لقد دخلت الأزمة السورية مرحلة «جمود مؤلم» قد تمتدّ طيلة العام 2012، بعد أن بلغت الضغوط الخارجية والتحديات الداخلية أبعد ما ستذهب إليه في الأمد المنظور. من الواضح تماماً أن النظام عجز عن قمع الانتفاضة ولن ينجح بذلك خلال السنة المقبلة. لكن يبدو أيضاً أن المعارضة –بجناحها في الخارج وفي الداخل حيث ثقلها– غير قادرة هي الأخرى، على توسيع نطاق نشاطاتها وفعاليتها أو ابتكار سبل جديدة لممارسة الضغط، بغية زيادة ومضاعفة نقاط الاحتكاك والمواجهة، وصولاً إلى استنزاف النظام وأجهزته الأمنية-العسكرية وإرهاقهما.

من المحتّم، عاجلاًَ أم آجلاً، أن تفشل بعثة المراقبين التي أرسلتها جامعة الدول العربية إلى سورية في أواخر كانون الأول (ديسمبر) الماضي. صحيح أن احتضارها يمرّ عبر لحظات شدّ وجذب، فيما توجّه اللجنة الوزارية للجامعة المزيد من التحذيرات إلى الحكومة السورية، وفيما تماطل هذه الأخيرة لتتراجع في اللحظة الأخيرة، لكن من غير المرجح أن يتم الإعلان عن موت خطة العمل العربية رسمياً لبعض الوقت. ويعني ذلك، إذا صحّ التقدير، أن تهديدات جامعة الدول العربية بإعادة فرض المقاطعة الاقتصادية على النظام، كما أعلنت في أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) الفائت، أو باللجوء إلى إجراءات أخرى مثل منع رحلات الطيران المدني العربي من وإلى سورية أو مطالبة مجلس الأمن الدولي بالتدخّل، سوف تستغرق أسابيع لإقرارها وأشهراً لتحويلها إلى حيّز التنفيذ الفعلي.

لا يزال النظام السوري يستفيد من هامش ملحوظ للمناورة. ويعود ذلك من ناحية، إلى أن مجلس التعاون الخليجي الذي تزعّم حتى الآن مبادرات جامعة الدول العربية تجاه سورية، لا يملك خطة واضحة تحدِّد له خياراته المقبلة، كما أن المجلس لم يحدّد «انتقال السلطة» كهدف رئيس في سورية، على عكس سياسته في اليمن، التي وضعت ذلك هدفاً منذ البداية. ولا يقلّ أهميةً عن كل ذلك تصلُّب موقف روسيا والصين مؤخراً في مواجهة السياسة الأميركية والغربية عموماً تجاه سورية، مما يعيق الأمم المتحدة عن الضلوع بدور فعّال، فيما يشير اتجاه التطورات السياسية الداخلية في العراق إلى أن الحكومة هناك ستلعب دور «الرئة» الإضافية لنظيرتها السورية.

يتمثّل العامل الحاسم في أنه لن يكون هناك ثمة تدخّل عسكري خارجي، من شأنه «فَرط المسبحة» الداخلية في سورية، بحيث يتهاوى مؤيّدو النظام من الطبقات الوسطى المدينية أو تنطلق سلسلة انهيارات داخل المؤسسات الحكومية أو الأجهزة الأمنية والعسكرية، وصولاً إلى انقلاب جذري للميزان الداخلي في البلاد، فلا الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي مستعدّان لتكرار السيناريو الليبي لمجموعة أسباب عملياتية وجغرافية ومالية (فيما يتأرجح مصير اليورو على شفير الهاوية)، بينما تمتنع تركيا عن أي دور عسكري مباشر، على الرغم من استعدادها لتطبيق العقوبات الاقتصادية المكلِفة. فلن تنشأ مناطق الحظر الجوي (الكامل أو الجزئي)، أو مناطق حدودية محمية، أو «ممرّات إنسانية» لإيصال المؤن والأدوية إلى المدن والبلدات المحاصَرة داخل سورية.

وعلى عكس بعض التقديرات، لا يحتاج النظام السوري إلى «دفعة بسيطة» وحسب لينهار، إذ لا يزال يحتفظ بقبضة ثابتة على دمشق وحلب، حيث لا تظهر حتى الآن علامات مقنِعة على انتقال الطبقة الوسطى (من الموظفين وذوي المهن الحرّة ورجال الأعمال) إلى صف المعارضة، أو على حالات انشقاق جماعي. ولا بد أن الأجهزة الأمنية تتكبّد الخسائر والقلق حول المصير، لكنها لا تزال موالية ومتماسكة في الغالب، على الأقل ظاهرياً. وكذلك تتواصل حالات الفرار من الجيش، إلا أنها لم تتحوّل فيضاناً بعد. ثم إن «الجيش السوري الحرّ» غير قادر على أن يشكّل خطراً إستراتيجياً على النظام في غياب إمكانية إنشاء المناطق الآمنة بحماية عسكرية خارجية.

الواضح أن النظام قد اختار التخلّي عن سيطرته على بعض المناطق الريفية والبلدات الصغيرة لكي يُبقي على غالبية الجيش في ثكناته، فيما يوكِل إلى أقوى وحداته وأشدّها ولاءً مهمة ضبط المدن الرئيسية وضمان السيطرة على المناطق والمعابر الحدودية الأساسية، التي تشكّل الأولوية الأكثر حيوية بالنسبة إليه.

مفاد كل ذلك هو إطالة عمر النظام. صحيح أن الاقتصاد السوري قد انكمش انكماشاً شديداً خلال العام 2011، ربما بلغ 30 بالمئة من إجمال الناتج الوطني، غير أن اقتصادات عربية أخرى تراجعت بنسب مماثلة من دون أن ينهار النظام: العراق بعد غزو الكويت، والسلطة الفلسطينية بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، وليبيا في ظلّ العقوبات الدولية. ومن شأن سهولة التسرّب عبر الحدود السورية واتّساع الاقتصاد «الأسود» المستند إلى التهريب، وتنوّع الاقتصاد السوري وعدم اتّكاله المركزي على تصدير النفط، والتطوّر النسبي للقطاع الخاص وتمتّعه بشبكات تجارية ورأسمالية في الخارج، أن يؤدّي كل ذلك إلى حماية المجتمع السوري عامة، وليس النظام وحده، من آثار الحصار لفترة لا بأس بها. يُضاف إلى ذلك أن أياً من الدول العربية المجاوِرة، بما فيها تركيا، لم تُغلِق حدودها مع سورية، وليس مرجّحاً أن يتم ذلك مستقبلاً (ربما باستثناء تركيا. وهذا قد يكون مؤجَّلاً أو جزئياً).

وما يزيد من جمود الأزمة السورية هو تحوّلها الواضح إلى منافسة جيو-سياسية بين القوى الإقليمية والدولية الرئيسية. وقد يُفاقِم هذا الجمود من مخاطر اتّساع العنف الطائفي، غير أنه يقف عائقاً أمام نشوب حرب أهلية حقيقية. الأرجح حدوث أحد احتمالين: السيناريو الأول أن تتوصّل عناصر داخل الطائفة العلوية –ربما قيادتها «الملِّية» الدينية التقليدية أو بعض القادة العسكريين من خارج دائرة عائلة الرئيس بشار الأسد– إلى استنتاج مفاده أن مصيرها الهزيمة في حال نشوب نزاع عسكري واسع أو حرب أهلية، فتبادر إلى الضغط على الرئيس بهدف إقناعه بالتفاوض والاتفاق طالما يحتفظ بالقدرة على تأمين الشروط والضمانات الممكنة. أما السيناريو الثاني، في حال غياب مثل هذه المساعي أو فشلها، فهو أن يتآكل النظام من الداخل حتى يصل إلى لحظة الانهيار، فتفرُط المسبحة «وتكرّ» بوتيرة متسارعة عندما يرى السواد الأعظم من الجيش ومن المدن والبلدات أنه لم يَعُد في مقدور النظام الدفاع عن نفسه أو القيام بالهجوم المضاد.

لكن لن تأتي تلك اللحظة في العام 2012 طالما بقيت المعطيات الأساسية على ماهي عليه اليوم.

تمّ نشر هذا المقال في جريدة الحياة.