لا تظهر القوى السياسية في مصر اهتماماً كافياً بالمسألة الاقتصادية على مستوى الشارع، فالمصري العادي الباحث عن لقمة العيش يطالب بفرصة عمل، وتحسين ظروف العيش من ضمن معطيات جديدة أفرزها التغير في رأس الهرم السياسي. لكن القوى السياسية من مختلف الأطياف منخرطة في عملية شد وجذب تبدو محصلتها النهائية صفراً. فهناك من يعيد المشاكل إلى الدولة العميقة، وهناك من يرجعها إلى «أخونة» المؤسسات، وما بينهما تزداد الأوضاع سوءاً.
 
تتبنى القوى السياسية، الإسلامية والليبرالية خطاباً اتهامياً، يوجه اللوم إلى الأطراف الأخرى، ولا يقدم حلولاً واقعية لمشاكل مصر الاقتصادية التي تتفاقم بمرور الوقت. ويبدو أن تلك القوى لا تقدر حجم المشكلة الاقتصادية التي تمر بها مصر والتداعيات التي يمكن أن تترتب على حدوث انهيار اقتصادي، فكل المؤشرات تؤكد أن هناك أزمة جدية تلوح في الأفق، إذ إن الاحتياط الأجنبي في تراجع وبلغ حدوداً غير آمنة باستثناء الذهب، والاستثمارات شبه متوقفة، وهناك نزوح لرأس المال، وتوقف للاستثمارات الأجنبية باستثناء بعض الاستثمارات القطرية والخليجية التي تعتبر محدودة قياساً إلى ما تحتاج إليه مصر. وفوق كل ذلك خفضت مؤسسات الائتمان الدولي التصنيف الائتماني لمصر ما يعني ارتفاع أسعار الفوائد وصعوبة تحصيل قروض بشروط ميسرة من المؤسسات الدولية.
 
أما القطاع الخاص فهو في وضع لا يحسد عليه، وهنا نتحدث عن القطاع الخاص الوطني الراغب في الاستثمار والباحث عن موقع جديد في ظل التغيرات السياسية، وليس القطاع الخاص المرتبط بالنظام السابق والذي راكم ثرواته عبر علاقاته غير الصحيحة مع الدولة. فهذا القطاع «الجيد» لا يستطيع الاستثمار، ولا يستطيع اتخاذ قرار استراتيجي، إذ إن الأمن متدهور، وهناك انطباعات سلبية جداً حول دور القطاع الخاص تمنعه من اتخاذ مبادرات في المرحلة الانتقالية.
تضاف إلى ذلك حال الانقسام بين فئات من رجال الأعمال المقربين من حركة «الإخوان المسلمين» والفئات الأخرى التي باتت تحس بتهديد، وهي مقاربة شبيهة برجال الأعمال الذين كانوا يرتبطون بالحزب الوطني الذي كان يقوده الرئيس السابق حسني مبارك وكانوا يحققون مكاسب اقتصادية من خلال الارتباطات السياسية. وهذا الواقع أدى إلى جعل كثرٍ من رجال الأعمال ينظرون إلى الخارج كملاذ آمن إلى أن تستقر الأوضاع الاقتصادية، لكن هذا السلوك يعني أن الظروف الاقتصادية مرشحة لأن تسوء أكثر خلال المرحلة الحالية الانتقالية التي تحتاج إلى رؤية تساعد في المرور ومنح الأمل بأن تتحسن الظروف الاقتصادية.
 
حتى الآن لا يلوح في الأفق برنامج واضح يغطي السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، ويتضمن سياسات واضحة تخاطب الهموم الأساسية التي أدت إلى الثورة، مثل قضية تكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية وتحسين الخدمات العامة. والمعضلة الكبرى، أن حزب الحرية والعدالة الذي يتحكم بمقاليد الأمور، لا يريد أن يتحمل مسؤولية سوء الأوضاع، إذ يجادل مسؤولوه بأنهم ليسوا في الحكم وهناك من يعطلهم من خلال مؤسسات «الدولة العميقة»، في حين يجادل المعسكر الآخر بأن هناك عملية «أخونة» لمؤسسات الدولة، وليس هناك اهتمام بتطوير أداء المؤسسات العامة كي تصبح أكثر قدرة على الاستجابة لمطالب المواطنين، أو كي تحسن قدراتها على حل مشكلات أساسية تواجه المواطن المصري مثل المواصلات التي باتت هماً عاماً، أو أزمات النظافة العامة.
 
وهذا يعيدنا إلى السؤال: أين الخلل؟ هل هو في طبيعة المؤسسات الهشة والضعيفة التي لم تعد قادرة على تحسين أدائها بصرف النظر عمن يحكم، أم تكمن في السياق السياسي للسيطرة على بعض المؤسسات المهمة من قبل الحزب الحاكم والمقاومة الضمنية لهذا التوجه؟ في الحقيقة لا توجد منابر أو مؤسسات لإدارة حوار حول هذه الإشكالية، بل هناك تحميل لطرف واحد مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، وقليلون جداً هم من يتحدثون عن كيفية الخروج من هذه الدائرة المغلقة.
 
أمام هذا الواقع، لا يُستغرب لجوء مصر إلى صندوق النقد الدولي، وخلافاً لما يعتقده كثيرون بأن حزب الحرية والعدالة، أو حزب التنمية والعدالة (النور)، أو الأحزاب ذات الخلفية الإسلامية، ستعارض هذا التوجه، فحزب الحرية والعدالة في طريقه إلى توقيع ما يعرف بالاتفاق الانتقالي بين الحكومة المصرية وصندوق النقد كي يضمن بعض التمويل، على أن يُوقع الاتفاق وبرنامج الإصلاح والشروط التي سترافق القرض البالغة قيمته 4.8 بليون دولار بعد الانتخابات البرلمانية.

بعد سـنتين على رحيـل النـظام السابق، تبدو المرحلة الانتقالية غير واضحة المعالم، ويبدو أن الخلافات السياسية لن تُحسم من خلال حوار في المؤسسات الرسمية بل من خلال الشارع والمنابر الإعلامية، وهذا لا يمنح كثيراً من الأمل للمراقب، ولا يؤسس للتوصل إلى تفاهمات ســياسية تنقل مـصر إلى مـرحلة جـديـدة. ومع مرور الوقت يتزايد عدد المـصـريـين الـذين لا يديـرون ظهـورهم للعـملية السـياسية، فالدعم السياسي من قبل الناخبين لكل الحركات السياسية كما تظهر الاستطلاعات يتراجع، وكل هذا يشير إلى أن ديناميكية المرحلة الانتقالية عاجزة عن التعامل مع التحـديات الاقتـصادية، ما يـجعل المسـتقبل مـشوباً بدرجة عالية من الغموض. 

تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة