مع إطاحة القادة المستبدّين في العالم العربي واستمرار الاحتجاجات في البلدان المجاورة، ثمّة آمال عريضة بأن الديمقراطية سوف تنبثق في شرق أوسط جديد. ويتركّز قدر كبير من الاهتمام على الانتخابات والدساتير المكتوبة، بيد أن الهياكل الديمقراطية لن تزدهر حتى يتمّ إصلاح التعليم للتدريب على التفكير الحر واحترام آراء الآخرين والمواطنة.

تقليدياً، كانت نظم التعليم العربية تتمحور حول السيطرة. فالمدارس تعلّم طاعة النظام بدلاً من أن تعلّم حلّ المشاكل والتفكير النقدي وحرية التعبير. لايتعلّم الطلاب عن الحقوق السياسية، ويُعَلّمون ألا  يعترضوا على السلطة.

تشدّد الكتب المدرسية في مصر على مناطق الجذب السياحي أكثر بكثير من تشديدها على المشاركة السياسية، والعثور على كلمة "السلطة" أسهل من العثور على كلمة "مواطن". في الأردن، لا تولي مبادرات الإصلاح في المدارس اهتماماً لحاجة الناس لأن يصبحوا ناشطين في المجتمع المدني والمديني.

بيد أن الديمقراطيات في حاجة إلى مجتمعات مفتوحة ذات ثقافات تحتضن التنوع، وتقبل الآراء المتضاربة، وتتسامح مع المعارضة، وتعترف بأن الحقائق ليست كلها مطلقة. مع هذا النوع من التفكير فقط سوف تعمل الضوابط والتوازنات اللازمة في الديمقراطية.

في حين استثمرت البلدان العربية بكثافة في التعليم، وأنفقت في المتوسط 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً على مدى السنوات الأربعين الماضية، فإن النتائج بقيت متواضعة. ويبدو  التحدي ملحّاً، حيث إن واحداً من كل ثلاثة أشخاص في المنطقة دون سن الخامسة عشرة، كما أن 70 في المئة من السكان تقلّ أعمارهم عن الثلاثين عاماً.

جهود الإصلاح الحالية، حيثما وجدت، لاتقترب من حلّ المشكلة. فهي تركّز إلى حد كبير على بناء مدارس جديدة، وشراء المزيد من أجهزة الكمبيوتر، وزيادة معدّلات الالتحاق بالمدارس وزيادة درجات الاختبار. وعلى الرغم من أهميّتها، فإن هذه التحسينات ليست كافية.

ومن ثمّ لم تتبع الإصلاحات نتائج أفضل. إذ ليس ثمّة تغييرات ملموسة في أساليب التدريس، ولاتزال درجات الاختبار متدنية في القراءة والرياضيات والعلوم. وبعد إدخال التغييرات التعليمية الأخيرة في تونس، انخفض متوسط درجات اختبار تلاميذ الصف الرابع  فعلياً بين عامي 2003 و2007. وفي مصر، انخفضت درجات تلاميذ الصف الثامن في كل من مادتي الرياضيات والعلوم في الفترة نفسها.

يشير ذلك إلى وجوب أن تركّز الإصلاحات على العناصر البشرية. الطلاب ينبغي أن يتعلموا كيفية التفكير، والاستفسار والابتكار في سن مبكرة. هذا هو كل ما يتطلّبه الأمر في اقتصاد عالمي تنافسي.

العالم العربي في حاجة أيضاً إلى المزيد من المعلمين من ذوي المهارات العالية وإلى بيئات صفّية أكثر ملاءمة للتعلم. لايزال التعليم في معظمه توجيهياً ويستند إلى المحاضرة، ويركّز على تلقين الحقائق واستظهارها. وهذا لايوفّر نقاشاً مفتوحاً وتعلّماً فعّالاً.

مع ذلك، تتم مقاومة هذا النوع من الإصلاح التربوي الذي يمكّن المواطنين، من خلال تحالف غير معلن بين الحكومات والمؤسسات الدينية، والتي تريد الإبقاء على احتكارها للمناهج والتدريبات المدرسية. إذ ترى قوى الوضع الراهن أن الطلاب المستقلين والمبدعين وذوي التعليم الجيد يشكّلون تهديداً. وإلى أن يتغيّر هذا الوضع، فإن الآمال الديمقراطية سوف تتدهور.

من غير المرجّح أن تنجح الديمقراطية العربية من دون إصلاحات تربوية. ومع ذلك، من الصعب بصورة ملحوظة العثور على جهود إصلاح جدّية في العالم العربي. وسوف يستغرق إصلاح التعليم وغرس القيم منذ بداية تعليم الأطفال وقتاً طويلاً. ولكن هذا هو السبيل الوحيد لتمهيد الطريق أمام إحداث تغيير حقيقي.