نظام التعليم العالي الذي ورثته الحكومة المصرية المدنية الجديدة من عهد مبارك مختل بشدّة، فهو يعاني من نقص في التمويل وفي أعداد الموظفين، ومن الحوكمة غير الشفّافة، والقمع السياسي. ومع ذلك، التغيير الذي حدث في هذا المجال لم يرقَ إلى كونه ثورة.

لم يكن إصلاح التعليم العالي يحظى بالأولوية أثناء المرحلة الانتقالية المضطربة في مصر. صحيح أنه جرت بعض التحسينات المؤثّرة في الجامعات، حيث عقدت انتخابات حرة للاتحادات الطلابية والمناصب الإدارية، وتم كسر قبضة قوات الشرطة والمخابرات في حرم الجامعات. لكن الوضع القائم ظل على ماهو عليه إلى حدّ كبير. إذ أعيد انتخاب العديد من المسؤولين الحاليين، ومع أن الشرطة وقوات الأمن لم تعد تتدخّل مباشرة في شؤون الحرم الجامعي، إلا أنها لازالت تراقب الطلاب. وتعثّرت خطط استبدال القانون المقيّد الذي ينظّم شؤون الجامعات، كما تعطّلت اللوائح الطلابية في مواجهة حالة عدم الاستقرار والصراع بين القوى الإسلامية والعلمانية.

لن يتحسّن الوضع في الجامعات المصرية إلى أن تتوفّر الإرادة السياسية اللازمة لخلق نظام أكثر شفافية وإنصافاً. إذ ينبغي أن تُمنح الجامعات سلطة الرقابة والسيطرة على ميزانياتها، وأن تبدأ مناقشة مفتوحة ومستنيرة بشأن توزيع الموارد العامة. كما ينبغي أن تجري مصر عملية إصلاح شاملة لطريقة توظيف جامعاتها الوطنية لأعضاء هيئة التدريس وقبول الطلاب، وتطوّر برامج جديدة تزوّد الطلاب بشهادات مفيدة في سوق العمل اليوم. وعلى رغم الحساسية السياسية للقضية، فإن التزام الدولة بتوفير التعليم الجامعي المجاني لجميع المواطنين بحاجة إلى إعادة تقييم.

يتعيّن على مصر القيام بعدد من الإصلاحات الأساسية والصعبة لتحسين نظام الجامعات الحكومية المُثقل بالأعباء وضعيف الأداء. فهذا أمر ضروري للتصدّي لتطلّعات الشباب المصريين والاستفادة من إمكاناتهم.

آمال كبيرة بالتغيير

في 17 شباط/فبراير 2011، وبعد ستة أيام من عزل الرئيس المصري حسني مبارك من السلطة، التقى آلاف عدة من أعضاء هيئة التدريس في حرم جامعة القاهرة لحضور اجتماع عام طويل ومحتدم لمناقشة مستقبل الجامعات المصرية. ويتذكّر أستاذ الرياضيات هاني الحسيني، وهو عضو مؤسّس في حركة 9 مارس التي أنشئت في العام 2005 للنضال من أجل الاستقلال الأكاديمي ووضع حدّ لتدخّلات الشرطة في الحرم الجامعي، قائلاً: "كانت التوقّعات كبيرة جداً، والجميع كانوا يطالبون بشيء مختلف".

بعد عام ونصف العام، أصبحت التوقّعات أقلّ تفاؤلاً إلى حدّ كبير. فالإصلاح الجامعي لم يُحقِّق تقدّماً يذكر، ولم يحدث سوى القليل من التحسينات المؤثّرة، مثل إجراء انتخابات حرّة للاتحادات الطلابية والمناصب الإدارية في الجامعات. كما تقلّص الوجود القمعي لقوات الشرطة وأجهزة المخابرات في الحرم الجامعي. بيد أن هذه التغييرات لم تقلب الوضع القائم بالقدر الذي كان يأمل فيه البعض. فقد أُعيد انتخاب العديد من المسؤولين الحاليين، وفي هذه الأثناء، تربض أجهزة الشرطة والمخابرات وراء الكواليس، بانتظار اللحظة المناسبة للعمل. فهي ترصد الحياة في الحرم الجامعي بشكل أكثر تكتّماً، لكنها لم تختفِ بأي حال. ولم يتم إلى الآن إضفاء الطابع المؤسّسي على المكاسب التي تحققت. وقد تعثّرت خطط إصدار قانون جديد للجامعات ولوائح طلابية جديدة تحلّ محل اللوائح القديمة المقيّدة بسبب حالة عدم الاستقرار المستمرة، والأزمات الدورية التي تعصف بالفترة الانتقالية، وقضايا الشرعيّة، والخلافات بين الإسلاميين ونظرائهم العلمانيين.

في المؤتمر الذي عقد يوم 17 شباط/فبراير الماضي، ونظّمته بشكل مشترك حركة 9 مارس، وجماعة "جامعيون من أجل الإصلاح"، تركّز النقاش حول الكيفية التي يمكن للجامعة من خلالها أن تدعم الثورة المستمرة، بدلاً من التركيز على إجراء إصلاحات محدّدة ليصار إلى تطبيقها في الحرم الجامعي. ورأى المشاركون أن "الإصلاح سيكون سهلاً عندما تنتصر الثورة"، بحسب مايقول الحسيني.

لكن مع أن مبارك رحل، لم يرْقَ التغيير في مصر إلى أن يكون ثورة، رغم إطاحة مبارك. إذ لازال يتعيّن طرح موضوع الإصلاحات الأساسية والصعبة التي يجب القيام بها لتحسين قطاع التعليم العالي المصري المُثقل بالأعباء وضعيف الأداء. فلازالت الجامعات تفتقر إلى الرقابة والسيطرة على ميزانياتها. وثمّة حاجة إلى وضع حدود ومعايير جديدة لتعيينات وترقيات أعضاء هيئة التدريس، جنباً إلى جنب مع معايير قبول أفضل وأكثر تطوّراً. ويتعيّن إدخال برامج وأقسام جديدة تواكب التطورات الجارية في المجالات الأكاديمية المختلفة وكذلك الطلب على الوظائف. ولابدّ من زيادة الاستثمار في التعليم العالي والبحث العلمي، ومن إعادة تقييم التزام الدولة المفترض بتوفير التعليم الجامعي المجاني لجميع المواطنين، على رغم الحساسية السياسية للقضية.

صورة التعليم العالي في مصر

شقّ التعليم العالي المصري طريقه بصعوبة على مدى عقود عدة. فنظام التعليم العالي الذي ورثته الحكومة المصرية الحالية من عهد مبارك مختل بشدّة، ويعاني من نقص التمويل والتكدّس، ومن الحوكمة غير الشفافة ورقابة الشرطة القمعية.

لم تُقابل تدفّق أعداد كبيرة من الطلاب على الجامعات في السنوات الأخيرة زيادة مماثلة في تمويل هذه الجماعات. فقد تضاعف عدد طلاب الجامعة تقريباً بين العامين 1997 و2007. اليوم، هناك 2.5 مليون طالب على الأقلّ في المرحلة مابعد الثانوية في مصر، ومن المتوقّع أن يزداد هذا العدد بحوالى 3 في المئة سنوياً (أو حوالى 70 ألف طالب وطالبة) في المستقبل القريب.

تحضر الغالبية العظمى من الطلاب في واحدة من الجامعات الحكومية الثماني عشرة في مصر، أو المعاهد المهنية الحكومية، أو نظام جامعة الأزهر، وهي مؤسسة قديمة ومتشعّبة تمثّل صوت الإسلام الرسمي في مصر. وهناك أيضاً عدد متزايد من الجامعات الخاصة ومعاهد التعليم العالي الخاصة.

تضخّمت الجامعات الحكومية المصرية على نحو لايمكن السيطرة عليه. فهناك اليوم حوالى 300 ألف طالب في جامعة القاهرة، حيث أن عشرات آلاف الطلاب مسجّلون في كل كلية، مثل التجارة والحقوق. وتقدّم جامعة الأزهر، والتي لها حَرَمَان اثنان في القاهرة، فضلاً عن الكثير من الفروع في المناطق المختلفة، خدماتها لحوالى 500 ألف طالب. القاعات الجامعية المصرية ليست لديها القدرة دائماً على استيعاب آلاف الطلاب الذين يحضرون بعض الدروس، وفي العديد من الكليات، ليس ثمّة أي فرصة لتشغيل المختبرات أوعقد الحلقات الدراسية.

يستهلك التعليم الجامعي أيضاً قدراً كبيراً من الأموال. وتمثّل ميزانية التعليم العالي جزءاً كبيراً – مايزيد عن الربع - من ميزانية التعليم في مصر. وفقاً للحكومة المصرية، ارتفع الإنفاق على التعليم في العام 2011 إلى مايزيد قليلاً عن 11 مليار جنيه مصري (1.83 مليارات دولار أميركي) من ميزانية الدولة البالغة 594 مليار جنيه (99 مليار دولار). في غضون ذلك، يجري تقليص التمويل، حيث انخفضت ميزانية التعليم في السنوات الأخيرة، كنسبة من الميزانية العامة ومن الناتج المحلي الإجمالي على حدّ سواء. ويستأثر الإنفاق على التعليم العالي بنحو 1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة لاتقلّ عن المتوسط العالمي، لكن الزيادة المستمرة في عدد الطلاب في مصر تعني أن الاستثمار في التعليم يؤدّي إلى مردود ينخفض باستمرار. وتستمر نسبة الطلاب إلى المعلمين في الازدياد، وتتدهور المرافق وتنخفض نسبة الاستثمار لكل طالب. ويفهم الجميع أن وقف التدهور المطرّد للنظام في جامعات مصر الحكومية يتطلّب إصلاحات شاملة ومستمرة، فضلاً عن زيادة كبيرة في التمويل.

مع أن الجزء الأكبر من الإنفاق يذهب لدفع رواتب المعلمين والإداريين، فإن رواتب الأساتذة، على غرار رواتب جميع موظفي القطاع العام، لاتزال منخفضة جداً، وتبلغ بضع مئات من الدولارات لأعضاء هيئة التدريس الأصغر سناً. ويلجأ العديد من الأكاديميين إلى أخذ أذون غياب طويلة يقومون خلالها بالتدريس في دول مجلس التعاون الخليجي أو في المؤسسات الخاصة أو يعملون في القطاع الخاص لتغطية نفقاتهم. وقد أدّى عدم وجود تعويض مناسب إلى مفاقمة مشاكل الفساد، حيث يطلب الأساتذة من الطلاب شراء الطبعات الجديدة من كتبهم الدراسية ويعرضون إعطاءهم دروساً خاصة، على سبيل المثال.

في هذه الأثناء، الإنفاق على البحث العلمي والتطوير محدود جداً. فوفقاً لتقرير العام 2010 الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، “Reviews of National Policies for Education: Higher Education in Egypt 2010”، بلغت ميزانية التعليم العالي نسبة 0.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2006، حيث تأمل الحكومة بأن ترفعها إلى 0.5 في المئة بحلول العام 2012. يذهب جزء كبير من التمويل الحكومي إلى شبكة من معاهد البحوث الحكومية المكتظّة بالموظفين والتي تعمل على برامج بحثية غير منسّقة عفا عليها الزمن، بدل أن يذهب إلى الجامعات. ولايُجرى في الجامعات سوى القليل جداً من الدراسات التطبيقية، في حين لاتُجرى أي دراسات حقيقية في مجال البحوث والتنمية تقريباً. في الواقع، وفي كثير من الأحيان، يشعر الأساتذة المصريون، الذين سعوا إلى الحصول على درجات جامعية عليا أو وظائف في الخارج وعادوا إلى العمل في الجامعات الوطنية، بالصدمة حيث أن الوضع هناك يثبّطهم.

هذا الوضع له آثار حقيقية على القدرة التنافسية العالمية لمصر. فهي تتخلّف عن كثير من البلدان الأخرى النامية في مؤشرات مثل عدد براءات الاختراع المسجلة، أو عدد المقالات العلمية المنشورة لكل باحث. ويبدو أن الوضع يزداد سوءاً. وفقاً لتقرير صادر عن الحكومة المصرية، زادت وتيرة هروب العلماء المصريين إلى الخارج منذ بدء انتفاضة العام 2011.

على رأس كل هذه التحدّيات، عانت الجامعات من عقود من التدخّل السياسي والقمع من جانب أجهزة الأمن. فقد اعتبر حرم الجامعات مصدراً محتملاً للنشاط السياسي والمعارضة، وتبعاً لذلك تم التعامل معه بوصفه يمثّل تهديداً أمنياً، إن لم يكن أكثر، بقدر ماهو محرّك للتنمية الوطنية. تمركزت وحدات من الشرطة داخل الجامعات، ومنعت جميع أشكال النشاط داخل الحرم الجامعي. وقد تدخّل جهاز أمن الدولة (الذي بات يعرف الآن باسم الأمن القومي)، وهو جهاز الاستخبارات الداخلية، في جميع جوانب العملية الجامعية، من ترقيات أعضاء هيئة التدريس إلى الانتخابات الطلابية. وفي الوقت نفسه، وبالنسبة إلى الأساتذة والإداريين، كانت إقامة العلاقات مع النظام والحزب الحاكم وإظهار الولاء للنظام، إحدى الطرق لضمان الترقية والحصول على الامتيازات المهنية الصغيرة.

وللأسف، يُعاني قطاع التعليم العالي من أوجه القصور نفسها التي تعاني منها معظم بيروقراطية الدولة المكتظّة بالموظفين الذين يتقاضون أجوراً منخفضة، وفي بعض الحالات يكونون غير مؤهّلين، ولايُقدَّم سوى القليل من الحوافز وسبل اقتراح الإصلاحات.

تعمل الجامعات في ظل إدارة مركزية وغير شفافة. وتتّخذ وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات الذي يرأسه الوزير، وموظفوه في الغالب هم من رؤساء الجامعات، كل القرارات الهامّة. ويتم تحديد ميزانيات الجامعة وإدارتها بطريقة مركزية وغير فعّالة من جانب وزارات التعليم العالي والمالية والتخطيط، إضافة إلى رؤساء الجامعات، الذين غالباً ماتكون لديهم وحدهم صورة كاملة عن أموال مؤسّساتهم. لاتملك الكليات ميزانيات خاصة ومستقلة - يجب أن تطلب أموالاً عن كل إنفاق إضافي - وليس لديها سلطة لتغيير المناهج أو البرامج أومعايير القبول.

فضلاً عن ذلك، وعلى رغم الشكاوى الكثيرة حول نوعية التعليم العالي في مصر اليوم، هناك مقاومة كبيرة للتغيير من جانب بعض أعضاء هيئة التدريس والإداريين. فهم يخشون فقدان امتيازاتهم وصلاحياتهم الهزيلة – وربما حتى مناصبهم - إذا أصبح النظام أكثر قدرة على المنافسة والجدارة.

النشاط الجامعي 

قبل وقت طويل من قيام الثورة، كان الكثيرون يتحسّرون على حال التعليم العالي في مصر. فقد اشتكى الأساتذة من ظروف العمل المزرية، واشتكى الطلاب من الشهادات التي لاجدوى منها في سوق العمل. في واقع الأمر، يشكّل خريجو الجامعات ومدارس التدريب المهني نسبة عالية بشكل غير متناسب من العاطلين عن العمل. فقد أظهرت دراسة مسحيّة أجراها في العام 2006 جهاز التعبئة والإحصاء، أنه في حين يشكّل خريجو الجامعات نسبة 9.6 في المئة من السكان، فإنهم يمثّلون نسبة 26.5 في المئة من مجموع العاطلين عن العمل.

ظهرت منذ فترة طويلة دعوات إلى الإصلاح وزيادة الاستثمار في قطاع التعليم العالي. ومع ذلك كانت الجامعات في ظل نظام مبارك تخضع إلى عملية رصد مُحكَمة، وكان تنظيم النشاط الجماعي والمناقشات العامة (ناهيك عن النشاط السياسي العلني) من كل نوع ممنوعاً. كانت انتخابات اتحاد الطلبة مزوّرة. وكانت أجهزة الاستخبارات تفحص وتدقّق في العمداء ورؤساء الجامعات، ويتم تعيينهم على أساس ولائهم السياسي للنظام. كانت جميع التعيينات والمؤتمرات والدعوات الموجهة إلى المحاضرين الزائرين، والسفر لحضور الأنشطة والمناسبات الأكاديمية في الخارج يتطلّب الحصول على تصريح أمني من تلك الأجهزة.

الرصد المستمر جعل الضغط من أجل إحداث تغيير من أي نوع كان مسألة في غاية الصعوبة. كانت حركة 9 مارس مبادرة فريدة من نوعها أطلقتها مجموعات صغيرة نسبياً من الأكاديميين وذلك بهدف الدعاية والتحريض ضدّ التعدّي على خدمات التعليم العالي. وفي الوقت نفسه، كان النشاط الطلابي – والذي كانت تقوم به جماعة الإخوان المسلمين والجماعات العلمانية الجديدة، مثل حركة 6 أبريل - يتم في الخفاء. حتى النشاطات البسيطة مثل توزيع المنشورات ووضع الملصقات، كان يمكن أن يؤدّي إلى طرد الطلاب، ومحاكمتهم جنائياً، أو حتى ممارسة الاعتداء الجسدي عليهم وتعذيبهم. في الواقع، في خريف العام 2010، أجرى نظام مبارك انتخابات برلمانية مزوّرة إلى حدّ الفضيحة، وأعدّ لانتقال السلطة في نهاية المطاف من الرئيس البالغ 82 عاماً والمعتل، وتكثّف قمع النشاط الطلابي بكل أنواعه.

ولذلك، ليس من المستغرب أنه في أعقاب إطاحة مبارك، حدثت انطلاقة في النشاط والمطالب من جميع الأنواع في الحرم الجامعي. فقد كان الدافع وراء الانتفاضة المصرية، إلى درجة كبيرة، سخط الشباب وتطلّعاتهم، وشعورهم بأن مصر ينبغي أن تُدار بطريقة أكثر إنصافاً توفّر لهم مزيداً من الفرص للمشاركة في تنمية بلدهم سياسياً واقتصادياً. وفي حين ضمّت الانتفاضة مصريين من جميع الخلفيات، كان العديد من قادتها ومنظّميها الشباب ممن تعلَّموا في الجامعة ومن أبناء الطبقة المتوسطة.

منذ شباط/فبراير 2011، هزّت الاحتجاجات المتكررة الجامعات في مصر. وبعد ترك مبارك السلطة مباشرة تقريباً، بدأ الطلاب وبعض أعضاء هيئة التدريس تنظيم تظاهرات منتظمة تدعو إلى التخلّص من مدراء بارزين على صلة وثيقة بالنظام السابق ومتّهمين بالفساد والقمع السياسي في الحرم الجامعي. ركّزت على هذه القضية الجماعات المعارضة التي كانت ناشطة سياسياً قبل الثورة. وقد أدّى نشاطها إلى حدوث مواجهات ساخنة، جسدية أحياناً، قام فيها الطلاب (الذين كانوا في طليعة الاحتجاجات) باحتجاز المسؤولين في قاعات الاجتماعات، ونظّموا اعتصامات ومبيتاً في أماكن العمل، وتعرّضوا إلى هجوم قوات الأمن والجيش داخل الحرم الجامعي التي استدعاها مديرو الجامعات.

حدثت إحدى القضايا الشهيرة في كلية الإعلام بجامعة القاهرة. كان عميد الكلية، سامي عبدالعزيز، عضواً بارزاً في حزب الرئيس السابق الحاكم، وكان يكتب أعمدة صحافية تمجّد مبارك. على مدى أشهر، شلّت الاحتجاجات الكلية، وانقسمت بين مؤيّدي عبدالعزيز ومنتقديه الذين غطّوا المبنى برسائل كتبوها على الجدران مثل: "نحن نكرهك يا دكتور سامي"، و"أريد أن أكون حراً". وفي إحدى المراحل احتجز الطلاب عبدالعزيز ومسؤولين كباراً آخرين داخل غرفة الاجتماعات لساعات عدة. استدعى العميد قوات الجيش، وأثار سلوك الجنود في إبعاد المحتجين، من خلال ضربهم ومضايقتهم، ضجّة. ويقال إن عبدالعزيز قدم استقالته، لكن المجلس الأعلى للجامعة، والذي يتكوَّن من عمداء زملاء له، رفضها. في ذلك الوقت، جادل عميد كلية آخر قائلاً إن إزاحة عميد بهذه الطريقة "ضد القانون وضد التقاليد".

جرت أيضاً احتجاجات متكرّرة تستهدف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. في ربيع العام 2012، على سبيل المثال، قام الأكاديميون بمسيرة إلى الوزارة والبرلمان ونظّموا جنازة وهمية - حملوا فيها نعشاً كتبت عليه عبارة "التعليم العالي" - احتجاجاً على انعدام الإصلاحات، وتعيين محمد عبدالمجيد النشّار وزيراً للتعليم العالي. وقد اتُّهِم النشار، الذي كان قد أصبح رئيساً لجامعة حلوان بعد استقالة رئيسه، بكونه مقرّباً من النظام السابق والقيادة العسكرية. كانت لدى المتظاهرين لائحة طويلة من المطالب، بما في ذلك زيادة رواتب أعضاء هيئة التدريس في جميع المجالات. وقد رفض هؤلاء القانون القائم الذي ينظّم شؤون الجامعات، ودعوا إلى صياغة قانون جديد بمشاركة كاملة من المجتمع الأكاديمي. وطالب المتظاهرون بتحقيق مجّانية حقيقية للتعليم العالي للجميع ووضع حدّ للهدر والفساد والخصخصة، أي، الزيادة المتنامية في برامج التعليم الموازية القائمة على الرسوم في الجامعات القومية. ودعوا أيضاً إلى أن تتم صياغة اللائحة الطلابية الجديدة من قِبَل الطلاب أنفسهم.

الى جانب هذه التظاهرات السياسية، حرّض أعضاء هيئة التدريس وطلاب الدراسات العليا (الذين يشغلون جميعاً في الجامعات المصرية وظائف تدريس مساعدة ويعتبرون موظفين جامعيين) أيضاً على إجراء إصلاحات تتعلّق بظروف عملهم. وقد سافرت وفود من الطلاب والأكاديميين من عدد من الجامعات والمعاهد المهنية المختلفة، مستلهمين الأحداث التي وقعت في ميدان التحرير، إلى القاهرة لتنظيم احتجاجات واعتصامات والمبيت خارج وزارة التعليم العالي، للمطالبة بحل مظالم خاصة في مؤسساتهم، أو، مرة أخرى، عزل موظفين إداريين محدّدين.

ومع ذلك، هؤلاء المتظاهرون، الذين شارك الكثيرون منهم في النشاط السياسي للمرة الأولى، نادراً مانسّقوا أو سعوا إلى تحقيق برامج إصلاح أوسع. فقد جرت على الأقل أربع محاولات مختلفة لتأسيس اتحادات أكاديمية مستقلة، لم تتجسّد أي منها على أرض الواقع بعد. إذ أن التركيز في هذه المجموعات الجديدة غالباً مايكون على اهتمامات مهنية ضيّقة جداً، وهي التي تجاهلتها القيادة العسكرية، وجزء من وسائل الإعلام المصرية بوصفها مطالب"قطاعية" (أي تتعلق بالمصلحة الذاتية).

في حين يبدو واضحاً أن الانتقادات تهدف إلى خنق التظاهرات وخصوصاً الإضرابات، فإنها تنطوي على قدر من الحقيقة المزعجة. إذ يتّفق الجميع على أن رواتب الأساتذة منخفضة جداً، لكن يبدو أن الكثير من هذه المطالب تهدف إلى ترسيخ أو توسيع نطاق المصالح الضيّقة جداً التي تأتي على حساب الإصلاح الأوسع الذي تشتدّ الحاجة إليه. وهي تشمل، على سبيل المثال، مطالب بأن يتم السماح لطلاب الدكتوراه بمتابعة دراستهم لعدد غير محدود من السنوات، وأن يسمح للأساتذة المساعدين بأخذ أذون غياب غير محدودة (للعمل خارج مصر)، وأن يسمح للأساتذة بالاستمرار في العمل بعد سن التقاعد.

وفي الوقت نفسه، شهدت الجامعات الخاصة أيضاً نصيبها من النشاط في الحرم الجامعي، الأمر الذي يدحض الفكرة القائلة أن مشاكل الحوكمة أو حالات القمع كانت موجودة في المؤسسات الحكومية فقط. في الجامعة الأميركية في القاهرة، اعترض الطلاب على قاعة للمؤتمرات تحمل اسم السيدة الأولى والخريجة السابقة سوزان مبارك، واستجوبوا الإدارة حول علاقاتها مع النظام السابق. وطوال السنة الدراسية 2011-2012، تعاون الطلاب والعاملون في مجال الحراسة في تنظيم سلسلة من الاحتجاجات المطالبة بتحسين ظروف العمل، ووضع حدّ أقصى لارتفاع رسوم التعليم، وإظهار قدر أكبر من الشفافية في مايتعلق بالشؤون المالية للجامعة. لبّت الإدارة بعض مطالب العمال، واتّخذت عدداً من الخطوات التي ترمي إلى جعل الطلاب وأعضاء هيئة التدريس يشعرون بمزيد من المشاركة في عملية صنع القرار، بما في ذلك صياغة سياسة حرية تعبير جديدة في الحرم الجامعي، وإنشاء وظيفة أمين المظالم لمعالجة شكاوى الموظفين، وإشراك الطلاب في لجنة مالية.

في الجامعة الألمانية في القاهرة – وهي واحدة من جامعات عدة خاصة جديدة تدرس باللغة الأجنبية – أدّت الاحتجاجات الطلابية ضد السلطات العسكرية في أعقاب م 71 من مشجّعي كرة القدم في مشاجرة مأساوية في استاد بورسعيد (كان من بين القتلى أحد طلاب الجامعة)، إلى مواجهة خطيرة، استمرت بضعة أشهر، مع المسؤولين الإداريين في الجامعة. جرى طرد اثنين من الطلاب من الجامعة بسبب "الإساءة لفظياً إلى/ وإهانة" رئيس لجنة الانضباط، وهو وزير سابق في عهد مبارك. وأعيد الطالبان بعد أن نظّم الطلاب إضراباً عن الطعام واعتصاماً. لكن الإدارة استمرّت في مقاومة المطالب بتأسيس اتحاد طلابي مستقل.

الانتخابات في الحرم الجامعي

كان أحد المطالب الرئيسة للمجموعات الإصلاحية داخل الجامعات الحكومية المصرية هو أن يتم انتخاب كبار المديرين بدلاً من تعيينهم كما كان عليه الحال في ظل نظام حسني مبارك. في تلك الفترة، كان يتم اختيار معظم رؤساء الجامعات وعمداء الكليات على أساس ولائهم السياسي للحزب الحاكم.

في البداية اعترضت إدارات الجامعات وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للقوات المسلحة على المطالبة باستقالة رؤساء الجامعات وعمداء الكليات وإجراء انتخابات. وأشارت تلك الجهات إلى أن ثمّة حاجة إلى إصدار قانون جامعي جديد لتنظيم الانتخابات، وأنه لاينبغي السماح للطلاب بالضغط على الإدارة، وأن الصبر مطلوب للحيلولة دون انزلاق الجامعات إلى الفوضى. استقال عدد قليل من كبار الإداريين، لكن معظمهم ظلّوا في مناصبهم. وتذرّعت بعض الإدارات بالشرعية الثورية وعقدت انتخابات، لكن الإدارات رفضت في كثير من الأحيان الاعتراف بنتائجها.

واصل الطلاب وأعضاء هيئة التدريس التعبئة حول مطلب إجراء الانتخابات، وكان هناك تأييد واسع من الأحزاب السياسية المختلفة لفكرة التمثيل المباشر. وبعد أن هدّد أعضاء هيئة التدريس بالبدء في إضراب عام في خريف العام 2012، عقدت العديد من الجامعات انتخابات لمناصب الرؤساء وعمداء الكليات. جرى انتخاب العمداء مباشرة من قبل أعضاء هيئة التدريس، حيث تم احتساب أصوات الأساتذة والأساتذة المساعدين والمدرسين المساعدين بشكل مختلف. اختارت لجان هيئة التدريس المنتخبة من داخل كل قسم الرؤساء، وهو النظام الذي كان من المفترض أن يؤدي إلى عملية اختيار مدروسة ومتأنية أكثر مما ستكون عليه الانتخابات المباشرة على مستوى الجامعة.

كما أجريت انتخابات حرّة لاتحاد الطلاب للمرة الأولى منذ عقود، وأعيد في صيف العام 2011 إحياء الاتحاد الوطني للطلبة في مصر بعد حظره مدة 32 عاماً.

مع ذلك، ماتجدر الإشارة إليه هو أن هذه الانتخابات، في حالات قليلة، إما أعادت شاغلي المناصب إلى مناصبهم أو لم تؤدّ الى فوز شخصيات إصلاحية. فقد انتخب أعضاء هيئة التدريس في كثير من الأحيان أقدم الأعضاء في كلياتهم كعمداء وممثّلين، انطلاقاً من الشعور بالاحترام والالتزام. هؤلاء الأكاديميون الأكبر سناً، وفي حين أنهم أكثر استجابة لمطالب زملائهم والطلاب، يوفّرون الحماية للوضع القائم. وفي كثير من الحالات، فإن هؤلاء أيضاً هم الذين صوّتوا لعودة الرؤساء الحاليين - أو نوابهم المباشرين - إلى مناصبهم.

أشار بعض المراقبين أيضاً إلى عيوب شابت عملية انتخاب عمداء الكليات ورؤساء الجامعات. ويقولون أن الحملات الانتخابية الخاصة بتلك المناصب قد تؤدّي إلى تبادل المنافع والنفوذ، وإلى استخدام أعضاء هيئة التدريس الأغنياء أموالهم أو مناصبهم لكسب التأييد. كما أن من المرجّح أن تقلّل من الحركيّة الأكاديمية، والتي هي بالفعل منخفضة جداً في الجامعات المصرية، لأن من غير المحتمل أن ينتخب العمداء أو الرؤساء دائماً من خارج الجامعة.

الشرطة في الحرم الجامعي

حدث تغيير آخر واضح تمثّل في الانسحاب الظاهر لقوات الشرطة والاستخبارات من الحرم الجامعي، إذ لم يكن وجودها في الجامعات قانونياً أبداً، بالمعنى الدقيق للكلمة. في الحقيقة، وقبل وقت قصير من قيام الثورة، حصل الأكاديميون على أمر من المحكمة يحظر وجود هذه القوات في الحرم الجامعي بشكل صريح وواضح. في تشرين الأول/أكتوبر 2010، وبعد سنوات من المقاضاة، رفضت محكمة مصرية الاستئناف الذي قدمته الحكومة وأكدت أن وجود وحدات تابعة لوزارة الداخلية في الحرم الجامعي يشكّل انتهاكاً لمبدأ استقلال الجامعات. ومع ذلك، لم يكن تأثير الحكم مؤكداً في ذلك الوقت، حيث قال وزير التعليم العالي آنذاك هاني هلال إن تنفيذ الحكم يحتاج إلى دراسة، وتساءل في مقابلة أجريت معه قائلاً: "إذا نفّذنا الحكم ... وفي اليوم التالي اندلعت النيران في جامعة القاهرة، فمن هي الجهة التي سنحمّلها المسؤولية؟" في واقع الأمر، أبقت قوات الأمن على وجودها في الجامعات.

تطلّبت إطاحة مبارك تغيير المناخ السياسي بطريقة أدّت إلى انسحاب حقيقي لرجال الشرطة من الجامعات. اليوم، أصبحت الجامعات المصرية أكثر حرية بكثير مما كانت عليه في العام 2010، حيث يمكن للطلاب وأعضاء هيئة التدريس أن يعبّروا عن أنفسهم ويتدبّروا أمورهم على نحو غير مسبوق. ويتولّى موظفو أمن مدنيون حراسة أبواب معظم الجامعات الآن، ولم يعد الطلاب يتعرّضون إلى المضايقة، ويمكن للطلاب وأعضاء هيئة التدريس أن ينظّموا المعارض والمؤتمرات والمسيرات في الحرم الجامعي بحرّية. وقد أمكن للطلاب أن ينظّموا حفلات تنتقد القيادة العسكرية للبلاد بصورة مباشرة، مثل تقديم عروض لقطات وثائقية تظهر وحشية الجيش ضد المتظاهرين، على رغم أن مثل هذه الأحداث لم تجرِ دائماً من دون جدل، حيث دعا بعض المسؤولين الإداريين ممثّلين عن المؤسّسة العسكرية إلى زيارة الجامعات وتقديم روايتهم للأحداث.

من السابق لأوانه أن نفترض تحقيق انتصار كامل على هذه الجبهة. إذ يواصل المدراء في الجامعات الطلب من أعضاء هيئة التدريس ملء استمارات أمنية مختلفة من السفر إلى المؤتمرات أو أخذ أذون الغياب، على رغم أنه لايبدو في هذه الأيام أن هناك أي عواقب عندما يرفض الأساتذة القيام بذلك. وقد لاحظ الطلاب أن بعض الوجوه المألوفة لاتزال موجودة في الحرم الجامعي، حيث يرتدي ضباط الأمن ملابس مدنية، ويقلّلون كثيراً من ظهورهم. ليس ثمّة شك في أنه على الرغم من أن الشرطة وقوات الأمن لم تعد تتدخّل مباشرة في شؤون الحرم الجامعي، فإنها لازالت تراقبه، وتبقي على الاتصالات مع بعض المسؤولين الإداريين وأعضاء هيئة التدريس والطلاب، وتجمع المعلومات، ومن المرجح أنها تستخدم تلك المعلومات. في العام الماضي، عندما كان أعضاء هيئة التدريس في جامعة القاهرة يتنافسون على مناصب عمداء الكليات، نشرت صحيفة "المصري" تقارير مسرّبة، قالت أن إدارة الجامعة أمرت بإعدادها، عن الميول السياسية للمرشّحين الأفراد.

ولعل مايزيد الوضع تعقيداً هو أن النظام الجامعي برمّته ليس موحّداً ضد وجود قوات الشرطة في الحرم الجامعي. إذ تقول خلود صابر، نائب المدير التنفيذي لمؤسسة حرية الفكر والتعبير، وهي منظمة غير حكومية تراقب الحرية الأكاديمية، إن عدد العمداء الذين يقولون أن ثمّة حاجة إلى عودة قوات الشرطة إلى حرم الجامعات لتأمينه قليل جداً. وتعتقد صابر، وهي طالبة دراسات عليا ومساعدة تدريس في جامعة القاهرة، أن المدراء لايبذلون، متعمّدين، أي جهد لتحديد المسؤوليات والإجراءات الواجب اتباعها من قبل حراس الأمن الخصوصيين غير المدربين والذين يتقاضون أجوراً قليلة، وذلك بهدف تعزيز حججهم لعودة الشرطة.

في مقابلة مع صحيفة مصرية في أيار/مايو 2012، دعا وزير التعليم العالي السابق النشّار إلى إعادة الشرطة الى الجامعات، بحجة أنه:

"في جميع أنحاء مصر، هناك نقص في وسائل رجال الشرطة وأعضاء هيئة التدريس والموظفين في جميع المؤسسات الحكومية، ونحن يجب أن نحترم الثورة ونشارك جميعاً في إعادة تقييم أنفسنا، لكن لاينبغي لنا أن نلوم شرطة الحرم الجامعي ونعتبر أنها هي السبب في انهيار العملية الأكاديمية. شرطة الحرم الجامعي يجب أن تعود مرة أخرى لكن بشرط أن تعامل الطلاب باحترام وأن يقتصر دورها على حماية ممتلكات الجامعة. . . . حاولنا بعد الثورة الاعتماد على المدنيين لضمان الأمن داخل الجامعة، بيد أن حراسة الجامعة ليست دوراً مدنياً، وذلك لأن الجامعة لديها ]معدّات بقيمة ملايين الجنيهات[ بحيث ستضرّ بالطلاب إذا سُرِقت، ونحن بحاجة إلى الشرطة التي ستتعامل بقوة مع المجرمين والمنحرفين". 

يقول المعارضون لعودة الشرطة إلى الحرم الجامعي إن ذلك سيمثّل الخطوة الاولى نحو عودة النظام القمعي السابق، لأن الشرطة تنسّق مع أجهزة الاستخبارات.

قوانين في عالم النسيان

يتّفق جميع العاملين في المجال الأكاديمي المصري على أن ثمة حاجة لسنّ قانون جديد ينظّم الجامعات القومية ولائحة طلابية جديدة تدخل إصلاحات تشتد الحاجة إليها في مجال الحوكمة وتوفير الحماية للحرية الأكاديمية وحرية التعبير داخل الحرم الجامعي. ومع ذلك، في خلال عام ونصف العام منذ إطاحة مبارك، لم يتمكن الطلاب والأكاديميون من التوصّل إلى التوافق اللازم في الآراء لوضع هذه القوانين الجديدة وإقرارها. فقد واجه المجتمع الأكاديمي المشكلة السياسية الأساسية نفسها التي واجهتها العديد من الجماعات الأخرى في الفترة الانتقالية الفوضوية والمتنازع عليها بشدّة، تمثّلت في صعوبة الاتفاق على من يتحدث باسمهم، والعثور على شخص في السلطة يستطيعون التحدث إليه.

كان من بين العوامل التي أسهمت في ذلك هي حالة الاستقطاب التي تعيشها الجماعات المختلفة داخل الحرم الجامعي، حيث تقف القوى الإسلامية في جانب والقوى العلمانية في الجانب الآخر. وعلى رغم أن الجماعات العلمانية والإسلامية تعاونت في الأشهر التي أعقبت إطاحة مبارك وتشترك في أهداف متشابهة في القضاء على الفساد وإجراء إصلاحات، فقد واجهت انقسامات مماثلة تماماً لتلك التي اتّسمت بها العملية السياسية على الساحة الوطنية، عندما حان وقت التنافس على المناصب في الحرم الجامعي وصياغة السياسة الجامعية.

يقول المراقبون إنه خلال انتخابات الطلاب والإداريين، تحوّلت الحملات إلى مسابقات "إخوان مسلمين أم لا" مبسّطة للغاية، وتم الإدلاء بالأصوات على هذا الأساس. اندلعت مشادّات بين الطلاب الإسلاميين والعلمانيين أثناء الانتخابات، ولكن بصفة عامة تم احتواؤها أو التوسّط فيها بنجاح.

عندما كان الأمر يتعلّق بصياغة قانون جامعي جديد، تم إنشاء لجنة استشارية - تهدف إلى تقديم توصيات أعضاء هيئة التدريس - في ظل حكومة مابعد الانتفاضة التي ترأسها عصام شرف. لكن حدثت خلافات مستمرّة حول تشكيل اللجنة. بعد حلّ حكومة شرف، شكّل وزير التعليم العالي في حكومة كمال الجنزوري (عيّنه المجلس الأعلى للقوات المسلحة في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 استجابة للاشتباكات العنيفة في الشوارع) لجنة استشارية ثانية. لكن العديد من أعضاء هيئة التدريس قاطعوها، لمعارضة حكومة رئيس الوزراء الجنزوري، ولأنه، على حدّ قولهم، تم تجاهل اقتراحات اللجنة الاستشارية السابقة.

مع ذلك، انضمّ الأكاديميون المنتسبون إلى جماعة الإخوان المسلمين إلى الهيئة الاستشارية. وعلى رغم الاعتراضات على مقاطعة نظرائهم العلمانيين - الذين قالوا أنه ينبغي أن تجري عملية تشاور أوسع نطاقاً – فقد وضعوا مشروع قانون الجامعات الجديد. لكن، عندما تمّت إحالة هذا القانون إلى الكليات الجامعية في جميع أنحاء البلاد للحصول على موافقتها، قوبل بانتقادات واسعة النطاق. اعترض البعض على تخصيص القانون ربع المقاعد في المجالس الجامعية – المجالس الاستشارية مستمدة من داخل الجامعة وخارجها – لـ "أشخاص من المجتمع المدني" مؤهلاتهم غير محدّدة. واشتبه النقاد في أن هذا من شأنه أن يكون وسيلة لملء مجالس الجامعة بالإسلاميين.

وأشار آخرون إلى أن القانون لم يحدّد معايير تأهيل المرشحين لشغل مناصب رؤساء الجامعات. ويقال أن القانون تضمّن عموميات حول الحقوق والالتزامات الأكاديمية، مثل ميثاق شرف أعضاء هيئة التدريس، لكنه ترك الكثير من التفاصيل الفعلية لكي تحدّدها القواعد الإدارية التي تضعها وزارة التعليم العالي في المستقبل.

وفي ظل غياب أي تقدم أو اتفاق على صعيد إقرار قانون جامعي جديد، وافق البرلمان، في ربيع العام 2012، على إجازة ستة تعديلات على القانون المعمول به حالياً، وإضفاء الطابع الرسمي على إجراءات انتخاب عمداء الكليات ورؤساء الجامعات، والنصّ على إقرار زيادات في رواتب مساعدي التدريس والأساتذة المساعدين والأساتذة لتتراوح مابين 1000 و3500 جنيه مصري، أو مايعادل 165 و 575 دولاراً أميركي. لكن حتى هذه الخطوة الصغيرة إلى الأمام تمت عرقلتها. فقد قضت المحكمة الدستورية العليا في مصر يوم 14 حزيران/يونيو بأن قانون الانتخابات البرلمانية غير دستوري، وأنه ينبغي حلّ البرلمان. اعترضت جماعة الإخوان المسلمين، والتي استحوذت على أكبر حصة من المقاعد في البرلمان، على الحاجة إلى حل كامل البرلمان. ومع ذلك، من المحتمل جداً أن يظل قانون الجامعة، مثل العديد من مشاريع القوانين الأخرى الملحّة، في طي النسيان حتى يتم عقد انتخابات برلمانية جديدة غير مقرّرة حتى الآن.

عانت اللائحة الطلابية الجديدة من مصير ملتوٍ وفاشل على نحو مماثل. فمن شأن اللائحة الداخلية أن تنظّم انتخابات اتحاد الطلاب والنشاط السياسي في الحرم الجامعي. وقال الطلاب أنه يتعيّن أن يكتبوا اللوائح بأنفسهم ويوافقوا عليها في استفتاء.

بيد أن الطلاب واجهوا صعوبات في تحديد عملية ذات صبغة تمثيلية قد تتحقق الصياغة من خلالها. اعترضت مجموعات طلابية مسيّسة على حق اتحاد الطلاب وحده في تمثيلهم، على سبيل المثال، على رغم أنه جرى انتخاب الاتحاد بحرية في العام الماضي. لايبدو أن هذا يتعلق في المقام الأول بالانقسام العلماني - الإسلامي الذي يهيمن على الحياة السياسية المصرية. إنما في هذه المرحلة الانتقالية، لاتكفي الانتخابات وحدها في كثير من الأحيان لضمان الشرعية الكاملة أو القبول على نطاق واسع. العديد من الجماعات (سواء في مجال التعليم العالي أو في مجال آخر) تصرخ من أجل زيادة تمثيلها من خلال قنوات خارجية، مثل تنظيم احتجاجات في الشوارع وعبر وسائل الإعلام.

لم يقتصر الأمر على أن الأوساط الأكاديمية صارعت مسألتي التمثيل وشرعية العملية الانتخابية (والتي لازمت أيضاً تشكيل البرلمان والجمعية التأسيسية في مصر)، بل قوّض الغموض السياسي وعدم الاستقرار في الفترة الانتقالية أيضاً جهود الإصلاح. فقد جرى، مراراً وتكراراً، إلهاء الطلاب وهيئة التدريس عن محاولات تنظيم وتنفيذ إصلاحات داخل الحرم الجامعي بأزمات وطنية كبيرة وجدوا أنفسهم مضطرين إلى الردّ عليها. تراوحت هذه الأحداث بين قتل الجيش محتجين مسيحيين في تشرين الأول/أكتوبر 2011، ومعارك الشوارع التي اندلعت بين المتظاهرين ورجال الشرطة والجنود بين تشرين الثاني/نوفمبر 2011 وكانون الثاني/يناير 2012، والانتخابات البرلمانية ومن ثم الرئاسية، واقتحام السفارة الإسرائيلية والمواجهات التي حدثت فيها. شارك العديد من أعضاء هيئة التدريس في إنشاء أحزاب سياسية جديدة وفي المناقشات مثل تلك المتعلقة بتوقيت وعملية صياغة ومضمون الدستور المصري الجديد.

كان الطلاب وأعضاء هيئة التدريس يفتقرون أيضاً إلى وجود محاورين سياسيين شرعيين.     لم يكن هناك برلمان منتخب للتأثير عليه حتى كانون الثاني/يناير 2012، واعترض البعض على أي تعامل مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم. إضافة إلى ذلك، كان هناك، منذ شباط/فبراير 2011، خمسة وزراء للتعليم العالي. وكانت الوزارة واحدة من الوزارات التي قامت السلطات العسكرية الحاكمة بإعادة تنظيمها بانتظام في أوقات الأزمات السياسية مع أن مطالب المحتجين كانت تهدف إلى إجراء تغييرات في الوزارات الأخرى، مثل العدل والداخلية. لم يكن إصلاح التعليم العالي – وهو الأمر الذي ربما لايثير الدهشة - من الأولويات خلال الفترة الانتقالية المضطربة التي ركّزت فيها الجهات السياسية الفاعلة، وخصوصاً قيادة الجيش وجماعة الإخوان المسلمين، كل طاقاتها على ترسيخ سلطتها أو كسب القدرة على التأثير على النظام السياسي الجديد.

التطلّع إلى المستقبل

إذا، ومتى، احتلّت سياسة التعليم العالي مكانة أكثر أهمية على الأجندة السياسية، فمن المحتمل جداً أن تلعب الأحزاب الإسلامية التي هيمنت على المشهد السياسي المصري على مدى العام ونصف العام الماضي دوراً بارزاً في صياغة ذلك المشهد. وقد استفاد عدد قليل من كوادر تلك الأحزاب من حركة انتقال هيئة التدريس صعوداً التي وعد بها التعليم الجامعي.

خذوا على سبيل المثال محمد مرسي، رئيس مصر المدني الجديد. كان مرسي العضو في جماعة الإخوان المسلمين، والذي ولد في عائلة متواضعة في محافظة الشرقية الواقعة في شمال مصر، الأول من عائلته الذي يدرس في الجامعة. وهو أستاذ في الهندسة حصل على درجتي البكالوريوس والماجستير من جامعة القاهرة قبل الحصول على درجة الدكتوراه من جامعة جنوب كاليفورنيا في العام 1982. مارس التدريس لبضع سنوات في جامعة ولاية كاليفورنيا، في نورثريدج، قبل أن يعود إلى مصر لتسلّم وظيفة في جامعة الزقازيق، وهي جامعة إقليمية جديدة في دلتا النيل المصرية. وبعد أن أصبح رئيساً، ألقى خطاب تنصيبه في جامعة القاهرة.

يتضمّن برنامج مرسي وبرنامج حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، بعض المطالب الأكثر شيوعاً لإصلاح التعليم العالي. فهو يدعو إلى تكريس "استقلال حقيقي للجامعات"، وإنشاء جامعات إقليمية جديدة حتى تكون هناك جامعة لكل 2-3 ملايين من المواطنين. ويقول البرنامج بوجوب ربط مؤسسات التعليم العالي ومناهجها بمتطلبات السوق. كما يدعو إلى زيادة رواتب أعضاء هيئة التدريس، وتحسين البنية الأساسية، وزيادة الإنفاق على البحوث والتطوير تدريجياً ليصل إلى 2.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

سيتولّى مصطفى مسعد، العضو في جماعة الإخوان المسلمين وأستاذ الهندسة في جامعة القاهرة، منصب وزير التعليم العالي باعتباره واحداً من قلّة من الوزراء الإسلاميين (بقية الوزراء من كبار الموظفين والتكنوقراط) في الحكومة الجديدة التي شكّلها مرسي.

عبّر حزب النور السلفي أيضاً، وهو حزب إسلامي محافظ جداَ حلّ في المرتبة الثانية بعد حزب الحرية والعدالة في الانتخابات البرلمانية، عن اهتمامه بوزارة التعليم العالي (وكذلك بوزارات التربية والصحة والمالية). لايتناول برنامج حزب النور التعليم العالي في حد ذاته، لكن القسم الخاص بالتعليم فيه ينتقد بشدّة أوجه القصور في النظام الحالي بلغة قوية تماماً. وهو يدين العملية التعليمية التي "تعامل الطلاب بوصفهم أوعية يجب حشوها بالمعلومات طوال العام، وإفراغ هذه المعلومات على أوراق الامتحانات في نهاية السنة"، والتي تعاني من "الشيخوخة" منذ خمسين عاماً، "بين المناهج الدراسية التي عفا عليها الزمن واستمرار الكوادر التي تجاوزت السن القانونية للتقاعد، والتفكير القديم الذي لارتقي بتطلّعات الأمة". وبالطبع، فإن لدى حزب النور أيضاً رؤية خاصة بالتعليم تؤكّد على أنه لايمكن فصل المعرفة عن الدين، وأن النظام التعليمي في مصر ينبغي ألاّ يتعارض مع القِيَم الإسلامية، وأن تأخذ في الاعتبار "الطبيعة الخاصة" للنساء.

مع ذلك، وعلى رغم رغبتها في السيطرة على حقيبة التعليم العالي، عرضت الأحزاب الإسلامية بعض مقترحات السياسة المحدّدة. وبالتالي ركّز النقاش العام المحيط بالجامعات في مصر بشكل كبير حتى الآن على القضايا السياسية، مثل انتخاب رؤساء الجامعات، ووجود قوات الشرطة في الحرم الجامعي. وفي حين كان هناك اتفاق عام على وجوب أن تكون الجامعات أكثر استقلالية، فإن هناك ندرة في الاقتراحات الملموسة بشأن كيفية إنجازها على المستوى المالي والإداري. كان الافتراض في الغالب هو أنه متى ماخلت الجامعات من المسؤولين الفاسدين وتدخّل الشرطة - وبمجرّد أن تخصّص الحكومة لها زيادة التمويل التي تحتاجها - فإن الوضع سيتحسن بشكل كبير.

لايزال التزام مصر بتوفير التعليم العالي المجاني للجميع يمثّل إحدى المسائل الأكثر إثارة للجدل في المستقبل. فقد تم تكريس هذا الحق في الدستور المصري القديم الذي تم وقف العمل به، ومع ذلك فإن التعليم الجامعي لايزال متاحاً فقط لقلّة من المصريين الذين يتأهّلون وفقاً لنتائجهم في امتحانات المدرسة الثانوية. وكما أشارت بعض الدراسات، فإن الطبقة الوسطى المصرية – لا الأشخاص الأكثر احتياجاً – تستفيد على نحو غير متناسب من الجامعات القومية المجانية (تماماً كما تستفيد من كثير من الدعم الموجّه بصورة سيئة في البلاد). 

فضلاً عن ذلك، في كثير من الحالات يكون التعليم العالي مجانياً بالاسم فقط. في العقود الأخيرة، شجّعت الحكومة الجامعات بفعّالية على تطوير إستراتيجيات لتقاسم التكاليف. على سبيل المثال، أسّس العديد من الجامعات برامج مختلفة باللغات الأجنبية، تحصّل رسوماً في مقابلها. يتم التعليم في هذه البرامج باللغة الانكليزية أو الفرنسية، ولكن الأهم من ذلك، أن نسبة الطلاب/أعضاء هيئة التدريس أفضل بكثير من أي مكان آخر في الجامعة. العديد من الجامعات أيضاً لديها الآن ماتسمى برامج الانتساب، والتي يسمح فيها للطلاب الذين لم يحصلوا على علامات جيدة في امتحانات الثانوية العامة تؤهّلهم للحصول على مقعد بالتسجيل لقاء رسوم. يمكن للطلاب التقدّم للامتحانات، لكن لايمكنهم حضور الدروس سوى ليوم واحد فقط في الأسبوع، لمنع الازدحام.

ألمح مسؤولو وخبراء التعليم العالي في الآونة الأخيرة إلى ضرورة أن تجد البلاد وسائل جديدة لتمويل التعليم العالي، وأن تبدأ على الأقل بفرض الرسوم على بعض الطلاب. ومع ذلك، من غير المحتمل أن تتم قريباً مناقشة كيفية تمويل الجامعات على نحو أكثر كفاءة وإنصافاً واستدامة. لاتزال الأحزاب السياسية غير راغبة في تناول هذا الموضوع الذي لايحظى بشعبية، حيث يردّ المصريون من مختلف الانتماءات السياسية بسخط على احتمال "خصخصة" التعليم العالي.

هذا أمر مؤسف. فإصلاح التعليم العالي، الذي يعدّ خطوة ضرورية للتصدّي لتطلّعات الشباب المصريين والاستفادة من إمكاناتهم - يتطلّب عدداً من المداولات العامة الصريحة والصعبة. الجامعات لن تتحسّن حتى تتوفّر الإرادة السياسية لخلق نظام أكثر شفافية من خلال إتاحة المعلومات حول الميزانيات والمعايير الأكاديمية، وتسهيل إجراء مناقشة مفتوحة ومستنيرة بشأن توزيع الموارد العامة. ولقد حان الوقت لأن تتوخّى مصر القيام بإصلاحات مؤلمة ومثيرة للجدل، بما في ذلك إقرار تغيرات في معايير توظيف أعضاء هيئة التدريس وقبول الطلاب والإجراءات الإدارية التي ستواجه مقاومة بلا شك.

تتمثّل إحدى سمات اللحظة الراهنة في أن هناك، للمرة الأولى منذ عقود، قدراً أكبر من الحرية في الجامعات المصرية للطلاب والأساتذة للمشاركة في هذه المناقشات. ويتمثّل التحدّي بالنسبة لهم في إيجاد سبل لبناء توافق في الآراء حول مطالبهم وإسماع صوتهم في ظل التنافر السياسي المنهك في الوقت الراهن. 

نبذة عن الكاتبة

أورسولا ليندسي صحافية وكاتبة تعيش في القاهرة منذ العام 2002. وهي تعمل مراسلة منطقة الشرق الأوسط لصحيفة Chronicle of Higher Education، وتكتب عن الثقافة والتعليم والإعلام والسياسة في العالم العربي لعدد من وكالات الأنباء، بما في ذلك مجلة "نيوزويك"، و"فورين بوليسي"، وبرنامج World في محطة "بي بي سي". وتساهم ليندسي بصورة منتظمة في مدوّنة Arabist.