بعد حادثة "ماسبيرو" الدامية في القاهرة، تزاحمت اقتراحات المفكرين والسياسيين لحل المسألة الطائفية في مصر وغيرها من الدول العربية، في ظل استمرار مسيرة "الربيع العربي" وبروز الإفصاح العلني عن خوف الأقليات الدينية والإثنية على مصيرها ودورها بعد هدوء عاصفة الثورات الشعبية. 

ركّزت معظم الاقتراحات على الجوانب القانونية مثل وضع تشريعات تنظّم بناء دور العبادة وتوزيعها الجغرافي والسكاني، والجوانب السياسية مثل التمثيل العادل للأقليات في السلطة السياسية. 


لا ريب في أن التعديلات القانونية ضرورية لحماية حقوق الأقليات في المجتمعات العربية ولاسيما تلك الساعية إلى بناء دول ديموقراطية. كذلك الأمر بالنسبة إلى تصويب التمثيل السياسي للأقليات. لكن هذه المقترحات، على أهميتها، ليست كافية لبناء نظام ديموقراطي مستقر. ثمة جانب آخر ضروري وأساسي لايحظى بالاهتمام الكافي والجاد، ألا وهو العمل على تغيير القيم الاجتماعية والسياسية للمواطنين جميعا وخصوصا الشباب. هذه القيم هي الأساس الذي تقوم عليه المفاهيم القانونية والسياسية والاجتماعية للمواطنين. فنظرة القبطي، مثلا، إلى المسلم في مصر وبالعكس، لاتحكمها القوانين والأنظمة السياسية بقدر ما تحكمها منظومة القيم والاتجاهات التي غرست في عقل وقلب المواطن من قبل أسرته ومدرسته وحيّه المديني أو قريته في الريف، وهي تتجذر ويشتد عودها خلال الممارسات اليومية.


وتلعب المدرسة في هذا المجال دوراً رئيساً في زرع أو تغذية اتجاهات الطلبة السياسية والاجتماعية والدينية والأخلاقية، وفي بناء منظومة القيم التي ترشد سلوكهم شبانا وبالغين. ونظرة سريعة إلى المدرسة المصرية، وخاصة الحكومية منها، تبيّن ضخامة العمل المطلوب في مجال التربية والتعليم لبناء مجتمع ديموقراطي تعددي مستقر، وذلك في مختلف جوانب الحياة المدرسية: البيئة المدرسية والصفية، والمناهج، والمعلم، وطرق التدريس، والعلاقة مع المجتمع المدني.


البيئة المدرسية المصرية الراهنة يطغى عليها نمط الإدارة التسلطي المرتبط بإدارات حكومية مركزية عاجزة عن التكيّف مع متغيرات العصر، حيث هي تُغذّي قيم الطاعة للسلطة سواء كانت المدرس أو المدير وتعاقب المعترض والمتمرد. المناهج تدرّس بأسلوب الحفظ والتلقين لاالتحليل والتفكير الناقد ولاسيما في المواد الاجتماعية واللغة العربية التي يتعلم فيها الطالب شؤون السياسة والمجتمع. وتكثر في المقررات الدراسية في المرحلة الابتدائية النصوص "التعبوية" أو النصوص الوجدانية الشاعرية، وكلتا المقاربتين للموضوعات السياسية والاجتماعية لاتساهمان في تنمية الذهن التحليلي، أو الوعي القانوني، أو الثقافة المواطنية لدى الطالب. وحين تطرح القضايا السياسية، يكون السياق خطابيا أو أخلاقيا أكثر مما هو سياسي أو قانوني. فالحديث، مثلا، عن حقوق الإنسان خطابي تعبوي يدرج حقوق المواطن تحت مسمى "خدمات" الدولة للمواطن، فيتم التركيز على واجبات المواطن تجاه وطنه ودولته أكثر من الالتفات إلى حقوقه المدنية على الدولة.


ويتكرر الحديث في مقررات الدراسات الاجتماعية واللغة العربية في مصر عن الوطن لا المواطن، ولايتعلم الطالب منهجية التفكير المرتكزة إلى المشاركة المدنية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان. فالانتماء هو للوطن بحضارته الفرعونية العريقة وموقعه الجغرافي الاستراتيجي، دون التطرق إلى حقوق المواطن المتنوعة في العمل وتشكيل النقابات والإضراب وحرية الرأي وسائر الحقوق. كذلك لا تساهم المناهج في تنمية المهارات الاجتماعية الضرورية لمواطن القرن الحادي والعشرين مثل التواصل والتفاعل والتسامح والتعاون والتفاوض والتعبير الحر واحترام الآخر وقبوله. ولاتتضمن المقررات مفاهيم الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والتفكير الناقد إلا بنسبة ضئيلة، فتطغى النصوص التي تغذي قيم الطاعة والامتثال والخضوع إلى السلطة سياسية كانت أم دينية أم تربوية. أما العلاقة بين المسلمين والأقباط فوضعت في إطار وجداني يتمحور حول الوطن الذي يرعى جميع أبنائه وفئاته. الوطن الذي يسوده التسامح واحترام العقائد ومحبة الناس بعضهم لبعض، والذي ينعم بـ "الوحدة الوطنية". وتجدر الإشارة إلى أن كثيرا من دروس اللغة العربية في المرحلة الابتدائية تستعين بآيات من القرآن الكريم وبأحاديث نبوية شريفة لتعليم قيم اجتماعية سامية مثل الإحسان والصدق، ولكن هناك أيضا الآيات التي تتناقض مع إيمان المسيحيين بالثالوث المقدس. أما التاريخ فيركّز على الحضارة الإسلامية بجوانبها المتعددة منذ ظهور الإسلام، في حين يقتصر تاريخ الأقباط على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية.


هذه المقاربة التعليمية للأقلية المسيحية في مصر لاتأخذ في الحسبان طبيعة القيم السائدة حول الهوية الدينية للمسلمين والمسيحيين، والتي لن تزول بتجاهلها وإنما بمناقشتها بموضوعية في إطار حقوق المواطن الديموقراطية. ولايؤدي تلقين الطلبة المسيحيين موضوعات مخالفة لعقائدهم إلى تغيير معتقداتهم لأن الطريقة الناجعة لتدريس معتقدات ومفاهيم "الآخر" ترتكز على البحث والحوار والنقاش الحر واحترام وقبول الآخر. فالطلبة المسيحيون، كما صرحت عيّنة منهم حول شعورهم تجاه المحتوى الإسلامي المكثف للمقررات الدراسية، يحفظون المقرر لينجحوا في الاختبار ثم ينسونه بعد ذلك. وهذا لاينمّي طبعا وعي الهوية الدينية وقبول الآخر لدى المسلمين والمسيحيين. إن مسألة الهوية مركبة من عناصر عدة يرتبط كل منها وبقوة بالمواطنة. فالمواطن لايحمل فقط هويته الوطنية وانتماءه لأرض وحضارة ما، فهو أيضا يحمل هوية دينية (مسلم، مسيحي، يهودي) تؤثر في قيمه وثقافته وسلوكه، وقد تسود في كثير من الأحيان فوق الهويات الأخرى التي يحملها. ومن ثمّ، فإن التعاطي مع الهوية الدينية يحتاج إلى جهد كبير ومتواصل ليس فقط في الإطار القانوني والسياسي وإنما أيضا في الإطار المجتمعي والتربوي. وهذا الجانب أكثر تعقيدا وبطئا في التغير، لكن هذا التغير أبعد أثرا في مسيرة طويلة لبناء ديموقراطية مستدامة