مع أن الاقتصادات العربية تعاني من البطالة والتقسيم الطبقي للدخل وافتقار العمال إلى الكفاءة، يمكن أن تساهم عملية إقامة مجتمعات منتجة وشاملة للحميع في انتشال المنطقة من براثن الفقر. في هذا الإطار، ينظر تقرير جديد صادر عن منظمة العمل الدولية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، في التغيّرات الاقتصادية التي شهدها العالم العربي على مدى العقدين الماضيين. ويتناول التقرير الآثار المترتّبة على النمو الاقتصادي وتوزيعه غير المتكافئ في مابين المجتمعات العربية وضمنها.

استضاف مركز كارنيغي للشرق الأوسط كلاً من زفيريس تزاناتوس، وهو خبير اقتصادي مقيم في الإمارات العربية المتحدة، ومستشار كبير سابق للمكتب الإقليمي لمنظمة العمل الدولية في بيروت، وخالد أبو اسماعيل، أحد كبار الخبراء الاقتصاديين في الإسكوا، وسامي عطالله، المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات السياسية، وذلك لمناقشة نتائج التقرير. وأدار النقاش وأشرف عليه إبراهيم سيف من مؤسسة كارنيغي.

النتائج

استهلّ تزاناتوس النقاش بتسليط الضوء على نتائج التقرير:

  • المظهر الكاذب للاشتراكية: في ثمانينيات القرن الماضي، شُكِّل العالم العربي على أساس نظام أبوي واستبدادي تحت راية الاشتراكية. وفي هذا السياق، قال تزاناتوس إن الدولة قدمت العديد من فرص العمل والمنافع لموظفي القطاع العام، ومع ذلك أبقى النظام على قدر محدود من المشاركة الاجتماعية.
  • طرفا النقيض: أضاف تزاناتوس أن هذه الفترة في التاريخ الاقتصادي العربي اتّسمت بطرفين متناقضين. فلقد كان لتحرير الاقتصاد والإصلاحات المؤيّدة للسوق أثر كبير، ومع ذلك لم تحقق هذه السياسات النتائج المرجوّة، وأدّت آثارها في كثير من النواحي إلى بروز الربيع العربي في كانون الأول/ديسمبر 2010. 
  • التوزيع غير المتكافئ: صحيح أن العالم العربي نما بوتيرة أسرع في مجال التشغيل من أي كتلة نامية أخرى، إلا أن توزيع النمو على قطاعات معينة كان متواضعاً. ورأى تزاناتوس أن الظروف الاجتماعية للعمال الفقراء لم تتحسّن هي الأخرى.
  • النمو غير المتوازن: أضاف تزاناتوس أنه على الرغم من استمرار انخفاض معدّلات الفقر حتى العام 2010، لم يواكب هذا الانخفاض معدلات النمو المرتفعة في الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة طوال العقود الثلاثة الماضية. ومع ذلك، حققت المنطقة قدراً جيداً من النجاح في مجال التنمية الاجتماعية، وهو مايتناقض بشكل حادّ مع ماسجّلته من مجموع منخفض في مؤشرات الحوكمة. وأضاف أن النمو أفاد في الغالب القطاعات والأنشطة ذات القيمة المضافة المنخفضة، الأمر الذي يفسّر الزيادة الحادّة في الاقتصادات غير الرسمية في العالم العربي.

تبديد الأسطورة

تطرّق تزاناتوس إلى عدد من الأساطير المحيّرة حول اقتصادات الشرق الأوسط.

  • نمو اقتصادي من دون فرص عمل: رأى تزاناتوس إن الزعم القائل بأن المنطقة العربية شهدت تحسناً اقتصادياً من دون توفير فرص عمل باطل، حتى لو كان نوع العمل الذي يتم توفيره يتطلب مهارات قليلة.
  • لطفرة في عدد الشباب: لفت تزاناتوس إلى أن الدول العربية حافظت على نسبة من الشباب ثابتة إلى حدّ ما مقابل عموم السكان خلال العقود الثلاثة الماضية. وعلى الرغم من تنامي اليد العاملة، انخفض معدل النمو، الأمر الذي خفّف الضغوط الديموغرافية في المنطقة. 
  • بطالة الشباب باعتبارها حافزاً للاحتجاج: أضاف تزاناتوس أنه على الرغم من أن بطالة الشباب أدّت دوراً مهماً في إطلاق شرارة انتفاضات الربيع العربي، كانت المظالم السياسية عنصراً رئيساً في الدعوات إلى التغيير المجتمعي. 

الصعوبات التى تواجه المنطقة

سلّط اسماعيل الضوء على ثلاثة تحديات اجتماعية واقتصادية تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا:

  1. الاستثمار: شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أدنى معدّلات الاستثمار في العالم، قبل الإصلاحات الاقتصادية التي طُبِّقَت في ثمانينيات القرن الماضي وبعدها. 
  2. المشاكل المؤسّسية: أعاقت القيود المؤسّسية، ومنها الفساد المستشري وانعدام الاستقرار ومحدودية الحصول على الأراضي، تنمية القطاع الخاص بشدّة. 
  3. المهارات: يعاني العالم العربي من نقص حادّ في مجموعة المهارات الفنية وسوء إدارة المهارات المتوفرة.

توصيات لإدخال تحسينات

عرض عطالله أربع خطوات لبناء مجتمعات عربية منتجة وشاملة للجميع:

  1. إجراء المزيد من البحوث حول أسباب انخفاض أعداد الشباب من رواد الأعمال في المنطقة.
  2. إجراء المزيد من البحوث حول أثر سياسات تحرير التجارة، وذلك لأن الآثار المترتّبة على تقليص الحواجز أمام التجارة على الإنتاجية والتنمية الاجتماعية لم تُدرَس بشكل كافٍ. 
  3. إجراء دراسة شاملة للأسباب التي جعلت طلب القطاع الخاص على العمال المهرة ينخفض. 
  4. اتباع مقاربة سياسة أكثر استهدافاً وتركّز على الاحتياجات المحدّدة لكل قطاع أو صناعة.