً عن عقول وقلوب الكثير من المواطنين العرب.
 
كذلك، أصبح التفكير العربي السياسي والثقافي منطوياً على الذات أكثر فأكثر، وبالتالي فهو يتجاهل ويصرف النظر عن، أو يرفض، التفاعل مع الحضارات الأخرى والمدارس الفكرية المختلفة. وفي الواقع، تركت هذه العزلة المفروضة ذاتياً العالم العربي متأخّراً عن كل منطقة أخرى تقريباً من حيث التنمية البشرية الشاملة، والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، والإصلاح السياسي.
 
ومع ذلك، وعلى الرغم من التحديات الكثيرة التي تواجه المنطقة، والمركز العربي فيها على وجه الخصوص، ثمة اليوم فرصة فريدة للمنطقة لتحفيز خطاب جديد ينظر إلى التنوع كمصدر للقوة وليس للضعف. كما أن ثمة طريقة جديدة في التفكير تدفع باتجاه الأجندة التالية متعدد الأبعاد: عملية إصلاح سياسي وثقافي جدية ونابعة من الداخل، ونظام لفصل السلطات لا تكون فيه الغلبة لأحد سلطات الدولة؛ منطقة مستقرة وسلمية ومتقدّمة اقتصادياً، ومجتمع شرق أوسطي يستوعب جميع مواطنيه ومجموعاته المتنوعة.
 
ثمة ثلاثة مبادئ رئيسة تشكّل هذا الخطاب الجديد: التعددية، والوسائل السلمية، والشمول. والتزام الدول العربية بكل الأهداف الثلاثة سوف يقوّي المركز العربي ويوسّع قاعدته في كل المجتمع العربي.
 
التعددية: ثمة حاجة لأن يكون هناك إيمان أساسي في/والتزام بالتعددية السياسية والثقافية في المجتمع في كل الأوقات. لا يجوز لأي طرف أن يحتكر الحقيقة أو السلطة، ولا يمكن لأي طرف أن يفرض وجهات نظره الثقافية على بقية المجتمع. الالتزام بالتعددية يجب أن يشمل ما يلي:
  • نظام حزبي تعدّدي يستند إلى حكم الأكثرية وضمان أو حماية حقوق الأقليات

  • قضاء مستقلّ

  • حرية الصحافة وحرية التعبير

  • تطبيق سيادة القانون

  • احترام جدّي لحقوق الإنسان
الوسائل السلمية: في كل بلد، لا يمكن أن توجد التعددية ما لَم تؤمن جميع الأطراف بأن الدولة وحدها هي من يجب أن يحافظ على الأمن واستخدام الأسلحة، وأنه لا يمكن لمجموعة أن تحقق أهدافها من خلال الوسائل العنيفة. وهذا يعني أنه يجب نزع سلاح الأطراف الفاعلة غير الحكومية مثل حماس وحزب الله، أو مختلف المجموعات المسلحة العراقية المختلفة بالكامل، ودمجها في العملية السياسية في بلدانها. وعلى الصعيد الإقليمي، يتضمّن دعم السلام الالتزام بحل الصراع العربي-الإسرائيلي من خلال الوسائل السلمية. ويعني أيضاً التعهد بنبذ العنف، بما في ذلك العنف ضدّ المدنيين سواء كانوا إسرائيليين أو عرباً أو غيرهم.
 
الشمول: يتألّف العالم العربي من فسيفساء من الطوائف العرقية والدينية. وهذه تشمل: المسلمين من السنّة والشيعة، ومدارس فقهية أخرى؛ المسيحيين من جميع الطوائف، واليهود، فضلاً عن العرب والأكراد والأرمن والشركس والشيشان والبربر. يجب أن يسعى هذا الخطاب المعتدل إلى إقامة مجتمع شامل لجميع مواطنيه، ويعتبر هذا التنوّع قوةً إيجابيةً. كما ينبغي أن يشمل الخطاب موقفاً لا يتزعزع بأن المرأة تشارك مشاركةً كاملةً في التنمية والمجتمع ولها حقوق متساوية.
 
لإنتاج مثل هذا النوع من الإصلاح الحقيقي وكسر مأزق الحوكمة، يوفّر إتباع النهج التدرجي أفضل الآمال. لكن ينبغي ألا تكون التدرّجية مرادفاً لسرعة السلحفاة أو لبرامج مخصّصة متقلّبة لا تضيف شيئاً إلى عملية الإصلاح. التدرجية يجب أن تكون جدّية ومتواصلة.
 
أحد الأمثلة على هذا الجهد التدرّجي والجدّي هي الأجندة الوطنية الأردنية، وهي مسودّة برنامج عمل للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وضعت الأجندة في العام 2005 من قبل لجنة شاملة تمثّل مروحةً واسعةً من الإيديولوجيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، شملت شخصيات من الأحزاب السياسية والبرلمان ووسائل الإعلام والمجتمع المدني والقطاع الخاص والحكومة.
 
لم تعتمد هذه الوثيقة على بيانات أو مبادرات بلاغية، بل اقترحت برامج محدّدة بجداول زمنية ومؤشرات أداء، وروابط بالميزانية. وفي مجال الإصلاح السياسي، عرضت الوثيقة سلسلةً من التعديلات للقوانين لفتح الانتخابات، ومنع التمييز ضدّ المرأة، وتشجيع حرية الصحافة، ومعالجة المجالات الأخرى من خلال عملية تسعى إلى بناء نظام تدرّجي لفصل في البلاد، والانتقال من نظام ريعي إلى آخر يستند إلى الجدارة.
 
بسبب هذه الإصلاحات بالضبط تمّ إسقاط المسعى من جانب مؤسسة سياسية راسخة لا تودّ أن ترى نهايةً لامتيازاتها. في كل عام، تُعلِم حكومة جديدة في الأردن الجمهور بأنها جادة في تنفيذ الأجندة الوطنية. وفي كل عام تفشل في القيام بذلك. وللأسف، يُنظَر إلى البيانات اللفظية إلى الآن بوصفها أداةً كافيةً لدرء الضغوط الخارجية أو لمواصلة خداع الجمهور الذي يزداد تشككاً.

الحاجة إلى إصلاح التعليم 

أحد المجالات العديدة التي هي في أشدّ الحاجة إلى إصلاح جاد هو التعليم. ليس كمّ التعليم بل نوعيته، إذ ما تفتقر إليه النظم التعليمية العربية بشكل صارخ هي المناهج التي تغذّي تطوّر مفهوم صحي للمواطنة وتؤدّي إلى عملية بناء سليم للدولة من خلال تدريس قيم مثل التسامح وتقدير التنوّع. ينبغي تشجيع وجهات النظر المختلفة من خلال الإبداع والتفكير النقدي والبحوث.
 
بدلاً من ذلك، يتم تعليم الأطفال العرب اليوم في سنّ مبكرة جداً أنه يجب كبح الخلافات لخدمة الأهداف المشتركة الأوسع لجميع العرب. يتعلّمون التفكير ككتلة واحدة، وببعد واحد. التفكير النقدي لا يحظى بالتقدير أو التشجيع. فالحقائق مطلقة دائماً بدل أن تكون نسبية. لقد تربت أجيال كاملة على الاعتقاد بأن الولاء للبلد يعني الولاء للحزب وللنظام أو للزعيم، وأن كون المرء مواطناً صالحاً يقاس بمدى الولاء لقيادة البلاد، وأن التنوّع والتفكير النقدي والفروق الفردية خيانة.
 
ثمة أمر آخر محزن هو ذلك التحالف غير المكتوب اليوم بين القوّتين السياسيتين الرئيستين في العالم العربي - الحكومة والمعارضة الدينية - ضدّ أي تحسينات جدّية لأنظمتنا التعليمية. كلا الفريقين يريدان الإبقاء على احتكارهما على ما يتم تعليمه للأطفال، وهو احتكار يقضي بأن روايتهم وتفسيرهم للتاريخ والدين والقيم هي وحدها الصحيحة. ليس من المفترض بالطلاب أن يسألوا أو يفكروا أو يحلّلوا أو ينظروا في تفسيرات أخرى. وبالتالي، لم تقم أي من هذه القوى بعملية إصلاح تعليمي جدّية. وقد تجنّبت عمداً القضايا الأساسية للإصلاح واكتفت بالإصلاح على الهوامش.
 
نتيجةً لذلك، فإن التحسينات المستمرة التي يجريها العرب على البنية التحتية المادية للتعليم لا قيمة لها، إلا إذا قاموا أيضاً بالمزيد من الاستثمار في البنية التحتية البشرية في مدارسهم وجامعاتهم. وبدون ذلك، فإن الإصلاحات في كل مجال آخر ستكون بلا معنى.

دور الولايات المتحدة

عندما جاء الرئيس أوباما إلى الحكم، نأى بنفسه عن سياسات الإدارة السابقة. وفيما كان يُلاحَظ على نطاق واسع أن الرئيس بوش كان يحاول فرض الإصلاح من الخارج، تبنّى أوباما سياسةً على النقيض من ذلك، من دون أي تركيز تقريباً على الإصلاح العربي. وحينها ظنّت البلدان العربية أن الديمقراطية وفتح النظم السياسية لم تَعُد أولويات بالنسبة إلى واشنطن.
 
في حين لا يمكن إنكار وجوب أن يكون التغيير محلياً، إلا أن صمت إدارة أوباما ساهم - مع أنه لم يتسبّب – في نكوص عملية الإصلاح العربي في السنوات الأخيرة. ويمكن للولايات المتحدة زيادة أهمية الإصلاح السياسي من دون أن تفرض ذلك.
 
في هذه المرحلة، تمارس الولايات المتحدة لعبة اللحاق بالركب، وتستجيب للتطورات الأخيرة في جميع أنحاء العالم العربي. والحال أنه من مصلحة واشنطن أن تكون في الطليعة وتشرك البلدان في حوار جادّ حول عملية إصلاح مستمرة وتدرجية تؤدّي إلى انفتاح سياسي جديد وتعزيز تقاسم السلطة.

خلاصة

في الوقت الذي تتوقّف فيه عملية السلام العربي-الإسرائيلي، وتظهر فيه متطلبات أخرى، مثل إصلاح التعليم، يتعيّن على العرب "المعتدلين" أن يدركوا أنه لا يمكنهم قصر اعتدالهم على عملية السلام، وأن يأملوا بأن يواصلوا التمتّع بالمصداقية في نظر شعوبهم. يجب أن يتم إقناع الجمهور العربي بأن الخطاب العربي العملي والاستباقي يمتدّ إلى شواغل أخرى أيضاً: الحوكمة الرشيدة والرفاه الاقتصادي وعملية صنع قرار تشمل الجميع.
 
في زمن الأزمة المالية العالمية تغيّر كل شيء. وفي حين لم يأخذ الناس تظلّماتهم إلى الشارع قبل الانهيار الاقتصادي، فإنهم لم يعودوا على استعداد لتجاهل الفساد والمعاملة غير المنصفة.
 
ثمة حقيقة يتم إغفالها في الغالب، وتتمثّل في أن فقدان المصداقية في معالجة القضايا التي تؤثّر على حياة المواطنين اليومية أدّى أيضاً إلى فقدان مصداقية السياسات المعتدلة للمركز العربي في مواجهة الصراع العربي-الإسرائيلي. وبالتالي أصبح كثير من العرب ينظرون إلى المواقف البراغماتية للمركز العربي بوصفها تنازلاً عن المصالح العربية خدمة للقوى الغربية، بدلاً من محاولة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، وتحقيق الاستقرار والازدهار الذي تشتدّ الحاجة إليه في المنطقة.
 
إذا ما أُريد للمركز العربي أن ينتصر في نهاية المطاف، ويهزّ الصورة التي يحاول معارضوه رسمها له بوصفه مدافعاً عن الغرب أو متنازلاً عن الحقوق العربية – يتعيّن عليه أن يبدأ بمواجهة التحدّي المتمثّل في خلق مجتمع عربي قوي ومتنوّع ومتسامح وديمقراطي ومزدهر، وأن يباشر زرع البذور لوقت تنتهي فيه عملية السلام. ذلك الوقت هو الآن.