يوم الجمعة، تنحّى حسني مبارك، الرجل القوي في مصر على مدى ثلاثة عقود تقريباً، وسلّم السلطة إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة. فما الذي يمكن توقّعه من حكام البلاد العسكريين الجدد؟ وما هي الخطوات المقبلة التي تتوخّاها المعارضة؟ وبما أن مبارك هو الرئيس العربي الثاني الذي استقال في الشهر الماضي، ما الذي يعنيه هذا بالنسبة لبقية العالم العربي؟ 
 
ناقش كل من مروان المعشر ومارينا أوتاوي وميشيل دن من مؤسسة كارنيغي المرحلة المقبلة من انتقال السلطة في مصر وآثار ذلك على المنطقة والغرب. 

الدروس المستفادة من تونس 

بدأت أوتاوي المناقشة عبر مقارنة الانتفاضة المصرية بإسقاط الرئيس التونسي زين العابدين بن علي. 
  • الأنظمة القديمة تقاوم: جادلت أوتاوي في أن الإطار المؤسسي للأنظمة القديمة ظل على حاله إلى حد كبير، على الرغم من إزاحة الرئيسين التونسي والمصري. فقد احتفظ بعض من أقرب مساعدي الرئيس بن علي، بما في ذلك رئيس الوزراء محمد الغنوشي، بمناصبهم، مايلقي ظلالاً من الشك حول صدق التزام الحكومة بإصلاح سياسي ذي مغزى. وأضافت أوتاوي أن المجلس العسكري الأعلى في مصر، المكون من سلك الضباط الذي شكّل العمود الفقري لنظام مبارك، ربما سعى أيضاً إلى الحفاظ على ما أمكنه من البنية السياسية الأساسية السابقة. واتفقت دن مع الرأي القائل إن الحزب الوطني الديمقراطي قد يسعى إلى إعادة إحياء نفسه في شكل مختلف، مشيرة إلى أن الحزب استمر في عقد الاجتماعات منذ استقالة مبارك. 

  • تنازلات محدودة لاسترضاء المعارضة: أشارت أوتاوي إلى أن القيادة المؤقتة في كل من مصر وتونس حاولت استرضاء المحتجين والمعارضة بتنازلات محدودة، في حين سعت سراً للحفاظ على السمات الهيكلية للأنظمة القديمة. ففي تونس، تم حلّ اللجنة المركزية لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم، وتم في وقت لاحق "تعطيل" الحزب نفسه، مايعطي الانطباع بحصول تعديل في القيادة. في الواقع، وبالرغم من ذلك، لاتزال الشخصيات الرئيسة المرتبطة بالنظام القديم - بما في ذلك رئيس البرلمان السابق والرئيس المعيّن حديثاً فؤاد المبزع - تهيمن على الحكومة. وفقاً لأوتاوي، فإن التنازلات التي قدّمها المجلس العسكري الأعلى في مصر، بما في ذلك تعهده بتعديل ولكن ليس إعادة كتابة الدستور في مجمله، هي الأخرى محدودة في نطاقها. 

  • المشاورات الانتقائية:  تقول أوتاوي أن القادة الحاليين في كل من تونس ومصر دعوا جماعات المعارضة إلى التفاوض على الإصلاحات المقترحة، لكن لم يتم توسيع هذه الحوارات لتشمل طيفاً واسعاً من القوى السياسية. في مصر، اقترح الناشطون الشباب أن تدعو القيادة العسكرية مشاركين إضافيين إلى طاولة المفاوضات، ولكن أوتاوي قالت إنه تم رفض هذا الطلب بصراحة. 

  • دفاعاً عن الإصلاح الموجّه: لاحظ المعشر أن عملية إصلاح موجّهة من أعلى إلى أسفل يمكن أن تؤدي إلى نتائج أفضل من عملية شاملة للغاية، نظراً إلى الحاجة الملحَّة إلى إجراء تغييرات اقتصادية واجتماعية وسياسية جارفة. ووفقاً للمعشر، فإن عملية إصلاح شامل فعلاً يجب أن تمتد إلى ما بعد الانتخابات لتشمل توفير ضمانات لتقاسم السلطة، وبرلمان قوي، وسلطة قضائية مستقلة وصحافة حرة، وحقوق الإنسان.

تنقيح الإطار الدستوري في مصر

عيّن المجلس العسكري الأعلى في مصر لجنة للإصلاح الدستوري مكلَّفة بمراجعة ست مواد حددتها المعارضة على أنها إشكالية. وعلى الرغم من تعهّد اللجنة بمراجعة تعديلات تتعلق بالإجراءات الانتخابية وشروط الأهلية للرئاسة، فقد لاحظت دن أن بعض قوى المعارضة تطالب بأن تعاد كتابة الدستور تماماً. 
  • محدودية المشاورات في عملية التعديلات: لاحظت أوتاوي أن المجلس العسكري الأعلى قارب عملية الإصلاح الدستوري كمهمة تقنية يمكن إنجازها على النحو الأفضل بواسطة مجموعة صغيرة من الخبراء المدربين. وعلى الرغم من أن اللجنة تضم عضواً من جماعة الإخوان المسلمين، وعدداً من الحقوقيين ذوي العقلية الإصلاحية، فإن عملية الإصلاح الدستوري لاتزال حصرية للغاية. 

  • الإطار الزمني للإصلاح: وفقاً لدن، يحاول المجلس العسكري تحقيق التوازن بين مطالب التعديلات الدستورية العاجلة والمخاوف من أن القيادة تتحرك بسرعة كبيرة جداً. 

الحفاظ على الزخم بعد الاحتجاجات 

  • من دون ضغط ستعيد الأنظمة إنتاج نفسها: حذرت أوتاوي من أنه في غياب الضغط المستمر من جانب جماعات المعارضة، فإن بقايا الأنظمة القديمة يمكن أن تفرض نفسها من جديد وتستعيد السيطرة على العملية السياسية. في مصر، كما هو الحال في تونس، "ما تبقى من النظام سيواصل حماية نفسه"، كما قالت أوتاوي. 

  • احتجاجات الشوارع ليست آلية للإصلاح المؤسسي: قالت أوتاوي إنه في حين أجبرت التظاهرات الشعبية الضخمة النظام على الاعتراف بالمظالم السياسية والاقتصادية، لايمكن للمحتجين ممارسة نفوذ على العمليات الرسمية للإصلاح المؤسسي إلا إذا انخرطوا في مفاوضات مع الحكومة. 

  • تفتّت المعارضة قد يعرقل المفاوضات: قالت أوتاوي إن السياسات القمعية لنظام مبارك ساهمت في إضعاف وتفتيت أحزاب المعارضة التقليدية. وفي الوقت نفسه، ثمة دلائل تشير إلى أن التحالفات الشبابية الجديدة والحركات الشعبية - بعضها ظهر في سياق انتفاضة 25 يناير - منقسمة بالمثل بسبب الخصومات الداخلية. كما أن عدم تماسك المعارضة يمكن أن يضعف قدرتها على المساومة في المفاوضات مع القيادة العسكرية. وبدت دن متفائلة نوعاً ما من أن قوى المعارضة قد تتجمع في جبهة موحدة قادرة على التعبير عن مجموعة واضحة من المطالب. 

التحديات المقبلة 

عملية الإصلاح في مصر بدأت للتو، وسوف تحتاج القيادة الجديدة للبلاد إلى التعامل مع التحديات السياسية والاقتصادية الهائلة التي تنتظرها. 
  • الضعف الاقتصادي: قالت دن إن استقرار الاقتصاد المصري قد تزعزع بشدّة بسبب الاحتجاجات الضخمة والإضرابات العمالية. في أعقاب الانتفاضة، تعاني مصر من الحاجة الماسة إلى المساعدات الاقتصادية، وسوف يتعرّض صناع السياسة الأميركيون إلى ضغوط للاستجابة عبر تقديم مساعدات طارئة. وأضاف المعشر أن القادة المصريين سيواجهون، في الوقت نفسه، ازدياد المطالب الشعبية للتراجع عن إصلاحات تحرير الاقتصاد التي طبقتها حكومة مبارك. وتوقعت دن أنه إذا كان لقادة مصر أن يبتعدوا بالبلد عن سياسات السوق الحرة من خلال زيادة الدعم وتدابير الرعاية الاجتماعية الأخرى، فقد تجد الولايات المتحدة والجهات المانحة الأجنبية الأخرى أنفسهم في وضع غير مريح لتمويل برامج اقتصادية لاتتفق مع مبادئ الليبرالية الجديدة. 

  • الحاجة الملحة للإصلاح التعليمي: وفقاً لدن، أدى "التدهور الكارثي" في نوعية التعليم العام إلى خلق جيل من الشباب المصريين غير المُهيئين لسوق العمل. وقالت دن إن قصور النظام التعليمي لا يمكن تصحيحه بين عشية وضحاها، وسوف يتطلب حلولاً سياسة طويلة الأجل. 

  • تحديات السياسة بالنسبة للولايات المتحدة: قالت دن إن انتفاضة مصر أجبرت الولايات المتحدة على الاختيار بين دعم حليف سلطوي موجود منذ فترة طويلة أو الانحياز إلى المحتجين الذين يطالبون باستقالته. وبلجوئها إلى هذا الخيار الأخير، كانت إدارة أوباما تشير إلى استعدادها لإعادة تقييم دعم الولايات المتحدة للأنظمة غير الديموقراطية الأخرى في الشرق الأوسط. وألمحت أوتاوي إلى أن الإدارة ربما لاتزال "على الحياد" في ما يتعلق بتقديم الدعم المتواصل لنظام الرئيس اليمني علي عبد الله صالح الموجود منذ فترة طويلة، والذي يتعاون مع الولايات المتحدة بشأن مكافحة الإرهاب ضد تنظيم القاعدة، في مواجهة تزايد الاحتجاجات المناهضة للحكومة في اليمن.