في غضون العقدين الماضيين، شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نمواً اقتصادياً ملحوظاً، مع نتائج متباينة وتسرّب محدود للثروة إلى الشرائح الأكثر فقراً. وفي ظل التأثيرات الاقتصادية للربيع العربي على المنطقة وماينتج عن هذه التأثيرات من مطالب لصياغة عقدٍ اجتماعيٍّ جديدٍ، بات من الضروري إقدام الحكومات على إرساء برامج من شأنها التخفيف من حدّة الفقر وتعزيز القدرة على التعافي من الصدمات الاقتصادية.

في الآونة الأخيرة، استكمل البنك الدولي تقريراً إقليميّاً حول شبكات الأمان الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط تحت عنوان "الإدماج والمرونة: سبل المضي قدماً لشبكات الأمان الاجتماعي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" Inclusion and Resilience: the Way Forward for Social Safety Nets for Middle East and North Africa. وبهدف تسليط الضوء على نتائج هذا التقرير واقتراح توصيات للحكومات من أجل تحسين برامجها ذات الصلة بشبكات الأمان الاجتماعي، نظّم مركز كارنيغي للشرق الأوسط والبنك الدولي نقاشاً مع فكتوريا ليفين، الخبيرة الاقتصادية في قطاع التنمية البشرية في البنك الدولي، وحنين السيّد، منسّقة برنامج البنك الدولي للتنمية البشرية في سورية ولبنان والأردن. وتولّى إبراهيم سيف من مركز كارنيغي للشرق الأوسط التعليق وإدارة الحوار.

في إعداد التقرير

وفقاً لحنين السيّد، كانت مهمة الإعداد للتقرير عمليةً شاملةً، مع تنظيم ورش عمل استشارية تشاركية في بيروت وتونس ومسقط. وقد ارتكزت على معلومات جديدة وأخرى سابقة عن الأسر، جُمِعَت من اثنتي عشرة دولةً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك ثلاثة استطلاعات رأي تناولت:

  1. تقييم الحماية الاجتماعية للمواقف والمعرفة والدعم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA SPEAKS): سأل الاستطلاع الذي أعدّته غالوب Gallup والذي يتمحور حول الأوضاع في لبنان والأردن ومصر وتونس، المواطنين عن رأيهم بشبكات الأمان الاجتماعي وما يريدونه من هذه الشبكات ومايعرفونه عنها.
     
  2. الأردن: سعت هذه التجربة السلوكية إلى شرح تفضيلات المواطنين الأردنيين لتصميم برامج مختلفة ذات صلة بشبكات الأمان الاجتماعي.
     
  3.  البعد الإقليمي: كان الهدف من وراء الجهود التي بُذِلَت في سبيل جمع البيانات، الحصول على معلوماتٍ إداريةٍ جديدةٍ تتعلّق ببرامج شبكات الأمان الاجتماعي القائمة حالياً في اثنتي عشرة دولةً من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

دور شبكات الأمان الاجتماعي

تُعرَّف شبكات الأمان الاجتماعي على أنها تحويلات غير محتسبة في الراتب وتستهدف الفقراء والمستضعفين. ويمكن لهذه الشبكات أن تنطوي على برامج التوظيف المؤقت ودعم الدخل، فضلاً عن الخدمات التي من شأنها بناء الرأسمال البشري، على غرار البرامج التدريبية والتمويلات المتناهية الصغر. وتبعاً لتفسيرات ليفين، تساعد شبكات الأمان الاجتماعي على تحقيق ثلاث نتائج مهمة: الإدماج الاجتماعي، وتحسّن المستويات المعيشية، تعزيز والقدرة على التعافي من الصدمات الاقتصادية. وأضافت أنّه يمكن لهذه الشبكات أن تخفّف من حدة الفقر وسرعة التأثر بالأزمات عن طريق تقليص تداعيات الصدمات السلبية على الفقراء والمهمّشين. فمن دون شبكات الأمان الاجتماعي، قد تغرق الأسر الفقيرة أكثر فأكثر في لجّة الفقر، وقد تُلقي الصدمات الاقتصادية بثقلٍ أكبر على الأسر ذات الدخل المتدنّي، على حدّ تعبير ليفين.

التحديات التي تطرحها شبكات الأمان الاجتماعي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

لفتت ليفين في إطار النقاش إلى أنّ التحديات الرئيسة التي تعرقل نجاح شبكات الأمان الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ثلاثة وهي التالية:

  • الفقر: يبلغ الفقر في أوساط الأطفال نسبةً عاليةً جداً. وفي اليمن على سبيل المثال، يعيش نحو ثلث الأطفال دون خط الفقر. هذا وتتجاوز نسبة الفقر في المناطق الريفية نسبتها في المناطق الحضرية، وقد تفوقها أحياناً بواقع الضعف.
     
  • عوائد العمل والتعليم: تشكّل مستويات التعليم المتدنية في المنطقة تحدياً رئيساً. إلى جانب ذلك، يندرج عمل الفقراء في معظم المنطقة ضمن إطار القطاع غير الرسمي، حيث لايتلقون أجراً جيداً ولايحصلون على المنافع الوظيفية الرئيسة.
     
  • الإقصاء الاجتماعي: إنّ تقييد إمكانية الوصول إلى فرص العمل والخدمات الاجتماعية يعني بأنّه يجري استبعاد بعض المجموعات، مثال النساء والمعوّقين والمهجّرين، اجتماعياً.

الوضع الحالي لشبكات الأمان الاجتماعي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

  • انعدام الفعالية: يركّز عدد من برامج شبكات الأمان الاجتماعي على إعانات الوقود، كونها غير فعالة وتصب في مصلحة الأغنياء أكثر منها لمصلحة الفقراء. ولذا لابدّ من تطوير واعتماد برامج بديلة لهذا النوع من الشبكات والدعم العشوائي، والمقصود بالبرامج البديلة التحويلات النقدية المشروطة وتلك غير المشروطة، على حد قول ليفين.
     
  • التباين في البرامج: ثمة الكثير من التنوّع في أوساط شبكات الأمان الاجتماعي في المنطقة. فبينما يمتلك العراق وسورية القليل من برامج شبكات الأمان الاجتماعي التي لاتوفر إعانات مباشرة للفقراء، يتجاوز عدد هذه البرامج العشرة في كل من الأردن والمغرب. وبالنسبة إلى متوسط معدل تغطية برامج شبكات الأمان الاجتماعي، فيبلغ 50% في الضفة الغربية وغزّة، فيما لايتعدى الـ30% في أكثرية دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
  • الطرق المستهدفة للفقراء: تلجأ دول المنطقة إلى طريقتي استهداف مختلفتين. الأولى، تستهدف شرائح محددة من المجتمع، مثال الأيتام والمعوقين والنساء. أما الثانية، فتستهدف مناطق محددة. وقد أثبتت هذه الطريقة أنها فعالة في حال تركُّز مستويات الفقر في مناطق معينة بدلاً من توزّعها في أرجاء البلاد. ولكنّ ليفين أشارت إلى أنّ شبكات الأمان الاجتماعي في المنطقة هي بشكل عام غير مستهدَفَة إلى حد كبير، كما أنها ليست على درجة كافية من السخاء.

شبكات الأمان الاجتماعي في لبنان

في الوقت الراهن، يمتلك لبنان ثمانية برامج تركّز على التعليم والصحة. هذا إلى جانب برنامج شبكة أمان اجتماعي واحد، أو البرنامج الوطني لاستهداف الفقر، القائم على عمليات تقييم فردية، حسبما أفادت ليفين. وينطوي البرنامج الوطني لاستهداف الفقر الذي أُطلق حديثاً في لبنان، على معلومات حول الأسر اللبنانية ويصنّفها بحسب درجة فقرها، وذلك كي يتمكّن المساعدون الاجتماعيون من الوصول إلى من هم بأمسّ الحاجة للمساعدة. وبموجب البرنامج الوطني لاستهداف الفقر، خصصت الحكومة في ميزانيتها للعام 2011، مبلغ 28 مليون دولار من أجل توزيعه على الأسر الأكثر فقراً. وأوضحت حنين السيّد أنّ المبدأين اللذين ارتكز عليهما المشروع هما الآتيان:

  • الإنصاف: لدى كل مواطن لبناني الحق بالتقدّم إلى هذا البرنامج والاستفادة منه.
     
  • العدل والشفافية: ينبغي تقييم احتياجات المتقدمين إلى البرنامج استناداً إلى طرقٍ شفافة وموضوعية.

وعلى الرغم من هذا الاستثمار، تشير بيانات من استطلاع تقييم الحماية الاجتماعية للمواقف والمعرفة والدعم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الخاص بلبنان، إلى أنّ 22% من اللبنانيين يؤمنون بأنّ الحكومة غير فاعلة في توزيع المساعدة، و84% منهم يفضلون أن تستهدف شبكات الأمان الاجتماعي الفقراء، و66% منهم يفضّلون تلقي معونة شبكات الأمان الاجتماعي النقدية بدلاً من مواد غذائية أو ملابس.

أجندة إصلاحات شبكات الأمان الاجتماعي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

لخّصت ليفين أجندة الإصلاحات على الشكل الآتي:

  •  الأثر التحسيني: تشجّع زيادة الاستثمار في الرأس المال البشري على الإدماج الاجتماعي للفقراء والمستضعفين. وفي هذا الصدد، لفتت ليفين النظر إلى برنامج تيسير المغربي، بوصفه  مثالٍ جيد على ذلك.
     
  •  الموثوقية والمرونة: من الضروري أن يكون هناك بنية تحتية من شبكات الأمان الاجتماعي الموثوقة والمرنة والتي تعمل بشكلٍ فاعلٍ في أوقات الازدهار والركود على حد سواء. وتبعاً لليفين، بإمكاننا تحقيق هذه الغاية عن طريق إعداد سجلات موحّدة للأطراف المستفيدة، واللجوء إلى آليات فعالة لتسليم الخدمات، على غرار البطاقات الذكية.
     
  •  التعزيز: على الحكومات أن تقدّم التعزيزات لبرامج شبكات الأمان الاجتماعي المفككة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وذلك عن طريق إعداد تحديد البرامج المختلفة وتحديث قاعدة البيانات المتعلقة بالفقراء وذلك لضمان التنفيذ الفعّال.

 إعادة التوازن إلى الموارد المالية: على الحكومات أن تعيد التوازن إلى التمويلات المخصصة لبرامج شبكات الأمان الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفي البداية، لابدّ من زيادة حجم الإنفاق على احتياجات شبكات الأمان الاجتماعي التي لاتوفر الإعانات النقدية، وتحسين تغطية هذه البرامج كي تستهدف شريحة كبيرة من الفقراء. إلى ذلك، ينبغي خفض الهدر  في سلسلة تموين السلع المدعّمة، كما ينبغي تطبيق التعديلات على السلع الأقل حساسيةً تجاه الإصلاحات.

وفي ختام عرض التقرير، خَلُص سيف إلى القول بأنّ البيئة السياسية في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد أخّرت عملية البدء بالإصلاحات الضرورية من أجل حلّ مشاكل الفقر وعدم المساواة. ورأى أنّه لابدّ من وضع خريطة طريق، والعثور على دعم وطنيٍّ من أجل تنفيذ السياسات المقترحة، الأمر الذي سيشمل تحسين القدرة المؤسساتية داخل المنظمات الحكومية المسؤولة عن الإنفاق الاجتماعي.