بدأ مخزون الغاز في شرق البحر المتوسط يؤثّر في العوامل الجيوسياسية في الشرق الأوسط. فقد جذبت اكتشافات الغاز الضخمة في إسرائيل، كما ربما الاكتشافات المهمة التي ستبرز قبالة شواطئ قبرص ولبنان، اهتمام الدول الكبرى في العالم كما الدول المؤثرة في المنطقة.

وهكذا، فإن منطقة الشرق الأوسط المنشغلة أصلاً بالمنازعات على الأرض والحدود البرية، بدأت تحوِّل أنظارها نحو البحر. كما أن البلدان التي لم ترَ في السابق جدوى من التنسيق أو التعاون، بات يتعيَّن عليها مواجهة الأكلاف الجديدة للنزاعات.

بول سالم
بول سالم هو مدير "مركز كارنيغي للشرق الأوسط" السابق. تتناول أبحاثه ومنشوراته العلاقات الإقليمية والدولية للشرق الأوسط، إضافةً إلى قضايا التطور السياسي والدمقرطة في العالم العربي.
More >

كانت إسرائيل السبّاقة في استخراج الغاز من حقليها في تامار وليفياثان. وقد جاءت هذه الاكتشافات في لحظة مهمة بالنسبة إليها، حيث باتت إمدادات الغاز المصري إليها عُرضة إلى التهديد. وتَعِد هذه الاكتشافات بجعل إسرائيل ليس مكتفية ذاتياً من الغاز وحسب، بل أيضاً مُصدِّرة له. بيد أن التحديات التي تنتصب في وجه التصدير الإسرائيلي تبدو كأداء: إذ لو كانت تل أبيب في حالة سلام مع جيرانها، فإن طريق التصدير الأكثر فاعلية من حيث التكلفة هو ذلك الممتد براً عبر حدودها الشمالية إلى أوروبا.

لكن مثل هذا الطريق مُغلق في وجهها. وبالتالي، تُخطط تل أبيب لشحن صادراتها عبر قبرص، بيد أنها تواجه هناك أيضاً الكثير من الخيارات والتحديات: فأسهل الطرق من هناك قد يكون تركيا، لكن العلاقات التركية - الإسرائيلية المتردية تجعل من مثل هذا الخيار أمراً مستحيلاً الآن. ثم إن شحن الصادرات عبر اليونان يعني طريقاً أطول، كما أن تركيا تقف حجر عثرة في وجهه.

وهكذا يتضح أن تراجع العلاقات التركية - الإسرائيلية جاء في وقت سيئ للغاية بالنسبة إلى الطموحات الإسرائيلية في مجال صادرات الطاقة.

الخيار الآخر أمام إسرائيل هو بناء مصنع لتسييل الغاز الطبيعي قبالة شواطئها أو في قبرص، وشحن الغاز على السفن إلى الأسواق العالمية. بيد أن هذا خيار مكلف، علاوة على كونه عرضة أيضاً إلى التهديدات والتوترات الإقليمية.

في هذه الأثناء، أصبحت قبرص فجأة لاعباً استراتيجياً يُشرف على مفارق طرق صادرات الطاقة في المنطقة. وهذا ما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إلى مغازلتها بكثافة، وما جعل هذه الجزيرة قبلة أنظار مسؤولين إقليميين ودوليين تدافعوا لزيارتها. كما أنه جعلها أيضاً عرضة إلى ضغوط عنيفة من جانب تركيا. لكن الخلافات الداخلية في قبرص تؤثر سلباً في الدور القبرصي إذ إن القادة القبارصة الأتراك عارضوا انفراد نيقوسيا في إبرام عقود حفر آبار الطاقة في البحر؛ وهو اعتراض درَّعته البحرية التركية بالتهديد بعرقلة تقدُّم برامج استكشاف حقول الطاقة.

أما لبنان فقد كان بطيئاً في الانطلاق للإفادة من ثروات الطاقة المحتملة لديه. ولم تتحرّك الحكومة والبرلمان إلا أخيراً لسن التشريعات الضرورية لفتح المناطق البحرية اللبنانية أمام شركات الطاقة العالمية. تُسارع مروحة واسعة من شركات النفط والغاز الكبرى من الولايات المتحدة، وأوروبا، وروسيا، والصين واليابان والبرازيل إلى إبداء الاهتمام بالمخزون اللبناني المحتمل. لا بل بدأ لاعبون أيضاً، مثل إيران وقطر وتركيا، بالبحث عن وسائل للمشاركة في هذا القطاع.

إذا ما وضعنا في الاعتبار طبيعة الحكومة الائتلافية وطبيعة التوازنات والتحالفات اللبنانية، فقد نصل إلى الاستنتاج بأن العقود ستكون من نصيب باقة منوَّعة من الشركات. فحزب الله وحلفاؤه يحتمل أن يدفعوا باتجاه الشركات الروسية لمكافأة موسكو على دعمها، بخاصة لسورية، ولتشجيع الرعاية الروسية لمحور إيران - العراق - سورية - حزب الله. كما يُحتمل أن يندفع رئيس الحكومة لموازنة هذا التوجُّه من خلال تشجيع عقود مع شركات غربية، وبالتحديد فرنسية أو أميركية. ويشعر بعض القادة اللبنانيين في أن وجود انخراط شرقي وغربي في قطاع الطاقة في لبنان، من شأنه أن يساعد على توفير اهتمام القوى الكبرى بأمن هذا القطاع ونجاحه على الأمد الطويل.

بمقدور لبنان ككلّ أن يستفيد إلى حدّ كبير من عائدات الطاقة، ولا سيما في مجال خفض الدين العام وخفض تكلفة إنتاج الطاقة الكهربائية، إذا ما تمّت إدارة هذه العائدات في شكل سليم. إلا أن تحقيق عائدات سهلة من خلال الطاقة، قد يتسبّب أيضاً بتفعيل حلقة فساد هائلة تؤدّي إلى هدر هذه الفرصة وزيادة أمراض النظام السياسي. كما أن سوء إدارة هذا المورد قد يتسبب باختلالات في التوازن الاقتصادي وإعاقة النمو في قطاعات أخرى.

من الملفت أن رئيس مجلس النواب نبيه بري تولى دوراً محورياً في دفع ملف الطاقة في البرلمان كما يلعب دوراً غير اعتيادي في الديبلوماسية المتعلقة بالملف، فيما أضاف حزب الله «حماية ثروة لبنان البحرية من الطاقة» إلى أهدافه كـ «مقاومة وطنية». فقد يكون لهذا الدور «الشيعي» وقعٌ مثير للاهتمام، ذلك أنه إذا أصبح الازدهار المتصاعد للبلد وللطائفة الشيعية معتمداً على سلامة منشآت الطاقة قبالة الشواطئ وعلى الشركات الدولية العاملة هناك، فقد يؤثر ذلك في حسابات الحرب والسلم. كما أن عائدات الغاز قد تصبح مصدراً بديلاً للدخل بالنسبة إلى الحزب على الأمد الطويل، في حال تعقّدت أو تعثّرت العلاقة مع إيران.

أما على الصعيد الدولي، فشركات الطاقة الأميركية بدأت الاستثمار في إسرائيل، ويسعى بعضها إلى الاستثمار في الحصص اللبنانية. غير أن ما تركّز عليه الحكومة الأميركية هو تجنّب اندلاع صراع بين إسرائيل ولبنان حول المثلّث البحري المُتنازَع عليه بين البلدين، والبالغة مساحته 800 كيلومتر مربّع. وهي لهذه الغاية أوفدت مبعوثين إلى المنطقة بغية التوسّط في النزاع، وقد يعلن عن تسوية في الأسابيع المقبلة. وتبدو أوروبا متلهّفةً إلى تنويع مصادرها من الغاز، لكنها مستاءة من الخلافات بين تركيا وقبرص وإسرائيل التي تعرقل التقدّم في هذا المجال.

أما اهتمام روسيا بسورية وجارها الأصغر لبنان، فيعود في جزء منه إلى رغبتها في ترسيخ وجودها في سوق الطاقة الناشئة هنا. في المقابل، تعثّرت خطط تركيا لمَدّ ما يُعرَف بـ «خط الغاز العربي»، لنقل الغاز من مصر ولبنان وسورية عبر تركيا إلى الغرب، نتيجة النزاع القائم في سورية وتجدُّد العداوات السورية - التركية.

ما من شكّ في أن اكتشاف الغاز في شرق المتوسط يمثّل فرصةً لازدهار جميع اقتصادات المنطقة. لكن في ظلّ مناخِ الخلاف وانعدام الثقة السائد حالياً، قد تسفر احتياطات الطاقة هذه أيضاً عن مزيد من التوتّر.

من الواضح أن الطاقة ستشكّل عاملاً رئيساً في المستقبل الجيوسياسي للمنطقة. أما إذا ما كانت عامل استقرار وازدهار أم عامل نزاع إقليمي ودولي، فهو ما سيتبيّن في الأشهر والسنوات المقبلة.

تمّ نشر هذا المقال في جريدة الحياة.