على الرغم من نجاح الانتخابات البرلمانية التي عُقِدَت في أوائل تموز/يوليو، لاتزال الخلافات المحلية على الهوية والطاقة والموارد قائمة في ليبيا، مايؤثّر على قدرة الحكومة الضعيفة، ويثني الاستثمارات الأجنبية عن الدخول إلى ليبيا، وربما يعرقل ظهور مؤسسات ديمقراطية. ويغذّي الصراع الأكثر إلحاحاً من بين هذه الصراعات - تزايد انعدام الأمن في إقليم برقة الشرقي في ليبيا – التحريض على المطالبة بالحكم الذاتي، والتشدّد السلفي، والقتال بين عرقية التبو والقبائل العربية. وبسبب افتقار الدولة إلى وجود قوة شرطة وجيش وطني فعّالين، تكافح من أجل تكريس شرعيتها والسيطرة على الشرق. ولذا يتعيّن عليها أن تعمل على استعادة ثقة الأطراف بالمركز.

الأفكار الرئيسة 

  • عانى إقليم برقة من الإهمال السياسي والاقتصادي في ظل القذافي، وهناك مخاوف متزايدة من أن هذا التمييز سيستمر على الرغم من إطاحة هذا الأخير.
     
  • مع أن الانتخابات البرلمانية مثّلت استفتاءً على الوحدة الوطنية، إلا أن مسألة الفدرالية واللامركزية ليست خامدة؛ فقد ظهرت مجموعة من الأحزاب الفدرالية الجديدة في الشرق، ولايزال في وسع الجماعات المسلحة أن تلعب دوراً مفسداً في السياسة الوطنية.
     
  • ظهر فصيل سلفي متشدّد في الشرق يعارض المشاركة الانتخابية، وشنّ هجمات على المصالح الغربية والمواقع الصوفية.
     
  • يتمثّل الصراع الأكثر شراسة في المنطقة الشرقية في استمرار العنف في مدينة الكفرة الصحراوية، حيث اندلعت اشتباكات بين التبو، وهي أقلية أفريقية من غير العرب مهمّشة منذ فترة طويلة، وبين الزوي، القبيلة العربية التي كان القذافي يؤثرها.
     
  • أوكلت الحكومة المركزية مسألة تطبيق القانون والوساطة في هذه الصراعات إلى ائتلافات من الكتائب الثورية وشيوخ القبائل، ما أدّى إلى تأجيج الوضع في كثير من الأحيان وإلى منح قدر خطير من النفوذ إلى قوى غير رسمية.

النتائج

  • يمثّل وضع دستور فعّال وإضفاء الطابع الرسمي على قطاع الأمن أفضل سبيل لمعالجة مصادر عدم الاستقرار في شرق ليبيا على المدى القريب.
     
  • يجب أن يُحدِث الدستور توازناً بين الحكومة المركزية وبين الإدارة المحلية. إذ يرجّح أن تؤدّي قضايا الحكم الذاتي المحلي ودور الإسلام في التشريع إلى الإخفاق والاستقطاب.
     
  • ينبغي على البرلمان أن يبني توافقاً في الآراء بين الناس على إضفاء الطابع المؤسّسي على مؤسّسات الشرطة والجيش والقضاء. إذ سينظر إلى التوجيه من أعلى إلى أسفل على أنه محاولة لمركزة السلطة على غرار ما كان يقوم به القذافي.
     
  • للمساعدة في كبح العنف واستعادة ثقة المنطقة الشرقية بالدولة، يجب على الحكومة تسريح الكتائب الثورية العديدة في البلاد وتعزيز الجيش الوطني والشرطة.
     
  • ينبغي أن تكون الأولوية لإضفاء الطابع الاحترافي على اللجان الأمنية العليا، وهي هيئات تشبه الشرطة أصبحت غير خاضعة إلى المساءلة ولاتحظى بالثقة على نطاق واسع.

 

منطقة مضطربة

في السابع من تموز/يوليو، أجرت ليبيا أول انتخابات برلمانية منذ ستين عاماً. وعلى الرغم من حدوث أعمال عنف متفرّقة، جرت عملية الاقتراع بسلاسة ملحوظة متحدّية بذلك توقّعات بأن يحقّق الإسلاميون فوزاً ساحقاً وأن تتم مقاطعتها على نطاق واسع.1  وعلى عكس العديد من الافتراضات، لاتتّجه البلاد نحو التفكّك المناطقي أو الانزلاق إلى صراع طائفي واسع النطاق. بدلاً من ذلك، هي تواجه حالة مزمنة من عدم الاستقرار ناجمة عن عدد من الصراعات المحلية حول الهويّة والطاقة والموارد في المناطق الغربية والجنوبية والشرقية. ومما يبعث على القلق أن تلك الصراعات تؤثّر على قدرة الدولة، مايفضي إلى إحجام الاستثمارات الأجنبية عن الدخول إلى ليبيا، وربما عرقلة ظهور مؤسّسات ديمقراطية. كما تشجّع الصراعات الكتائب الثورية القوية - أي العديد من الوحدات القتالية المسلحة التي تشكّلت أثناء الصراع ضد القذافي، وعادة على أساس الحي أو البلدة أو الجهة – التي اضطرّت الحكومة الانتقالية التي تفتقر إلى وجود قوة شرطة وجيش وطني فعّالين إلى استمالتها لإخماد القتال.

الأكثر إلحاحاً من هذه الصراعات المحلية الحالة الأمنية المتدهورة في إقليم برقة الشرقي في ليبيا، الذي يضمّ مدينة بنغازي المضطربة. إذ أن جذور المظالم في الشرق الليبي عميقة، وهي ترتبط جزئياً بإرث سياسة القذافي التي همّشت المنطقة. لكن أخطاء المجلس الوطني الانتقالي غذّت أيضاً الشكوك إزاء الإهمال المستمر. يُضاف إلى كل ذلك الأسئلة حول تقاسم عائدات النفط، حيث إن المنطقة الشرقية مسؤولة عما يقرب من 80 في المئة من انتاج النفط في البلاد. وقد أظهرت الجماعات المسلحة في ذلك الجزء من البلاد قدرة بالفعل على وقف هذا الإنتاج، وهو مايمثّل شكلاً من أشكال الضغوط والنفوذ على الحكومة المركزية في طرابلس. ومع أن انتخابات تموز/يوليو للمؤتمر الوطني العام GNC، الذي حلّ محلّ المجلس الوطني الانتقالي في 8 آب/أغسطس، تمثّل استفتاءً على الوحدة الوطنية، إلا أن مسألة الحكم الذاتي والفدرالية ليست هامدة. فقد ظهر عدد من الأحزاب الفدرالية الجديدة المؤيّدة للحكم الذاتي، ولايزال في وسع الجماعات المسلحة أن تلعب دوراً مفسداً.

بالإضافة إلى التحريض الفدرالي، ثمّة صراعات أخرى شبه مناطقية في برقة تركت بصماتها في جميع أنحاء البلاد. فالجماعة السلفية التي تضرب بجذورها بعمق في البلاد تعاني من موجة اضطراب كبيرة، حيث يحتدم النقاش بين تيار قابل للاندماج السياسي ومجموعة عناصر أكثر تشدّداً تعارض الديمقراطية. وفي المراكز التي ينشط فيها الإسلام السياسي منذ فترة طويلة في الشرق، مثل درنة والبيضاء، وعلى نحو متزايد، في بنغازي، حشدت الكتائب السلفية قواها ضد الانتخابات وشنّت هجمات على المصالح الغربية والمواقع الصوفية. وكان آخر هذه الأحداث اعتداء على القنصلية الأميركية في بنغازي، أودى بحياة السفير الأميركي كريستوفر سكوت ستيفنز وثلاثة دبلوماسيين أميركيين آخرين. وفي كثير من الحالات، شجّع الفراغُ الأمني نفسه، الذي أدّى إلى تفاقم الاقتتال القبلي الجهوي في أماكن أخرى من البلاد، العنفَ السلفي على الانبعاث.

ومن بين الصراعات التي تدور في الشرق الليبي، يستعصي العنف المستمر في الكفرة على الحلّ أكثر من سواه، وهي مركز تجاري صحراوي يقع بعيداً إلى الجنوب من مدن إقليم برقة الساحلية، ولكنها مع ذلك ترتبط بها من خلال الروابط القبلية والتجارة. هنا، اندلعت اشتباكات بين أقلية التبو الأفريقية غير العربية في المدينة، والتي تم تهميشها فترة طويلة، وبين الزوي، وهي قبيلة عربية كان يؤثرها القذافي. ولأنه يفتقر إلى الشرعية والقدرة على استعراض سلطته، أوفد المجلس الوطني الانتقالي تحالفات من الميليشيات ووفوداً من شيوخ القبائل لتهدئة القتال، لكن ذلك لم يفلح في ترسيخ السلام على المدى الطويل.

ثمة إمكانية للتعامل على أفضل وجه مع المصادر المتعددة لعدم الاستقرار في شرق ليبيا -النشاط الفدرالي والتطرّف السلفي، والاقتتال العرقي الداخلي - في المدى القريب من خلال إقرار دستور فعّال وإضفاء الطابع الرسمي على القطاع الأمني. من الواضح أن هذه هي الأولويات التي تؤثّر على البلاد ككل، بيد أن لها أهمية خاصة بالنسبة إلى المنطقة الشرقية. فمن خلال تعيين حدود السلطة المحلية والوطنية حيال الخدمات البلدية والميزانيات والأمن، ستشكّل العملية الدستورية اختباراً لتعزيز الوحدة بين الشرق والغرب. وبالمثل، إن إعطاء الكتائب الثورية العديدة في البلاد صفةً رسميةً ودمجها في الجيش الوطني والشرطة، سيساعدان في إنهاء موجة العنف المتزايد في بنغازي، وقطع الطريق على انتشار التشدّد السلفي، وإحلال السلام الدائم في الكفرة. كما سيساعد في استعادة ثقة المنطقة الشرقية بالحكومة الوطنية عن طريق إزالة التأثير غير المتناظر لتحالفات الميليشيات الغربية على الوزارات الرئيسة.

جذور التميّز الشرقية

يضم إقليم برقة، الذي يمتدّ من مدينة سرت الساحلية إلى مصر وجنوباً إلى الحدود الصحراوية مع تشاد، 1.6 مليون من السكان، أي أقل من ثلث سكان ليبيا. من الناحية العرقية، ينقسم الإقليم بين سكان عرب حضر في الغالب يتوزّعون بين المدن في المنطقة الساحلية الجبلية، وأقلّية سوداء أكثر ريفية، هم التبو، الذين يعيشون في الجنوب. والإقليم موطن لمئات عدة من القبائل التي تشكّل؛ حسب أحد التقديرات، أكبر تجمّع في كل ليبيا. فكل قبيلة تقريباً في الشرق لديها فروع في أماكن أخرى في ليبيا، لدرجة يشار فيها أحياناً إلى أن برقة تمثّل صورة مصغّرة للبلد بأكمله. "الشرق هو ليبيا الصغرى" كما قال أحد الناشطين الشرقيين في مقابلة مع المؤلف في تموز/يوليو 2012.

على الرغم من انتشار الانتماءات القبلية، إن للتميّز الشرقي جذوره في المناطق الحضرية إلى حد كبير؛ حيث تشكّل بنغازي، أكبر مدينة في المنطقة، بؤرته. فقد تضافرت هناك طبقة التجار المزدهرة، وتقاليد التعليم العريقة، وانتشار الثقافة العالمية (الكوزموبوليتية)، لإنتاج وعي ذاتي سياسي مميّز. يضاف إلى هذا دور المدينة المحوري في العديد من الأحداث الحاسمة في البلاد. فالزعيم المتمرّد الأسطوري المناهض للاستعمار عمر المختار مدفون إلى الجنوب من المدينة مباشرة في سلوق، وكان مقرّ النظام الملكي السنوسي في بنغازي حتى العام 1954. وبنغازي هي المدينة التي أطلق القذافي نفسه منها ثورة العام 1969، حيث أن العديد من المتآمرين معه ينتمون إلى أسر شرقية. وبالطبع كانت بنغازي منطلق ثورة العام 2011 ضدّ الدكتاتور.

لذلك ثمة شعور سائد بأن المدينة، والشرق عموماً، كانا لفترة طويلة محرّك التغيير التاريخي لكل البلاد. وثمّة مثل قديم في المنطقة يقول "عندما تعطس بنغازي، تصاب ليبيا بالزكام". وينبع جزء كبير من هذا التأثير من ارتباط بنغازي، عبر الروابط الأُسَرية، بباقي أنحاء البلاد، ولاسيّما في مصراتة والزاوية وزوارة ونفّوسة والزنتان، وحتى في أحياء محدّدة في طرابلس مثل تاجوراء وسوق الجمعة وفشلوم.

في سياق النقاش حول الفدرالية والحكم الذاتي للمنطقة الشرقية، خدمت هذه العلاقات أغراضاً مزدوجة. بالنسبة إلى معارضي الحكم الذاتي، هي تذكير بزيف تميّز الشرق عن بقية البلاد. أما بالنسبة إلى دعاة الفدرالية، فهذه العلاقات بمثابة تحالفات وشبكات دعم، وطابور خامس من التعاطف تقريباً. وتشكّل "بنغازي وأخواتها" لازمة مشتركة بين دعاة الفدرالية. ومع ذلك، من المهم أن نلاحظ أنه في البيئة الليبية، ليس لدى الكثير من المواطنين فهم مشترك لما هو مقصود بكلمة "فدرالية". بالنسبة إلى البعض، هي تعني اللامركزية والحكم المحلي، وبالنسبة إلى البعض الآخر الانفصال الفوري.

استناداً إلى هذه الخلفية، كانت فترة الإهمال الطويلة في عهد القذافي، بالنسبة إلى الكثيرين من أبناء المنطقة الشرقية، ساخرة على نحو استثنائي. وعلى الرغم من أن العديد من المتآمرين معه في انقلاب العام 1969 كانوا يتحدّرون من أسر شرقية، فقد أدرك القذافي أن المقاومة المستقبلية لحكمه ستنبثق من الشرق في نهاية المطاف، نظراً إلى تأثير النظام الملكي السنوسي وقبائل السعادي القوية في المنطقة. وبعد وقت قصير من استيلائه على السلطة، بدأ القذافي عملية تطهير الضباط السنوسيين من الجيش، وتفكيك الطرق الصوفية، ومصادرة الأراضي من وجهاء قبائل السعادي ومنحها لقبائل أقل مكانة. ومع أنه لم يعلن رسمياً عن عاصمة للدولة، بدأ القذافي نقل الجزء الأكبر من المكاتب الحكومية من بنغازي إلى طرابلس في وقت لاحق، (العام 1977)، إلى مسقط رأسه في سرت. وكما تم نقل مؤسّسات أخرى ذات قيمة اقتصادية ورمزية أيضاً مثل وزارة النفط واللجنة الأولمبية وشركة الطيران الوطنية الليبية. حتى أنه تم التفكير في نقل جامعة بنغازي المحترمة، ثالث أقدم جامعة في العالم العربي. ويزعم أن القذافي قال "لو كان للجامعة عجلات، فسوف أنقلها".

 أضاف تطوير قطاع النفط والغاز في ليبيا مصدراً آخر للمزيج المزعج والقابل للانفجار بالفعل من مظالم المنطقة الشرقية. فثلثا إنتاج النفط الليبي تقريباً يأتي من حوض سرت ومنطقة بنغازي في الشرق، لكن أثر عائدات النفط كان ضئيلاً جداً على الظروف المعيشية لأبناء المنطقة الشرقية وبنيتها الأساسية.

الحركة المطالبة بالحكم الذاتي وخصومها

برزت مسألة الفدرالية والحكم الذاتي في المنطقة الشرقية كمصدر رئيس للتوتّر وعدم الاستقرار السياسي في فترة مابعد القذافي. وربما يرتبط الكثير من هذا بالطبيعة المؤقتة للمجلس الوطني الانتقالي وشرعيته المشكوك فيها، والتي حرّكت المعارضة لا في الشرق وحسب، بل في جميع أنحاء البلاد أيضاً. فمن جانب، كانت شكوك الشرق تكمن في تكوين المجلس الوطني الانتقالي وحكومته التي كانت ذات صبغة غربية واضحة. ومن جانب آخر، عكست تلك الشكوك إحباطاً سائداً من أنه حتى الخدمات الإدارية الروتينية، مثل تجديد جواز السفر، تتطّلب سفراً شاقاً بالسيارة على مدى اثنتي عشرة ساعة إلى طرابلس. وبغضّ النظر عن ذلك، بحلول نهاية العام 2011 كان هناك قلق متزايد في الشرق من أن حكومة مابعد الثورة ستواصل سياسة المركزة المفرطة والإهمال التي ميّزت 42 عاماً من عهد القذافي.

في السادس من آذار/مارس 2012، أعلن مؤتمر شارك فيه 3000 مندوب في بنغازي إنشاء مجلس برقة الانتقالي، والمعروف أيضاً باسم مجلس برقة. يترأس المجلس أحمد الزبير السنوسي، وهو حفيد ابن شقيق الملك إدريس وسجين سياسي في عهد القذافي لمدة واحد وثلاثين عاماً. وفقاً لمسؤول كبير في المجلس، فإن الصف الثاني في قيادة المجلس متنوع، يضمّ أكثر من 350 عضواً من أبناء القبائل والمهنيين والثوار السابقين ممثلين مناصفة بين أقصى الشرق وجبال الخضراء وبنغازي وأجدابيا. ولدى المجلس جناح مسلح، هو جيش برقة، بقيادة حميد الحاسي، وهو عقيد سابق في الجيش الليبي اكتسب خبرة واسعة في الخطوط الأمامية في الثورة.

في بيانه الأولي، بدا أن مجلس برقة يرفض الشرعية المحلية للمجلس الوطني الانتقالي تماماً، ويقبل تفويضه على الساحة الدولية فقط. وقد سرد عضو بارز في مجلس برقة المظالم الرئيسة مثل قيام المجلس الانتقالي بنقل الإدارة المكافئة لإدارة الضمان الاجتماعي في ليبيا إلى طرابلس، وتهميش الشرقيين على القوائم الأخيرة للمنح الدراسية العليا في الخارج وتعيينات السفراء. ومع ذلك، كانت الشكوى الأكثر أهمية هي تخصيص المجلس الانتقالي لمقاعد المؤتمر الوطني العام بواقع 60 للشرق، و100 لطرابلس، و40 لجنوب غرب البلاد. ودعا مجلس برقة، في بيانه الخاص بالمطالب، إلى مقاطعة الانتخابات، لكنه تحوّل بعد ذلك إلى المطالبة بقدر أكبر من التمثيل في المؤتمر الوطني العام. ووفقاً لأحد المحلّلين الذي يعمل في منظمة غير حكومية في المنطقة الغربية في ليبيا، كانت مقاطعة أنصار الفدرالية تستند جزئياً إلى الإيديولوجيا؛ والسبب الآخر هو أنهم ببساطة "لم ينسّقوا تحرّكهم في الوقت المناسب" لإطلاق حملة انتخابية فعّالة.

أدّى هذا التحوّل المستمر للهدف ببعض المراقبين إلى انتقاد المجلس لنشر ما أطلق عليه أحد الناشطين "خطاباً مشوّشاً وغير منطقي". وكانت هناك انتقادات إضافية، حتى من أنصار الفدرالية، مفادها أن المجلس لم يعتمد استراتيجية تعبئة جماهيرية أو ينسّق جهود التوعية التي قام بها. وقال أحد الساسة المحليين: "هم لم يندمجوا مع الفكرة، ولم يروّجوا لها أو يوسّعوا دائرة النقاش بشأنها". وردّد مرشّح برلماني مستقلّ هذه الفكرة بالقول: "مشكلة الزبير أنه أراد فرض الفدرالية على الناس. لم يسْعَ قطّ إلى الحصول على تفويض شعبي". ولاشك أن الكثير من هذا كان راسخاً في مفاهيم الجمهور عن نخبة المجلس وجذوره الفكرية. (على سبيل المثال، نائب رئيس المجلس هو أبو بكر بعيرة، وهو أستاذ الإدارة في جامعة بنغازي وتلقّى تعليمه بالولايات المتحدة).

ضعف نفوذ المجلس أكثر عندما خرج عدد من الشخصيات والجماعات البارزة تعبيراً عن معارضتهم إعلانه في آذار/مارس. ومن بين هؤلاء شخصيات دينية هامة مثل المفتي الشيخ صادق الغرياني، وزعيم حزب العدالة والبناء التابع لجماعة الإخوان، محمد صوان، والجماعة المعارضة العريقة جبهة الإنقاذ الوطني، وتحالف الميليشيا القوي الذي يتخّذ من الشرق مقراً له "تجمّع سرايا الثوار".

في الفترة التي سبقت الانتخابات، بدأ مجلس برقة استخدام العمل المسلح والعنف للفت الانتباه إلى مطالبه. ومن أبرز ماقام به لجوء مؤيديه إلى وضع حواجز على طول شريان الطرق الرئيسة في ليبيا بين الشرق والغرب في وادي يعرف باسم وادي الأحمر، والذي يحدّد الحدود الإدارية بين برقة وطرابلس. وفقاً لحميد الحاسي، كان الإغلاق احتجاجاً على توزيع المقاعد البرلمانية. ومن جانب آخر، عكس الإغلاق في المقام الأول المظالم المحلية المتصلة بالتعويضات وإزالة الألغام. وقال المتظاهرون إن القوة أو التهديد باستخدام القوة كان الوسيلة الوحيدة للفت انتباه المجلس الوطني الانتقالي، واستشهدت المصادر بتكتيكات الذراع القوية لكتائب المنطقة الغربية من مصراتة والزنتان، والتي نجحت في تأمين تنازلات من الحكومة، كأمثلة على استراتيجيتها.

مع ذلك، كان إغلاق الطريق، بالنسبة إلى كثير من الليبيين، تمادياً ودخولاً في لعبة المتاعب، حيث منع آلاف المواطنين من السفر على الممرّ الواصل بين شرق البلاد وغربها واضطرّ آخرين لتحميل مصلحة النقل الجوي المحلية الهشة بالفعل في البلاد فوق طاقتها. وأعقب الإغلاق في الأول من تموز/يوليو هجوم على مكاتب لجنة الانتخابات في بنغازي من جانب متظاهرين يحملون الهراوات في محاولة لتعطيل عملية التصويت من خلال تدمير بطاقات الاقتراع والمواد الأساسية الأخرى. (أشار المراقبون الليبيون في بنغازي في ذلك الوقت إلى حاملي الهراوات بوصفهم بلطجية). كانت استجابة الجمهور سريعة وقاطعة. فقد استنفرت كتائب بنغازي المحلية لتفريق المهاجمين واعتقالهم، في حين شهدت الليالي التالية تظاهرات مضادّة ضخمة مؤيدة لعقد الانتخابات. وبدا أن الرأي العام يميل بحدّة ضد مجلس برقة ونشاطه. وأشار مسؤول كبير في المجلس في مقابلة أجريت معه في 3 تموز/يوليو، إلى أنه تم أخيراً تعليق إغلاق الطرق، "لأننا في نهاية المطاف، أدركنا أنه يضرّ إقليم برقة أكثر مما يفيده".

تلقى دعاة الفدرالية أقوى ضربة عندما وفّر الناخبون في بنغازي الفوز لمرشّحي لائحة حزبية من تحالف القوى الوطنية بزعامة محمود جبريل، وذلك على عكس التوقّعات القائلة بأن الانتخابات ستجري مقاطعتها على نطاق واسع، وأن حزب العدالة والبناء، الذي له جذور قوية في الشرق، سيحقّق انتصاراً ساحقاً.6  بالتأكيد، اندلعت أعمال عنف، لكن ليس على النطاق الذي كان متوقّعاً. في بنغازي، هاجم نشطاء مؤيّدون للحكم الذاتي أحد مراكز الاقتراع، ووقع هجوم بالأسلحة الرشاشة على طائرة هليكوبتر تحمل مواد خاصة بالانتخابات أسفر عن مقتل مسؤول. وفي أجدابيا، قتلت الشرطة بالرصاص أحد المحتجين المحليين المؤيدين للفدرالية بعد أن حاول، على مايبدو، سرقة أحد صناديق الاقتراع. وقبل أيام فقط من موعد الانتخابات، أغلق جيش برقة محطات النفط في رأس لانوف والسدرة والبريقة والزويتينة.7

مع ذلك، كان المزاج العام في الشرق في ختام عملية التصويت مزاج ابتهاج وارتياح. اعتمد تحالف القوى الوطنية بزعامة جبريل موقفاً تصالحياً تجاه الإقليم، واقترح تشكيل ائتلاف واسع.8  وصدرت بيانات في وقت لاحق من مجلس برقة يقول فيها إنه ينظر في حلّ نفسه. وصرّح أبو بكر بعيرة في إعلان تلفزيوني بعد وقت قصير من الانتخابات قائلاً: "لقد قال الناس كلمتهم". وفي اجتماع لاحق للمستقلين ومندوبي الأحزاب الصغيرة، وافقت ماتسمى "القوة الثالثة"، والتي لاصلة لها بتحالف القوى الوطنية أو حزب العدالة والبناء، على أن منصبي رئيس الوزراء ورئيس المؤتمر الوطني العام يجب أن يقسما بين الشرق والجنوب الغربي.10  في أوائل آب/أغسطس، اختار المؤتمر الوطني العام محمد المقريف، المعارض المخضرم ورئيس جبهة الخلاص الوطني ليكون رئيساً له. واستقبل اختيار المقريف، الذي ينحدر من أجدابيا، بالاستحسان في الشرق باعتباره إشارة إلى الاندماج الإقليمي والقطيعة الواضحة مع عهد القذافي. وعلى عكس المجلس الانتقالي، لم يكن المقريف أبداً على صلة بحكومة الدكتاتور.

وإذا مامضينا قدماً، يتّضح أن الانتخابات ونسبة المشاركة العالية في الشرق تمثّل مفاجأة لدعاة الفدرالية المتشدّدين واستفتاءً على الوحدة الوطنية. ومع ذلك، فإن مسألة الفدرالية ليست راكدة. إذ يزعم أن ثمة انقساماً بدأ يظهر في المجلس بين الزبير وبعيرة، وأن من غير الواضح ما إذا كانت المجموعة ككل ستتبع بعيرة. ويتألف السواد الأعظم من جيش برقة من قبائل لاتزال تخضع إلى سيطرة الزبير، وربما تثور من جديد إذا شعرت بالتهميش خلال العملية الدستورية، وفقاّ لمسؤول في الأمم المتحدة يقيم في بنغازي. وهناك عدد من الأحزاب الفدرالية الجديدة التي تخرج أيضاً من ظل مجلس برقة. ففي 2 آب/أغسطس، أعلن الحزب الاتحادي الليبي عن تشكيله بهدف معارضة المركزية والضغط من أجل السيطرة المحلية على الميزانيات والخدمات البلدية.11  وفي حين أن هذه المجموعات ستضغط من أجل نيل حقوقها في إطار العملية الدستورية والمؤتمر الوطني العام، لايزال هناك احتمال بأن تتّخذ موقفاً أكثر تشدّداً. فقد برزت مسألة تقاسم عائدات النفط، على وجه الخصوص، بوصفها اختباراً رئيساً لحياد المؤتمر الوطني العام الذي خلف المجلس الانتقالي.

لذلك، لاتعفي الانتخابات الناجحة المؤتمر الوطني العام والسلطة التنفيذية القادمة من مسؤولية معالجة أوجه التفاوت بين الشرق والغرب، وإرساء حوكمة فعّالة، وإعادة بناء القوى الأمنية. إنها مسألة ملحّة خصوصاً في جيوب السلفية في شرق البلاد.

التشدّد السلفي في الشرق

منذ أوائل العام 2012، فرضت فئة سلفية رافضة في الشرق حضورها عبر شنّ عدد من الهجمات على المصالح الغربية، مثل مقابر الحرب العالمية الثانية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والقنصلية الأميركية، وموكب لبعثة الدعم التابعة للأمم المتحدة في ليبيا. إضافة إلى ذلك، هاجم السلفيون مقابر وأضرحة ومساجد الصوفية في جميع أنحاء البلاد. وبينما لاتمثّل هذه الأعمال تقريباً التيار الرئيس للمشاعر السلفية في البلاد، إلا أنها تعكس أعراض نقاش مكثّف يجري بين الجيل الأكبر سناً من السلفيين الذين تبنّوا المشاركة السياسية وكادر أحدث يرفض الديمقراطية. في كثير من الحالات، كان أعضاء التيار المتشدّد يقيمون في الخارج قبل ثورة 2011، وعادوا إلى البلاد، ومنذ ذلك الحين يحاولون فرض أنفسهم من خلال التعصّب المفرط على صعيد الأعراف الاجتماعية الإسلامية، وتجنّب المشاركة في الانتخابات وإرسال المتطوعين والمساعدات المادية إلى سورية وقطاع غزة.
 
السلفية في ليبيا ليست خصيصة فريدة، بل لها جذور قوية في الشرق، نظراً إلى امتزاج الدين والسياسة في المنطقة في ظل حكم السنوسية. وكنتيجة جزئية للتطورات في مصر المجاورة، أصبح نفوذ جماعة الإخوان المسلمين في شرق ليبيا كبيراً في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. ظهر ميناء درنة الصناعي كمركز نشط بشكل خاص للإسلام السياسي. هناك، تضافر التديّن المتزايد مع تصاعد المشاكل الاقتصادية والذاكرة الجماعية للدور البارز الذي لعبته المدينة في النضال المناهض للاستعمار لإنتاج اتجاه للعمل التطوّعي الجهادي الذي أرسل آلاف الشبان إلى أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، وإلى العراق بعد العام 2003. وعملت ديناميكية مماثلة في القطاعات الأكثر فقراً من بنغازي، وخاصة حي الليثي، الذي حصل على لقب "قندهار الصغرى".
 
شكّل المحاربون القدامى العائدون من هذه الحرب الجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة LIFG، والتي كان هدفها الصريح إسقاط نظام القذافي. وفي منتصف التسعينيات، دخلت الجماعة المقاتلة، التي كانت سرية في السابق، في مواجهة مباشرة مع الحكومة، ما أدّى إلى قتال شرس واعتقالات جماعية وتعذيب، وعلى الأخص سجن عدد كبير من القادة الرئيسيين في سجن أبو سليم في طرابلس. في وقت لاحق، تراجعت الجماعة المقاتلة عن استخدام العنف، وهي الخطوة التي تجذّرت في تجربة السجن في أبو سليم، والتحوّلات في التفكير الشخصي للشخصيات الرئيسة في الجماعة، وبرنامج العفو الذي أطلقه نجل القذافي، سيف الإسلام.12  ومن دون الدخول في التاريخ الكامل لهذا التحوّل، يكفي أن نلاحظ أنه مع سقوط القذافي وإجراء الانتخابات البرلمانية، تبنّى جزء كبير من كوادر الجماعة المقاتلة المعروفون في اللغة المحلية باسم المقاتلين - المشاركة الديمقراطية.
 
ومع ذلك، أسفرت هذه الخطوة للدخول في معترك السياسة أيضاً عن انقسامات بين المقاتلين. شكّل فصيل بقيادة عبدالحكيم بلحاج، أمير الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة السابق والقائد السابق للمجلس العسكري في طرابلس، حزب الوطن. لكن العديد من المقاتلين انضموا إلى حزب مستقل، هو حزب الأمة الوسط، بقيادة سامي الساعدي، منظّر الجماعة المقاتلة الرئيس الذي ألّف في السابق دراسة مؤثرة مناهضة للديمقراطية. وانضمّت إلى الساعدي شخصية محورية أخرى في الجماعة المقاتلة، هو عبدالوهاب الغايد (شقيق الراحل أبو يحيى الليبي، الذي يعتبر على نطاق واسع الرجل الثاني في تنظيم القاعدة)، الذي ترشح ونجح في الانتخابات البرلمانية في مدينة مرزق الجنوبية. في كثير من الجوانب، كان هذا التشظّي في جماعة المقاتلين المسيّسة يتعلّق بوجود خلافات حول التقوى والنقاء العقائدي. ويعتبر سامي الساعدي، الذي يحمل درجة الماجستير في الشريعة الإسلامية، مرجعاً دينياً أكثر من بلحاج. ويقال إن زعيم حركة طالبان، الملا عمر، أشاد به بوصفه "شيخ العرب". وبالمثل، من المعروف أن عبدالوهاب الغايد خطيب مفوّه ومقنع، وأستاذ في الفقه (كما كان شقيقه)، وهو الأمر الذي بدا واضحاً خلال الكلمة التي ألقاها في حفل تذكاري لمجزرة سجن أبو سليم في طرابلس في 29 تموز/يوليو.
 
وبينما دخل هذا التيار معترك السياسة، كان هناك فصيل موازً يتشكّل ويمثّل الجيل الثاني من الجهاديين السلفيين. هؤلاء هم أبناء وأبناء أشقاء الرعيل الأول، الذي شهد حملة التسعينيات وتعذيب آبائهم، أو من الذين تم احتجازهم وتحوّلوا إلى التطرّف بسبب تجاربهم. ذهب البعض إلى أفغانستان والعراق بعد العام 2001، وسجنتهم قوات التحالف، وأعادتهم أجهزة الاستخبارات البريطانية والأميركية إلى ليبيا. وخلال اضطرابات ثورة العام 2011، عادوا إلى الظهور كقادة ألوية ثورية في بنغازي ودرنة ومدن شرقية أخرى.13 
 
مع ذلك، وعلى عكس بلحاج وحاشيته، لم تتخلّ هذه المجموعة أبداً عن رؤيتها المتشدّدة. وثمّة لاعب رئيس هو عبد الحكيم الحصادي، الذي شكّل لواء درنة في المراحل الأولى للثورة، والذي تم تغيير اسمه في وقت لاحق إلى كتيبة شهداء أبو سليم. في مرحلة ما، انضمّ إلى الحصادي سفيان بن قمو، وهو محارب مخضرم آخر من الجماعة المقاتلة، ارتبط مع أسامة بن لادن في السودان وقاتل مع طالبان قبل أن تلقي السلطات الباكستانية القبض عليه وتسلمه إلى الولايات المتحدة.14  ويقال إن قمو درّب اللواء ولكنه اختلف في وقت لاحق مع القوة، ربما بسبب صلاته الواضحة بتنظيم القاعدة. ثمّة شخصية أخرى، أكثر غموضاً ترتبط بهذا التيار هو عبد الباسط عزوز، وهو من قدامى المحاربين السابقين في الجهاد ضد السوفيات في أفغانستان، والذين فرّ من ليبيا إلى سورية في التسعينيات، ثم عاش لفترة في المملكة المتحدة قبل أن ينتقل إلى الحدود بين أفغانستان وباكستان في العام 2009. 15 ووفقاً لأحد التقارير، أرسله أيمن الظواهري شخصياً إلى ليبيا في أعقاب ثورة 2011 لتأسيس موطئ قدم لتنظيم القاعدة في درنة. ويظهر شريط فيديو غير مؤرخ على الإنترنت (ربما يعود إلى ربيع العام 2012) عزوز وهو يتحدث في اجتماع حاشد في درنة بحضور سالم دربي، الذي كان خليفة الحصادي في قيادة كتيبة شهداء أبو سليم والزميل المخضرم في الجماعة المقاتلة.16 
 
اعتبارا من منتصف العام 2012، أصبحت كتيبة شهداء أبو سليم قوة بارزة في درنة، وبدأت بإغلاق صالونات التجميل وفرض الأعراف الاجتماعية الصارمة في المدينة. وفي المحكمة المركزية في درنة، علّقت لافتة تمجّد الشريعة الإسلامية.17  خارج المدينة، في سفوح الجبال الخضراء، معروف أن الكتيبة تدير معسكراً لتدريب المتطوعين في سورية. وثمّة أيضاً دلائل على أنها تفرض نفسها من خلال الأعمال الإجرامية مثل تهريب المخدرات وتهريب الأسلحة غير المشروعة إلى غزة. وفي 2 آذار/مارس 2012، أفادت التقارير بأن كتيبة شهداء أبو سليم اغتالت محمد الحاسي، وهو عقيد سابق في الجيش الليبي كان مسؤولاً عن الأمن الداخلي في درنة، وكان يتوقّع أن يكون رئيس فرع درنة في قوة أمنية جديدة تابعة لوزارة الداخلية، اللجان الأمنية العليا. ومن المرجّح أن الكتيبة كانت تنظر إليه باعتباره تهديداً لأنشطتها المربحة في السوق السوداء وسيطرتها على الأمن في المدينة بشكل عام. وعلى أية حال، في 11 نيسان/أبريل، تم فعلياً ضمّ الكتيبة إلى اللجان الأمنية العليا. وينحدر قائد الكتيبة الجديد، فتحي عجيب الشاعري، من أبرز قبيلة في درنة.
 
في كثير من النواحي، ميّز إضفاء الطابع المؤسّسي على الجهاديين السلفيين مرحلة أخرى في تطوّرهم، تمثّلت في ظهور فرع من جماعة أكثر تطرفاً انضوى تحت اسم جماعة أنصار الشريعة، التي أعلنت تأسيسها في نيسان/أبريل. ويُزعَم أن هذه الجماعة هي بقيادة سفيان بن قمو المذكور آنفاً في درنة، وهي مؤلّفة من عناصر أكثر تشدّداً تابعة لكتيبة شهداء أبو سليم التي عارضت دمج الكتيبة في اللجان الأمنية العليا. وتفيد التقارير بأن الجماعة تضمّ مايقرب من 300 عضو، ويُقال إنها تمتلك مخيّماً صغيراً للتدريب في إحدى الغابات خارج درنة، على غرار كتيبة شهداء أبو سليم. وفي مقابلة أجراها أحد المنتديات الجهادية مع قمو في نيسان/أبريل، أكّد هذا الأخير أن الكتيبة تتواجد في الغابة لحماية "مصنع البخار" في المدينة.18  
 
كما أن جماعة أنصار الشريعة تتواجد في بنغازي أيضاً، بقيادة محمد علي الزهاوي.19  ووفقاً لصفحة الجماعة على موقع فايسبوك، كان الزهاوي سجيناً سياسياً سابقاً في عهد القذافي، قاتل في معركة بنغازي في 19 آذار/مارس إلى جانب راف الله السحاتي (وهو مقاتل بارز في الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا قُتِل في تلك المعركة)، وتولّى قيادة كتيبة راف الله السحاتي، ثم قاد فرقة من المقاتلين الشرقيين للدفاع عن مصراتة. أما على الجبهة السياسية، فهو من مؤسّسي الهيئة العليا لحماية وتحقيق أهداف ثورة 17 فبراير وجمعية الدعوة الإسلامية والإصلاح. وبحسب ماورد في كرّاسات أصدرتها الجماعة، تهدف هذه الأخيرة إلى توحيد كل الجماعات الإسلامية في ليبيا، والجهاد ضدّ "الطغاة والمشركين"، وإلغاء المحاكم العلمانية في البلاد.20  وعمد الزهاوي أيضاً إلى ظهور علني نادر على شاشة التلفزيون المحلي ليدين الانتخابات بوصفها غير إسلامية ويحظر المشاركة فيها.21 
 
تُعتَبَر الجماعة متشدّدة، إلا أنها تنفي وقادتُها أي صلة بجماعة أنصار الشريعة التابعة لقمو في درنة. وتنشط أنصار الشريعة في بنغازي بشكل علني في المدينة، ويُقال إنها تتولّى بعض وظائف الخدمة العامة كحراسة المستشفيات، إلا أنها ترفض الرضوخ إلى سلطة وزارة الداخلية. وقد أشارت التقارير إلى وجود مركبات الجماعة وأعضائها في الاعتداء الأول على القنصلية الأميركية في بنغازي في 11 أيلول/سبتمبر 2012، مع أن الجماعة أصدرت تصريحاً نفت فيه تورّطها نفياً قاطعاً، مشيدةً في الوقت نفسه بمرتكبي الاعتداء.
 
قامت جماعة أنصار الشريعة في بنغازي بأوضح دخول لها في معترك السياسة في المنطقة الشرقية في مطلع حزيران/يونيو، عندما نظّمت تظاهرة للكتائب الإسلامية التي تشبهها في التوجه لدعم الشريعة الإسلامية. ففي صبيحة يوم 7 حزيران/يونيو، سارت أكثر من 150 مركبة تمثّل 15 كتيبة، (إحدى عشرة منها مقرّها خارج بنغازي)، في عرض عسكري على طول الواجهة البحرية للمدينة. وارتدى العديد من المشاركين اللباس الأفغاني المألوف بين الجهاديين السلفيين. وفقاً لأحد قادة الكتائب المشاركة كان العرض "يهدف إلى تخويف من لايريدون شريعة الله". ومع ذلك، قوبل العرض بمعارضة شديدة. بحلول آخر النهار ظهرت مجموعات من نشطاء المجتمع المدني، بما في ذلك المنظمات غير الحكومية الكبيرة والمجموعات النسائية، على الواجهة البحرية في بنغازي للاعتراض على العرض. كان الكثيرون يحملون أعلاماً ولافتات كتب عليها "ليبيا ليست أفغانستان".22  الأهم من ذلك، لم تكن مظاهرة بنغازي المضادة حدثاً معزولاً. ففي جميع أنحاء الشرق الليبي، كانت هناك معارضة مزدهرة ووعي تجاه التشدّد السلفي من مجموعة من الأطراف الفاعلة في المجتمع.

ثقل محلي موازن للتشدّد السلفي

في كل من الجيوب التي تمتّع فيها بالدعم، واجه التيار السلفي الرافض معارضة أيضاً من نشطاء المجتمع المدني والقبائل، والشخصيات الدينية. وفي نواحٍ كثيرة، كان المجتمع الليبي نفسه يضبط الخطاب السلفي. وكما قال إسلامي عريق ومستشار رئيس المجلس الوطني الانتقالي في مقابلة أجريت معه: " السلفيون يسعون إلى الدعاية ويمكن أن يسبّبوا مشاكل. لكن مجتمعنا يقوم بعملية تصحيح ذاتي. ونحن نشركهم في الخطاب العام".

كانت هذه المعارضة واضحة بشكل خاص في درنة، المدينة التي، على الرغم من سمعتها السيئة منذ فترة طويلة بوصفها معقلاً للإسلام السياسي، فيها طبقة قوية من المتعلمين وصورة مزدهرة للمنظمات غير الحكومية. كان إقبال الناخبين في درنة خلال انتخابات المؤتمر الوطني العام مرتفعاً نسبياً ولم يحقق الإسلاميون مكاسب قوية. وهناك أكثر من 140 منظمة غير حكومية تعمل في درنة، منها 60 تقودها النساء. كما ظهر عدد من الفرق المسرحية الليبرالية التي تتحدّى النزعة الإسلامية التقليدية لأنصار الشريعة، أبرزها فرقة تسمى "نسيم الحرية". وقد أصبحت جامعة درنة منطقة متنازعاً عليها بشكل خاص في الصراع، حيث تحاول الجماعات السلفية فرض قيود اجتماعية على الطلاب. وفي الوقت نفسه، ظهرت الجامعة كأرض محايدة للتوسّط وحل النزاعات. وقد ظهر عضو هيئة تدريس بارز، عادل العنيبة – هو أيضاً عضو في المجلس المحلي في درنة - كوسيط أساسي مع الجماعات السلفية في المنطقة. وفقاً لمحاورين عدة، تمكّن عنيبة من إقناع كتيبة شهداء أبو سليم بالانتساب إلى اللجان الأمنية العليا. ويقال إنه حاول اتّباع مقاربة مماثلة مع أنصار الشريعة لكنه لم يوفّق.

بصرف النظر عن هؤلاء المتحاورين، هناك وسطاء من رجال الدين. ينحدر رجال الدين هؤلاء من الوسط السلفي نفسه كالرافضين والذين ربما كانوا هم أنفسهم محتجزين سابقين في سجن أبو سليم، لكنهم يبدون وجهة نظر أكثر اعتدالاً.23  ومن أهم هؤلاء مفتي ليبيا الشيخ صادق الغرياني. وقد برز الغرياني الذي عيّنه المجلس الانتقالي في منصب المفتي في أيار/مايو 2011، باعتباره واحداً من أبرز الوسطاء في النزاعات في المجلس الانتقالي، ليس فقط بشأن القضايا الدينية، بل بشأن القتال القبلي في الجنوب والغرب. وفي مايتعلّق بالمسألة السلفية، لعب الغرياني دوراً محورياً في إدانة تدنيس الأضرحة الصوفية.24  كما لعب المقاتلون السابقون الذين انضموا إلى حزب الوطن بزعامة بلحاج دوراً في التوعية. إذ يقول عضو في حزب الوطن: "نحن نحاول أن نتحدث إلى جماعة أنصار الشريعة. نقول لهم: "يمكنكم الاحتجاج، ولكن اجلبوا نساءكم وأطفالكم وليس الأسلحة. لاترتدوا الملابس الأفغانية. نحن نقول لهم، يجب عليكم التحدث إلى وسائل الإعلام". وتمثّل جماعة الإخوان المسلمين الليبية ثقلاً موازناً آخر، فهي تملك شبكة إعلامية قوية في الشرق من خلال موقع المنارة الشهير الذي كثيراّ ماينشر إدانات وأفكاراً مناقضة للتشدّد السلفي.

مع ذلك، أثبتت القبائل أنها أقوى ثقل موازن للسلفية في شرق البلاد. فقد شارك شيوخ القبائل (معروفون باللهجة المحلية باسم وجهاء) في التواصل مع السلفيين، في محاولة لجذبهم إلى المجالس المحلية ودمج كتائبهم في الأجهزة الأمنية الرسمية. أصواتهم لها تأثير أيضاً. ففي مقابلة تمت في نيسان/أبريل 2012، صرح قمو بأنه سينصاع إلى إملاءات الوجهاء بدمج جماعة أنصار الشريعة في الجيش الليبي أو اللجان الأمنية العليا.25  وكانت القبائل أيضاً مصدراً لضغوط غير عادية، والتي اتّضحت في مناسبتين. أولاً، في أعقاب مقتل محمد الحاسي، أزالت قبيلته، الشلاوية، نقاط التفتيش الخاصة بكتيبة الشهيد أبو سليم في درنة وطاردت الكتيبة خارج المدينة لمدة ثلاثة أيام. ثانياً، دفع مقتل الحاسي إلى عقد مؤتمر كبير للقبائل الشرقية جنوب درنة في وقت ما أواخر حزيران/يونيو. تم الاتفاق على أن يمنع شيوخ القبائل شبابهم من الانضمام إلى كتيبة الشهيد أبو سليم، وجماعة أنصار الشريعة، والجماعات السلفية المشابهة. فضلاً عن ذلك، اتّفقت القبائل على أنها ليست مسؤولة عن أي شخص يدخل صفوف هذه الجماعات؛ وإذا قتل أحد أفراد القبائل الذين انضموا إلى الجماعة أو اعتقلته الشرطة أو الأجهزة الأمنية، فإن قانون العقوبات القبلية التقليدي لن يطبّق عليه.

وضعت نتائج الانتخابات السلفيين الرافضين في موقف دفاعي أكثر، من خلال الكشف عن أن أغلبية الناخبين الليبيين، وحتى في الجيوب الإسلامية مثل شرق درنة، تركّز على أجندات عملية تكنوقراطية لتطوير البلاد، بدلاً من التقوى والعمل الخيري والعدالة الاجتماعية، والتي تمثّل نقاط القوة التقليدية للإسلاميين. في كثير من الحالات، يتعيّن على السلفيين أن يجدوا مكاناً مناسباً أو قضية مقنعة يكون لها صدى في ليبيا. الكثير من هذه الأمور تتصل بالأعراف الاجتماعية المحافظة بالفعل والتقوى في البلاد ؛ فالمشروبات الكحولية محظورة والكثير من النساء يرتدين الحجاب. لذلك لجأت العناصر الأكثر تطرّفاً في الحركة السلفية إلى تدمير الأضرحة والقبور الصوفية، والتي يعتبرونها وثنية وغير إسلامية. وقد أثارت هذه الحوادث غضباً لم يسبق له مثيل ضدّ السلفيين، وكذلك ضد وزارة الداخلية لفشلها في منع الهجمات والسماح بها ظاهرياً. ووفقاً لروايات عدة، هذا العنف ليس علامة على تأثير السلفيين في المجتمع الليبي، وإنما على عزلتهم وتهميشهم. فقد قال أحد الناشطين المحليين: "التقيت العديد من أعضاء أنصار الشريعة. وبدا أنهم خائفون. إنهم يتعرّضون إلى الانتقاد باستمرار بسبب الغضب الشعبي من هجماتهم على المواقع الصوفية".

الأولوية الأساسية الآن بعد الاعتداء على القنصلية الأميركية في بنغازي هي وضع الحوكمة الشاملة والتنمية وإصلاح القطاع الأمني في الشرق. وهذا لاينطبق على المناطق الساحلية الحضرية في برقة وحسب، بل أيضاً على أطراف الصحراء حيث احتدم الصراع في الكفرة منذ شباط/ فبراير 2012.

صراع التبو والعرب في الكفرة 

الكفرة، مركز التجارة القديم والعمل وتهريب المخدرات عبر الصحراء، مدينة نائية تقع على بعد نحو 540 ميلاً من الساحل، في المثلث الحدودي بين مصر والسودان وتشاد. من بين عدد سكانها المقدّر بـ43500 نسمة، الغالبية هم من العرب من قبيلة الزوي، وحوالى 10 في المئة من السكان من عرقية التبو، وهي المجموعة التي يوجد معظمها في تشاد ولكن أيضاً في ليبيا، في سبها والقطرون والكفرة. منذ شباط/فبراير 2012، خلّف القتال بين التبو والزوي في الكفرة أكثر من 200 قتيل.
 
امتدّ الصراع بين الزوي والتبو عبر برقة وكل أرجاء ليبيا على مستويات متعدّدة. فقد هدّد زعيم التبو عيسى عبدالمجيد، مشيراً إلى الهجمات العشوائية التي قامت بها قبيلة الزوي وعدم قدرة المجلس الانتقالي على منعها، بمقاطعة انتخابات المؤتمر الوطني العام، مطالباً بأن تتمركز قوة حفظ سلام دولية في الكفرة، وأن يمنح ممثلو التبو مقاعد في مجلس الوزراء.26  وحذر من إمكانية إقامة دولة منفصلة للتبو في الجنوب أيضاً.
 
وهدّد أفراد قبيلة الزوي أيضاً بأن يعلنوا منطقة حكم شبه ذاتي إذا استمرّ القتال. وخلافاً للتبو، تمتلك قبيلة الزوي وسيلة ضغط اقتصادي قوية: النفط. فمن خلال وقوع حقول نفطية واسعة تحت سيطرتها، يمكنها أن تدّعي ظاهرياً بأنها تسيطر على مايصل إلى 17 في المئة من انتاج النفط في ليبيا؛ ويعمل رجال قبيلة الزوي بمثابة حراس أمن في مصافي ومحطات معالجة عدة.27  وهدّدت القبيلة في مناسبات متعدّدة بوقف إنتاج النفط إذا لم يتدخل المجلس الانتقالي في الكفرة.28 

صراع على الهويّة والموارد

يعكس الصراع الحالي في الكفرة تضافر عوامل قومية وإثنية ومحلية واقتصادية. فمن ناحية، يمثّل القتال تنافساً على شبكات التهريب المربحة في المدينة. وبحسب روايات مختلفة، اندلعت أعمال العنف في شباط/فبراير 2012 عندما اعتقل حراس من قبيلة التبو مهرّبين من قبيلة الزوي، أو عندما قتل صاحب متجر من الزوي في عملية سطو مسلح قام بها أفراد من التبو. وبشكل أعم، فإن النزاع هو صراع يخوضه التبو للتخلّص من تبعات سياسات القذافي التمييزية التي حرمتهم من الجنسية والإسكان والرعاية الطبية، وحكمت عليهم بأن يكونوا في وضع أشبه بالعبيد تحت حكم قبيلة الزوي. وقد غذّت سياسات التعريب التي مارسها القذافي مظالم التبو مع الدولة. فخلال الحرب الليبية - التشادية (1975-1994)، وقع التبو في الكفرة في دائرة الشبهة أكثر كطابور خامس لتشاد، في حين أغدقت الحكومة الليبية على قبيلة الزوي الأسلحة والمال كي تجنّدهم كوكلاء للدولة. فرّ اللاجئون التبو من شمال تشاد إلى الكفرة، ما أربك توازن القوة الهش بين المجموعتين أكثر.

خلال أواخر التسعينيات وحتى العام 2000، شهد التبو تراجعاً حاداً في أسباب عيشهم في الكفرة، حيث تقوقعت غالبيتهم في ظروف شبيهة بالغيتو في منطقتي السويدية وقدرفي. في العام 2007، سحب القذافي الجنسية الليبية من العديد من أبناء التبو في الكفرة، وحرمهم فعلياً من الرعاية الصحية والإسكان وفرص العمل والتعليم. ردّاً على ذلك، شكّل التبو المحليون جبهة إنقاذ التبو الليبية؛ وأعقبت ذلك أعمال شغب واحتجاجات واسعة. في العام 2008، قمع النظام انتفاضة كبيرة للتبو في الكفرة، ونشر طائرات الهليكوبتر والدبابات.29 ومع ذلك، وضع الزوي والتبو، خلال ثورة العام 2011، خلافاتهم جانباً بشكل مؤقت وقاتلوا معاً ضد القذافي.

لكن في أعقاب إطاحة القذافي، عاود الصراع الظهور. فكل طرف يشعر بأنه محروم على نحو متزايد، معتبراً أن الطرف الآخر يكتسب وبسرعة أفضلية اقتصادية وسياسية. ولم يؤدّ غياب الدولة كوسيط، والفراغ الأمني العام، إلا إلى تعميق هذا التصوّر. ولأنها مدججة بالأسلحة الثقيلة من مستودعات الأسلحة المحلية في المنطقة، استنفرت كتائب التبو والزوي لتوفير الأمن المحلي وتصارعت من أجل السيطرة على طرق التهريب عبر الحدود. على هذه الجبهة، يبدو أن التبو استغلوا ميزة الموافقة الضمنية للحكومة. وبسبب شكّه في أن أبناء قبيلة الزوي هم من أنصار القذافي منذ فترة طويلة، فقد استثمر المجلس الانتقالي سلطة عبد المجيد عيسى لمراقبة وحراسة الحدود الجنوبية الشرقية. في الواقع، سلّمه المجلس الانتقالي مايشبه احتكار الاقتصاد غير المشروع في المنطقة.30  وبتشجيع من هذه الثروة المكتشفة حديثاً، يحاول التبو استعادة جنسيتهم، مطالبين بتحسين الخدمات الاجتماعية والوصول إلى السلطة السياسية. ويشكو الكثيرون من أنه بدلاً من معالجة هذه المطالب، تواصل الحكومة ببساطة انتهاج السياسات التمييزية التي كانت متّبعة في عهد القذافي.

تفاقمت هذه النظرة بلا شك بسبب البعد المثير للخلاف عبر الحدود في الصراع. في أعقاب الإطاحة بالقذافي، عاد الآلاف من قبيلة التبو من تشاد إلى الكفرة، وادّعى الكثير منهم أنهم مواطنون ليبيون. وكان عدم وجود سجلات دقيقة يعني أن من المستحيل التحقّق من الادعاءات. وفي الفترة التي سبقت انتخابات المؤتمر الوطني العام في 7 تموز/يوليو، رفض المجلس الانتقالي تسجيل مايقرب من 1000 ناخب من التبو في الكفرة بحجة أن جنسياتهم مزورة، أي 15 في المئة تقريباً من التبو في الكفرة والذين يبلغ عددهم 7000. في حين أن الخطوة كان لها بلا شك بعض المبرّرات في بعض الحالات، فقد أشعلت الوضع الذي كان متوتّراً بالفعل.

إضافة إلى ذلك، اتّهم العديد من وسائل الإعلام الليبية وزعماء قبيلة الزوي في الكفرة التبو المحليين بأنهم يحصلون على العون من ميليشيات تشادية وسودانية، وتحديداً الجماعة المعارضة في دارفور، حركة العدل والمساواة.31  في كثير من النواحي، يعتبر هذا الاتهام كبش فداء مناسباً لما هو في نهاية المطاف صراع على السلطة المحلية والموارد في ليبيا. ومع ذلك، فإن حركة العدل والمساواة لديها تاريخ من التدخّل في شؤون الكفرة أدّى إلى تفاقم التوتّرات بين الزوي والتبو. فخلال حرب العام 2011، على سبيل المثال، هاجمت حركة العدل والمساواة الكفرة وحاربت مع جيش القذافي ضد القوى الثورية غرباً حتى مصراتة. وأسرت قوات حركة العدل والمساواة التي كانت تقاتل في البريقة أحد القادة الثوريين من الكفرة ونقلته إلى دارفور، ولم يطلق سراحه إلا بعد دفع فدية بلغت 100 ألف دينار ليبي.

استجابة الحكومة: التعاقد من الباطن على الأمن والوساطة

بسبب افتقارها إلى القدرة على بسط سلطتها، اعتمدت الحكومة على تحالفات الميليشيات المحلية لاستعادة الأمن، وعلى وفود من شيوخ القبائل للتفاوض على وقف إطلاق النار. في كلتا الحالتين، فشلت هذه الاستراتيجية غير الرسمية في توفير سلام دائم أو معالجة الجذور الراسخة للصراع. وفي بعض الحالات انتهى بها الأمر إلى تأجيج التوتّرات بصورة أكبر.
 
بدلاً من إرسال الجيش، أوفد المجلس الانتقالي ائتلافاً من الكتائب الثورية والمعروف باسم الدرع الليبي الشرقي إلى الكفرة.32  (في حزيران/يونيو، منعت مجموعة من شيوخ قبيلة المجابرة من أجدابيا وحدة من مقاتلي أنصار الشريعة من التحرك جنوباً للمشاركة في القتال بالكفرة).33  ووفقاً لعدد من الروايات، انتهى الأمر بالدرع إلى مفاقمة الوضع في الكفرة من خلال اعتماد مقاربة حزبية بصورة واضحة تجاه القتال، حيث كانت كتائب الزوي القبلية تعزّز هذه القوات. في مناسبات عدة، أفادت التقارير بأن الدرع قصف حي التبو في مدينة قدرفي، ماتسبّب في سقوط ضحايا من المدنيين، وعند مرحلة معيّنة قام بعملية طرد جماعي للتبو من الكفرة بلغت، بحسب عيسى عبدالمجيد، حدّ التطهير العرقي. ويبدو أن بعض قادة درع ليبيا يعتقدون أنهم يقاتلون تدفقاً للمتطوعين الأفارقة من كينيا والصومال والسودان وتشاد وموريتانيا، الذين جاءوا لمساعدة التبو.34  كان أحد مطالب قبيلة التبو الرئيسة هو انسحاب قوات الدرع الليبي الشرقي والاستعاضة عنها بوحدات نظامية من الجيش الليبي.
 
اعتباراً من منتصف تموز/يوليو، انسحب الدرع على مايبدو وحلّت محلّه تحالفات جديدة من ميليشيا الجيش الليبي واتحاد الكتائب الثورية، التي تحرس الحدود أيضاً. وبينما لايعتبر هذا حلاً قابلاً للتنفيذ وطويل الأمد، يبدو أنه أخمد الاضطرابات إلى حد ما، حيث يعتبر التبو والزوي قادة هذه الكتائب محايدين وغير متحيّزين. ومع ذلك، ربما تكون هناك تكاليف أخرى لهذه المقاربة. وكما هو الحال في أمثلة أخرى في جميع أنحاء البلاد، فإن سياسة المجلس الانتقالي بـ"تفويض" الكتائب بقمع الصراعات المحلية أو بسط سيطرتها على الحدود منحت تلك القوات قدراً خطيراً من الحكم الذاتي والنفوذ. إذ يُزعَم أن اتحاد الكتائب الثورية يطلب أن تدفع له مبالغ مالية من الدبلوماسيين الأوروبيين مباشرة في مقابل منع المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء من اجتياز ليبيا وإغراق جنوب أوروبا.
 
إلى جانب إيفاد الكتائب، أرسل المجلس الانتقالي فرقاً من شيوخ القبائل، وتحديداً من أجدابيا، إلى الكفرة.35  وعندما فشل هؤلاء، تم إرسال شيوخ عشائر آخرين من مصراتة ونفوسة والزاوية.36  واعتباراً من مطلع آب/أغسطس، تفاوض الشيوخ على هدنة هشّة بدا أنها، إلى حدّ كبير، نتيجة لانسحاب الدرع الليبي الشرقي من المنطقة.37 ومن غير المؤكد ما إذا كان وقف إطلاق النار سيصمد. فقد شبّهه أحد مسؤولي الأمم المتحدة في المنطقة بـ"الإسعافات الأولية" التي فشلت في معالجة القضايا الأوسع مثل عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية في المدينة.
 
في الوقت نفسه الذي كانت هذه الوساطة تجري على قدم وساق، اتّخذ المجلس الانتقالي خطوات وئيدة للسيطرة على منطقة الحدود الثلاثية بين السودان وتشاد وليبيا. في آذار/مارس 2012، أنشئت فرقة حدود مشتركة بين الدول الثلاث، ولكن عملية نشرها عانت من التأخير.38  وشهدت الأسابيع الأخيرة أيضاً جهوداً حكومية لتسجيل ثوار التبو السابقين ودمجهم في الشرطة والجيش. لكن يُقال إن هناك تردّداً بين الكثير من التبو بشأن الانضمام، بسبب مخاوف من عمليات تسلّل متصوّرة للجيش من جانب أشخاص غير متعاونين من عهد القذافي.39  ولعل هذا يسلّط الضوء على الحاجة إلى إصلاح القطاع الأمني والذي يمثّل، جنباً إلى جنب مع صياغة دستور فعّال، الخطوة الحاسمة المقبلة بالنسبة إلى الشرق.
 

الخطوات التالية في الشرق: العقبة الدستورية

 في الأشهر المقبلة، سيواجه المؤتمر الوطني العام أسئلة صعبة حول التوازن بين الحكومة المركزية وبين الإدارة المحلية. يتوقف الكثير من هذه الأسئلة على صياغة دستور فعّال. وبالفعل، جرى نقاش كبير حول عملية صياغة هذه الوثيقة، حيث اعتبرها الكثيرون في الشرق بمثابة اختبار مابعد الانتخابات لالتزام المؤتمر الوطني العام بتسوية الخلافات بين الشرق والغرب. في آذار/مارس 2012، أجرى المجلس الانتقالي تعديلاً ملحوظاً للمادة 30 من الدستور عندما أصدر مرسوماً ينصّ على أن تقوم لجنة من 60 عضواً بصياغة الوثيقة – يطلق عليها "لجنة الـ60" – والتي ستشكّل على غرار الهيئة التي صاغت دستور العام 1951. وسيعيِّن المؤتمر الوطني العام أعضاءها الستين لتمثيل كل من الأقاليم الثلاثة في ليبيا. واعتبرت تلك محاولة واضحة لكسب الدعم من إقليم برقة. لايختلف التعديل كثيراً عن سابقة العام 1951 حيث ينصّ على ضرورة أن يتم إقرار أي إجراء من أغلبية الثلثين زائد واحد، وهو تحذير يهدف إلى منع إقليم واحد من تجاوز الإقليمين الآخرين، كما حدث أثناء عملية العام 1951. 40
 
في 5 تموز/يوليو، 2012، أي قبل يومين فقط من الانتخابات، مضى المجلس الانتقالي إلى أبعد من ذلك في محاولة لتجنّب المقاطعة المتوقّعة من الشرق. فقد أعلن أنه سيتم انتخاب لجنة الـ60 عبر التصويت الشعبي، بدلاً من أن تعيّن. قوبل الإجراء بدعم واسع في الشرق، ولكن كانت هناك بالتأكيد أصوات ناقدة أيضاً. عبّر البعض عن اعتقاده بأن عملية صياغة الدستور ستصبح مسيّسة بشكل مفرط وأنه ينبغي اختيار أعضاء اللجنة من الخبراء القانونيين وعلماء السياسة والتكنوقراط بدلاً من انتخابهم شعبياً. وقال آخرون إن التعامل مع كل منطقة كدائرة انتخابية واحدة سيهمّش المدن والقرى ذات الكثافة السكانية المنخفضة.41  وفي بيان أصدره بعد الانتخابات، بدا أن المجلس الانتقالي ترك الباب مفتوحاً حتى أمام مزيد من التعديل بالإشارة إلى أن تعديل ربع الساعة الأخير لم يكن ملزما قانوناً للمؤتمر الوطني العام.42  واعتباراً من أول آب/أغسطس، وفقاً لمسؤول الأمم المتحدة في بنغازي، باتت هناك مؤشّرات على أن المؤتمر الوطني العام الجديد سيلغي رسمياً التعديل الذي أجراه المجلس الانتقالي، لأنه يعتبره غير قانوني. وإذا ماحدث هذا، فإن من المؤكد تقريباً أنه سيحيي الشكوك الشرقية تجاه التهميش، وربما يشجّع دعاة الفدرالية الأكثر تشدّداً.
 
وبصرف النظر عن هذه المناقشات، فإن اللجنة والمؤتمر الوطني العام يواجهان جدولاً زمنياً طموحاً لاعتماد الدستور. وفقاً لتعديل تم أخيراً، فإن أمام اللجنة مائة وعشرين يوماً لصياغة الدستور ومن ثم إجراء الاستفتاء خلال ثلاثين يوماً. بعد ذلك يحال الدستور إلى المؤتمر الوطني العام للتصديق عليه وإصداره. وأشار كثيرون إلى احتمال حدوث اضطرابات في هذه العملية، مذكّرين بقلّة خبرة اللجنة ومندوبي المؤتمر الوطني العام على حد سواء، وعدم وجود كتلة برلمانية واضحة، وإمكانية الخلط بين القضايا الوطنية والبلدية. ودعا آخرون إلى تمديد الفترة الزمنية، مشيرين إلى سابقة دستور العام 1951 التي وضعت في خلال خمسة وعشرين شهراً. 43 

تشكيل قطاع الأمن

بغضّ النظر عن الجدول الزمني للدستور، يواجه المؤتمر الوطني العام التحدّي الهائل المتمثّل في إعادة بناء القطاع الأمني في البلاد، وهي المهمة التي تترتّب عليها آثار بالغة الأهمية ولاسيّما في الشرق، نظراً إلى ازدياد أعمال العنف مؤخّراً في بنغازي ومدن أخرى. في تموز/يوليو وحده قتل أكثر من 13 من المسؤولين في عهد القذافي في بنغازي والمدن المحيطة بها. كما شهدت بنغازي سلسلة من الهجمات بالقنابل والقذائف الصاروخية، ضدّ إحدى المحاكم والسجون، وعمليات خطف، وهجمات بالعبوات الناسفة ضدّ المقرّات الأمنية المحلية.44  ولايزال مرتكبو هذه الهجمات مجهولين. وقد عزاها البعض إلى جماعة إسلامية تأخذ القانون بيدها ولديها قائمة بالأهداف التي تضربها. وربما تكون أيضاً محاولات من جانب ميليشيا محلية لضرب الأجهزة الرسمية لجهاز أمن الدولة، والتي يعتقد أن مسؤولين من عهد القذافي يعملون فيها.
 
يضاف إلى كل هذا الخلاف الدائر بين أبناء القبائل المعارضين والمؤيدين للراحل عبدالفتاح يونس، وزير الداخلية السابق الذي انشقّ في ظل حكم القذافي ليصبح القائد العسكري للمعارضة خلال الثورة. فقد تم اغتياله في ظروف غامضة في بنغازي يوم 28 تموز/يوليو 2011، واندلع الكثير من أعمال العنف الأخيرة عشية ذكرى وفاته. على سبيل المثال، في مساء يوم 31 تموز/يوليو، اقتحم مسلحون ملثّمون مبنى وزارة الداخلية في بنغازي وأطلقوا سراح قاتله المزعوم.
 
 بغضّ النظر عن مصدرها، تشير الهجمات إلى الضرورة الملحّة لمعالجة الوضع الأمني في الشرق في إطار إصلاح أوسع لقطاع الأمن في البلاد. وعلى وجه التحديد، يجب أن تدمج العديد من الكتائب الثورية في الشرطة النظامية والجيش، ويجب أن يعطى الثوار الشباب فرصاً للتدريب على العمل أو مواصلة التعليم. ولابدّ أن يركّز الكثير من العمل على الهيئات الأمنية الخاصة والمؤقتة التي أنشأها المجلس الانتقالي أو سمح بإنشائها. في بعض الحالات، يتم وصفها على أنها حظائر أو مراكز إعادة تأهيل لكتائب ثورية على طريق التفكيك والاندماج في الشرطة والجيش. وفي حالات أخرى، هي مبادرات عملية من جانب قادة الكتائب أنفسهم، لمقاومة إدماج مقاتليهم في الجيش أو الشرطة والحفاظ على تماسك الكتائب ولو تحت اسم مختلف. وسيتعيّن على الحكومة المركزية أن تجد وسيلة إما لتفكيك هذه القوات أو وضعها تحت رقابة أشدّ.45  وبخلاف ذلك، فإنها تتعرّض إلى خطر أن تتطور هذه القوات لتصبح نوعاً من دولة الظل التي تفسد تطوير المؤسّسات الديمقراطية.
 
من بين هذه الهيئات، تعدّ اللجان الأمنية العليا هي الأكثر إشكالية، حيث تخضع إلى إشراف وزارة الداخلية. لاتزال أعداد هذه القوة غامضة، حيث تشير بعض التقديرات إلى أنها تتراوح بين 90000 و100000 عضو. ظاهرياً، تتألف القوة من مقاتلين ثوريين من المفترض أن يسخّروا، مؤقتاً، حماستهم وخبرتهم القتالية لخدمة الأمن الانتقالي، وخاصة خلال فترة الانتخابات. يتمثّل الجانب الأسوأ في أن اللجان تركت بنية الكتيبة سليمة، وانضمت كتائب كاملة بشكل جماعي واستبدل قادتها مواقعهم بكل بساطة. في أواخر آب/أغسطس 2012، كانت هناك مؤشرات مثيرة للقلق بأن اللجان في طرابلس مخترقة من قبل السلفيين المتشدّدين الذين دنّسوا المواقع الصوفية في طرابلس وزليتن.46  ومن المفارقات، بعد ذلك، أن هذه اللجان تديم نظام الكتائب نفسه الذي يحاول المجلس الانتقالي تفكيكه، وهي على خلاف مع برامج التسريح الأخرى في إطار مكتب رئيس الوزراء ووزير الدفاع.47 
 
نادراً ماتمكّنت اللجان الأمنية العليا من كسب ثقة المواطنين الليبيين. وبينما يُسخر من أفراد الشرطة المحلية (التي تخضع أيضاً إلى إشراف وزارة الداخلية) بوصفهم من عهد القذافي ويرفضون التعاون، فإن أفراد اللجان الأمنية العليا مرهوبو الجانب بوصفهم من البلطجية والمشاغبين أو يُسخر منهم على أنهم من غير الأسوياء. إذ تنتشر الاتهامات بالتعذيب والاختطاف والقتل على نطاق واسع. وثمّة دلائل متزايدة على وجود إشكالية مقلقة، حيث أصبح الزي موحّداً أكثر ولدى اللجان الأمنية الآن موقع على شبكة الانترنت، مايشير إلى أنها لن تختفي قريباً.48  وقد أجبرت اللجان الأمنية العليا في طرابلس المؤتمر الوطني العام مؤخّراً على التراجع عبر التلويح بالإضراب بعد أن كان طالب باستقالة قادة اللجان الأمنية عقب تدنيس الأضرحة السنّية في أواخر آب/أغسطس.
 
وثمة إشكالية أخرى مساوية إشكالية اللجان الأمنية على المدى الطويل، وهي تحالف الدرع الليبي من كتائب من الشرق ومصراتة والزنتان الذي يعمل في الواقع باعتباره موازياً للجيش الليبي الضعيف. فقد انتهى الأمر بالدرع في أغلب الأحيان إلى تأجيج التوتّرات في الشرق لأنه ينظر إلى قادته باعتبارهم طرفاً في النزاع المحلي. في كثير من النواحي، تعدّ القوة مبادرة عملية من قادة الكتائب أنفسهم، تهدف إلى مقاومة إدماج مقاتليهم في الجيش أو الإدارات الرسمية والشرطة والحفاظ على هيكل الكتائب ولو تحت اسم مختلف أكثر رسمية.
 
يخطّط قائد إحدى كتائب مصراتة (الذي يمكن وصفه بأنه أقوى قائد العسكرية في المدينة) لتحويل الدرع إلى القوة العسكرية الاحتياطية في ليبيا، والتي من شأنها أن تعمل جنباً إلى جنب مع الجيش والبحرية والقوات الجوية في البلاد، وسيتولّى إدارتها رئيس أركان الجيش الليبي مباشرة. وفقاً لخطته، سيتم تدريب أفراد الدرع مدة شهر واحد في السنة ويحصلون على راتب وعلى المزايا الطبية لهم ولأُسَرِهم. وفي المقابل، سيسلّمون أسلحتهم الثقيلة من المدفعية والدبابات والصواريخ والبنادق غير المرتدّة إلى وزارة الدفاع. وستعيد الحكومة شراء أسلحة المقاتلين المتوسطة، والمدافع المضادة للطائرات من عيار 14.5 و23 ملليمتر، التي كانت تشكّل العناصر الأساسية للثورة. وسيتم تخزين هذه الأسلحة كافة في "مناطق عسكرية" إقليمية يشرف عليها قادة الدرع المحليون. ويهدف هذا المخطط المزعوم إلى تفكيك الكتائب، لأن المجندين ينضمون كأفراد، لا كجزء من مجموعة. ومع ذلك، من الصعب أن نتصور أنها مجرد وسيلة بارعة للحفاظ على صلاحيات الكتائب المناطقية ووضع الدرع كوسيلة للتحوّط من الحالة السياسية غير المواتية في طرابلس. 49
 
مع ذلك ثمة مبادرة ميليشيا أخرى هي بمثابة ثقل موازن للجيش الليبي تتمثّل باللجنة الثورية العليا، وهي ائتلاف كتائب من طرابلس ومصراتة وجبال نفوسة أعلن عنه في أواخر تموز/يوليو. وقد طلبت اللجنة من هيئة الأركان المشتركة استبعاد كل ضباط الجيش الذين حاربوا إلى جانب القذافي من الجيش الليبي. ووافقت اللجنة أيضاً على إنشاء "جناح سياسي" لها سيكون مسؤولاً عن محاسبة الوزارات ومؤسسات الدولة بشأن مكافحة الفساد في الدولة الليبية. 50
 
في الأشهر الأخيرة من ولايته، قام المجلس الانتقالي ببعض الخطوات لتسريح الكتائب ودمج مقاتليها الشباب في المجتمع. كان في طليعة هذه الجهود مبادرة من مكتب رئيس الوزراء أطلق عليها اسم لجنة شؤون المحاربين للتنمية (معروفة محلياً باسم لجنة شؤون المحاربين). سجلت اللجنة مايقرب من 215 ألف مقاتل من الثوار وجمعت بيانات عنهم أيضاً. وهي تعمل كنوع من خدمة التوظيف، حيث نقلت هؤلاء الشبان إلى الشرطة والجيش، أو أرسلتهم إلى الخارج بموجب منح دراسية، وشجّعت تعليمهم في المنزل، أو وفرت لهم تدريباً مهنياً. وبعد الفحص والغربلة، هناك مايقرب من 150 ألفاً الآن مؤهّلون للتوظيف؛ وليس معروفاً بعد ماذا سيحدث للـ65000 الآخرين. وفقاً لمسؤول في لجنة شؤون المحاربين، إن الهدف الضمني للجنة هو تفكيك الكتائب من خلال لفت الانتباه للمصلحة الفردية. ويقول: "نحن في حاجة إلى مناشدة طموحات الثوار ورغبتهم في حياة أفضل. نحن في حاجة أن نقول له إن الكتائب لايمكن أن تقدّم لك شيئاً". ولذا لاغرابة في أن ردّ فعل الكتائب كان فاتراً.

التطوير المؤسّسي في فراغ أمني

مع أن المخاوف من انفصال شرق البلاد واحتمال قيام حكم ذاتي قد هدأت، لاتزال الكثير من المخاوف الأمنية الملحّة التي ستشكّل تحدّيا للمؤتمر الوطني العام قائمة. وقد مثّلت انتخابات المؤتمر الوطني الأخيرة تفويضاً بوحدة التراب الليبي، ولكن هناك احتمال بألا تتم تلبية التوقعات العالية للنمو الاقتصادي والاندماج السياسي. فهناك عدد من الجماعات المسلحة في الشرق تحتفظ بالقدرة على لعب دور مفسد. يضاف إلى ذلك اتساع نطاق عمليات الاغتيال والخطف والتفجير التي تعاني منها بنغازي.
 
بصرف النظر عن الفراغ الأمني، تتمثّل الصراعات الأكثر إلحاحاً في الشرق الليبي في صعود التشدّد السلفي ومطامح التبو. في كلتا الحالتين، أدّت الفجوة بين السلطة المركزية والحكم المحلي إلى تفاقم الصراعات القبلية وصراعات الأجيال. كما أن ضعف قطاع الأمن الرسمي يعني بأن الدولة أوكلت أمر التنفيذ والوساطة إلى ائتلافات من أطراف فاعلة غير رسمية كالكتائب وشيوخ القبائل. وقد أجّجت هذه التدابير المؤقتة في كثير من الأحيان الوضع الملتهب ومنحت الكتائب وزعماء القبائل قدراً خطيراً من النفوذ.
 
وبالتالي، ستكون إحدى المهام الأساسية للبرلمان الجديد تسريع التنمية المؤسّسية للشرطة والجيش، فضلاً عن القضاء. الكثير من هذا يحدث بالفعل، على نحو غير مخطّط له، على المستوى المحلي. وسيكون من قبيل الحكمة بالنسبة إلى الحكومة الجديدة أن تسخّر هذه القوة الدافعة، بدلاً من تطبيق مقاربة من أعلى إلى أسفل لاتأخذ في الاعتبار الاعتبارات المحلية، وهو ماسيعدّ دليلاً إضافياً على أن سياسات القذافي في المركزة لاتزال قائمة. وإلى جانب ذلك، يتعيّن على المؤتمر الوطني قيادة البلاد بحذر خلال العملية الدستورية. إذ لاتزال آفاق الجمود والاستقطاب مرتفعة، وخاصة بشأن اثنتين من القضايا التي يمكن أن تشجّع العنف في الشرق: الحكم الذاتي المحلي ودور الإسلام في التشريع.
 
في كثير من النواحي، المجتمع الخارجي لديه قدر محدود من النفوذ على هذه الأحداث. بالفعل، هناك عدد من المحاولات متعددة الأطراف والثنائية التي تبذل لمساعدة الليبيين في مجال التخطيط الاستراتيجي في وزارتي الدفاع والداخلية لتدريب الشرطة وتسريع عملية إدماج المقاتلين الشبان. وبالنسبة إلى نماذج كتابة الدستور والحكومة اللامركزية، يمكن لليبيين الاستفادة من خبرات الدول الأخرى كالولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة والبرازيل. لكن في الوقت الراهن، يبدو أن الليبيين يستخلصون الدروس الإيجابية والسلبية على حدّ سواء من تجربة بلدهم القصيرة في دستور العام 1951. وبغض النظر عن النموذج الذي سيستخدم، يتعيّن على الحكومة الجديدة إعادة ثقة الأطراف في المركز وإصلاح انقطاع الاتصال السياسي بين الحكومة الوطنية في طرابلس والمجالس المحلية. وعندئذ فقط يمكن إقناع الكتائب العديدة في البلاد بالتخلي عن استقلاليتها.

نبذة عن الكاتب

فريدريك ويري باحث أول في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. تتركّز أبحاثه على الإصلاح السياسي والقضايا الأمنية في دول الخليج العربي وليبيا، والسياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط عموماً. قبل انضمامه إلى مؤسسة كارنيغي، كان ويري من كبار محلّلي السياسات في مؤسسة "راند" RAND Corporation، وقاد في العام 2008 فريقاً استشارياً استراتيجياً من المؤسسة إلى بغداد، العراق، للتركيز على تحديات مرحلة مابعد زيادة عديد القوات الأميركية دعماً للقوات متعدّدة الجنسيات في العراق. ويري هو أيضاً مقدّم في سلاح الجو الأميركي، وقد قام بجولات في العراق وتركيا وليبيا وأوغندا.
 
نُشِرَت له مقالات في "فورين أفيرز" Foreign Affairs، و"واشنطن كوارترلي" Washington Quarterly، و"كارنت هيستوري" Current History، و"إنترناشونال هيرالد تريبيون" International Herald Tribune، و"سورفايفل" Survival، وصدى، و"سمول وارز أند إنسورجنسيز" Small Wars and Insurgencies، إضافة إلى "كريستيان ساينس مونيتور" Christian Science Monitor، و"مجلة شيكاغو للقانون الدولي" Chicago Journal of International Law. وأُجريَت معه مقابلات في وسائل إعلام رئيسة مثل "نيويورك تايمز" New York Times، و"واشنطن بوست" Washington Post، و"كريستيان ساينس مونيتور" Christian Science Monitor، وبرنامج NewsHour في محطة "بي بي أس" PBS، ومحطات "أن بي آر" NPR، "وبي بي سي" BBC، و"سي أن أن" CNN. كما وضع ويري دراسة بحثية بعنوان "السياسات الطائفية في الخليج: من حرب العراق إلى الربيع العربي"، ستصدرها قريباً منشورات جامعة كولومبيا Columbia University Press
 

هوامش

 1. للحصول على مثال نموذجي، أنظر:
Aymenn Jawad al-Tamimi, “Libya Heading Toward Islamism,” American Spectator, November 11, 2011. 
جدير بالملاحظة أن استحضار شبح زحفٍ إسلامي في ليبيا كان سائداً لدى المراقبين الغربيين أكثر منه لدى نظرائهم العرب الذين اعتبروا أن الطبيعة المنقسمة للحركة الإسلامية في ليبيا تحدّ من قوّتها. كامل عبد الله، السياسة الدولية، "احتمالات إقامة دولة دينية في ليبيا"، تشرين الأول/أكتوبر 2011.
 
  2. للاطلاع على مزيد من المعلومات عن هذا التصنيف في الإطار الليبي، أنظر:
Brian McQuinn, “Armed Groups in Libya: Typology and Roles,” Small Arms Survey Research Note, no. 18, June 2012.
 
 3. Thomas Husken, “Tribal Political Culture and the Revolution in Cyrenaica of Libya,” paper presented at the conference on “Libya from Revolution to State-Building: Challenges of the Transitional Period,” January 7-8, 2012, Doha, Qatar; sponsored by the Libyan Center for Studies and Research. Also, Faraj Najem, Tribe, Islam and State in Libya, unpublished PhD dissertation, 241.
 
 4. أنظر موقع مجلس برقة:
www.ctc-ly.org
صحيفة قورينا الجديدة، 20 تموز/يوليو 2011، 
http://qurynanew.com/?p=4356
الجزيرة.نت، 21 تموز/يوليو 2011، 
www.aljazeera.net/NR/exeres/6C403781-A193-45F8-A392-2A900CB1CD4E.htm
 
 5. “Creation of Cyrenaica Council Sparks Furious Federalism Row,” Libya Herald, March 7, 2012.
"رفض تقسيم ليبيا إلى فدراليات"، الجزيرة.نت، 21 تموز/يوليو 2011، 
www.aljazeera.net/NR/exeres/6C403781-A193-45F8-A392-2A900CB1CD4E.htm.
 
6.  “Jibril’s Bloc Wins Party Seats in East Libya,” Al-Jazeera, July 7, 2012, www.aljazeera.com/news/africa/2012/07/2012711202926521918.html
 
7.  “Gunmen Close Libyan Oil Terminals Ahead of Vote,” NOW Lebanon, July 6, 2012.
 
 8. “Libya Leader Threatens ‘Force’ to Foil East Autonomy Bid,” Jordan Times, March 8, 2012.
 
9.  أنظر موقع مجلس برقة على شبكة الإنترنت:  
www.ctc-ly.org
 
10. Michael Cousins, “Congress Independent Members Mull PM and Chairman Choice,” Libya Herald, July 28, 2012.
 
11. “Federalists Launch Political Party,” Libya Herald, August 1, 2012.
  للحصول على معلومات خلفية، أنظر "الإسلاميون في ليبيا: تاريخ وجهاد"، المنارة للإعلام، كانون الثاني/يناير 2012، 
http://www.almanaralink.com/press/2012/01/7420/الصادق-الرقيعي-الإسلاميون-في-ليبيا-ت/
 
12. لمعرفة خلفية دور الإسلاميين في الدفاع عن بنغازي، أنظر المقابلة التي أجريت مع فوزي أبو كتف، المنارة للإعلام، 14 شباط/فبراير 2012:
  www.almanaralink.com/press/2012/02/10675
 
 13. لمزيد من المعلومات، أنظر:
Charles Levinson, “Ex-Mujahedeen Help Lead Libyan Rebels,” Wall Street Journal, April 2, 2011.
 
14.  Nic Robertson and Paul Cruickshank, “Source: Al Qaeda Leader Sends Veteran Jihadists to Establish Presence in Libya,” CNN, December 30, 2011 and Nic Robertson, Paul Cruickshank and Tim Lister, “Growing Concern Over Jihadist ‘Safe Haven’ in Eastern Libya,” CNN, May 15, 2012. Azuz is also cited in an Amnesty International Report for Syria in 1995.
 
15. أنظر:
www.youtube.com/watch?v=5ytkhjMd4PQ
 
16.  أنظر "جلسة شعرية لكتائب شهداء أبو سليم"،
www.youtube.com/watch?v=LYIF74yCRxw&feature=related
 
17. أنظر المقابلة على منتدى "التميمي" الجهادي على شبكة الإنترنت:
 
18. http://tamimi.own0.com/t97883-topic#686380
 
19. أنظر:
www.facebook.com/anssarelsharieah
 
20. يمكن العثور على كتيب كتيبة أنصار الشريعة على الموقع التالي:
http://a5.sphotos.ak.fbcdn.net/hphotos-ak-ash3/541262_337055756351449_310853968971628_938176_1789504486_n.jpg
 
 21.  تلفزيون الحرة (ليبيا)، 19 حزيران/يونيو 2012.
 
  22. مصباح العوامي، "خلال الملتقى الأول لأنصار "الشريعة" ببنغازي.. مسلحون يستعرضون قوتهم.. ومخاوف من تحول ليبيا لدولة متطرفة"، قورينا الجديدة، 14 حزيران/يونيو 2012،
www.qurynanew.com/36582
 
 
23.  للحصول على مثال نموذجي، أنظر المقال: سعد النعاس، "أنصار الشريعة والإسلام"، صحيفة الوطن (ليبيا)، 28 حزيران/يونيو 2012.
 
24.  في الوقت نفسه، انتقده بعض المراقبين لأنه التزم الغموض في مايتعلّق بتدنيس المقامات ولم يكن حازماً بما يكفي. للاطلاع على فيديو عن الفتاوى التي أطلقها في مايتعلّق بالمقامات الصوفية، أنظر: 
www.youtube.com/watch?v=-8OZvlDvCkI
 
 
 25.  أنظر المقابلة التي نشرت على المنتدى الجهادي التالي: 
http://tamimi.own0.com/t97883-topic#686380
 
 
 26. “Libyan Tabu Tribe Threatens Election Boycott,” Associated Press, July 2, 2012. 
 
27. Geographic Services, Incorporated, “Geographical and Tribal Factors at Play in Kufrah, Libya,” September 22, 2011.
 
28. “Zway Tribesman ‘Cut’ Oil Production,” Libya Herald, July 4, 2012, www.libyaherald.
com/?p=10480.
 
29. للحصول على معلومات خلفية عن النزاع، أنظر:
Philip Martin and Christina Weber, “Ethnic Conflict in Libya: Toubou,” Norman Paterson School of International Affairs, Carleton University, June 21, 2012 and “Libye: Quand les Toubous se Réveillent,” Jeune Afrique, May 5, 2012.
 
 
30.  “Jibril’s Bloc Wins Party Seats in East Libya,” Al-Sharq al-Awsat, July 7, 2012, www.aljazeera.com/news/africa/2012/07/2012711202926521918.html.
 
 
31.  "شهود عيان: هجوم قوات مسلحة من التبو التشاديين وحركة العدل والمساواة على مدينة الكفرة"، المنارة للإعلام، 13 شباط/فبراير 2012،
www.almanaralink.com/press/2012/02/10613/شهود-عيان-هجوم-قوات-مسلحة-من-التبو-الت/
 
 
32.  ثمة ثلاثة فروع لقوات درع ليبيا: الدرع الغربي (تحالف مقره الزمتان)، وفرع أوسط (بقيادة مصراتة)، وفرع شرقي (مقره بنغازي).
 
33.  "الكتائب المشاركة بالملتقى الأول لأنصار الشريعة ببنغازي تتوجه إلى الكفرة"، قورينا الجديدة، 12 حزيران/يونيو 2012،
www.qurynanew.com/36410
 
 
34.  أنظر مقابلة 21 نيسان/أبريل 2012 مع أحد قادة الفرع الشرقي لقوات درع ليبيا في الكفرة، 
www.youtube.com/watch?v=1mgP6opsyS4&feature=related
 
35.  “Kufra Mediation Moves Slowly,” Libya Herald, June 18, 2012.
  
 
 36. أنظر مقابلة 21 نيسان/أبريل 2012 مع أحد قادة الفرع الشرقي لقوات درع ليبيا في الكفرة، بشأن أهداف الدرع في الكفرة وحجم الوساطة القبلية،
 www.youtube.com/watch?v=1mgP6opsyS4&feature=related 
 
37.  “Kufra Leaders Agree to Meet and End Violence,” Libya Herald, August 2, 2012.
 
38. “Sudan, Chad and Libya Establish Joint Patrols to Control Common Border,” Sudan Tribune, March 9, 2012. 
 
 39. “Tebu Fighters in Kufra to Be Integrated Into Security Forces,” Libya Herald, May 13, 2012.
 
 
 40. Translation of the amendment provided by the Project on Middle East Democracy (POMED); available at http://pomed.org/wordpress/wp-content/uploads/2012/07/Constitutional-Amendment-No-1-2012-en.pdf.
 
 
41.   "حراك مجتمعي في بنغازي حول المؤتمر الوطني العام والهيئة التأسيسية ودستور ليبيا المقبل"، المنارة للإعلام، 26 تموز/يوليو 2012.
 
42.  Umar Khan and George Grant, “NTC Takes Responsibility for Constitution From National Conference,” Libya Herald, July 5, 2012.
 
43.  "حراك مجتمعي في بنغازي حول المؤتمر الوطني العام والهيئة التأسيسية ودستور ليبيا المقبل"، المنارة للإعلام، 26 تموز/يوليو 2012.
 
44.  "بنغازي: جمعة ساخنة وغياب أمني مقلق لمواطني المدينة"، المنارة للإعلام، 28 تموز/يوليو 2012،
http://www.almanaralink.com/press/2012/07/20701/بنغازي-جمعة-ساخنة-وغياب-أمني-مقلق-لموا/
 
45.  للاطلاع على معلومات خلفية عن هذه المقرّات، أنظر:
Frederic Wehrey, “Libya’s Militia Menace,” Foreign Affairs, July 15, 2012.
 
 
46.  George Grant, “Why the Supreme Security Committee Must Be Brought to Heel— Before It’s Too Late,” Libya Herald, August 29, 2012.
 
47.  مقابلة أجراها الكاتب مع مسؤولين عسكريين أميركيين وأوروبيين، طرابلس، ليبيا، تموز/يوليو 2012.
 
 
48.  "انسحاب اللجنة الأمنية من شوارع بنغازي ومديرية الأمن الوطني تؤكّ قدرتها على بسط الأمن"، قورينا الجديدة، 24 تموز/يوليو 2012،
www.qurynanew.com/38949
أنظر أيضاً صفحة اللجنة الأمنية العليا المؤقتة/بنغازي على موقع فايسبوك:
www.facebook.com/#!/ssc.benghazi
 
 
49.  كتيّب عن الدرع الليبي قدّم إلى الكاتب، مصراتة، ليبيا، 28 حزيران/يونيو 2012.
 
 
50.  "الإعلان رسمياً عن تأسيس المجلس الأعلى للثوار"، قورينا الجديدة، 29 تموز/يوليو 2012،
 www.qurynanew.com/39268