كان لثورة مصر الصاخبة في العام 2011 مطالب عدة، لكن الأكثر مركزية بينها كان ذلك الذي طرحته جموع الناشطين السياسيين والجمهور العريض من المواطنين المُعبئين، وهو ضرورة إعادة هيكلة السلطة العامة في البلاد كي تعمل بشكل مسؤول وشفاف، وكي ترضخ بالكامل إلى سيادة القانون. ولذلك يُتوقع من قضاة مصر أن يطلّوا على بيئة مابعد الثورة بوصفها المناسبة التي يجب أن يحققوا خلالها أخيراً رؤية لطالما طُرحت خلال جيل كامل في وجه رئاسة متغطرسة لاتأبه لشيء: رؤية تطالب بدولة يحكمها القانون وتُحصِّن القضاء ضد الضغوط السياسية والمصالح الخاصة؛ دولة توفّر الاستقلال الكامل للقضاة الأفراد وللسلطة القضائية كهيئة تُصدر أحكاماً تُحترم وتنفّذ من قِبَل كل أجهزة الدولة المصرية.

في نهاية المطاف، قد يحصل الكل على مايريد.لكن في المدى القصير، لم يجد القضاة أنفسهم بعد في موقع محصَّن غداة الثورة المصرية. لابل هم مكشوفون سياسياً وغير واثقين من مستقبلهم، حيث البعض منهم قلق ليس فقط على استقلاليته المؤسسية بل حتى أيضاً على أمنه الشخصي. وفي هذه الأثناء، أدت الجهود لشرعنة المطالب المتعلقة باستقلالية السلطة القضائية في شكل قانون قضائي جديد، إلى توريط القضاة في معارك داخلية وتنافسات خارجية.

لكن في المدى الطويل، ستونع هذه الجهود بعض الثمار، لأن دعم استقلالية القضاء بات يشمل الآن كل ألوان الطيف السياسي. فالقضاة سيحصلون في الغالب على صيغة من صيغ الاستقلالية التي إليها يسعون. بيد أن المضاعفات السياسية لهذه الخطوة أبعد ماتكون عن الوضوح الذي يتوقعه أنصارها: فاستقلالية السلطة القضائية- كما يفهمها مشروع قانون مقترح- قد تشكِّل جزءاً من منحى لـ"بلقنة" الدولة المصرية بطريقة توفِّر نظاماً أكثر ليبرالية وتعددية، لكنه أيضاً أقل اتساقاً وديمقراطية مما يعتقد المصريون راهناً.