تفاقم العجز في ميزان التجارة الخارجية في المغرب خلال الأعوام الأخيرة، حيث تجاوز حجم واردات الدولة حجم صادراتها بواقع الضعف. وفي الوقت الراهن، يمثّل العجز التجاري في المغرب 23% من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا أمرٌ لاسابق له في تاريخ دولة المغرب الحديث. ولذلك، انضمّ كلّ من محمد بنعياد من المجلس الوطني للتجارة الخارجية وحسين الجور من مكتب الصرف والتهامي عبد الخالق من المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي، إلى الحسن عاشي من مركز كارنيغي للشرق الأوسط في الرباط، من أجل تقييم مستوى العجز وتحديد خيارات السياسة العامة على الأمدين القريب والمتوسط.

عجز ميزان التجارة الخارجية: منحى مُقلق لايمكن الاستمرار به

  • منحى مُنذر بالخطر: اتفق بنعياد والجور وعبد الخالق على أنّ المنحى الذي بدأ بالظهور على مستوى التجارة الخارجية في المغرب، يُنذر بالخطر. فالفجوة بين واردات المغرب من البضائع وصادراتها منها تتسع، في حين لم تعد صادراتها من الخدمات وتحويلات الأموال من المغاربة المقيمين في الخارج والتي أسهمت لسنوات في تقليص عجز الميزان التجاري، كافية، على حد قولهم.
     
  • تدهور احتياطات الصرف الأجنبي: بلغ عجز الحساب الجاري نسبة 8% من الناتج المحلي الإجمالي للعام 2011، ومن المرجح أن يسجل المزيد من التراجع بحلول أواخر العام 2012. ووفقاً لعاشي، فإنّ "احتياطات الصرف الأجنبي تُستنزف ومن المحتمل ألا يغطي مستواها الحالي أكثر من أربعة أشهر من الواردات، بالمقارنة مع عشرة أشهر منذ خمس سنوات". والحقيقة أنّ المنحى الحالي لم يعد ممكناً الاستمرار به، وهو يعرّض البلاد إلى مخاطر فعلية.
     
  • تداعيات دولية: فتح صندوق النقد الدولي خلال شهر آب/أغسطس، خطاً ائتمانياً "احتياطياً" بقيمة 6.2 مليارات دولار من أجل حماية اقتصاد المغرب من صدمات خارجية إضافية، حسبما أوضح الجور. ومؤخراً، أقدمت وكالة ستاندر أند بورز على خفض التوقعات بالنسبة إلى اقتصاد المغرب من درجة مستقرة إلى سلبية، مستندةً إلى ضعف الاقتصاد وتدهور ميزانية الدولة وعجز حسابها الجاري.
     
  • صدمات خارجية: يعزى تنامي عجز الميزان التجاري جزئياً إلى عوامل خارجة عن سيطرة الحكومة، على غرار ارتفاع أسعار النفط والمواد الغذائية في الأسواق العالمية والآفاق الاقتصادية القاتمة في أوروبا، الشريك الأساسي للمغرب، حسبما أضاف عبد الخالق.

إخفاقات السياسة العامة وعجز هيكلي

  • العقبات المحلية: معظم عجز المغرب هيكلي، كونه ناجم عن عدم قدرة السلع المغربية على المنافسة سواء محلياً أو في الأسواق الأجنبية، وفق ما أوضح عبد الخالق. ورأى بنعياد أنّ البلاد تتلكأ في مجال عملية التصنيع، مع تنوّعٍ متواضعٍ للسلع والصادرات. وأضاف أنّ "المغرب قد فتحت اقتصادها من خلال التزاماتها المبرمة في إطار منظمة العمل الدولية واتفاقات التجارة الحرة مع أوروبا والولايات المتحدة وتركيا. ومع ذلك، فهي لاتزال غير مجهزة بشكل جيد، وتفتقر إلى الإنتاجية الكافية واليد العاملة الكفوءة".
     
  • المنافسة العالمية: يقول عاشي إنه مع صعود نجم الصين في التجارة الدولية، جرى إبعاد الكثير من الدول عن القطاعات التي تتطلب عمالةً مكثفةً بسبب ماتقدّمه من أجور غير تنافسية. ومع ذلك، تمكّن بعض الدول من الحفاظ على نمو الصادرات عبر إنتاج المزيد من السلع المتطورة التي تستخدم تقنيات أكثر تعقيداً ويد عاملة ماهرة. أما المغرب، فلم تقدم على هذا الأمر بسبب رأسمالها البشري الفقير واستثماراتها المتواضعة في مجال الأبحاث والتطوير.
     
  • معدلات الصرف: رأى عاشي أنّ ارتفاعاً مضطرداً في سعر الصرف الحقيقي الفعلي المرتبط باليورو قد فاقم ضعف موقع المغرب التنافسي، في الوقت الذي تشهد فيه العديد من الدول المنافسة للمغرب انخفاضاً فعلياً في قيمة عملاتها.
     
  • دور الحكومة المغربية: أفاد بنعياد أنّ الحكومة وضعت في الآونة الأخيرة، سياسات لدعم التصنيع والترويج للصادرات، بيد أنّ معظم هذه السياسات قطاعيّة وغير منسّقة، والحكومة في حاجة إلى رؤية متكاملة ورزمة متناسقة من السياسات للتمكن من تذليل العقبات قصيرة الأمد وإرساء دعائم أجندة تنمية أكثر طموحاً.