على مدى العقد الماضي، كان تفاقم عدم الاستقرار في منطقة الساحل والصحراء مصدر قلق متزايد في أوروبا والولايات المتحدة. فقد ظلّ القلق يساور الحكومات الغربية لجهة أن ضعف سيطرة الدولة في المنطقة سوف يسمح لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والتنظيمات الجهادية الأخرى بتوسيع نفوذها وإقامة ملاذات آمنة في مناطق خارج سيطرة الحكومة. ويبدو أن استيلاء تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والتنظيمات المرتبطة به بشكل وثيق مؤخّراً على شمال مالي برّر هذه المخاوف.

ركّزت الحكومات الغربية بشدّة على وجود تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، وقدَّمت المساعدة التقنية في محاولة لتعزيز قدرة قطاعات الأمن والقضاء على مكافحة الجماعة. بيد أن الحكومات الغربية قلّلت من شأن، إن لم تكن تجاهلت، تأثير الجريمة المنظَّمة الذي يزعزع الاستقرار في المنطقة. ويعتبر تنظيم القاعدة نفسه، وإن بصورة جزئية، شبكة إجرامية، حيث يختطف مواطنين غربيين بهدف ممارسة ابتزاز مزدوج يتمثّل بأخذ الفدية وإطلاق سراح أعضاء الجماعة المسجونين. كان تواطؤ الدولة مع الجريمة المنظَّمة، حتى وقوع الانقلاب العسكري في مالي في آذار/مارس 2012، أهم عامل في نمو التنظيم ومحرّك الصراع في شمال البلاد. إذ تمارس الجهات الفاعلة الضالعة في الجريمة المنظَّمة حالياً نفوذاً سياسياً وعسكرياً حاسماً في شمال مالي.

وكما فعلت في الماضي، سوف تنجذب حكومات منطقة الساحل إلى استخدام الجريمة المنظَّمة كوسيلة سياسية عبر السماح لحلفائها بالاستفادة من الأنشطة الإجرامية التي تترتّب عليها آثار واضحة بالنسبة إلى خطط عملها. ويعدّ التركيز على بناء القدرات في القطاعين القضائي والأمني هو المقاربة الصحيحة إذا مادعمت الحكومات الجهود الرامية إلى مكافحة الشبكات الإجرامية. وبالتالي يتعيّن على الجهات المانحة أن تركّز أكثر على المشاركة السياسية، وتشجّع الإستراتيجيات التي تجعل الاستيعاب السياسي للاعبين المؤثرين يتوقّف على فك ارتباطهم بالاقتصاد غير المشروع والالتزام باحتواء تهريب المخدرات والأسلحة. وسيكون هذا الأمر صعباً خاصة في مالي، حيث سيتعيّن على الحكومة عقد صفقات مع القوى المحلية، بما في ذلك عقد تحالفات مؤقّتة مع بعض الشبكات الإجرامية في الشمال، لاستعادة السيطرة على الإقليم. ويتمثّل التحدي هنا في ضمان ألا يوطّد التوصل إلى تسوية للصراع هناك قوة الشبكات الإجرامية ويوسّع قدرتها على العمل.

لكن، وبسبب قلّة مصادر الدخل البديلة في المنطقة وعدم وجود أي مصدر قادر على منافسة المكاسب التي يمكن تحقيقها بفضل النشاط الإجرامي، فإن اتخاذ خطوات قوية لتفكيك الشبكات الإجرامية يمكن أن يضرّ أكثر مما ينفع. ولعل أفضل مايمكن أن تقوم به الأطراف الخارجية هو تقديم يد العون في إضعاف الشبكات الإجرامية في شمال مالي، تدريجياً عن طريق وضع مقاربة دولية متماسكة للحدّ من عمليات دفع الفدية، والتي تعدّ أحد مصادر التمويل الرئيسة للتنظيم، والمساعدة في تعزيز التعاون الإقليمي.

التأثير المتنامي للجريمة المنظَّمة

على مدى العقد الماضي، ركّزت الولايات المتحدة وأوروبا بشكل متزايد على الأمن في منطقة الساحل والصحراء – وهي محدّدة هنا بموريتانيا ومالي والنيجر وكذلك المناطق المجاورة في الجزائر وليبيا – بسب الخشية من إمكانية أن تصبح المنطقة ملاذاً آمناً جديداً للجماعات المتطرفة المرتبطة بتنظيم القاعدة. وبدا أن هذه المخاوف قد تأكّدت من خلال التمرّد الذي جرى في العام 2012 في شمال مالي، والذي أسفر عن وقوع المدن الشمالية تحت سيطرة مجموعتين ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي هما أنصار الدين وحركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا(MUJAO).

في هذه الأثناء، لم يحظ تنامي النشاط الإجرامي المنظّم في المنطقة سوى بالقليل جداً من الاهتمام. إذ يعترف المراقبون الخارجيون والمسؤولون في حكومة مالي بسهولة بأهمية الاتّجار بالمخدّرات، بيد أنهم ركّزوا بصورة رئيسة على دور تنظيم القاعدة في بلاد المغرب وتجاهلوا أو قلّلوا من أهمية علاقات المسؤولين في الدولة والقادة السياسيين بالشبكات الإجرامية. علاوة على ذلك، كان صنّاع القرار في الغرب ينظرون في المقام الأول إلى الفرع الإقليمي لتنظيم القاعدة بوصفه جماعة إرهابية، على رغم أن نشاطه سيء السمعة كان يتمثّل في اختطاف الرعايا الأجانب لابتزاز الفدية.

لفهم الأزمة في شمال مالي، وعلى نحو أوسع موجة عدم الاستقرار المتزايد في المنطقة، لابدّ من تجاوز دور تنظيم القاعدة في بلاد المغرب والتنظيمات الجهادية الأخرى. إذ مكّن التنافس للسيطرة على عمليات التهريب وتسامح مسؤولي الدولة تجاه النشاط الإجرامي الذي يمارسه الحلفاء السياسيون الجماعات، المتطرفة من الازدهار. كما تسبّب تواطؤ وضلوع المسؤولين في مالي، واستعداد الحكومات الغربية لدفع الفدية، في ازدهار صناعة الاختطاف. فضلاً عن ذلك، كانت هذه العوامل هامة بالنسبة إلى الديناميكيات التي تسبّبت في انفجار الصراع المتجدّد في شمال مالي في العام 2012.

البحث في مجال الجريمة المنظَّمة مهمة محفوفة بالمشاكل والعثرات. إذ تكثر في منطقة الساحل الاتّهامات والشائعات حول الأطراف الفاعلة المعنيّة، غير أن الأدلة القاطعة المتاحة قليلة. وفي مقابلات مختلفة أجراها الكاتب في نواكشوط وباماكو في تموز/يوليو 2012، كان المحاورون على استعداد تام لتوجيه الاتّهامات ضدّ أفراد معيّنين، والذين كانوا في معظم الحالات مشاركين في النزاع في شمال مالي. ومع أنه كان من الصعب في كثير من الأحيان تحديد ما إذا كانت الاتهامات صحيحة أم أنها مجرّد سلاح يُستخدَم لتشويه سمعة الخصوم السياسيين، فإن تحديد موقف من المعلومات المقدمة من مصادر متعددة ذات خلفيات سياسية وأجندات مختلفة يسمح للكاتب بأن يشعر بالثقة من دقّة هذا التحليل. وما لم يذكر خلاف ذلك، تستند الاستنتاجات الواردة هنا إلى تلك الأحاديث والبحوث التي قام بها في موريتانيا ومالي، بالإضافة إلى البحوث التي أجراها في ليبيا في العام 2012.

صعود الجريمة المنظَّمة في منطقة الساحل

منطقة الساحل والصحراء ليست منطقة محوريّة بالنسبة إلى الجريمة المنظَّمة العبارة للحدود الوطنية. وتنبع أهمية النشاط الإجرامي المنظم هناك من أن ثمّة قلّة من الأنشطة البديلة التي تحقق أرباحاً وثراءً سريعاً مماثلاً. وهذا ينطبق خصوصاً على ثلاث مهمّات توسّعت بشكل ملحوظ منذ العام 2003 تقريباً: تهريب صمغ الحشيش المغربي، وتهريب الكوكايين، وعمليات الاختطاف للحصول على فدية. وقد حوّل الأفراد والشبكات الضالعة في هذه الأنشطة ثرواتهم إلى نفوذ سياسي وقوة عسكرية. ووضعت التجارة في السلع المهرّبة المشروعة، والتي تطوّرت في جميع أنحاء المنطقة في العقود السابقة، الركيزة المؤسّسية لتطوير هذه الأنشطة ذات الربحية العالية.

أصل وتطور التدفّقات الإقليمية غير المشروعة

في حين تمثّل السلع المشروعة الجزء الأكبر من التدفّقات التجارية عبر الصحراء، والتي غالباً ما تعتمد على ترتيبات غير رسمية مع أجهزة الأمن والجمارك، لاتبدو الحدود الفاصلة بين التجارة المشروعة وغير المشروعة واضحة. وتنتشر الشبكات التجارية والاجتماعية التقليدية التي تستند في الغالب إلى الأُسر والمجتمعات المحلية المتخصّصة في التجارة عبر المراكز التجارية في بلدان مختلفة. وقد ظلت تلك الشبكات تتقارب منذ تصفية الاستعمار في ستينيات القرن الماضي. وابتداءً من السبعينيات فصاعداً، بدأت الروابط التي ظلت قائمة بعد انهيار تجارة القوافل في أواخر القرن التاسع عشر بالتوسّع، وازدهرت بسبب تجارة السلع الجزائرية والليبية المدعومة المهرّبة التي تنتقل إلى شمال مالي والنيجر.

على غرار السلع الاستهلاكية المستوردة إلى الموانئ الموريتانية، والتي يتداولها التجار العرب في تمبكتو بمالي، تجاوزت هذه التدفقات نظام الجمارك الرسمي في عملية أدّت إلى نشوء ترتيبات غير رسمية بين التجار والمسؤولين. وفي موازاة ذلك، نمت صادرات الإبل من مالي والنيجر إلى الجزائر وليبيا، وهي تعتمد في أغلب الأحيان على الشبكات نفسها. وفي حين كان التجار الجزائريون والليبيون يهيمنون على هذه التجارة، عزّز التجار العرب في مالي والنيجر وجودهم في هذا القطاع على نحو متزايد.

خلال تسعينيات القرن الماضي، أدت الاستقاطاعات في ميزانية الدعم في الجزائر إلى تراجع اقتصادي جزئي، لكن الحصار المفروض على ليبيا حفّز عمليات التهريب. وبالإضافة إلى ذلك، حوّلت الصراعات في الجزائر وشمال النيجر ومالي المنطقة إلى مركز رئيس للاتجار بالأسلحة. وفي بعض الأحيان كانت الشبكات التي تسيطر على عمليات تهريب البضائع تدير عمليات تهريب السلاح، كما يتضح من حالة الحاج بتو، الذي سيطر خلال ثمانينيات وأوائل تسعينيات القرن الماضي على عمليات التهريب وتهريب الأسلحة في جنوب الجزائر، واستفاد من حماية كبار المسؤولين الأمنيين. واليوم يستمر تهريب البضائع من موريتانيا والجزائر وليبيا، وقد ازدادت وتيرته مع نشوب الصراع في شمال مالي، حيث تأتي أغلب إمدادات الغذاء والبنزين الآن من الجزائر. ويتولّى مسؤولون في الإدارة وجهاز الأمن الجزائري إدارة عمليات البيع غير المشروع للوقود الجزائري المدعوم إلى مالي. وقد زاد حجم التجارة الإقليمية في الأسلحة نتيجة للصراع في ليبيا والطلب المتزايد من شمال مالي منذ أوائل العام 2012.

ساهم تهريب السجائر إلى حد كبير في ظهور الممارسات والشبكات التي سمحت بنمو الاتجار بالمخدرات. بدأ تهريب السجائر إلى أسواق شمال أفريقيا بالازدهار في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وتطوّر إلى تجارة واسعة النطاق تسيطر عليها قلّة من اللاعبين الكبار. زوّدت السجائر المستوردة عبر موريتانيا جزءاً كبيراً من الأسواق الجزائرية والمغربية، في حين تم توجيه تلك المستوردة عبر كوتونو في بنين ولومي في توغو، عبر النيجر وبوركينا فاسو، إلى ليبيا والجزائر. في العام 2009، أشارت تقديرات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) إلى أن السجائر المهربة عبر هذه الطرق تمثّل حوالي 60 في المئة من سوق التبغ الليبية (أو 240 مليون دولار من العائدات على مستوى التجزئة) و18 في المئة من السوق الجزائرية (أو 228 مليون دولار).

تتألف الأطراف الفاعلة الرئيسة في هذه التجارة من مستوردي وموزّعي السجائر القانونيين، الذين يستوردون بضاعتهم من مناطق التجارة الحرّة مثل دبي. ولذلك فإن أفضل تفسير لهذه التجارة هو أنها إستراتيجية متعمّدة من شركات التبغ للتحايل على الأنظمة الضريبية، أو كسر احتكار الدولة في شمال أفريقيا لتوزيع السجائر.

أدّى هذا النظام إلى تآكل الأجهزة الجمركية بسبب الفساد والتواطؤ بين المهربين والمسؤولين في الدولة. فخلال جزء من رحلتها، يتم نقل البضائع في شاحنات كبيرة على الطرق الرئيسة، بالتواطؤ مع مسؤولين أمنيين في مالي والنيجر. وفي ليبيا، تتحكّم بعمليات تهريب السجائر شبكات في الأجهزة الأمنية التي يهيمن عليها أفراد من قبيلة القذاذفة. في المثلث الواقع بين موريتانيا ومالي والجزائر تتاجر الشبكات الصحراوية - في كثير من الأحيان بمشاركة مباشرة من مسؤولين في حركة البوليساريو التي تسعى لاستقلال الصحراء الغربية - بالسلع الجزائرية المدعومة والمساعدات الإنسانية جنوباً والسجائر شمالاً إلى الجزائر والمغرب. وقد ساهم تهريب السجائر أيضاً في ظهور عصابات أصغر حجماً من المهربين مكلّفة بنقل البضائع من موريتانيا ومالي والنيجر إلى الجزائر. ويشتهر مختار بلمختار، الذي حاز سمعة سيئة في وقت لاحق بوصفه إحدى الشخصيات البارزة في عمليات بلدان الساحل التي تقوم بها القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، بأنه أدار لفترة طويلة عمليات تهريب السجائر عبر الصحراء.

وعلى غرار عمليات تهريب السلع والسجائر، ساعدت تجارة المهاجرين أيضاً في ظهور شركات نقل في المنطقة متخصّصة في عمليات النقل على الطرق الوعرة، أو وضع ترتيبات مع المسؤولين الفاسدين. فقد تزايدت تدفّقات الهجرة غير النظامية من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى شمال أفريقيا ومنها إلى أوروبا ابتداءً من أوائل التسعينيات. وبرزت غاو في شمال مالي وأغاديز في النيجر المجاورة، واللتان تعدّان أيضاً مركزين لتهريب السجائر، كمركزين رئيسين لرحلات المهاجرين إلى المغرب (عبر الجزائر) أو إلى ليبيا.

عبر منطقة الصحراء، لم تؤدّ تجارة الهجرة إلى ظهور شبكات عابرة للحدود الوطنية على نطاق واسع. إذ تتم عمليات الهجرة غير النظامية في المنطقة عموماً وفق نظام "الدفع أولاً بأول" بدلاً من نظام "الحزمة الكاملة". وهذا يعني، كما يبيّن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، أن مجموعة أو شبكة واحدة لاتتولّى عادة إدارة العملية برمّتها، حيث تتم عمليات النقل والتفاوض على دفع الرشاوى مع موظفي الجمارك والشرطة في العادة في مراحل منفصلة من الرحلة عبر النيجر ومالي، وتتولّى شركات نقل جزائرية أو ليبية المسؤولية عند الحدود. فقط في ليبيا كانت السيطرة على الهجرة وأرباحها حكراً على أفراد قبيلة واحدة – القذاذفة – ممن لهم صلات وثيقة مع جهاز الأمن. وأدّى ظهور ميليشيات متعدّدة تسيطر على أجزاء من الأراضي الليبية إلى جعل البلاد أكثر خطورة بالنسبة للمهاجرين، الذين يتعرّضون الآن إلى خطر اعتراضهم في العديد من المواقع المختلفة.

تطوّر تهريب المخدرات

خلال العقد الماضي، جرى استكمال عمليات تهريب البضائع القانونية، القائمة على أساس فروق الأسعار بين البلدان وتجنّب الضرائب، بتهريب المخدرات غير المشروعة. فقد توسّع وبسرعة اثنان من التدفقات المختلفة في كل أنحاء منطقة الساحل، وتقاطعت مساراتهما المختلفة في بعض الأحيان. تدفق الكوكايين من أميركا الجنوبية إلى أوروبا، بما في ذلك عن طريق ليبيا ومصر، منذ حوالي العام 2005، وتدفق صمغ الحشيش المغربي إلى ليبيا ومصر وشبه الجزيرة العربية. ويعزى هذا النمو إلى ارتفاع الطلب في أوروبا والمشرق، وكذلك بسبب فرض ضوابط مشدّدة على طول الحدود المغربية - الجزائرية، وقبالة سواحل إسبانيا وجزر الكناري، والمطارات الأوروبية، الأمر الذي جعل الطرق المارّة عبر منطقة الساحل التي تضعف السيطرة عليها جذّابة للمهربين.

توسّعت تجارة الكوكايين من أميركا الجنوبية إلى أوروبا عبر غرب أفريقيا بسرعة في الفترة بين 2005 و2007، وهي لاتزال هامة، على رغم انكماشها بعد العام 2008. فقد قدّر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدّرات والجريمة أن حوالي 14 في المائة من الكوكايين الذي يدخل إلى أوروبا - أو 20 طناً، بلغت قيمتها بسعر الجملة 1 مليار دولار في أوروبا الغربية - مرت عبر غرب أفريقيا في العام 2008. معظم كميات الكوكايين التي تمرّ عبر غرب أفريقيا في طريقها إلى أوروبا تصل أولاً إلى إحدى الدول الساحلية - وخاصة غينيا وغينيا بيساو، وكذلك توغو وبنين وغانا - وبعد ذلك يتم نقلها إما عن طريق الجو أو بواسطة القوارب. وكبديل، يتم إرسال الكوكايين عبر خدمات الشحن الجوي إلى أوروبا، بما في ذلك من مطارات داخلية في غرب أفريقيا. وتعدّ مطارات باماكو ونيامي وواغادوغو من بين مراكز الشحن الجوي، حيث يمرّ بعضها عبر مطار الجزائر العاصمة. هذه الطرق لازالت نشطة، كما تؤكد المضبوطات خلال عامي 2011 و2012 في هذه المطارات. وبرزت موريتانيا لفترة وجيزة كبلد عبور رئيس للنقل الجوي والبحري والبري في الفترة 2007-2008، حيث جرى ضبط أكبر شحنتين في مطار نواديبو في أيار/مايو2007 (360 كيلوغرام من الكوكايين)، وفي نواكشوط في آب/أغسطس من العام نفسه (830 كيلوغرام من الكوكايين). ومع ذلك، فقد انخفضت المضبوطات السنوية في موريتانيا بشكل كبير منذ العام 2008.

تتنوّع الطرق البرية عبر منطقة الساحل والصحراء نحو أوروبا، وثمّة أدلة قليلة على وجود تدفّقات كبيرة مستمرّة على أي طريق بمفرده. ويتم نقل الكوكايين من المراكز الساحلية -غينيا وموريتانيا هذه الحالة - برّاً إلى شمال مالي ومن هناك إلى المغرب والجزائر وليبيا (عبر الجزائر أو شمال النيجر باتجاه ليبيا). وأشارت تقارير عديدة إلى استخدام الطائرات في جلب الكوكايين إلى شمال مالي، إلا أن الطريق البري اكتسب أهمية أكبر خلال عامي 2009 و2010، وفي الوقت نفسه انخفضت المضبوطات على طول ساحل غرب أفريقيا. كان التقرير الأكثر إثارة من بينها حتى الآن هو اكتشاف هيكل طائرة بوينغ 727، والتي إما تحطمت عند الإقلاع أو جرى إضرام النار فيها بالقرب من بلدة غاو في منطقة تركنت في تشرين الثاني/نوفمبر 2009. كانت الطائرة، والتي لقبتها وسائل الإعلام فيما بعد باسم "الكوكايين الجوي"، مسجلة في غينيا بيساو، وأقلعت من فنزويلا. وفقاً للمدعي العام في التحقيق الجاري، كانت الطائرة تحمل ما بين 7 و11 طناً من الكوكايين تم تهريبها فيما بعد براً إلى المغرب عن طريق شبكة تضم رعايا فرنسيين وإسبان ومغاربة وماليين وسنغاليين. وبينما لايوجد دليل على أن صفقة بهذا الحجم لم تكن أكثر من مجرد حادث عارض بالنسبة إلى شمال مالي، وردت تقارير عدّة عن استخدم طائرات صغيرة لنقل الكوكايين من المراكز الساحلية إلى شمال مالي.

مع ذلك، لم تقع منذ أوائل العام 2011 أي حوادث في المنطقة يمكن أن تشير إلى كيفية تطور طرق تهريب وكميات الكوكايين منذ انهيار النظام في ليبيا، ومنذ اندلاع الصراع في شمال مالي في أوائل العام 2012. من المرجح أن عمليات التهريب البرية عبر الساحل والصحراء قد انخفضت بسبب انخفاض التهريب عبر غرب أفريقيا، ولأن الطرق البرية تعتمد عموماً على المراكز في الدول الساحلية.

في المقابل، تشير جميع الأدلة المتاحة إلى أن التدفق الرئيس الآخر، صمغ الحشيش المغربي باتجاه ليبيا ومصر والجزيرة العربية، مستمر بلا انقطاع. وبحسب تقديرات مكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة فقد بلغ الإنتاج المغربي، الذي يحتل المرتبة الأولى أو الثانية في العالم، 877 طن في العام 2008. ويقال إن أجهزة المخابرات الموريتانية تقدّر أن حوالي ثلث الإنتاج المغربي يمرّ في دول الساحل، بهدف الالتفاف جزئياً على الحدود الجزائرية - المغربية وتداركها. إذ تصل شحنات صمغ الحشيش إلى موريتانيا برّاً (عبر الجزائر أو الصحراء الغربية) أو عن طريق القوارب، ومن ثم تسلك إما الطريق الشمالي للدخول إلى أقصى شمال مالي، أو يتم نقلها على طريق نواكشوط - نعمة للدخول إلى مالي في منطقة تمبكتو.

تُهيمن على تجارة صمغ الحشيش شبكات مختلطة من المواطنين المغاربة والصحراويين والموريتانيين - وكذلك ضباط من الجيش الجزائري كما يزعم - إلى أن يصل إلى شمال مالي. وعبر شمال مالي والنيجر، تتم إدارة الجزء الأكبر من عمليات تهريب صمغ الحشيش عن طريق شبكات من الجاليات العربية في مالي والتي تستطيع الاعتماد في كثير من الأحيان على الروابط الأسرية والقبلية في موريتانيا والنيجر. في بعض الحالات، تبين أن مهربي صمغ الحشيش الصحراويين ممن لهم علاقات وثيقة مع جبهة البوليساريو يأخذون معهم الكوكايين إلى المغرب في طريق عودتهم من مالي. ومن شمال مالي، تتداخل طرق تهريب صمغ الحشيش جزئياً مع تلك التي تخدم تجارة الكوكايين، وتعبر شمال النيجر أو جنوب الجزائر باتجاه ليبيا. ومن ثم يتم تصدير المخدرات إما إلى أوروبا عبر البلقان أو نقلها إلى مصر وإسرائيل. وهناك طريق آخر يمتدّ عبر تشاد والسودان إلى شبه الجزيرة العربية.

يظهر ضبط طنين من صمغ الحشيش قبالة نواذيبو (غرب موريتانيا) في كانون الثاني/يناير عام 2012، و3.6 طن في تمبدرا (شرق موريتانيا) في أيار/مايو 2012، أن هذه التجارة تزدهر. ولايبدو أن عدم الاستقرار في ليبيا والصراع في شمال مالي قد عطّل هذا الطريق، حيث تم ضبط 4 أطنان من صمغ الحشيش في طرابلس في أيار/مايو 2012، مايشير إلى أن المدينة أصبحت مركزاً رئيساً لتجارته.

ثمّة القليل من الأدلة التي تدعم مزاعم تورط تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي المباشر في تهريب المخدرات. ولايبدو أن التنظيم طرف فاعل في ما ذكر عن وقوع اشتباكات بين مهربي المخدرات في المنطقة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن العلاقة التي يُزعم أن محكمة في نيويورك أثبتت وجودها بين التنظيم المذكور والقوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك - FARC)، ومهربي الكوكايين لا تصمد: كانت القضية تتعلق بعميل سري من إدارة مكافحة المخدرات الأميركية قدّم نفسه إلى ثلاثة مواطنين من مالي على أنه ممثّل لـ (فارك)، والذين أكدوا بدورهم أن بوسعهم ترتيب حماية التنظيم لشحنة من الكوكايين عبر الصحراء. وليس هناك مايشير إلى أن هذا كان أكثر من ادعاء كاذب لإقناع شريكهم التجاري المفترض. ومع ذلك، من المعقول أن نفترض أن التنظيم، مثل غيره من الجماعات المسلحة في شمال مالي، سعى في بعض الأحيان إلى فرض رسوم عبور على مهربي المخدرات أو قدّم الحماية لقوافل التهريب.

الخطف للحصول على فدية

ارتبط تزايد عمليات الاختطاف للحصول على فدية ارتباطاً وثيقاً بتنامي وجود تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي في منطقة الساحل، والتي كانت محرِّكاً رئيساً له. ومنذ نهاية تمردّ الطوارق في شمال مالي والنيجر في منتصف التسعينيات، شملت ما تسمى "اللصوصية المتبقية" التي تؤثّر على الصحراء عمليات خطف للرعايا الأجانب من حين إلى آخر لغايات سياسية أو مالية. وكان اختطاف 32 سائحاً أوروبياً في العام 2003 في جنوب الجزائر - أطلق سراح سبعة عشر منهم على التراب الجزائري، في حين تم إطلاق سراح الرهائن الخمسة عشر الباقين في شمال مالي بعد ستة أشهر من الأسر – أمراً جديداً وغريباً سواء في مداه أو في ما يتعلق بالجهة المسؤولة عنه. نفّذت عمليات الخطف جماعة جزائرية متمرّدة هي الجماعة السلفية للدعوة والقتال، والتي غيّرت اسمها في أوائل العام 2007 إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. ومع ذلك، ظلّت القضية حادثاً فريداً لسنوات عدة. وباستثناء هجوم وقع على مركز حدود لمغيتي الموريتاني في العام 2005، لم يكن هناك الكثير من الأدلة على أن للمجموعة حضوراً كبيراً، ما حدا ببعض المراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت حقيقة أم خيالاً.

تغيّر هذا الوضع في كانون الأول/ديسمبر 2007 عندما قتل أعضاء من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أربعة سياح فرنسيين في جنوب موريتانيا. بعد ذلك بقليل، وفي أوائل العام 2008، بدأت سلسلة من عمليات الخطف في المنطقة. وبحلول نيسان/أبريل 2012، تم استهداف 42 مواطناً أجنبياً؛ حيث أفرج عن 24 منهم، في حين قتل أو أسر خمسة رهائن، وبنهاية آب/أغسطس 2012 كان 13 لايزالون رهائن. شملت مواقع الخطف جنوب الجزائر وتونس وموريتانيا والنيجر، فضلاً عن شمال مالي، ولكن في جميع الحالات جرى احتجاز الرهائن وإطلاق سراحهم في شمال مالي من جانب تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، أو، ابتداء من أواخر العام 2011، من جانب فرعه "حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا – MUJAO" وقد ركّز الخاطفون على مواطني الدول التي كانت معروفة باستعدادها للتفاوض على دفع الفدية.

لعبت الدوافع السياسية لنشر الرعب دوراً محدودا في عمليات احتجاز الرهائن التي قام بها تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي. ومع أن التنظيم عبّر في بعض الأحيان عن المطالب السياسية في الرسائل التي كان يبثّها على شبكة الإنترنت، إلى أن الأدلّة المتاحة تشير إلى أنه تم تأمين إطلاق سراح المواطنين الغربيين كافة من خلال دفع الفدية، بالإضافة إلى أنه، في بعض الحالات، أطلقت مالي أو موريتانيا سراح سجناء مرتبطين بتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي أو حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا(MUJAO). وأحيانا، أدّت محاولات الإنقاذ أو رفض دفع الفدية إلى قتل الرهائن. لاتؤكّد الحكومات المعنية رسمياً التقارير التي تتحدّث عن دفع الفدية، وتختلف تقارير وسائل الإعلام بشأن حجم المبالغ المدفوعة، على رغم أن معظمها يتراوح بين 1.5 و4 ملايين دولار أميركي للرهينة الواحدة. المعلومات الوحيدة التي يمكن أن يعوّل عليها في هذا الصدد تأتي من السويسريين. ففي العام 2009، سمحت الحكومة السويسرية باستخدام 5 ملايين دولار تتعلق بالمفاوضات بشأن إطلاق سراح ثلاثة من مواطنيها، منها 2 مليون دولار يبدو أنه تم تخصيصها لدفع الفدية.

تحوّلت عمليات الخطف من أجل طلب الفدية إلى صناعة مربحة للغاية، الأمر الذي سمح لتنظيم القاعدة بأن يصبح قوة سياسية وعسكرية كبيرة في منطقة الساحل والصحراء. ويستنتج من المعلومات المتاحة أن من المرجح أن يكون الدخل الذي يجنيه تنظيم القاعدة، وحركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا، والوسطاء المرتبطون بهما من عمليات الخطف قد بلغ ما بين 40 و 65 مليون دولار منذ العام 2008، دفعت الحكومات الغربية معظمها. في الوقت نفسه، تسبّب تكرار عمليات احتجاز الرهائن في تعريض السياحة في منطقة الساحل والصحراء إلى الانهيار، وبالتالي الحدّ من فرص العمل والربح خارج النشاط الإجرامي.

تأثير الجريمة المنظَّمة: التواطؤ والفساد والمنافسة

تبدو الصلة بين الجريمة المنظَّمة والصراع واضحة في أعمال الخطف مقابل الفدية التي يديرها تنظيم القاعدة وحركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا. ومع ذلك، لعبت التوترات المتصلة بتزايد الاتجار بالمخدرات، وتآكل مؤسّسات الدولة عبر التواطؤ في الجريمة المنظَّمة، دوراً أكثر أهمية في الديناميات التي أدّت إلى اندلاع الصراع في شمال مالي في كانون الثاني/يناير 2012. وكان تواطؤ المسؤولين مع الجريمة المنظَّمة من جميع الأنواع حاضراً بدرجات متفاوتة في جميع أنحاء المنطقة.

في موريتانيا، شهدت السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع (1984-2005) مشاركة رفيعة المستوى من المسؤولين الأمنيين ورجال الأعمال في عمليات التهريب وتهريب الأسلحة. فقد كان حكم ولد الطايع يستند إلى تحالف بين أفراد قبائل السماسيد وأولاد بو سباع والرقيبات، وكانت سيطرة هذه القبائل على نشاط التهريب لبنة أساسية في تحالفها.

تظهر مضبوطات الكوكايين الكبيرة في عامي 2007 و2008 الروابط القائمة بين رموز النظام وتجارة المخدرات. فقد تزامنت عمليات الضبط مع فترة من عدم الاستقرار السياسي، ومارست شخصيات بارزة عمليات الاعتقال بتهم تتعلق بالمخدرات كأداة في الصراع على السلطة داخل النخبة الحاكمة. واعتقل سيد أحمد ولد الطايع، ابن شقيق الرئيس السابق وضابط اتصال الإنتربول في موريتانيا، لعلاقته بعملية تهريب كوكايين في العام 2007 في مطار نواذيبو، كما اعتقل سيدي محمد ولد هيداله، وهو نجل رئيس سابق آخر.

استولى الرئيس الموريتاني الحالي، ولد عبدالعزيز، على السلطة في أعقاب انقلاب عسكري العام 2008، ومع توطيد حكمه، تراجعت عمليات الضبط والاعتقالات، ما يجعل من الصعب تمييز ما إذا كان الضلوع في عمليات التهريب على مستوى رفيع مستمراً. وقد أثارت بعض الحوادث الاستهجان بالتأكيد، بما فيها قرار الرئيس تخفيف عقوبة السجن بحق خمسة مدانين بتهريب الكوكايين في شباط/فبراير 2011، وقرار إحدى محاكم الاستئناف في نواكشوط الذي لايمكن تفسيره بالإفراج عن 30 من المهربين المدانين في تموز/يوليو 2011. في حين تم إلغاء الحكم فيما بعد، فقد هرب العديد من اللاعبين الكبار في هذه الأثناء. وفي قضية أخرى، سعت شبكة لتهريب صمغ الحشيش تم تفكيكها في كانون الثاني/يناير 2012 إلى تفادي نقاط التفتيش باستخدام تصاريح خاصة صادرة يزعم أنها صادرة عن رئيس سابق للشرطة، ويزعم أن ضابطاً كبيراً متقاعداً في الجيش كان على صلة بعملية مصادرة صمغ الحشيش في تمبدرا في أيار/مايو 2012. فضلاً عن ذلك، من الواضح أن الأجهزة الأمنية والقضائية الموريتانية فشلت في التحقيق في الثروات المفاجئة التي جمعها بعض الأفراد في السنوات الأخيرة، ويشتبه في أن كثيراً منها يجري جمعها من عمليات تهريب المخدرات. لكن لا توجد أدلّة كافية للاستنتاج بأن كبار المسؤولين الموريتانيين يتولّون إدارة عمليات التهريب اليوم كوسيلة سياسية، كما كان عليه الحال خلال السنوات الأخيرة من حكم ولد الطايع.

وعلى نحو مماثل، فإن الحدود في النيجر غير واضحة. إذ تتم عمليات تهريب السلع المشروعة والهجرة غير النظامية علناً وبتواطؤ كامل من السلطات. علاوة على ذلك، لا يمكن ببساطة تفسير أن عمليات ضبط شحنات المخدرات والأسلحة نادرة في شمال النيجر، وهي منطقة عبور رئيسة لكليهما، بسبب محدودية قدرات قوات الأمن في النيجر. ففي بعض الحالات على الأقل، غضّت الحكومة الطرف عن تهريب المخدرات والأسلحة من أجل الحفاظ على الاستقرار في الشمال.

كان أبرز مثال مؤخراً هو الإفراج عن زعيم المتمردين العرب السابقين أبتا حميد الدين في آذار/مارس 2012. وكان حميد الدين اعتقل في حزيران/يونيو 2011، في أعقاب اشتباك بين الجيش النيجري وقافلة تحمل متفجرات وأسلحة من ليبيا، كانت متجّهة على ما يبدو لتسليمها إلى تنظيم القاعدة في شمال مالي. كما كان ضالعاً في قضية أغالي ألامبو وهو زعيم متمرد سابق من الطوارق كان قد عيّن مستشاراً لرئيس الجمعية التشريعية في النيجر (بعد أن أمضى بعض الوقت في ليبيا وهو يقود طوارق النيجر الذين كانوا يقاتلون في صف معمر القذافي). واعتقل لفترة وجيزة في آذار/مارس 2012، ومن ثم أفرج عنه بعد فترة وجيزة، جنباً إلى جنب مع حميد الدين، في خطوة تهدف إلى منع رفاق حميد الدين وألامبو من حمل السلاح ضد الحكومة.

امتدّ التواطؤ أيضاً إلى جنوب الجزائر وليبيا. في الجزائر، يبدو أن تواطؤ كبار المسؤولين منظّم على مستوى الولايات لا على المستوى الوطني. وفي ليبيا، كان كبار المسؤولين يتولّون عمليات التهريب حتى زوال نظام القذافي، ومنذ ذلك الحين، ازدهر تهريب الأسلحة من ليبيا إلى مصر وتونس والجزائر ومنطقة الساحل، وأدّى إلى خلق مصالح خاصة سيكون من الصعب تفكيكها على أي حكومة ليبية في المستقبل. إضافة إلى ذلك، ساعدت المنافسات على السيطرة على النشاط غير المشروع على تغذية الصراعات العنيفة في جنوب ليبيا بين الميليشيات على أسس قبلية.

لكن لم تكن مؤسّسات الدولة في أي مكان في المنطقة متورّطة في الجريمة المنظَّمة أكثر منها في شمال مالي. فقد حاولت القيادة السابقة في مالي استخدام الجريمة المنظَّمة كوسيلة لممارسة النفوذ في الشمال عن طريق السماح لحلفائها المحليين بالمشاركة في النشاط الإجرامي. وفي نهاية المطاف فقدت تلك القيادة السيطرة على الصراعات التي نجمت عن هذا النشاط، بينما تآكلت سيادة القانون وشرعية مؤسّسات الدولة من خلال التواطؤ مع الجريمة المنظَّمة.

الصلة بين الدولة والجريمة المنظَّمة والصراع في مالي

بدأت الجريمة المنظَّمة تترسّخ بالفعل في شمال مالي عندما حدث تمرّد بقيادة ضباط عدة من الطوارق من كيدال، وهي منطقة تقع في الشمال على الحدود مع النيجر والجزائر، بدأ في أيار/مايو 2006. وفي حين اندلع التمرد بسبب مظالم سياسية أوسع، فإن المنافسات حول السيطرة على التهريب أصبحت أكثر وضوحاً شيئاً فشيئاً في ديناميكيات الصراع. فقد أسفر ارتفاع الأرباح التي يمكن تحقيقها بفضل تهريب المخدرات عن حملة قامت بها شبكات مختلفة للسيطرة على طرق التهريب أو لفرض رسوم عبور على المهربين من المجموعات الأخرى.

استغلت القيادة في مالي هذه التوتّرات بشكل متعمّد لممارسة نفوذها من خلال تحريض قادة بعض الجماعات ضد جماعات أخرى، والاعتماد على قبائل محددة للإبقاء على منطقة الشمال تحت السيطرة. ولمواجهة قبيلتي الإيفوغاس والعدنان من المتمردين الطوارق، تحالفت القيادة المحيطة بالرئيس آنذاك، أمادو توماني توري، مع المتمردين المنافسين، خاصة القيادات من قبائل برابيش ولمهر العربية، وكذلك من قبائل امغاد من الطوارق.

اعتباراً من آب/أغسطس 2007 فصاعداً، واصلت مجموعة صغيرة فقط من المتمردين من فخذ من الإيفوغا القتال، وهاجمت بشكل متكرّر قوافل تهريب المخدرات الخاصة بقبيلتي برابيش ولمهر. وقد خفّت الاشتباكات المرتبطة بتهريب الكوكايين في عامي 2007 و2008. في بعض الأحيان كان المسؤولون في الدولة يتدخلون بشكل مباشر، كما فعل المقدم لمانه ولد بو - وهو ضابط في جيش مالي له علاقات وثيقة مع رئيس جهاز أمن الدولة - في اشتباك وقع في آب/أغسطس 2007 بسبب شحنة الكوكايين، حيث رتّب عملية إعادة الشحنة مقابل مبلغ مالي كبير.

سعت شخصيات عربية بارزة من مناطق تمبكتو وغاو لحماية مصالحها التجارية من خلال تشكيل الميليشيات. كان هذا الموقف يتماشى مع مصالح القيادة في مالي، والتي ظلّت مصمّمة على تعبئة الزعماء العرب لمحاربة المتمرّدين. وبالتالي ترأس هذه القوات غير النظامية، التي يموّلها رجال أعمال مثل دينا ولد دايا وعمر ولد أحمد، مؤقّتاً أفراد من الجيش في مالي، مثل العقيد محمد ولد ميدو والمقدم بو.

ويمكن ملاحظة العلاقة بين الوجهاء المحليين والدولة ورجال الأعمال، وتجارة المخدرات في شحنة الكوكايين الضخمة المفترضة التي تم نقلها في تشرين الثاني/نوفمبر 2009 إلى شمال مالي على متن إحدى الطائرات. وفقاً لصحافي جزائري على صلة وثيقة بجهاز الأمن، بعد أن هبطت الشحنة في تركنت، شمال غاو، فإن وجهاء لمهر على الأرجح هم الذين تعاملوا معها، بمن فيهم رئيس بلدية تركنت بابا ولد الشيخ، الذي كان مقرّباً من قيادة مالي. ومن المرجّح أيضاً أن اثنين من أبرز رجال الأعمال في قبيلة لمهر هما شريف ولد الطاهر ومحمد ولد لغوينات كانا حاضرين.

وصلت التوتّرات إلى ذروتها مؤقتاً في كانون الثاني/يناير 2010. يومها، استولت مجموعة مسلحة مكونة من أفراد من قبيلتي الإيفوغاس والكونتا على شحنة كوكايين كبيرة كان ينقلها مهربون متحالفون مع الحكومة من قبيلتي امغاد ولمهر. وردّ أفراد من قبيلة لمهر بخطف زعيم عرب كونتا في منطقة غاو.

كان لمثل هذه الصراعات المرتبطة بالتهريب بعد سياسي أوسع أيضاً. فشقّة الخلاف التي كشفها الحادث الأخير ترتبط بالانقسام بين حلفاء القيادة في مالي وأعدائها. وعلاوة على ذلك، كانت قبيلتا لمهر وامغاد تابعتين تاريخياً لقبيلتي كونتا وإيفوغا، على التوالي. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تندلع فيها صراعات تنطوي على تنافس بشأن علاقة التبعية. فقد اندلعت اشتباكات خلال التسعينيات، بما في ذلك بعد انتهاء تمرّد الطوارق في شمال مالي. وعلى مدى العقد التالي، استخدم زعماء قبيلة لمهر ثرواتهم المتأتّية من التهريب لزيادة نفوذهم السياسي في منطقة غاو، بما في ذلك من خلال الانتخابات التشريعية المحلية والوطنية.

وقعت عملية مشابهة في منطقة تمبكتو، حيث بدأ زعماء قبيلة برابيش المتورطون في التهريب بلعب دور سياسي أكثر بروزاً. ونجحت الشخصيات المرتبطة بتهريب المخدرات في الضغط على قيادة مالي لإنشاء منطقة إدارية منفصلة (تاوديني) وعدة مناطق جديدة في سياق عملية إصلاح إداري تم اعتمادها قبل اندلاع التمرّد الأخير مباشرة. وبالإضافة إلى ذلك، تم في كثير من الأحيان استثمار الأرباح المتحققّة من التهريب في الماشية والبنية الأساسية المرتبطة بها، مثل الآبار، ما أفضى إلى تأجيج التوتّرات بين المجتمعات على الموارد.

تواطؤ الدولة مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي

كان التحالف القائم على الجريمة المنظَّمة بين القيادة في مالي والوجهاء المحليين ينطبق أيضاً على أعمال الخطف التي قام بها تنظيم القاعدة من أجل الحصول على الفدية. وتشرح هذه الترتيبات السبب في أن الأجهزة الأمنية في مالي فشلت إلى حدّ كبير في مواجهة تنظيم القاعدة وكسر عادته في استخدام شمال مالي كملاذ آمن للرهائن الذين يختطفهم.

عندما تم اختطاف السياح الأوروبيين في العام 2003، اعتمدت حكومة مالي والحكومات الأوروبية على إياد أغالي، الزعيم الطوارقي المتمرد السابق والرئيس الحالي لجماعة أنصار الدين المرتبطة بتنظيم القاعدة، ورئيس بلدية تركنت بابا ولد الشيخ للعمل كوسيطين في المفاوضات الخاصة بدفع الفدية. وابتداء من العام 2008، ستظهر الشخصيات نفسها على السطح مراراً وتكراراً كوسطاء في قضايا الرهائن، وتتنافس مع بعضها بعضاً في بعض القضايا، وتتعاون في قضايا أخرى. بالإضافة إلى بابا ولد الشيخ وإياد غالي، شمل هذا إبراهيم أغ الصالح – وهو عضو في الجمعية الوطنية عن بوريم (مقاطعة تضم تركنت) والذي أصبح في وقت لاحق قيادياً بارزاً في الحركة الوطنية لتحرير أزواد الطوارقية المتمرّدة (MNLA) ومصطفى ولد الإمام شافي، المستشار الخاص لرئيس بوركينا فاسو.

على رغم عدم وجود أدلّة دامغة، من المفترض عموماً أن الوسطاء الناجحين استقطعوا جزءاً كبيراً من مبالغ الفدية وتقاسموه مع السياسيين ممن يوفرون لهم الحماية من قادة مالي (أو بوركينا فاسو). وقد لاحظ دبلوماسيون أميركيون في أيار/مايو 2009 أن "التدفق الكبير للسيولة النقدية يرجّح أنه مرتبط بأزمة الرهائن الكنديين والأوروبيين" أدّى إلى تعقيد الانتخابات المحلّية في تركينت، حيث كان العديد من الوسطاء أنفسهم مرشحين. فقد ظهر أفراد ميليشيات لمهر والمشتبه فيهم بقضايا الاختطاف في المدينة يوم الانتخابات لترهيب الناخبين. بالنسبة إلى القيادة في مالي، كان دعم وسطاء معيّنين، على الأقل، وسيلة لمكافأة حلفائها في الشمال، وربما مصدراً للكسب المالي لكبار المسؤولين.

تجاوز التواطؤ بين المسؤولين الأمنيين وتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي مسألة التآمر في المفاوضات الخاصة بالحصول على الفدية كما توضح عملية اغتيال تنظيم القاعدة المقدم لمانه ولد بو في حزيران/يونيو 2009. فقد أوضحت مصادر عدة باستمرار، بما في ذلك ضباط في الجيش المالي، أن وفاة المقدم المذكور مرتبطة بفشل صفقة أسلحة مع تنظيم القاعدة. كان بو معروفا بتزويد التنظيم بالمعلومات، مثلما هو حال العديد من ضباط الجيش الآخرين من قبيلة برابيش، حيث يرتبط الكثير منهم بعلاقات وثيقة مع الأقارب وأبناء القبيلة الآخرين في الجماعة.

بحلول خريف العام 2010، برز تواطؤ المسؤولين في مالي مع تنظيم القاعدة وتجار المخدرات بوصفه عقبة رئيسة أمام التعاون الأمني الإقليمي. وبعد أن مني الجيش الموريتاني بخسائر فادحة خلال غارة شنها في شمال مالي في أيلول/سبتمبر 2010، زار وزير الدفاع الموريتاني عاصمة مالي للمطالبة، على غير طائل، بمحاكمة ضابط في الجيش المالي يشتبه في أنه أبلغ تنظيم القاعدة بالهجوم. وأشار العديد من الصحافيين الجزائريين، الذين يعملون كأبواق للنظام، علناً إلى تواطؤ القيادة في مالي، كما فعل كبار المسؤولين الجزائريين في محادثات مع دبلوماسيين أميركيين. واصل الجيش الموريتاني محاربة تنظيم القاعدة في شمال مالي، وتقييد التعاون وتبادل المعلومات مع الجيش المالي إلى أدنى حدّ ممكن. وقد قوّضت صفقات الرهائن التي ضغطت فيها الدول الأوروبية بنجاح على مالي وموريتانيا لإطلاق سراح الخاطفين المدانين أو أعضاء تنظيم القاعدة التعاون الإقليمي، حيث احتجّت الجزائر وموريتانيا بشدّة على قيام مالي بإطلاق سراح رعاياهما.

في شمال مالي، فقدت الحكومة كل صدقية لها في ضوء الأدلّة الكثيرة حول تواطئها مع تنظيم القاعدة والجريمة المنظَّمة. وقد ندّد زعماء الشمال، بمن فيهم لاعبو المستقبل الرئيسيون في الحركة الوطنية لتحرير أزواد الطوارقية المتمردة، علناً بهذا التواطؤ. واليوم يعترف حتى كبار المسؤولين الحكوميين السابقين أن التواطؤ مع المصالح الإجرامية قد "هيمن تماماً على سياسة الحكومة في الشمال" في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس أمادو توماني توري. كان هذا هو السياق الذي غيرت فيه عودة المقاتلين الطوارق من ليبيا ميزان القوى في الشمال ومهدت بذلك الطريق لتمرّد جديد.

الجريمة المنظَّمة وديناميات الصراع الحالي في مالي

الصراع الحالي في مالي ليس كلّه أو حتى جلّه صداماً بين الشبكات الإجرامية المتنافسة. فقد ساهمت المصالح والمظالم الأخرى في اندلاع الصراع في كانون الثاني/يناير 2012. ومع ذلك، تلعب الأطراف الضالعة في الجريمة المنظَّمة أدواراً بارزة وتمارس نفوذاً سياسياً وعسكرياً حاسماً، وهذه حقيقة لا بدّ من أخذها في الاعتبار في أي مقاربة تهدف لاحتواء أو حل النزاع.

يبدو هذا أكثر وضوحاً في التحالف الذي سيطر على الصراع، وهو تحالف الزعيم الطوارقي المتمرد إياد آغ غالي وأفراد آخرين في قبيلة إيفوغاس مع تنظيم القاعدة. وفقاً لكل الروايات، فقد عقد آغ غالي اتفاقاً مع قيادة التنظيم بعد أن أحبطت طموحاته لتولي القيادة في تمرّد الطوارق في كانون الثاني/يناير 2012. وبذلك تمكّن من البناء على العلاقات التجارية التي كان قد أقامها مع التنظيم عبر جولات مفاوضات مختلفة للحصول على الفدية منذ العام 2003.

من المرجّح أن قوة تنظيم القاعدة المالية والعسكرية، والتي اكتسبها بصورة رئيسة من خلال عمليات الخطف للحصول على فدية، كانت أساسية في اعتبارات أغ غالي التكتيكية. وربما كانت بالقدر نفسه من الأهمية حقيقة أن تنظيم القاعدة استمر في احتجاز عدة رهائن غداة اندلاع الصراع، ما يعني أنه كان يتوقع الحصول على إيرادات مستقبلية كبيرة. وفي ميزان القوى الذي يتطور بسرعة بين مختلف الجماعات المسلحة في الشمال، ظهر تنظيم القاعدة باعتباره الحَكَم الرئيس بسبب نفوذه المالي. وقد أتاح التحالف لحركة أنصار الدين بزعامة أغ غالي بأن تحلّ بسرعة محلّ الحركة الوطنية لتحرير أزواد بوصفها القوة العسكرية الرئيسة للطوارق.

إذا كان آغ غالي رأى في هذا تحالفاً تكتيكياً ضرورياً يمكن التخلّص منه بمجرّد أن يصبح تقارب حركة أنصار الدين مع تنظيم القاعدة عائقاً في مفاوضات تقاسم السلطة، فإن قطع العلاقات بينهما ربما لن يكون بتلك السهولة. إذ يتفق من راقبوا التطورات في تمبكتو وغاو عن كثب بين أيار/مايو وتموز/يوليو 2012 على أن قادة تنظيم القاعدة كانوا هم صنّاع القرار الحقيقيين في حركة أنصار الدين، وإلى حدّ أقل، فرع القاعدة حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا. وليس واضحاً ما إذا كان آغ غالي سيحتفظ بنفوذه السياسي والعسكري بعد انشقاقه عن تنظيم القاعدة.

القتال في غاو

برزت حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا بوصفها القوة الرئيسة في غاو في أيار/مايو وحزيران/يونيو 2012، مايبيّن دور المصالح الإجرامية بصورة أكثر وضوحاً. ظهرت الجماعة للمرة الأولى، والتي ترتبط أبرز شخصيتين عامتين فيها بعلاقات وثيقة بتنظيم القاعدة، للمرة الأولى في تشرين الأول/أكتوبر 2011، حيث زعمت أنها اختطفت إسبانيين اثنين وإيطالياً من مخيمات اللاجئين في تندوف بأقصى جنوب غرب الجزائر. في البداية، مثّلت الجماعة النواة الصلبة لعناصر جهادية وإجرامية، لكنها سرعان ما أصبحت واجهة لمهربي المخدرات من غاو. وبينما تضم الجماعة بعض الجهاديين المدانين، إلا أنها أصبحت قوة مؤثّرة عبر اندماجها أو اشتراكها مع شبكات الجريمة المنظَّمة، والتي يرجّح أن تعتبر حركة التحرير والجهاد في غرب أفريقيا أداة مؤقّتة مريحة.

كان السواد الأعظم من الأعضاء الأساسيين في حركة التحرير والجهاد في غرب أفريقيا من العرب أبناء قبيلة لمهر في منطقة غاو، على الأقل حتى تموز/يوليو 2012، عندما بدأت حملة تجنيد واسعة. وأوردت مصادر محلية باستمرار أسماء عدد من رجال الأعمال من قبيلة لمهر معروفين بتورطهم في عمليات تهريب المخدرات والخطف للحصول على فدية على أنهم القادة الحقيقيون والمموّلون لحركة التحرير والجهاد، بما في ذلك شريف ولد طاهر ومحمد ولد أحمد "روجي". وسرعان ما تكيّف أيضا الوجهاء ورجال الأعمال البارزون من قبيلتي لمهر وسونغاي مثل محمد ولد متالي، وبابا ولد الشيخ وعلي بديع مايغا مع الإدارة المشتركة لحركة التحرير والجهاد – أنصار الدين – وتنظيم القاعدة في غاو ودعموها لحماية مصالحهم.

يبدو أن الجماعة على مايرام من الناحية المالية. إذ يرجّح أن حركة التحرير والجهاد حقّقت أرباحاً كبيرة في مقابل الإفراج عن رهينة إيطالية وإسبانيين اثنين في تموز/يوليو 2012. كما حظيت بالاحترام في بوركينا فاسو بعد الصفقة التي توسّطت فيها، حيث تم الإفراج أيضاً عن ثلاثة من المشتبه فيهم في قضية الاختطاف الذين سجنوا في موريتانيا والنيجر كجزء من الاتفاق. وكسبت الجماعة دعم سكان غاو عبر استخدام نفوذها المالي لتوزيع المواد الغذائية على الناس. كما أعلنت مسؤوليتها عن الهجمات الانتحارية التي استهدفت قوات الأمن الجزائرية في آذار/مارس وحزيران/يونيو 2012، وكذلك أسر سبعة مسؤولين قنصليين جزائريين في غاو في نيسان/أبريل. وتبقى مسألة ما إذا كانت خلافات الجماعة مع الجزائر متعلقة بأنشطة التهريب مدار للتكهنات.

الصراع في تمبكتو

ساد وضع مختلف إلى حدّ ما في تمبكتو، حيث دخلت الشبكات الإجرامية والمسلحون الجهاديون مبدئياً، كما حدث في غاو، في تحالف. فقد انشقّت الميليشيات المتحالفة مع الحكومة التي كانت تتولّى حماية المدينة في أواخر آذار/مارس 2012 مع اقتراب قوات الحركة الوطنية لتحرير أزواد وحركة أنصار الدين. غادرت مجموعة من القوات بقيادة العقيد محمد ولد ميدو تمبكتو في حين بقيت مجموعات أخرى للتفاوض على تسليم تمبكتو. كانت القوات التي بقيت بقيادة ثلاثة رجال أعمال بارزين اشتهروا بضلوعهم في تهريب صمغ الحشيش وكانوا أساسيين في جهود تعبئة الميليشيات منذ العام 2008: عمر ولد أحمد ودينا ولد دايا ومولاي أحمد. وبحسب عدد من الروايات فقد أخّر هؤلاء عملية استيلاء الحركة الوطنية لتحرير أزواد على البلدة، وسمحوا لتنظيم القاعدة، في الوقت نفسه، بدخول المدينة وتولّي زمام الأمور فيها.

ومع ذلك، أمر تنظيم القاعدة الميليشيات فيما بعد بالخروج من المدينة. بعدها ظهرت القوى التي تم طردها من المدينة بوصفها الجبهة الوطنية لتحرير أزواد (FNLA)، وسعت إلى النأي بنفسها عن الجماعات الإسلامية التي تسيطر على تمبكتو. وعندما عقدت جماعة برابيش اجتماعاً على الحدود بين مالي وموريتانيا في حزيران/يونيو 2012، هاجم الوجهاء وضباط الجيش علناً قادة الجبهة الوطنية لتحرير أزواد بوصفهم مهربي مخدرات معروفين تقاسموا المسؤولية عن تصعيد الصراع في شمال مالي، وسلّموا تمبكتو عن طيب خاطر إلى تنظيم القاعدة. ولذلك، كانت الجبهة الوطنية لتحرير أزواد معزولة وسط جماعة برابيش في الاجتماع.

اعتباراً من آب/أغسطس 2012، بدا واضحاً أن قادة الجبهة الوطنية لتحرير أزواد يعتبرون أن أفضل ما يخدم مصالحهم، في الوقت الحاضر، هو الانفصال عن الجماعات الجهادية من دون مواجهتها. ونظراً لعلاقات قادة الجبهة الوطنية لتحرير أزواد الأسرية والتجارية بأعضاء تنظيم القاعدة وحركة أنصار الدين، فإن من غير المؤكد ما إذا كانوا مستعدين وقادرين على مواجهة تنظيم القاعدة. لكن تبقى الجماعة قوة لايستهان بها، مثلما هي المصالح ذات العلاقة بالتهريب التي تمثّلها.

ديناميكيات متقلبة

بينا يبدو دور الشبكات الإجرامية واضحاً في الجماعات المذكورة أعلاه، فإن الديناميكيات التي تعمل هنا في تطور دائم. إذ غالباً ما تكون الخطوط الفاصلة بين الجماعات ضبابية، والتحالفات مؤقّتة، والشبكات متداخلة. الحدود بين الحركة الوطنية لتحرير أزواد وحركة أنصار الدين، على سبيل المثال، لاتزال متقلّبة، مايجعل المزيد من عمليات إعادة التشكيل داخل حركات الطوارق احتمالاً قائماً. فقد سعى زعماء قبيلة إيفوغاس الذين يدعمون أنصار الدين باستمرار – وغالباً ما نجحوا – إلى حشد دعم زعماء ومقاتلي الطوارق المتمردين الآخرين، بما في ذلك العديد من وجهاء منطقة كيدال. ويشتهر هؤلاء اللاعبون السياسيون والعسكريون المهمون بالضلوع في تهريب المخدرات، وقد حوّلوا ولاءهم في بعض الأحيان بين الحركة الوطنية لتحرير أزواد وأنصار الدين. وغالباً ما ارتبطت ميليشيات امغاد التي كانت متحالفة مع الحكومة في السابق، والتي انضم بعضها إلى حركة أنصار الدين بينما فرّ البعض الآخر إلى النيجر بقيادة العقيد الحجي غامو ولم تعد نشطة اعتباراً من تموز/يوليو 2012، بتهريب المخدرات.

تتميّز ديناميكيات الصراع الحالي بوجود تحالفات تكتيكية تلعب فيها الشبكات الضالعة في عمليات الاختطاف للحصول على فدية وتهريب المخدرات دوراً سياسياً وعسكرياً حاسماً. بعض هذه الشبكات تمارس السلطة حالياً في الحركات الإسلامية الراديكالية، ويبدو الأمر أكثر وضوحاً في حالة حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا. وتحتفظ شبكات أخرى بعلاقة غامضة مع هذه الحركات، كما هو الحال في حالة الجبهة الوطنية لتحرير أزواد وعلاقات أنصار الدين مع تنظيم القاعدة. فكراهيتها للمواقف الواضحة والعلنية في المرحلة الراهنة للصراع لا تنمّ عن استعدادها لإعادة ترتيب تحالفاتها عندما يصبح القيام بذلك مناسباً، من أجل تعزيز مصالحها السياسية والتجارية. وتبحث هذه المجموعات باستمرار عن الترتيب التالي الأكثر فائدة.

يشكّل هذا معضلة بالنسبة إلى الحكومة في مالي، وكذلك بالنسبة إلى قادة المجتمع الشمالي المنحازين إلى الحكومة: فهل ينبغي عليهم السعي للحصول على دعم الوجهاء ورجال الأعمال الضالعين في النشاط الإجرامي والمتحالفين حالياً مع الجماعات المسلحة التي تسيطر على شمال مالي من أجل إضعاف تنظيم القاعدة وحركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا؟ أم أن هذه التحالفات مع المصالح الإجرامية ستقوّض صدقية مبادرتهم، مايجعلها مشابهة لمقاربة القيادة السابقة في مالي تجاه الشمال؟ يعتقد العديد من السياسيين في الشمال أن قيام تحالف مؤقت مع تجار المخدرات الذين يقودون جماعات مسلحة أمر لا مفرّ منه إذا ما أريد للعناصر الجهادية التي تسيطر على المدن الشمالية أن تمنى بالهزيمة.

استنتاجات بشأن السياسة

مع أن منطقة الساحل والصحراء تتأثّر بأكملها بسبب التواطؤ بين الدولة والمجرمين، فإن دور الجريمة المنظَّمة في انحدار شمال مالي إلى الصراع واضح تماماً، وهو يقدم الدروس ليس إلى الجهات المانحة لمالي فقط ولكن إلى الدول المجاورة أيضاً.

تصاعد النشاط الإجرامي المنظم في شمال مالي في فترة كانت فيها البلاد أحد أكبر متلقٍ للمساعدات الخارجية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومن الدول الأعضاء الاتحاد الأوروبي بصرة فردية. وتركّزت المعونة الخارجية المتصلة بالأمن بشدّة على مكافحة الإرهاب وقدرة الدولة، حيث وفّرت الجهات المانحة التدريب والمساعدة التقنية. وقد أصيب المانحون، ولا سيما الولايات المتحدة وفرنسا بالاحباط على نحو متزايد بسبب تردّد القيادة في مالي في معالجة مشكلة تنظيم القاعدة، لكنها كانت تنظر إلى هذا بصورة رئيسة من خلال عدسة مكافحة الإرهاب، مع إيلاء اهتمام أقل لمشكلة تواطؤ الدولة مع الجريمة المنظَّمة.

حالما تدهور الوضع، بدأ الاتحاد الأوروبي بالترويج لحملة كبيرة لتوسيع الوجود الإداري والأمني للدولة في شمال مالي عرفت باسم البرنامج الخاص للسلام والأمن والتنمية في شمال مالي. وعلى غرار مساعدات المانحين الأخرى في المجال الأمني، كانت الخطة تهدف في المقام الأول إلى تعزيز قدرة الدولة، لكنها أغفلت المسألة السياسية الجوهرية المتمثلة بتواطؤ الدولة مع الجريمة المنظَّمة. وعلاوة على ذلك، وعلى رغم تزايد إحباط المانحين إزاء تقاعس القيادة في مالي عن العمل في مواجهة تنظيم القاعدة، فإنهم لم يمارسوا ضغوطاً أقوى على الحكومة عبر الاستفادة من مساعدات التنمية الكبيرة المخصصة لمالي.

وبوصفها قصة النجاح الديمقراطي المفترضة في غرب أفريقيا، ظلت مالي "مدلّلة المانحين" في المنطقة حتى انهار النظام تحت وطأة ضربات تمرّد ضباط من ذوي الرتب الدنيا في آذار/مارس 2012. ويمكن القول إنه كان يمكن تفادي سيطرة عناصر إجرامية على الدولة والسياسة في الشمال لو أن المانحين استخدموا نفوذهم للضغط من أجل محاكمة أو طرد المسؤولين الضالعين في الجريمة المنظَّمة. فالدعم القوي وغير المشروط إلى حد كبير من جانب الجهات المانحة لنظام أمادو توماني توري الذي تتّهمه موريتانيا والجزائر بالفشل في التعامل التنظيم يستحق تقييماً ذاتياً حاسماً.

إحدى النتائج المحتملة بالنسبة إلى الجهات المانحة من مسار مالي أنه ينبغي إيلاء مزيد من الاهتمام لمخاطر تواطؤ الدولة مع الجريمة المنظَّمة في موريتانيا والنيجر. فالتركيز على بناء القدرات في القطاع القضائي والأمني هو المقاربة الصحيحة طالما كان هناك دعم سياسي من الحكومات لمكافحة النشاط الإجرامي، وفي مالي كان واضحاً أن الأمر لم يكن كذلك. إذ يتعيّن أن يؤثّر المزيد من التركيز على تجارة المخدرات والأسلحة في موريتانيا والنيجر على مالي، بالنظر إلى أن معظم التدفقات العابرة للبلاد تمرّ أيضاً من خلال هاتين الجارتين.

في موريتانيا، كان دعم الجهات المانحة منذ العام 2009 يستند إلى حد كبير على مقاربة نظام ولد عبدالعزيز المتشددة لمكافحة الإرهاب، بعد ما كان ينظر إليه على أنه موقف متساهل من سلفه. ولكن هذا التركيز ضيق جداً. ويتعيّن على الجهات المانحة أن توازن هذه المقاربة من خلال التشديد بشكل أكبر على تدابير مكافحة الفساد والجريمة المنظَّمة.

في النيجر، تسير الحكومة بحذر في مقاربتها تجاه شبكات التهريب المزدهرة في شمال البلاد لأن العبث بالمصالح الخاصة المعرّضة إلى الخطر يمكن أن يجدّد بسهولة حالة عدم الاستقرار في المنطقة. وكما هو الحال في مالي وموريتانيا، تجد حكومة النيجر نفسها بحاجة إلى الاختيار بين السماح لحلفائها السياسيين بالاستفادة من التهريب والمخاطرة بأن تؤدّي سياسة عدم التسامح إلى ظهور شبكات تهريب معادية. وللمساعدة في معالجة هذه المشكلة، يمكن للجهات المانحة أن تشجّع وتدعم إستراتيجية تجعل استيعاب اللاعبين المؤثّرين في شمال النيجر سياسياً يتوقّف على فكّ ارتباطهم بالاقتصاد غير المشروع والتزامهم باحتواء تهريب المخدرات والأسلحة. وفي كل أنحاء المنطقة، يمكن للجهات المانحة أيضاً دعم المبادرات الرامية إلى تعزيز النقاش العام ونشر المعلومات عن النشاط الإجرامي من خلال وسائل الإعلام، من أجل تقويض الدعم السياسي الذي تتلقاه الشبكات الإجرامية من الدولة أو المجتمع.

بيد أن معالجة مشكلة شبكات التهريب في مالي نفسها ستكون مستحيلة طالما بقي الشمال خارج سيطرة الحكومة. في شمال مالي، تستمدّ الجماعات الإسلامية المتطرفة قوتها من تحالفها مع الشبكات الإجرامية والمصالح التجارية المحلية، وأي مقاربة للصراع يجب أن تتضمّن إستراتيجيات لكسر هذه التحالفات. ووفق جميع الاحتمالات، يجب أن يشمل هذا استمالة الحكومة في مالي لبعض العناصر الإجرامية أو تقديم ضمانات من الدولة ومجتمعاتهم بأنه ستتم حمايتهم من الملاحقة القضائية.

ينبغي أن تكون المجتمعات المحلية الشمالية في صلب أي مقاربة في المستقبل. فالعديد من المجتمعات المحلية في شمال مالي تعتبر العناصر الإجرامية مسؤولة عن انهيار مؤسسات الدولة هناك، ما أدى إلى عزل تلك الجهات. ويرجّح أن يكون مثل هذا الضغط من المجتمعات المحلية أكثر الوسائل فعّالية لاحتواء الشبكات الإجرامية.

في نهاية المطاف، يتعيّن أن تعالج أي تسوية للصراع مشكلة الممارسات والهياكل التي سمحت بازدهار تواطؤ الدولة مع الجريمة المنظَّمة. وتشمل هذه الممارسات استمرارية وجود الميليشيات المتحالفة مع الحكومة التي أعطيت الضوء الأخضر للمشاركة في التهريب، وعدم وجود ضوابط وتوازنات قضائية وتشريعية وتنفيذية قوية على المستويين الإقليمي والمحلي.

قد يكون من المغري بالنسبة إلى القوى الخارجية التي تسعى لاتّخاذ إجراء الآن أن توصي بشن حملة حاسمة على التهريب لقطع مصادر التمويل وتعطيل الشبكات الإجرامية. ولكن سياسات عدم التسامح تجاه التهريب ليست غير واقعية وحسب بالنظر إلى المساحات الكبيرة التي تمتد عليها هذه الشبكات والموارد المحدودة لقوات الأمن، بل قد تؤدّي إلى نتائج عكسية أيضاً.

في شمال مالي والنيجر، لا توجد مصادر بديلة للدخل وفرص العمل قادرة على منافسة تلك التي يوفّرها تهريب السلع والمخدرات. وقد فاقم انهيار السياحة بالتوازي مع تطور صناعة الخطف هذا الوضع، حيث ستستغرق عودة مصدر الدخل ذاك على الأرجح سنوات عدّة حتى بعد أن يستقر الوضع وتتوقف عمليات الخطف. وإلى أن تتوفر بدائل اقتصادية عملية، فإن من شأن تضييق الخناق على التهريب مفاقمة عزلة المجتمعات المحلية عن دولها.

ربما لاتكون هناك طريقة محدّدة لتفكيك هذه الشبكات الإجرامية بسرعة. ولكن فيما عدا تشجيع الحلول السياسية المحلية، هناك أكثر من مجالين ربما يمكن للأطراف الخارجية أن تمارس عليهما درجة من التأثير: الاختطاف من أجل الفدية والتعاون الإقليمي. إذ تلعب الحكومات الغربية دوراً سلبياً بشكل كبير من خلال دفع الفدية وتقديم ما يرجّح أنه أهم مصدر لتمويل تنظيم القاعدة وحركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا. وبتلطّيها وراء السريّة التي تحيط بالصفقات، ساهمت الحكومات الغربية في نموّ شبكات أشبه بالمافيا تربط بين الخاطفين والوسطاء. كما يستفيد من الصفقات المفاوضون والسياسيون من أصحاب المناصب الرفيعة الذين يفترض أنهم يؤيدونهم. وقوّضت القوى الغربية التعاون الإقليمي من خلال الضغط على الحكومات للإفراج عن المشتبه فيهم أو المجرمين المدانين كجزء من الاتفاقات، وأزعجت بشكل متكرّر الحكومات الأخرى في المنطقة التي سعت لاحتجاز هؤلاء الأفراد بسبب الجرائم التي ارتُكبت على أراضيها.

وبينما يبدو رفض دفع الفدية غير واقعي - ناهيك عن تجريمها الذي اقترحته الجزائر – فإن هناك حاجة واضحة لمقاربة دولية متماسكة تجاه هذه القضية. يتعيّن على الحكومات الغربية الامتناع عن دفع الحكومات الإقليمية لإطلاق سراح المجرمين كجزء من صفقات الفدية. وعليها أن تعمل أيضاً لاستبعاد أي وسطاء من المفاوضات ومبالغ الفدية والضغط على الحكومات الإقليمية لمقاضاة الوسطاء الذين يستفيدون من هذه المبالغ. وينبغي إعادة النظر في الدور المريب الذي تلعبه بوركينا فاسو في هذا الصدد، حيث يجب على مؤيديها الدوليين إعادة النظر في وسطائها المشاركين في المحادثات السياسية مع ممثلي شمال مالي وفي المفاوضات المتعلقة بإطلاق سراح الرهائن.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن انعدام الثقة بين القيادة السابقة في مالي وموريتانيا، وكذلك الجزائر، يشكّل عقبة رئيسة أمام التعاون الأمني في المنطقة، بما في ذلك الجريمة المنظَّمة. من ناحية أخرى، فإن الجزائر ممزّقة بين رغبتها في تأكيد دورها المحوري في معالجة هذه القضية، وتردّدها في أخذ زمام المبادرة، وهو الموقف الذي سيستمر أيضاً في كونه يشكّل تحدّياً. بيد أن زوال نظام أمادو توماني توري يمثّل فرصة لتحسين التعاون الأمني الإقليمي، بما في ذلك الجريمة المنظَّمة. وينبغي على الحكومات الغربية اغتنام الفرصة من خلال دعم المبادرات الإقليمية لتحسين التعاون، بدلاً من محاولة القيام بدور رائد بنفسها.

 

1 Emmanuel Grégoire, “Sahara Nigérien: Terre d’Echanges,” Autrepart 6 (1998), 91–104; Judith Scheele, “Tribus, Etats et Fraude: La Région Frontalière Algéro-Malienne,” Etudes Rurales 184, July–December 2009, 79–94.

2 Judith Scheele, “Circulations marchandes au Sahara: Entre Licite et Illicite,” Hérodote 142 (3/2011), 143–62.

3 Ahmed Rouadjia, Grandeur et Décadence de l’Etat Algérien (Paris: Éditions Karthala, 1994), 349–52.

4 Saad Lounes, “Kidal, 49ème wilaya d’Algérie,” June 14, 2009, http://saadlounes.unblog.fr/kidal-49eme-wilaya-dalgerie.

5 Alain Antil, Contrôler les Trafics ou Perdre le Nord: Notes sur les Trafics en Mauritanie, Note de l’Ifri, 2010.

6 Amel Blidi, “Un pacte entre la maffia de la cigarette et les terroristes,” Le Quotidien d’Oran, April 3, 2005.

7 Interviews, Tripoli, June 2012; also see Jean-François Bayart, Global Subjects: A Political Critique of Globalization (Cambridge: Polity, 2007), 56f.

8 المعلومات الواردة عن الطرق مأخوذة جزئياً من: Jean-Luc Peduzzi, Physionomie et enjeux des trafics dans la bande sahélo-saharienne, Note de l’Ifri, 2010; as well as Simon Julien, “Le Sahel comme Espace de Transit des Stupéfiants. Acteurs et Conséquences Politiques,” Hérodote 142 (3/2011): 125–42.

9 See, for example, “Saisie de près de 1,5kg de Cocaïne à l’Aéroport International Houari-Boumediene,” El Watan, May 17, 2012; “Plus de deux Kilogrammes de Cocaïne saisis à l’Aéroport d’Alger,” El Watan, May 10, 2012; “Huit Stewards d’Air Algérie Arrêtés pour Trafic de Cocaïne, des Fils de ‘Personnalités’ Protégés,” Dernières Nouvelles d’Algérie, November 15, 2011, www.dna-algerie.com/interieure/huit-stewards-d-air-algerie-arretes-pour-trafic-de-cocaine-des-fils-de-personnalites-proteges-2

10  “Saisie Record de Drogue à Nouakchott,” Radio France Internationale, August 14, 2008. 

11 Adam Thiam, “Air Cocaïne: L’étau se resserre, Interpol recherche Ibrahima Gueye,” Le Républicain, May 11, 2011; “Affaire dite du ‘Boeing de la drogue’: Le Procureur Sombé Théra interjette appel contre la décision du juge d’instruction,” Le Prétoire, July 2, 2012.

12 Julien, “Le Sahel comme Espace de Transit des Stupéfiants,” 132.

13 Peduzzi, Physionomie et enjeux des trafics, 6.

14 Julien, “Le Sahel Comme Espace de Transit des Stupéfiants,” 128–29.

15 “Démantèlement du réseau de trafic de drogue nommé Polisario,” Jeune Afrique, December 20, 2010; “Le Mali traque dans le désert des trafiquants de drogue et leur marchandise,” Agence France Presse, September 14, 2011.

16 “دون الكشف عن جالبيها .. اللجنة الأمنية العليا في طرابلس تضبط أربعة أطنان من المخدرات وتقوم بإعدامها، almanaralink.com، 29 أيار/مايو 2012.

17  International Crisis Group, Islamist Terrorism in the Sahel: Fact or Fiction (Brussels: International Crisis Group, 2005).

18 “Droudkal aurait demandé 10 Millions de dollars pour la libération d’Eden Dyer, ” Ennahar Online, June 16, 2009, www.ennaharonline.com/fr/news/2159.html.

19 See, for example, “Les otages auraient été libérés contre une rançon,” Agence France Presse, November 2, 2008;

“8 millions d’euros de rançon pour libérer les otages espagnols?” Le Nouvel Observateur, August 24, 2010; “Italian Maria Mariani free after 14 months as al-Qa’ida hostage in Sahara desert,” Agence France Presse, April 18, 2012. 

20 Délégation des finances, Sixième séance ordinaire de la Délégation des finances des Chambres fédérales, www.parlament.ch/f/mm/2009/Pages/mm-findel-2009-11-19.aspx.

21 Antil, Contrôler les Trafics ou Perdre le Nord.

22 Afrique drogue, “Mauritanie: un trafiquant de drogue français en cavale,” September 16, 2011, http://afriquedrogue.blogs.rfi.fr/article/2011/09/16/mauritanie-un-trafiquant-de-drogue-francais-en-cavale

23 “Mauritanie-Drogue: La bande qui a détrôné le General Ould El-Hadi,” Alakhbar, June 18, 2012.

24 “Niger: Aghali Alambo et Abta Hamidine, inculpés d’actes terroristes, libérés,” Afrik.com, April 2, 2012, www.afrik.com/article25219.html; “Reportage Exclusif: Abta Hamidine s’apprêtait à livrer les quatre otages français au clan Kadhafi,” Aïr Info, June 29, 2011.

25 See, for example, “Policière égorgée à Adrar: Les soupçons se dirigent vers un réseau de trafiquants et des policiers,” Tout Sur l’Algérie, July 23, 2010, www.tsa-algerie.com/divers/policiere-egorgee-a-adrar-les-soupcons-se-dirigent-vers-un-reseau-de-trafiquants-et-des-policiers_11662.html.

26 Scheele, “Tribus, Etats et Fraude, 87–88.

27 Interviews, Berabiche and Tuareg leaders, Nouakchott, July 2012; “Prominent Tuareg’s View of Arab Militias, Rebellion, and AQIM,” Diplomatic Cable, U.S. Embassy, Bamako, March 18, 2009, www.wikileaks.org/cable/2009/03/09BAMAKO163.html.

28 Salima Tlemçani, “Au Sahel, narcotrafiquants et terroristes se partagent le terrain,” El Watan, November 1, 2010.

29 “Kidnapping and Liberation of Kounta Leader Illuminates Political Fissures in North,” Diplomatic Cable, U.S. Embassy, Bamako, February 1, 2010, www.wikileaks.org/cable/2010/02/10BAMAKO52.html.

30 Baz Lecocq, Disputed Desert: Decolonisation, Competing Nationalisms and Tuareg Rebellions in Northern Mali (Leiden: Brill, 2010), 311–33; and Georg Klute, “Hostilités et alliances: Archéologie de la dissidence des Touaregs au Mali,” Cahiers d'Etudes Africaines 137 (35) 1995, 55–71

31 Scheele, “Tribus, Etats et Fraude.”

32 “Affaire des otages européens détenus au Mali: Le président malien nomme un militaire comme médiateur,” Le Quotidien d’Oran, August 14, 2003; “Quand le Mali négocie avec le GSPC,” Liberté, November 3, 2008; “No thanks from Canada for freeing hostages: negotiator,” Agence France Presse, October 12, 2009; “Deux émissaires du président malien d'Amadou Toumani Touré auprès de la nébuleuse salafiste Al-Qaïda au Maghreb ont joué un rôle central,” Jeune Afrique, March 6, 2010; “The Liberation of AQIM’s Austrian Hostages: An Inside View,” Diplomatic Cable, U.S. Embassy, Bamako, November 14, 2008, www.wikileaks.org/cable/2008/11/08BAMAKO888.html; “A Familiar Name Surfaces in Search for Canadian Diplomats’ Kidnappers,” Diplomatic Cable, U.S. Embassy, Bamako, February 23, 2009, www.wikileaks.org/cable/2009/02/09BAMAKO106.html.

33 “Electoral tensions in Tarkint: Where AQIM, Arab Militias, and Tuaregs meet,” Diplomatic Cable, U.S. Embassy, Bamako, May 8, 2009, www.wikileaks.org/cable/2009/05/09BAMAKO280.html

34 “Berabiche and AQIM in Northern Mali,” Diplomatic Cable, U.S. Embassy, Bamako, April 17, 2008, www.cablegatesearch.net/cable.php?id=08BAMAKO371.

35 “Cinq algériens arrêtés à kidal: QG d’Al Qaîda et barons de la cocaïne au nord du Mali,” El Watan, February 21, 2010; “Algeria Says Bamako Summit Key to Regional Campaign Against AQIM,” Diplomatic Cable, U.S. Embassy, Algiers, October 25, 2009.

36 “Mali: une complicité en haut lieu avec les trafiquants de drogue et Aqmi,” Jeune Afrique, November 21, 2011; “Mali: les autorités annulent une réunion sur le narcotrafic,” RFI, October 6, 2011. 

37 Interviews, Nouakchott and Bamako, July 2012. See also International Crisis Group, Mali: éviter l’escalade (Brussels: International Crisis Group, 2012), 12–19.

38 “Some Things We May Think about MUJWA,” The Moor Next Door, May 30, 2012; http://themoornextdoor.wordpress.com/2012/05/30/somethings-we-think-about-mujwa.

39 Interviews, Songhai leaders, Bamako, July 2012; “Brèves de Gao: Le conseil des sages sur le banc des accusés,” June 20, 2012, www.maliweb.net/news/la-situation-politique-et-securitaire-au-nord/2012/06/20/article,74405.html.

40 “Nord du Mali: le Mujao a marchandé la libération des otages européens,” RFI, July 19, 2012.

41 “Le groupe armé arabe FNLA dit avoir quitté Tombouctou sur injonction d’Aqmi, ” Agence France Presse, April 28, 2012.

42 Interviews, Berabiche leaders, Nouakchott and Bamako, July 2012; “Mali: la communauté arabe s’oppose aux groupes islamistes,” RFI, June 5, 2012.

43 See, for example, the role of Deyti Ag Sidimou, as described in “Les hommes influents d’Ansar Dine: Qui sont-ils?” La Dépêche, July 23, 2012.