لطالما أدهش نمو الصين الاقتصادي السريع الذي بدأ في أواخر سبعينيات القرن الماضي المراقبين الدوليين، ولاسيما أن الصين لم تتأثّر بشكل عام بالأزمة المالية العالمية. ويكثر النقاش في وسائل الإعلام والمنشورات الأكاديمية والسياسية حول الأسباب الكامنة وراء نشأة النجاح الاقتصادي الفريد في الصين واستمراريته. ولشرح جوانب النقاش المختلفة وتناول الآفاق المستقبلية للعلاقة بين الدولة والاقتصاد في الصين، نظّم مركز كارنيغي للشرق الأوسط ندوة مع ماثيو فيرتشن، الباحث المقيم في مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية. أدار النقاش بول سالم من مركز كارنيغي.

فهم النموذج الصيني

قال فيرتشن إن النموذج الصيني عبارة بشكل عام عن السياسات الاقتصادية والسياسية التي سنّتها بكين في العام 1978، والتي عزّزت سلطة الدولة على الأسواق الاقتصادية المنفتحة تدريجياً. ويعزو الكثيرون السبب الكامن وراء النمو الاقتصادي الهائل في الصين إلى هذه السياسات. ومع ذلك، اعتبر فيرتشن أن هذا الفهم للنموذج الصيني مضلّل في حد ذاته، إذ لايوجد إجماع دولي أو محلي حقيقي حول كيفية أو سبب وصول الصين إلى حيث هي اليوم.

الآراء الدولية

أوضح فيرتشن أنه يمكن عموماً تصنيف المعلّقين الدوليين على النجاح الاقتصادي للصين في واحدة من مجموعات ثلاث:

  1. المُعجَبون: تشيد هذه المجموعة بنمو الصين الاقتصادي السريع التي تعتبر أنه تحقّق بفضل انتهاج سياسات غير غربية، كما تتوقّع هيمنة الصين على المستوى العالمي في المستقبل.
  2. المُعدِّلون: تؤكد هذه المجموعة أن نجاح الصين هو في الواقع نتيجة تبنّي سياسات اقتصادية غربية تقليدية، مثل تبنّي اقتصاد السوق الحرة وتقليص حجم الدولة.
  3. المُشكِّكون: تعتقد هذه المجموعة الأخيرة أن نموذج رأسمالية الدولة في الصين القائم على النظام الاقتصادي المفتوح إلى جانب نظام سياسي مغلق غير قابل للاستمرار. كما ترى أنه يشكّل خطراً على الصين وعلى الدول التي قد تسعى إلى أن تحذو حذوها في مجال التنمية.

الخلاف الداخلي

أوضح فيرتشن أن موقف الحكومة الرسمي هو أن النمو في الصين منذ العام 1978 أتى نتيجة سياسات داخلية واقعيّة للغاية تشجّع التنمية والاستقرار، وسياسة خارجية تفضّل العمل متعدّد الأطراف واحترام السيادة. وأضاف أن معسكرين برزا في الحزب، وهما يتمسّكان بوجهات نظر متضاربة حول الخطوات التي يجب أن تتّخذها الصين في المستقبل.

  • اليسار الجديد: يشعر اليسار الجديد بالقلق حيال الأسواق غير المنضبطة، ويريد من الدولة الصينية أن توفّر الاستقرار. ويعتقد أنصاره أنه يتعيّن على الصين مواصلة رفض الليبرالية الغربية.
  • الليبراليون: أما الليبراليون فيعتبرون الدولة مصدر الظلم وعدم الكفاءة، ويعتقدون أنه ينبغي أن تحرِّر الصين الأسواق المالية وأسواق العقارات، وبالتالي تقلِّص الاحتكارات والفساد.

التحديات المقبلة

  • التحديات الداخلية: سرد فيرتشن بعض التحدّيات الداخلية الرئيسة التي تواجه الصين، بما فيها:
  • الاعتماد المفرط على الصادرات الأجنبية لدعم الاقتصاد المحلي؛
  • الطلب المتزايد للشعب الصيني على الخدمات الاجتماعية؛
  • شيخوخة السكان؛
  • الآثار البيئية الناجمة عن التصنيع السريع؛
  • التفاوت في مابين سكان المدن والريف والمناطق الساحلية والداخلية.
     
  • التحدّيات الدولية: حدّد فيرتشن أيضاً اثنين من التحديات الدولية الهامة التي تواجه الصين. الأول هو التباين غير المتساوي بين انخراط الصين الاقتصادي العميق في البلدان الغنية بالموارد، وبين سياستها الخارجية المتمثّلة في عدم التدخّل تجاه تلك البلدان. وقال إنه غالباً ماتحثّ الصين على احترام السيادة الوطنية للدول، لكنها تخفق في الاعتراف بانخراط الشركات الصينية الخاصة المسبق في تلك الدول. وأضاف أنه يتعيّن على الصين أن تعمل بجدّ لتعزيز نفوذها العالمي من خلال القوة الناعمة.

دروس من الصين

على الرغم من هذه التحدّيات ومن غياب نموذج صيني متماسك يمكن للبلدان الأخرى أن تتبعه، حدّد فيرتشن ثلاثة جوانب من خطّة الصين الاقتصادية يمكن أن تشكّل أمثلة للبلدان النامية:

  1. الالتزام بالتنمية كهدف وطني.
  2. التأكيد على تطوير البنية التحتية.
  3. التجريب والمرونة في السياسات السياسية.