أسفر الصراع السوري، الذي مضى عليه قرابة سنتين إلى الآن، عن مقتل أكثر من 60 ألف شخص، وجلب الدمار إلى البلاد وزعزع الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. ثمة ضرورة للقيام بعمل دولي مشترك، لكن الجمود في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حال دون ذلك حتى الآن. وقد تبيّن خطل الآمال التي علّقتها الولايات المتحدة وأوروبا على انضمام روسيا إليهما في إقصاء بشار الأسد عن السلطة. ولذا، من الضروري إيجاد مقاربة جديدة لوقف المذبحة وإقامة سلطة انتقالية في دمشق قادرة على تعزيز المصالحة الوطنية.

حسابات موسكو 

  • اتّخذت روسيا موقفاً واضحاً بشأن سورية في وقت مبكر ولم تتوان عن خوض غمار خلاف حاد للغاية مع الولايات المتحدة وأوروبا.
     
  • من خلال رفض استخدام نفوذها للضغط على الرئيس الأسد وحثّ طرفي الصراع على العمل من أجل المصالحة، ترى روسيا أنها منصفة.
     
  • يخضع موقف روسيا بشأن سورية إلى مفهومها الخاص للنظام العالمي، والذي يدعو إلى ضبط استخدام القوة من جانب مجلس الأمن الدولي، ورفض تغيير الأنظمة من خارج.
     
  • ترى موسكو أن الربيع العربي ثورة إسلامية من المرجّح أن يهيمن عليها المتطرفون. وهي تخشى من أن يصبح الصراع السوري أكثر تطرّفاً وينتشر أكثر.
     
  • لم تحقق سياسات الكرملين نجاحاً وهي تضرّ بشكل خطير بعلاقات روسيا مع الغرب والعالم العربي.

نحو تعاون أعمق بين روسيا والغرب

  • لايمكن تجاهل دور روسيا، ولايمكن للدول الغربية التعامل مع موسكو وفقاً لشروطها.
     
  • يتعيّن على الغرب تبنّي التعاون مع روسيا على أساس المصالح المشتركة. ففي سورية لايرغب الأميركيون ولا الروس، بغضّ النظر عن مدى قوة الخلافات بين موسكو وواشنطن بشأن رحيل الأسد من السلطة، في حدوث فوضى أو إقامة نظام إسلامي سنّي راديكالي.
     
  • يجب على الدول الغربية الاستفادة من منظور روسيا الفريد والبراغماتي في الشرق الأوسط بشكل عام وفي سورية بشكل خاص. فقد كانت رؤية موسكو في بعض الأحيان أقرب إلى الواقع من الحماس واليأس الغربيين.
     
  • يجب على الولايات المتحدة وأوروبا الاعتراف بأن النظام العالمي بدأ بالتحوّل. فروسيا ليست، ولن تكون، جزءاً من الغرب، لكنها ترى نفسها على أنها قوة استقرار وتُقدِّم التقاليد والقواعد الإجرائية على العاطفة والإيديولوجيا. وتعدّ روسيا حليفاً طبيعياً لمن يسعون إلى مزيد من القدرة على التنبّؤ في العلاقات الدولية.

نحو مقاربة جديدة في سورية

  • ينبغي على روسيا التخلّي عن موقفها النظري القاضي بكفّ اليد وعدم التدخّل تجاه التطورات السياسية في سورية. ويجب على الولايات المتحدة أن تركّز على التوصل إلى تسوية سياسية كهدف مباشر لها بدلاً من إطاحة نظام الأسد.
     
  • الولايات المتحدة وروسيا بحاجة للعمل على وضع آليّة عمليّة لتنفيذ عملية انتقال سياسي في سورية.
     
  • يجب على موسكو وواشنطن تحديد وتحفيز العناصر الأكثر قابلية للحوار في المعسكرين المتحاربين، وينبغي ممارسة الضغط على من لايرغبون في الانخراط بهدف جلبهم إلى طاولة المفاوضات. وينبغي عليهما فرض العزل والمعاقبة التامين على من يعارضون المصالحة.
     
  • روسيا والولايات المتحدة بحاجة إلى العمل بشكل وثيق مع جميع الأطراف في المنطقة - الدول العربية وتركيا وإسرائيل وإيران – لضمان دعمها لعملية السلام في سورية. وينبغي أن تتم إدارة العملية من جانب الأمم المتحدة بغية تحسين صدقيّتها.

العامل الروسيي 

تحوّلت الانتفاضة السورية التي بدأت في آذار/مارس 2011 إلى حرب أهلية عنيفة ذات طابع طائفي قوي. وقد أدّى الصراع المسلح داخل الدولة، حتى أواخر تشرين الثاني/نوفمبر ،2012 إلى مقتل حوالي 60 ألف شخص،1  وتقسيم المجتمع الدولي.
 
في حين وقفت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا وبلدان الخليج - قطر والمملكة العربية السعودية بشكل خاص - علناً مع المعارضة المسلّحة للرئيس السوري بشار الأسد، عارضت روسيا والصين ممارسة أي ضغوط على دمشق. وقد دعمت إيران نظام الأسد مادياً. وتنخرط الهند والبرازيل، وكلاهما يسعى للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، في عملية توازن صعبة. وتمثّل الأزمة السورية اختبار قوّة للأمم المتحدة، وبصفة خاصة، لصدقيّة وفعّالية مجلس الأمن التابع لها.
 
ثمّة أمور كثيرة تتوقّف على مواقف وسياسات الحكومة الروسية تجاه التطورات الأخيرة في سورية. فبعد عقدين من زوال الاتحاد السوفياتي، لاتزال روسيا لاعباً دولياً رئيساً بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن. وتتبنّى موسكو منظوراً كونياً متميزاً يختلف على نحو متزايد عن نظيره الغربي، وهي لاتتوانى عن طرح حلول بديلة لمجموعة من القضايا الدولية. وهذا مهم بشكل خاص، لأنها تملك القدرة على عرقلة سياسات الولايات المتحدة في مجلس الأمن، وتجعلها غير قانونية من حيث القانون الدولي إذا ما أرادت واشنطن المضيّ قُدُماً من دون الحصول على موافقة مجلس الأمن. لكن، بالنظر إلى ثقل موسكو الدولي، يمكن للتعاون بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن سورية أن يمهّد الطريق باتجاه وضع حدّ للصراع.
 
كما أن موقف روسيا مهم في ضوء موقف الصين، القوة العالمية الصاعدة التي لاتزال متردّدة عموماً في معارضة الغرب وحدها بشأن القضايا التي لاتؤثّر على مصالحها المباشرة. ومع ذلك، انضمت بكين إلى موسكو أحياناً في معارضة قضايا محدّدة، ما سمح للروس بالاضطلاع بدور قيادي (وتحمّل النقد)، وبالتالي خلق نمط من المعارضة الصينية - الروسية للولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.
 
تحظى موسكو في كثير من الأحيان بدعم دولي لجهودها البارزة في الوقوف في وجه واشنطن. وعادة ما يكون دعم مواقف روسيا علنياً لدى عدد من الحكومات والجهات الفاعلة غير الحكومية التي تعارض سياسات الولايات المتحدة، أو تتشبّث بالقيم التقليدية في العلاقات الدولية، مثل سيادة الدولة وعدم التدخّل، التي تدافع عنها روسيا في مواجهة التدخّل الغربي الإنساني.
 
تهدّد هذه المعارضة بتقسيم مجلس الأمن الدولي بشكل دائم بشأن قضايا السيادة وحقوق الإنسان. وبما أن أكثر الصراعات المسلحة في العالم الآن تحدث داخل الدول وليس بينها – وهو ما كان عليه الحال في منتصف القرن العشرين عندما تمت كتابة ميثاق الأمم المتحدة – فإن هذا الخلاف يمكن أن يشلّ الجهاز الرئيس للهيئة العالمية المسؤولة عن السلام والأمن الدوليين (مجلس الأمن).
 
مع ذلك، وفي ظل تراجع الهيمنة الغربية العالمية، ووجود أمور كثيرة في حالة تغيّر مستمر، تقدم روسيا نفسها كثقل موازن للغرب يمكنه أن يؤثّر في شكل النظام الدولي الناشئ.
 
في الواقع، تمثّل الخلافات حول سورية سجالاً بين وجهات نظر مختلفة من النظام العالمي، وقضايا السيادة وحقوق الإنسان، واستخدام القوة، والمسؤولية عن استخدام القوة بدلاً من السماح لصراع ما بأن "يخمد من تلقاء نفسه". يختلف هذا السجال اختلافاً جوهرياً عن التنافس السوفييتي - الأميركي في حقبة الحرب الباردة في الشرق الأوسط، والذي كان أساساً حول الإيديولوجية والهيمنة الإقليمية. والوضع يختلف أيضاً عما كان عليه في الماضي، لأن في سورية الآن أزمة دولية تضاف إلى صراع محلي حادّ هو جزء من عملية تعمّ المنطقة بأسرها أطلق عليها اسم الربيع العربي.
 
تجسّد سورية من نواحٍ عدّة مواجهة في غاية التطوّر في أوائل القرن الحادي والعشرين، ويمثّل التحدّي الذي يؤلّب روسيا ضدّ الغرب والعالم العربي في مجلس الأمن صعوبة التعامل مع مثل هذه الصراعات على المستوى العالمي. لم يعد بوسع الولايات المتحدة وحلفائها حلّ هذه القضايا وحدهم. إذ تتطلّب الإدارة الناجحة للصراعات وحلّها تعاوناً دولياً وإقليمياً حتى عندما تكون القيم متباينة. وبدوره، يتطلّب التعاون الفعّال في الحدّ الأدنى أن تتفهّم الأطراف بوضوح دوافعها وأهدافها، وخصوصاً روسيا. ويمكن أن يبدأ فهم المقاربة الروسية تجاه سورية انطلاقاً من التجربة في ليبيا.

أصول المقاربة الروسية: مقدمة ليبيا 

جاءت الأزمة السورية في أعقاب اندلاع الأزمة في ليبيا، لكن الأوضاع في البلدين تطوّرت بشكل مختلف تماماً. في ليبيا، حظيت الانتفاضة ضد نظام معمر القذافي، التي بدأت في شباط/فبراير 2011، بدعم حاسم من المجتمع الدولي. ففي آذار/مارس 2011، وفيما كانت قوات القذافي تستعدّ لإخماد المقاومة في بنغازي، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرارين 1971 و1973، حيث أدان ممارسات الزعيم الليبي وفرض منطقة حظر جوي فوق البلاد لحماية المدنيين من مجزرة على أيدي قوات النظام. أدّت الجهود الدولية في ليبيا إلى سقوط نظام القذافي في تشرين الأول/أكتوبر 2011.
 
ساعدت التجربة في ترسيخ موقف موسكو بشأن الأزمة المتطوّرة في سورية، وكشفت للمجتمع الدولي خلفية موقف روسيا من مسألة التدخل العسكري الخارجي في النزاعات الداخلية. 
 
أما بشأن ليبيا، فقد اتّخذت روسيا خطوة غير مسبوقة حيث سمحت باستخدام القوة ضد حكومة ذات سيادة في الصراعات الداخلية. ولم يختلف خطاب الرئيس الروسي آنذاك، ديمتري ميدفيديف، كثيراً عن خطاب القادة الغربيين. إذ قال ميدفيديف إن القذافي "جثة سياسية" قبل أكثر من ستة أشهر من الإطاحة بالديكتاتور الليبي. وبدا السفير الروسي لدى ليبيا، فلاديمير تشاموف، معارضاً لخط الكرملين الجديد في البرقيات الدبلوماسية، حيث تم فصله من دون سابق إنذار وتقاعد في آذار/ مارس 2011.
 
لم تكن هذه المقاربة الجديدة من بنات أفكار ميدفيديف. فحين ناقش مجلس الأمن القومي الروسي القضية قبل التصويت الحاسم في مجلس الأمن، جرى طرح خيارين اثنين: إما الامتناع عن التصويت أو الانضمام إلى القوى الغربية. في النهاية، امتنعت روسيا عن التصويت، واختارت مقاربة أكثر حذراً. واعتبر مجلس الأمن القومي الروسي المعايير المقترحة لاستخدام القوة غير مرضية تماماً.
 
كان واضحاً أن فلاديمير بوتين، (رئيس الوزراء رسمياً آنذاك لكنه كان مع ذلك لايزال الزعيم الأبرز في روسيا ومعلم ميدفيديف)، أكثر تشكّكاً من زملائه الجدد، لكنه لم يعترض على امتناع روسيا عن التصويت، وبالتالي سمح بتمرير القرارات. ومع ذلك، بعد وقت قصير من تصويت مجلس الأمن، أعرب بوتين علناً عن قلقه إزاء "الصليبيين الجدد" وهو سلوك يفترض أنه شهم بينما سمح في الواقع لمنطقة حظر الطيران في ليبيا بأن تصبح نافذة.
 
كان الخلاف الواضح بين الرئيس الروسي الاسمي ورئيس الوزراء القوي، في الواقع، محاولة من جانب موسكو للجمع بين طرفي القضية بشكل منفصل بغية تحقيق أقصى قدر من المكاسب وتقليل الخسائر الناجمة عن أي صراع. كان دور ميدفيديف في اللعبة هو الحصول على دعم الغرب لحملة التحديث في روسيا، والتوصّل إلى حلّ وسط بشأن برنامج الدفاع الصاروخي في أوروبا. أما دور بوتين فكان إنقاذ عقود موقّعة مع ليبيا القذافي بقيمة 8 مليارات دولار.
 
مع  تطور الوضع في ليبيا، أصبحت الشكوك الروسية أكثر وضوحاً. فقد أصبح تنظيم منطقة حظر الطيران مهمة منوطة بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ما أثار الذكريات غير السعيدة لتدخّلات الحلف العسكرية السابقة في منطقة البلقان، بما في ذلك في كوسوفو في العام 1999. يومها، عبّرت موسكو عن حساسية خاصة إزاء أي مقترحات بتولّي حلف الناتو مهمة عالمية، والتي فسّرتها على أنها تغطي بالفعل الفضاء السوفييتي السابق.
 
بعد أن راقبوا، غير مصدّقين، المواجهة الطويلة بين المتمرّدين المدعومين من حلف الناتو والنظام في خضمّ الحرب الأهلية الليبية، صُعق الروس بالنهاية السريعة للُّعبة، والتي شهدت تقديم دعم غربي سرّي للإطاحة بالقذافي ومن ثم قتله بصورة وحشيّة على أيدي المتمردين. وما أن انتهت الحرب في ليبيا، حتى اتّهم المسؤولون الروس الغربيين، بمن فيهم ميدفيديف، بالنفاق في قتل الناس في المدن التي يسيطر عليها القذافي، لإنقاذ الأرواح في الأراضي التي يسيطر عليها الثوار، وبالكذب في المساعدة على إسقاط النظام، في الوقت الذي يعلنون فيه أنهم لايعتزمون القيام بذلك.
 
كما فوجئت موسكو بالتطوّر السريع للموقف الأميركي بشأن الأزمة الليبية. في البداية، تم إيهام الكرملين بأن الولايات المتحدة لن تتدخّل في ليبيا. كان الروس مقتنعين بالحجج العنيدة التي تؤيد الابتعاد عن الصراع الليبي، التي أدلى بها علناً  وزير الدفاع الأميركي آنذاك روبرت غيتس، والذي أوضح أن إنشاء منطقة حظر جوي يعني شنّ عملية عسكرية هجومية وحذّر من تورّط الولايات المتحدة في صراع ثالث في بلد مسلم إلى جانب العراق وأفغانستان. بعد أسبوعين، وعندما تبنّى الرئيس باراك أوباما رأيا مخالفاً، بعد أن أقنعه مساعدوه بذلك، وأمر بالبدء في الاستعدادات المطلوبة للقيام بعملية عسكرية، فوجئت موسكو بعدم القدرة على التنبؤ بما يمكن أن تُقدِم عليه واشنطن. 
 
من الناحية العملية، الموقف الذي اتخذته روسيا بشأن ليبيا في العام 2011 كان يعني أن موسكو لا تحمي بصورة تلقائية الأنظمة التي تعارض الغرب. إذ لم يكن القذافي عميلاً سوفييتياً خلال الحرب الباردة، وعقد سلاماً مع الغرب منذ العام 2003. كانت لروسيا تعاملات تجارية مع ليبيا حتى اندلاع الانتفاضة، رغم أنها كانت أضيق نطاقاً من علاقات الأخيرة مع الأوروبيين. زار الرئيس بوتين ليبيا واستضاف القذافي في موسكو، لكن القادة الروس لم يشعروا بأي مسؤولية ولاتعاطف مع الديكتاتور الليبي ولا بالأسف لرحيله.
 
كما تبيّن أنه إذا ما تمت معاملة روسيا على قدم المساواة مع نظرائها من الغربيين، فإن موسكو ستتعاون معهم في تنظيم وإدارة العمليات العسكرية التي تنطوي على استخدام القوة لحماية الأرواح البشرية والحريات في بلدان أخرى، برعاية مجلس الأمن الدولي. ومع ذلك، فإن استعداد موسكو للتعاون مع الغرب لايرقى إلى مستوى تغيير النظام بصورة مباشرة، أو التخطيط لانقلاب، أو الضغط على الزعماء الأجانب للتخلّي عن السلطة.
 
لاتكمن جذور اعتراضات روسيا على تغيير النظام في البلدان الأخرى، على مبدأي سيادة الدولة وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول، بل أيضاً في القلق بشأن ما سيحدث بعد خلع زعيم ما. في مرحلة مابعد القذافي ليبيا، ظلّ القلق يساور المراقبين الروس بشأن الفوضى العامة، والانهيار الفعلي للبلاد، وانتشار مخزون أسلحة النظام المخلوع.
 
لم يكن لدى القذافي سوى قلّة من الأصدقاء في روسيا، ولم يكن بوتين منهم، ومع ذلك فقد  أثار إسقاط الدكتاتور مسألة صدقيّة الغرب. إذ تتوقّع روسيا أن يعاملها الغرب كشريك على قدم المساواة، ويحترم وجهات نظرها ومصالحها. لكن سرعان ما اكتشفت موسكو أنه ليس لديها نفوذ على الغرب في ليبيا إلا بالقدر الذي يتعلّق بإدارة العملية التي صدر تفويض بالقيام بها.
 
عندما تمت الإطاحة بالقذافي في خاتمة المطاف، سارعت السلطات الليبية الجديدة إلى تجديد العقود التي أبرمتها الشركات الغربية مع القذافي. ومع ذلك، لم تجدّد العقود المبرمة مع الشركات الروسية. وقد زاد هذا الضرر المادي من حجم الإهانة التي تلقتها روسيا من حلف شمال الاطلسي بتجاوزه التفويض الممنوح له من مجلس الأمن لحماية المدنيين الليبيين من خلال إنشاء منطقة حظر جوي، عندما بدأ حملة عسكرية واسعة في البلاد. أثار هذا المزيج استياءً جديّاً  في موسكو، سرعان ما ظهر في سورية. لقد تذكرت موسكو الدرس الليبي.

جذور روسيا العميقة في سورية

ليس من المستغرب أن تتطور الأزمة السورية بشكل مختلف عن الأزمة في ليبيا، نظراً إلى الاختلافات الصارخة بين الدولتين. إذ أن ليبيا بلد واحات في الصحراء ذو كثافة سكانية منخفضة، وثانوي إلى حدّ كبير بالنسبة إلى بقية بلدان العالم العربي. ففيما تقع سورية، التي  يزيد عدد سكانها عن 22 مليون نسمة، في قلب منطقة الشرق الأوسط، وقد كانت بلداً محورياً طيلة تاريخ المنطقة على مدى الثلاثة آلاف سنة الماضية. من الناحية العملية، تعتبر القوات المسلحة الموضوعة تحت تصرّف الرئيس بشار الأسد أكثر تفوقاً بكثير من الجيش الليبي في ظل حكم القذافي.
 
كان ينبغي أن يكون واضحاً منذ البداية أنه لن يكون هناك مجال لسيناريو شبيه بالسيناريو الليبي كي يطبّق في سورية. وبالتأكيد لم يكن ثمّة أي مجال لذلك. واعتباراً من أول كانون الثاني/يناير 2013، وصل المتمردون وقوات الحكومة السورية إلى مرحلة من الجمود في ساحة المعركة. قطع المتمردون شوطاً كبيراً مع نهاية العام 2012 ولكنهم ليسوا قادرين حتى الآن على هزيمة النظام، حيث يسعى كلا الجانبين بإصرار إلى تحقيق نصر عسكري كامل. أما الشعب السوري، العالق بين طرفي القتال، فهو ينزف ويفقد العديد من الأرواح كل يوم. يعارض الكثير من السوريين بالتأكيد نظام الأسد، لكن الكثيرين أيضاً يخشون من انتصار المتمردين. فخلال السنتين اللتين مرّتا منذ بدء الانتفاضة، لم يتفكّك الجيش السوري، ولم تنتفض طبقات التجار في حلب، التي دمّرتها الحرب، ولا العاصمة دمشق شبه المحاصرة في وجه النظام.
 
تأثّر موقف موسكو تجاه التطورات في سورية بالتأكيد بالدروس المستفادة في ليبيا، لكن الروس ليسوا غرباء عن سورية. فمنذ ستينيات القرن الماضي وحتى أوائل تسعينياته، حافظت موسكو على علاقات وثيقة شبيهة بالتحالف مع دمشق، التي حكمها حافظ الأسد، والد بشار من العام 1970 حتى العام 2000. في العام 1980، وقّعت موسكو ودمشق معاهدة تنصّ على التشاور في حال وجود تهديد للسلام، وعلى التعاون العسكري.
 
خلال النصف الثاني من القرن العشرين، كانت سورية في المرتبة الثانية بعد مصر من حيث الأهمية بين الدول العربية المنخرطة في الصراع مع إسرائيل، وهو والصراع الذي كان مظهراً أساسياً للمواجهة الأوسع في الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. ونتيجة لذلك، وعلى مدى ربع قرن في أعقاب حرب الأيام الستة في العام 1967 التي احتلت فيها  إسرائيل مرتفعات الجولان السورية، دعم الاتحاد السوفييتي دمشق سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
 
على رغم أن حافظ الأسد اعتمد بشكل كبير على الاتحاد السوفييتي، فقد بقي الآمر الناهي في الداخل السوري وفي "الخارج القريب". ففي العام 1976، غزت القوات السورية لبنان، وظلت هناك لمدة ثلاثين عاماً. وفي العام 1982، سحقت قوات الأسد انتفاضة في مدينة حماة السورية حيث ذُكر أن عدد الضحايا وصل إلى 20 ألف شخص. ربما عبّر السوفييت في بعض الأحيان عن الأسف إزاء السلوك المتعمّد للأسد الأب، لكنه كان يمثّل بالنسبة إليهم الرهان الأكثر أماناً في المنطقة.
 
عندما "انشقّ" الرئيس المصري آنذاك أنور السادات إلى المعسكر الأميركي في العام 1972، أصبحت سورية الحليف الفعلي السوفييتي الرئيس في الشرق الأوسط واحتفظت بهذا الوضع حتى العام 1991. لم تكن كل أسلحتها تقريباً سوفييتية الصنع وحسب، بل استضافت سورية أيضاً ما يصل إلى 6000 من المستشارين والفنيين العسكريين السوفييت وكذلك الموظفين المدنيين ومن يعولونهم. وقد تخرّج عشرات الآلاف من الطلاب السوريين من الجامعات والكليات والأكاديميات العسكرية السوفييتية، وتزوج الكثيرون منهم أيضاً من مواطنين سوفييت.
 
وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، استمرّ عدد من المستشارين العسكريين، الذين يمثّلون الاتحاد الروسي حالياً، في تقديم خدماتهم للحكومة السورية. أصبحت طرطوس، وهي مرفأ سوري كان يستخدمه السرب الخامس في أسطول البحر المتوسط  السوفييتي خلال الحرب الباردة، مرفق روسيا الوحيد للإمداد البحري خارج الاتحاد السوفييتي السابق. واصلت موسكو تسليح سورية، على رغم أنها ألغت في العام 2005 مبلغ 10 مليارات دولار من ديون سورية التي تعود إلى الحقبة السوفييتية والبالغة 13 مليار دولار، بهدف بيع أسلحة جديدة إلى دمشق.
 
مع ذلك، لم تكن دمشق "آخر حلفاء روسيا في الشرق الأوسط"، كما أطلق عليها العديد من المعلقين مؤخراً. فقد انسحبت موسكو من المنافسة الجيوسياسية في المنطقة في وقت مبكّر من العام 1990. يومها ابتعد الزعيم السوفييتي ميخائيل غورباتشوف ووزير الخارجية إدوارد شيفرنادزة عن حليفهم الآخر، عراق صدام حسين، الذي غزا الكويت وضمّها، وسمحا لقوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة بهزيمة قوات صدام في حرب الخليج الأولى. في خريف العام 1991، وقبيل تفكّك الاتحاد السوفييتي رسمياً، أعادت موسكو علاقاتها الدبلوماسية مع اسرائيل و"أعادت التوازن" إلى مقاربتها الخاصة بالقضية الفلسطينية. 2
 
منذ ذلك الحين، استرشد الوجود الروسي في المنطقة بمزيج من المصالح التجارية والمخاوف بشأن الدعم الآتي من المنطقة للمسلحين والإرهابيين في شمال القوقاز الروسي، وأيضاً بشأن معالم الجذب الروحي المكتشفة حديثاً في الأراضي المقدسة والشواطئ الطبيعية للبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والخليج. ثمّة رقمان يحكيان قصة تحوّل وجود موسكو في المنطقة أفضل من أي شيء آخر. فعندما حوّل أنور السادات ولاء مصر من موسكو إلى واشنطن، أعاد ما لا يقل عن 20 ألف مستشار عسكري سوفييتي إلى بلادهم. وعندما أطاحت الثورة بحسني مبارك، وريث السادات، بعد ما يقرب من أربعين عاماً، تقطّعت السبل بأكثر من 40 ألفاً من المصطافين الروس في الغردقة وشرم الشيخ والمنتجعات المصرية الأخرى، لكن هؤلاء واصلوا قضاء عطلاتهم، سواء كانت هناك ثورة أم لا.

أربعة مستويات لموقف موسكو بشأن سورية

ينطلق تحليل المقاربة الروسي تجاه سورية بأفضل صوره من أربعة مستويات، وفقاً لأهميتها نزولاً: الحسابات القائمة على النظام الدولي المتغيّر، وآثار الربيع العربي، والمصالح المادية في سورية، ودور الدين.

النظام الدولي

في المستوى الأول، يأتي قلق روسيا بشأن النظام الدولي. إذ غالباً مايشير المسؤولون الروس إلى ميثاق الأمم المتحدة، ولاسيّما دعمه للسيادة والسلامة الإقليمية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وفي حين كان الاتحاد السوفييتي يدافع لغوياً  فقط عن ميثاق الأمم المتحدة، ويعتمد بدلاً من ذلك على قوته العسكرية وعلى السيطرة السياسية - الإيديولوجية لإمبراطوريته العالمية الواسعة، لم يعد الاتحاد الروسي الذي يصغره كثيراً في حجمه قوة عظمى أو ثورية، وينظر إلى مجلس الأمن والقانون الدولي التقليدي فعلاً باعتباره حصناً للنظام العالمي. وتصرّ موسكو على ضرورة أن يركّز مجلس الأمن على المسائل المتعلقة بصون السلم والأمن الدوليين. وبالتالي، فإن عليه الامتناع عن دعم الأطراف المتقاتلة في صراع داخلي، كما هو الحال في سورية.
 
لكن روسيا تقبل، من حيث المبدأ، حدوث تغيير تدريجي وتوافقي في القانون الدولي. وهي تعترف رسمياً بمسؤولية الحماية، أي المبدأ القائل إن اعتبارات حقوق الإنسان يمكن أن تجعل التدخّل العسكري من جانب الأمم المتحدة أو أحد أعضائها ضرورياً. في الواقع، كانت موسكو قد أشارت إلى ذلك المبدأ خلال الحرب القصيرة مع جورجيا في العام 2008، والتي خاضتها معها شكلياً دفاعاً عن سكان أوسيتيا الجنوبية.
 
حتى عندما تتم الموافقة على التدخّل لأسباب إنسانية على النحو الواجب، ينبغي أن تقتصر العملية العسكرية، برأي موسكو، على حماية المدنيين، وليس تغيير النظام أو مساعدة المعارضة المسلحة في قتال النظام. يجب ألا يتحوّل "التغيير التدريجي في المهمة" إلى تورّط مباشر في الحرب الأهلية المحلية. قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف: "نحن لسنا في وارد تغيير النظام"، مضيفاً أن مجلس الأمن "لا يتعامل مع الثورات".3  ويثني الروس على عمليتهم القصيرة في جورجيا في العام 2008، في حين لم يؤدّ الزحف من مناطق النزاع في جنوب أوسيتيا وأبخازيا إلى جورجيا ذاتها، إلى الأطباق على تبليسي والإطاحة بالحكومة الجورجية، كما كان يخشى الكثيرون في الغرب – وكان البعض يرغب في روسيا بالتأكيد - في ذلك الوقت.
 
يصرّ الروس أيضاً على ألا يكون هناك أي استخدام للقوة أو تهديد باستخدامها من هذا القبيل، إلا عندما يقرّر مجلس الأمن الدولي، حيث تمتلك موسكو حق النقض (الفيتو)، خلاف ذلك. إذ إن الفشل في البحث عن، أو الحصول على، مثل هذا التفويض، يجعل التدخّل غير مشروع، من وجهة نظر روسيا. وتصرّ موسكو على أن استخدام القوة في العلاقات الدولية يجب ألا يقتصر على الحصول على التفويض اللازم وحسب، بل يجب أن يشرف عليه ويراقبه عن كثب أيضاً مجلس الأمن الدولي طيلة الفترة التي تستغرقها العملية.
 
يبدو أن روسيا تعترف بوجود استثناءات لهذه القاعدة. ففي أوسيتيا الجنوبية، تصرّفت روسيا من دون الحصول على تفويض دولي، مايعني أن موسكو تعتقد أن التدخّل، في بعض الحالات، قد يكون ملحّاً وله ما يبرّره حتى دون وجود ضوء أخضر من مجلس الأمن الدولي. وعندها  يصبح العمل العسكري خياراً سياسياً مثقلاً بنتائج سياسية وقانونية دولية.
 
تمقت روسيا، على وجه الخصوص، الاستخدام الليبرالي للقوة من جانب الولايات المتحدة. وبوصفها عضواً دائماً، يمتلك حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، فإن لدى روسيا القدرة على حماية مصالحها المباشرة وضمان بيئة دولية أكثر قابلية للتنبّؤ. وبمعنىً أوسع، فإن الإدارة العالمية المثالية، من وجهة نظر موسكو، مبنيّة على التوافق بين القوى العظمى: وهذه هي الضبط فكرة روزفلت بشأن رجال الشرطة العالميين الأربعة. إذ إن"التعددية القطبية" التي يتم التباهي بها هي مجرّد أحدث تكرار للمفهوم الذي تجسّد للمرة الأولى في حقبة "الوفاق الأوروبي" – المعروف أيضاً بنظام فيينا للعلاقات الدولية - في القرن التاسع عشر، والذي شعرت من خلاله الإمبراطورية الروسية بالاطمئنان التام.
 
سورية، من وجهة نظر الكرملين، هي مجرّد حالة أخرى ينشغل فيها الغرب بإدارة عملية تغيير النظام. ففي العراق، نفّذت الولايات المتحدة عملية غزو لإطاحة صدام حسين. وقد عاشت إيران فترة طويلة في ظل تهديد مماثل. في يوغوسلافيا، أدّت الحملة الجوية لحلف الناتو إلى فصل كوسوفو عن صربيا، وتمت إطاحة سلوبودان ميلوسيفيتش بعد ذلك بوقت قصير، في أول ثورة مما عرف آنذاك بالثورات الملوّنة. وفي الآونة الأخيرة، في ليبيا، اختار الكرملين أولاً عدم معارضة إقامة "منطقة حظر طيران" لإنقاذ الأرواح البريئة، لكنه غضب فيما بعد عندما  تحوّلت العملية الإنسانية إلى عملية تغيير للنظام.

الربيع العربي

في المستوى الثاني، هناك تقييم الحكومة الروسية للتطورات المحلية في سورية، وعلى نطاق أوسع، للربيع العربي، الذي وضع حدّاً لحكم مبارك الديكتاتوري، وأسفر عن الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية في تونس واليمن وليبيا. منذ البداية كان المراقبون الروس لمنطقة الشرق الأوسط أقلّ تفاؤلاً بشكل ملحوظ من نظرائهم الغربيين حول طبيعة واتّجاه التغيير في المنطقة. 
 
إذ يمكن تسمية ما يراه معظمهم بأنها "ثورة إسلامية كبرى." 4 وفي حين رأى الأوروبيون والأميركيون في العالم العربي تكراراً للانتفاضات الديموقراطية التي شهدتها أوروبا في العام 1848 أو العام 1989، رسم الروس أوجه تشابه مع ثورتهم التي جرت في العام 1917، وكان السؤال الوحيد يتعلّق بالشهر الذي يعادل "أكتوبر الأحمر".
 
في مرحلة مبكّرة، كان صنّاع السياسة الروس يخشون من أن استيلاء الإسلاميين على السلطة سيعقب الإطاحة بالحكام المستبدّين العلمانيين. فقد كانوا يعتبرون أن الدول الغربية والليبراليين المؤيّدين للغرب في الدول العربية يمهّدون الطريق للمتطرّفين الدينيين أو حلفاء تنظيم القاعدة. وكانت الإشارات إلى الربيع العربي والديموقراطية في هذا السياق، بالنسبة إلى وزير الخارجية سيرغي لافروف، مجرّد "حديث أطفال". 5
 
لم يكن هناك تقريباً أي ابتهاج في المجتمع الروسي تجاه "انتصارات الشعب" في مصر وتونس، وهما البلدان اللذان أصبحا من المعالم السياحية لكثير من الروس (ذهب 2.8 مليون من المصطافين الروس إلى مصر في العام 2010 و2.5 مليون في العام 2012). وجادل المراقبون الروس المتشكّكون بأن الحرية السياسية شيء، لكن الرّفاه الاقتصادي شيء آخر، وبأن خيبة الأمل المريرة مسألة وقت. علاوة على ذلك، تعطي الحرية في مجتمع غير ناضج أفضلية للطرف الأقوى والأكثر قسوة. وقد زوّد التلفزيون الروسي الحكومي مشاهديه بالكثير من صور الدراما السياسية التي كانت تتكشّف شيئاً فشيئاً، ولاسيّما في القاهرة، حيث امتزجت أصوات الأمل والطموح بأصوات الخوف واليأس.
 
كانت الرسالة التي تلقاها المشاهدون الروس هي أنه حتى الثورات التي لاتنتهي بحروب أهلية، كما هو الحال في مصر وتونس، تعني الموت والدمار وتنتهي إلى الفوضى، والتي يمكن أن تؤدّي إلى نظام أكثر وحشية من النظام الذي تخلّصت منه. وكانت هذه في الغالب حجّة مقنعة بالنسبة إلى المشاهدين الروس الذين هم على دراية كافية بتاريخ بلادهم في القرن الماضي. في ليبيا، حيث فاز الليبراليون، وليس الإسلاميون، في انتخابات العام 2012، كانت القضية التي أثارها الروس هي عمليات النهب التي قام بها الثوار لترسانات أسلحة القذافي الضخمة وانتشار هذه الأسلحة في جميع أنحاء المنطقة، بدءاً من مالي. هناك، تمكّن الانفصاليون والمتطرفون الإسلاميون المقربون من تنظيم القاعدة من السيطرة على الجزء الشمالي من البلاد لإقامة معقل لهم.
 
هذا الخوف يبدو واضحاً تماماً في ما يتعلق بسورية، حيث تتضمّن قائمة معارضي  بشار الأسد عناصر جهادية، بعضها يرتبط بتنظيم القاعدة، وحيث يبدو خطر نشوب حرب طائفية بين السنة والشيعة، والعرب والأكراد، والمسلمين والمسيحيين حقيقياً جداً. وعلاوة على ذلك، تحوي ترسانات الأسد صواريخ وأسلحة كيميائية يمكن أن تجد طريقها إلى خارج البلاد، وتؤجّج الصراعات في أماكن أخرى أقرب هذه المرة إلى حدود روسيا، على عكس ليبيا. وفي نهاية المطاف، المسافة من دمشق إلى ماخاتشكالا، في جمهورية داغستان الروسية، تقلّ عن ألف ميل.
 
لا بد من التذكير بأن الروس العاديين شهدوا مؤخراً اندلاع أعمال عنف واسعة أقرب إلى بلدهم من الأميركيين أو حتى الأوروبيين العاديين. فقد كانت الشيشان جرحاً نازفاً على مدى عقد تقريباً في مطلع القرن الحالي، حيث استخدم الجيش الروسي الكثير من القوة النارية لسحق المتمردين. وقد توجّب إعادة بناء العاصمة الشيشانية غروزني من نقطة الصفر تقريباً. وحتى اليوم، لاتزال منطقة شمال القوقاز من داغستان في الشرق إلى كاباردينو - بلكاريا في الغرب مضطربة، على الرغم من أن الشيشان نفسها، على عكس التوقعات، أصبحت حصناً للاستقرار النسبي في المنطقة.
 
في حساب التفاضل والتكامل الأوّلي للحكومة الروسية، كان من المرجّح أن يمسك الأسد بالسلطة لبعض الوقت، وقد ثبت أن هذا كان تقييماً أكثر دقّة من التنبّؤات الغربية المتكرّرة بأن أيام الأسد "معدودة". كان الروس يعتقدون أيضاً أن الإطاحة بالأسد في نهاية المطاف لن تعني نهاية الحرب الأهلية ولكن بداية المرحلة التالية فيها. وكما قال الرئيس بوتين، فإن الحكومة السورية والمعارضة، في هذه الحالة سيتبادلان الأماكن ليس إلا، لكن القتال سيستمر. ووجود مثل هذا المرجل من العنف واسع النطاق على بعد بضع مئات من الأميال عن منطقة شمال القوقاز الروسية المضطربة ليس بالخبر الطيّب بالنسبة إلى موسكو، خاصة وأنه لا يفصلها سوى عام واحد فقط عن دورة الألعاب الاولمبية الشتوية لعام 2014 في سوتشي.
 
عموماّ، تردّدت أصداء الربيع العربي بالفعل في جميع أنحاء الاتحاد السوفييتي السابق. لم تجر أي محاولات جادّة حتى الآن لإسقاط حكام الجمهوريات السوفييتية السابقة، ولكن العديد من المشكلات التي تواجهها تلك البلدان لاتختلف عن تلك التي يواجهها العالم العربي. فعندما نظّمت الطبقات الوسطى الحضرية في روسيا، التي أغضبتها انتخابات كانون الأول/ديسمبر 2011 البرلمانية والتي شابتها بعض العيوب، احتجاجات واسعة في موسكو، كان بعض منتقدي فلاديمير بوتين في الداخل والخارج يأملون في أن يؤدّي "الربيع الروسي" إلى انهيار ما تسمى روسيا بوتين. 6
 
 لم يكن حكام الكرملين أنفسهم حذرين من "الجماهير المحتشدة" في روسيا، التي قد تتمرّد عليهم، بقدر حذرهم من التدخّل الغربي، سواء من خلال التشجيع على الثورة داخل البلاد أو التدخّل من الخارج. فقد اتّهم بوتين المتظاهرين الروس علناً بأنهم يحصلون على الأموال من الحكومة الأميركية. ولم يكن الربيع العربي بالنسبة إلى بعض مساعدي بوتين، مثل نائب رئيس الوزراء السابق والرئيس الحالي لشركة النفط الروسية التابعة للدولة "روسنفت – Rosneft"، إيغور سيتشين، سوى أحدث شكل من أشكال تغيير النظام المستوحاة من الغرب والتي يقودها الغرب نفسه.7 
 
على هذه الخلفية، وبعد عودة بوتين الرسمية إلى الكرملين في أيار/مايو 2012، أصبحت الأزمة السورية تمثّل اختباراً لحلقة جديدة من سياسة موسكو الخارجية.

مصالح روسيا المادية

المصالح المادية الروسية في سورية نفسها متواضعة نسبياً، وهي تأتي في المستوى الثالث فقط. إذ توقفت دمشق عن كونها حليف موسكو قبل عقدين من الزمن، عندما انسحبت روسيا من المنافسة الجيوسياسية في المنطقة. وعلى غرار والده، لايزال بشار الأسد يشتري الأسلحة الروسية، لكنه يفعل ذلك بوصفه عميلاً تجارياً لا شريكاً إستراتيجياً. والعلاقة ليست مربحة خصوصاً بالنظر إلى شروط صفقة سداد الديون.
 
المنشأة البحرية في طرطوس مفيدة للبحرية الروسية، خاصة أنها الوحيدة من هذا النوع خارج الاتحاد السوفييتي السابق. وبما أن عدد أفرادها يصل إلى نحو 50، فإنها بعيدة كل البعد، بطبيعة الحال، عن كونها قاعدة بحرية. ومع ذلك، أصبحت الأزمة السورية مناسبة للبحرية الروسية لتذكير الآخرين بوجودها. فمنذ العام 2011، قامت سفن تابعة للبحرية الروسية بزيارات عدة إلى ميناء طرطوس. وفي كانون الثاني/يناير 2013، تجمّعت سفن من جميع الأساطيل الروسية الأربعة في شرق البحر المتوسط للقيام بأكبر تدريبات بحرية لها منذ سقوط الاتحاد السوفييتي.8  وخلص العديد من المراقبين إلى أن الغرض من التدريبات لم يكن إجلاء المواطنين الروس من سورية، بل إرسال رسالة مفادها أن البحرية الروسية، بعد استراحة استمرت عشرين عاماً، عادت مرة أخرى إلى المياه الدولية.
 
هناك أيضا الآلاف من المواطنين الروس الذين يعيشون في سورية. وهؤلاء في الغالب زوجات مواطنين سوريين، الكثير منهم من ضباط الجيش الذين درسوا في السابق في الاتحاد السوفييتي. ومع ذلك، فإن ثلاثة آلاف منهم فقط مسجّلون بشكل صحيح لدى القنصلية الروسية في دمشق. وقد عاد حوالي 1000 ممن يحملون جوازات سفر روسية إلى روسيا منذ بداية الحرب في سورية، ولكن الغالبية العظمى ظلوا فيها.9  وبما أن سياسة موسكو الخارجية الآن تولي المزيد من الاهتمام، قولاً وفعلاً، لرفاهية المواطنين الروس في الخارج، فهذه بالتأكيد مسألة لايمكن تجاهلها.
 
كانت موسكو أكثر حذراً في ما يتعلق بحوالي 200 ألف من الشركس تقريباً، الذين لجأ أجدادهم إلى سورية وأجزاء أخرى من الشرق الأوسط في القرن التاسع عشر، هرباً من الغزو الروسي لشمال القوقاز. في خضمّ الصراع السوري، قدّم آلاف عدة من هؤلاء الأشخاص المهجّرين، طلبات للحصول على إذن لإعادة توطينهم في شمال القوقاز الروسي. ومع ذلك،  سمحت الحكومة الروسية بعودة حفنة من الأشخاص فقط، وذلك من باب الحرص على عدم تصعيد الوضع العرقي - السياسي المعقّد في شمال القوقاز.

دور الدين

في المرتبة الرابعة يأتي العنصر "الروحي" لموقف روسيا تجاه سورية خاصةً، وتجاه الشرق الأوسط بشكلٍ عام. فالنسخة المُحافظة من القومية الروسية، التي باتت تمثّل الاتّجاه السائد الجديد للكرملين، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمسيحية الأرثوذكسية. وثمّة سعي للارتقاء بالدين كي يصبح محوراً للهوية الوطنية الروسية، كما يجري اعتماد مبادئه الأخلاقية التقليدية كأساس لسياسة موسكو الخارجية. وتقوم القيم التي تعتنقها القيادة الروسية، كما يقول سيرغي لافروف، على "التقاليد التي تعود إلى ألف سنة والتي تشكِّل قاسماً مشتركاً للأديان الرئيسة في العالم".10  
 
في الآونة الأخيرة أصبح القادة والمسؤولون والعديد من المواطنين العاديين في روسيا زواراً دائمين إلى الأرض المقدسة، وذلك بفضل نظام الإعفاء من التأشيرات الذي تم اعتماده في العام 2008 بين روسيا وإسرائيل. وقد أدّت إعادة تنشيط الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية، التي تأسّست في العام 1882 وتحظى بدعم الكرملين، إلى تمكينها من المطالبة باستعادة الممتلكات أو إصلاحها في القدس وبيت لحم (والتي فيها شارع باسم بوتين، تماماً مثل غروزني)، وأماكن أخرى، وهو ما أدّى إلى تعزيز وجود روسيا في الأراضي المقدسة. وقد زار البطريرك كيريل، رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، سورية في العام 2011 ثم سافر إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية والأردن في السنة التالية.
 
في سورية، كما في مصر والعراق، عبَّر المسؤولون الروس علناً عن قلقهم بشأن سلامة وحقوق الأقليات المسيحية التي علقت في دوّامة الصحوة الإسلامية. فقد قال سيرغي لافروف، خلال حديثه إلى الجمعية الأرثوذكسية الفلسطينية، إن من مصلحة روسيا "بذل كل ما بوسعها لمنع تشكُّل دول تسيطر عليها الجماعات المتطرّفة ويسودها التمييز ضد أي مجموعة عرقية أو دينية". بل ذهب لافروف إلى أبعد من ذلك حين قال "إن الممارسة المستخدمة من قبل أحفاد المسيحيين الأوروبيين في مجال حقوق الإنسان"، "تثبت بشكل متزايد أن الحقيقة ليست هناك".11  هذا الاقتباس يوضح أن ثمّة قناعة لدى الكثيرين في موسكو بأن أوروبا الحالية ابتعدت كثيراً عن جذورها وبالغت في إباحة التسامح وأنكرت هويتها المسيحية.
 
في هذه الحالة، يسعى فلاديمير بوتين وحليفه البطريرك كيريل إلى ارتداء عباءة المدافعين عن الدين المسيحي، وذلك ليس في مواجهة الأديان الأخرى، التي تُعامَل باحترام، بل في مواجهة "مجدّفي" الداخل، مثل فرقة "بوسي رايوت – Pussy Riot" الموسيقية و"الأوروبيين الملحدين - godless Europeans" في الجوار- وهو ما يُعدُّ تحوّلاً لافتاً آخر في التاريخ الروسي. بطبيعة الحال، الرئيس بوتين ليس نسخة طبق الأصل عن القيصر نيقولا الأول، الذي تولّى لعب دور حامي المسيحيين الأرثوذكس في الإمبراطورية العثمانية السابقة، ولكن الشيء المؤكّد هو أن الدين يدخل في صلب تفكير الكرملين.

علاقات موسكو الأخرى 

الموقف الروسي تجاه سورية تحكمه أيضاً علاقات موسكو مع اللاعبين الآخرين الذين لهم مصالح في المنطقة، بما في ذلك إيران وإسرائيل والغرب. إذ ترى موسكو أن سياسات العديد من الجهات الإقليمية الفاعلة تجاه سورية لا تنطلق من مخاوف تلك الدول إزاء معاناة المواطنين السوريين العاديين بقدر ما تنطلق من رغبة مشتركة لحرمان إيران من أهم حليف عربي لها، وهو سورية. علاوةً على ذلك، من شأن الإطاحة بالنظام العلوي في سورية أن يضرّ بإيران بأشكال أخرى أيضاً، ما يؤدّي إلى إضعاف جماعة حزب الله الشيعية المقاتلة في لبنان، بوصفها وكيلاً يحظى بدعم كلٍّ من طهران ودمشق، هذا بالإضافة إلى القوى الشيعية الأخرى المتحالفة مع إيران في المنطقة. بالنسبة إلى موسكو، ينطبق هذا الاستنتاج على الولايات المتحدة وتركيا والمملكة العربية السعودية وقطر وإسرائيل على حدٍّ سواء. وبالإضافة إلى ذلك، سيكون موقف الولايات المتحدة وحلفائها أكثر قوة في أي مواجهة مستقبلية مع إيران في حال سقوط النظام السوري. ولا يخفي المسؤولون الروس شكوكهم بأن نشر حلف الناتو بطاريات صواريخ باتريوت على الحدود التركية - السورية موجَّه في الحقيقة ضد إيران وليس سورية.
 
تدرك روسيا طبيعة الروابط التي تجمع بين إيران وسورية، بيد أنها تبنّت وجهة نظر مختلفة كلياً حيال ذلك. ويعتقد الروس أن طهران يجب أن تكون جزءاً من أي حل للقضية السورية. وقد شعرت موسكو بالإحباط نتيجة رفض السعوديين السنَّة مناقشة الوضع السوري مع إيران الشيعية، وكذلك جرّاء دعم الولايات المتحدة للموقف السعودي. بالنسبة إلى مراقبي الشرق الأوسط الروس، لاتمارس الولايات المتحدة القيادة من وراء الستار في ما يتعلق بالوضع السوري، بل هي تتبع إلى حد كبير السياسة السعودية، التي تنطلق من أجندة الرياض الإقليمية والمتمحورة حول التنافس السنّي - الشيعي.
 
وقد فسَّر الروس حقيقة انضمام إسرائيل إلى المعسكر المعادي للأسد بأنها ناتجة عن القلق المتزايد لحكومة نتنياهو بشأن البرنامج النووي الإيراني. وحتى لو كان الروس لا يوافقون على بعض ما يذهب إليه الإسرائيليون في تحليلاتهم تجاه إيران، فإنهم مع ذلك يتفهّمون موقف إسرائيل. والذي يدعو إلى السخرية هو أن الروس، بالنظر إلى تاريخ الحرب الباردة، يُظهرون الآن الكثير من التعاطف تجاه الدولة اليهودية. فقد أصبحت إسرائيل موطناً لأكثر من مليون من المواطنين الروس السابقين الذين لا زالوا يتحدثون اللغة الروسية، كما تواجه الدولتان العديد من التحدّيات المتشابهة (مثل الإرهاب) والأعداء المشتركين (كالجهاديين). وقد زار الرئيس بوتين إسرائيل في حزيران/يونيو 2012 بعد وقت قصير من تولّيه منصبه، ويتفق معظم الروس والإسرائيليين حول طبيعة الربيع العربي، باعتباره صحوة إسلامية، وليست ديمقراطية.
 
تتباين وجهات نظر موسكو حيال سياسات مختلف الدول العربية تجاه بسورية. فقد رحَّبت موسكو بجهود الرئيس المصري محمد مرسي لإشراك إيران والمملكة العربية السعودية وتركيا في عملية التسوية في سورية. لكن منذ العام 2003، كانت الحركة الأوسع التي ينتمي إليها مرسي، "جماعة الإخوان المسلمين"، على قائمة موسكو للمنظمات الإرهابية، وذلك نتيجةً للأنشطة التي مارستها في شمال القوقاز خلال حرب الشيشان.12   وقد كانت تلك الحرب الطويلة السبب في جعل موسكو تدرك أن في العالم العربي بعض بؤر التطرّف الإسلامي التي تشكل خطراً على روسيا وجوارها القريب في آسيا الوسطى وجنوب القوقاز.
 
ترى موسكو أن الأنظمة الإسلامية الموجودة حالياً في السلطة في مصر وتونس، وكذلك الثوار في ليبيا، بمثابة مناصرين إيديولوجيين للمعارضة السورية، كما ترى أن الأنظمة الملكية المُحافظة في الخليج تمثّل الحليف الجيوسياسي والطائفي لتلك المعارضة. ووفقاً لوجهة النظر الروسية، كان تصدير التطرّف الإسلامي إلى مختلف البلدان يمثّل دائماً إستراتيجية بقاء بالنسبة إلى النظامين السعودي والقطري. صحيحٌ أن الروس لايشعرون بالسرور جرّاء ازدياد حدّة المشاعر المناهضة لهم وفقدانهم لما تبقّى لهم من نفوذ في جزء كبير من العالم العربي، بيد أن تأثير ذلك لم يكن بالقدر الذي يجعلهم يغيِّرون نهجهم في بسورية.
 
الروس ليسوا الوحيدين الذين يشعرون بأنهم تضرّروا جراء التغييرات التي تجتاح الشارع العربي. فقد شاهدوا المعاملة القاسية التي تعرّضت إليها الولايات المتحدة على خلفية عرض المقطع الإعلاني لفيلم "براءة المسلمين". إذ كان مقتل كريستوفر ستيفنز، سفير الولايات المتحدة في ليبيا، في بنغازي يوم 11 أيلول/سبتمبر، 2012، بمثابة دلالةً بالنسبة إلى العديد من الروس حول السذاجة المطلقة للأميركيين فيما يتعلّق بالاضطرابات الشعبية الأخيرة التي شهدها العالم العربي. ويُحسب للمسؤولين الروس أنهم اعترفوا علناً بأنه "ما من أحد يفهم تماماً ما الذي يجري في الشرق الأوسط".13  
 
في محاولتها للحفاظ على هدوئها، كانت موسكو تسعى إلى احتواء التوتر، ولاسيّما مع الرياض والدوحة. وقد تواصلت مع جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي في الوقت الذي بقيت على اتصال مع جميع جيران سورية، بما في ذلك الأردن والعراق ولبنان.
 
امتنعت روسيا أيضاً عن توجيه انتقاد علني إلى الموقف التركي المتشدّد إزاء سورية، كما تجاهلت تقريباً انتقادات أنقرة للموقف الروسي. لا بل سافر الرئيس بوتين إلى إسطنبول في كانون الأول/ديسمبر 2012 لإثبات حسن النيّة تجاه رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان وإبرام صفقات تجارية جديدة مع تركيا.
 
كان موقف روسيا لدى الرأي العام الغربي أسوأ حالاً مما هو عليه في العالم العربي. إذ ادّعت موسكو بأنها تتخذ موقفاً "متوازناً" في سورية، لكن تم رفض هذه التأكيدات باعتبارها مثيرة للسخرية. وأسبغ الغرب على روسيا صفة الحليف لكل من دمشق وطهران، والشريك في المسؤولية عن مقتل عشرات الآلاف من الشعب السوري. فقد صوَّر غلاف مجلة الإيكونومست الصادرة في 20 كانون الأول/ديسمبر 2012، فلاديمير بوتين في الجحيم مع صحبة شريرة مكوَّنة من الأسد وأحمدي نجاد وبجوارهم الراحل القذافي. ساهمت هذه الصورة العامة، إلى جانب تزايد المخاوف في الغرب بشأن تغوُّل الاستبداد داخل روسيا نفسها ردّاً على الاحتجاجات المناهضة لبوتين خلال عامي 2011 و2012، في إيصال العلاقات الروسية الغربية بحلول نهاية العام 2012 الى أدنى مستوى لها منذ الحرب الروسية - الجورجية في العام 2008.
 
بالكاد فهم الروس حقيقة أن الولايات المتحدة وأوروبا كانتا تميَّزان بين روسيا والصين، حيث تنظران إلى بكين نظرةً أكثر ايجابية. وقد استخدمت موسكو وبكين حق النقض ضد مشروعي قرارين في مجلس الأمن. لكن في حين كان موقف روسيا بشأن سورية صريحاً، اتّسم موقف الصين بدرجة أكبر من الصمت. إذ كان اهتمام موسكو منصبّاً في معظمه على النظام العالمي، في حين ركّزت بكين على مصالحها الخاصة. وكانت مخاوف الصين في الشرق الأوسط تتمحور بشكل رئيس حول إمدادات الطاقة، الأمر الذي جعل بكين تولي المزيد من الاهتمام لطروحات المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى. في الوقت الذي قام الصينيون بالالتفات مجدّداً إلى مصالحهم في المناطق المحيطة بهم، كما هو الحال في بحرَي الصين الشرقي والجنوبي، بدا جليّاً أنهم رأوا أنه ليس من الحكمة إرهاق علاقاتهم الدبلوماسية مع الغرب عبر إضافة صراع في دولة بعيدة لاتحظى بأهمية تُذكر بالنسبة إليهم، فضلاً عن أنهم لايفهمونها بشكلٍ جيد. على النقيض من روسيا، امتنعت الصين عن الدخول في جدلٍ معلن مع الغرب بشأن سورية. وردّاً على ذلك، عمد الأميركيون والأوروبيون بهدوء إلى عدم توجيه اللوم إلى بكين، وركَّزوا انتقاداتهم على موسكو وحدها.
 
وصف بعض أشهر المعلقين في مجال السياسة الخارجية سياسة روسيا في سورية بأنها "بارعة" لأنها نأت بنفسها عن الصراع دون أن تخون أحد حلفائها.14   لكن ثمّة في روسيا أيضاً منتقدون لسياسة الكرملين حول سورية. فالجماعات الليبرالية داخل المؤسسة الروسية، والتي تنظر إلى السياسة الخارجية من منظور الحاجة إلى تحديث البلاد، تحمِّل الكرملين مسؤولية تدهور العلاقات الروسية مع كبار منتجي الطاقة، السعودية وقطر، وذلك عبر التخلّي عن التنسيق السياسي معهما بخصوص النفط والغاز، على رغم الحاجة الماسّة لهذا التنسيق، ومواصلة الاستثمار في تلك الحالة الميؤوس منها التي تُدعى سورية، والعمل الدائم على مساندة الخاسرين، بدءاً من صدام وصولاً إلى القذافي والأسد، وتجاهل الرابحين الذين كان يمكن أن يكونوا شركاء قيّمين.15  
 
في المقابل، تطالب القوى المحافظة والقوميّة المتطرّفة - بما في ذلك الشيوعية - روسيا بالوقوف على نحوٍ أكثر حزماً في وجه الولايات المتحدة والتعاون مع أعدائها. وهم يأسفون لـ "تخلّي" موسكو عن القذافي، ومن قبله صدام حسين وسلوبودان ميلوسيفيتش.
 
هذه الآراء التي تتحكّم بها الإديولوجيا ليست ذات أهمية كبيرة، لكن منتجي الأسلحة الروس الذين  قد يفقدون عميلاً آخر إذا ما سقط الأسد، بعد ليبيا مباشرةً، يتمتّعون بثقل بيروقراطي حقيقي في مجلسي الحكومة الروسية، الدوما والاتحاد. نتيجةً لذلك، وعلى رغم عدم إبرام أي عقود أسلحة جديدة مع الأسد منذ بداية الأزمة السورية، فإن الشحنات التي ترسلها موسكو بموجب العقود القائمة ظلَّت تصل في موعدها.

تطور السياسة الروسية

كل هذه الاعتبارات- بدءاً من المخاوف بشأن النظام الدولي مروراً بآراء ومواقف الجهات الخارجية الفاعلة وصولاً إلى المخاوف السياسية الداخلية- أدّت إلى بلورة سياسة روسيا تجاه سورية، وكانت تتغيّر مع مرور الوقت وفقاً لتطّور هذه القوى.
 
في بداية الأزمة السورية في آذار/مارس 2011، كانت الحكومة الروسية ترى أن نظاماً صديقاً/ لكنه بعيد ومستبدّ، يواجه تحديّاً من قبل مجموعة متنوّعة من المحتجين. وقد أدركت بطبيعة الحال أن سورية تعاني من العديد من المشاكل الجيوسياسية المماثلة لتلك التي تعاني منها تونس ومصر، والمتمثّلة بنظام متحجّر أمضى ردحاً طويلاً من الزمن في السلطة وغارق في الفساد، وأخفق في إحداث تغييرات في مجتمع يطالب بمزيد من الانفتاح والديموقراطية.16   كان ينبغي تنفيس الاحتقان في هذا الوضع الخطِر عبر مزيج من الحزم الحكومي وتقديم بعض التنازلات للمعارضة.
 
خلص خبراء الحكومة الروسية منذ وقت مبكّر إلى أن نتيجة الأزمة السورية ليست قدراً محتوماً، بل رأوا أن بشار الأسد يستطيع الصمود في وجه أعدائه لفترة طويلة إلى حدّ ما. في الواقع، كان من المستبعد بالنسبة إلى الجيوب العلوية القابعة غرب سورية، بما في ذلك طرطوس، أن ترحِّب بالقوى المتطرّفة التي يقودها السنّة. واعتبر الروس أن أي تغيير سريع للنظام في دمشق سيكون على الأرجح ناتجاً عن تدخّل خارجي.
 
خلال الأشهر الستة الأولى، كان اشتداد الأزمة السورية يسير بالتوازي مع العملية العسكرية التي قادها حلف الناتو في ليبيا. وهكذا، فقد أصبح الهمّ الرئيس لموسكو يتمثّل في منع تكرار حدوث "السيناريو الليبي" في سورية. وبعد التغيير الكلي الذي طرأ على موقف واشنطن إزاء ليبيا خلال آذار/مارس 2011، لم يكن ثمة يقين بأن الولايات المتحدة لن تفكر في شنّ هجومٍ ما ضد القوات الحكومية السورية. وقد علَّق وزير الخارجية سيرغي لافروف على ذلك بنبرة جافة، قائلاً "الأميركيون لا يستبعدون أي شيء".17  
 
سعياً منها لانتهاج سياسة عملية، ليس في الشرق الأوسط فقط، تفضِّل موسكو التعامل مع الحكومات الممسكة بالسلطة لا مع معارضيها، ولاسيّما في البلدان غير الديموقراطية. من الواضح أن موسكو فضَّلت بقوة الحكومة القائمة في دمشق،كما هي، على المعارضة. وقد اعترف المسؤولون الروس سرّاً بأن الحكومة السورية قمعيّة بلا شك، لكنها لاتتفوّق في ذلك كثيراً على معظم الأنظمة الموجودة في المنطقة. فهي على الأقلّ، برأيهم، حكومة علمانية وتشكِّل حصناً منيعاً في مواجهة التطرّف الإسلامي والإرهاب من نمط إرهاب تنظيم القاعدة.
 
لم يكن الروس معجبين أبداً بالمعارضة السورية. وعموماً، يشعر الكرملين حالياً بالكراهية تجاه الثورات من حيث المبدأ، كما أنه يقدّم روسيا بوصفها مدافعاً قوياً عن الوضع الراهن. وقد عبَّرت موسكو عن رفضها تقريباً لذلك الجزء من المعارضة السورية المكوَّن من سياسيين سابقين ومثقفين موالين للغرب، ممّن يقيمون منذ زمن بعيد خارج سورية ولاتوجد لديهم أي روابط تُذكر في داخل البلاد، بما في ذلك المجلس الوطني السوري، الذي يشكّل الآن جزءاً من تجمّع أوسع للمعارضة. هذا في حين كانت نظرة الروس أكثر دفئاً تجاه معارضي النظام من المعتدلين والعلمانيين الموجودين داخل البلاد الذين تقبَّلوا الحوار مع السلطات مثل هيئة التنسيق الوطني للتغيير الديموقراطي.
 
في المقابل، ينظر الروس إلى متطرّفي الجيش السوري الحر الذين يريدون إسقاط نظام الأسد بالقوة بوصفهم مجموعة خطيرة. تضم هذه المجموعة بعض الديموقراطيين لكن نسبة الإسلاميين بين صفوفها أكثر بكثير. وقد رصدت موسكو، في وقت مبكّر، وجود أنماط على غرار تنظيم القاعدة كامنة بين ظهراني المعارضة السورية. ومع استمرار الصراع، يخشى الروس من أن تصبح لهؤلاء المقاتلين اليد العليا بين معارضي النظام.
 
طوال فترة الصراع، رأت موسكو أن المعارضة المتطرفة تسعى باستمرار لاستفزاز الحكومة وجرِّها للاستخدام المفرط والعشوائي للقوة، على نحو يجلب أكبر قدرٍ من المعاناة للسكان ويحرِّك الرأي العام الغربي ضدها. كما يشكّ الروس بأن المعارضة تسعى إلى إثارة الصراع بين سورية وتركيا من خلال جلب القتال مباشرةً إلى الحدود السورية - التركية. ويعتقدون أيضاً أن المجازر التي وقعت بحق المدنيين الأبرياء، والتي ألقت الجماهير والحكومات الغربية اللوم فيها على القوات الحكومية السورية، كانت من تنظيم قبل المعارضة. من جانبهم، انتقد المسؤولون الروس نظراءهم الغربيين لفشلهم في إدانة الهجمات الإرهابية التي شُنَّت ضد الأهداف الحكومية. وبرأيهم، لايمكن أن يكون هناك "إرهابيون جيدون".18  
 
من بين القضايا العديدة التي يشتمل عليها الصراع في سورية، تبرز بوضوح إمكانية استخدام الأسلحة الكيميائية. وقد أخذت موسكو تلك المسألة على محمل الجدّ، حيث حذَّر العديد من المعلقين الروس من أن خطر حصول هجوم كيماوي في سورية قد يشكّل ذريعة لتدخّل عسكري تقوده الولايات المتحدة، على غرار غزو العراق في العام 2003، عندما اتّهمت إدارة جورج بوش الابن بغداد بأنها تعمل سرّاً على تطوير أسلحة دمار شامل. ولايتمثّل التهديد الرئيس في سورية الآن، من وجهة النظر الروسية، في قيام الجيش السوري باستخدام الذخائر الكيماوية ضد قوات المعارضة. فمن الواضح أن موسكو صدَّقت دمشق عندما قالت إن هذه الأسلحة لن تُستخدم إلا ضد معتدٍ أجنبي، وبعبارة أخرى، ستبقى رادعاً ضدّ التدخّل الخارجي. وحسب وجهة النظر الروسية، يتمثّل التهديد الرئيس فيما يتعلق بالأسلحة الكيميائية في انتشارها المحتمل إذا مافقدت الحكومة السورية السيطرة عليها.
 
دعت مشاريع القرارات التي قدمتها روسيا والصين إلى مجلس الأمن في خريف العام 2011 طرفي الصراع في سورية إلى وقف القتال والانخراط في الحوار. وكان من شأن وقف إطلاق النار وفقاً لتلك الشروط أن يبقي حكومة الأسد في السلطة، وهو ما لم يكن مقبولاً بالنسبة إلى الدول الغربية ولا إلى المعارضة السورية، بطبيعة الحال.
 
على النقيض من ذلك، كانت الاقتراحات الغربية المضادة تلقي بالمسؤولية على عاتق الحكومة السورية، ملزمةً إياها، وليس المعارضة، بالانسحاب من المدن. وقد استخدمت موسكو وبكين حق النقض ضد تلك الاقتراحات مرتين. ونتيجةً لذلك، أصيب مجلس الأمن بالشلل، ما أدى إلى إثارة الأسئلة مجدّداً، في دول الخليج وغيرها، حول شرعيّته، وخاصةً في ضوء الدور "المتضخِّم" لروسيا.
 
كان الدبلوماسيون الروس في الأمم المتحدة حريصين جداً على ألا يتضمن أي قرار لمجلس الأمن لغة من شأنها أن تعطي ميزة تكتيكية للمعارضة وتكون بمثابة ذريعة للتدخّل. وعندما رأت موسكو أن مشروعي القرارين يميلان لصالح معارضي الأسد أو يفرضان على الحكومة السورية عقوبات بموجب الفصل السابع، فإنها لم تتردد في استخدام حق النقض ضدهما.
 
في كانون الثاني/يناير 2012، عيَّن الكرملين مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى سورية، وهو نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، الذي يتمتع بمعرفة ممتازة في شؤون الشرق الأوسط.19  والرسالة التي كان يتعيّن عليه إيصالها إلى طرفي النزاع في سورية كانت "ابدأوا بالحوار واعملوا من أجل مصالحة وطنية". وقد حضَّت روسيا على إنهاء العنف في سورية كما أسفت لتزايد أعداد القتلى، الذين حمَّلت المعارضة المسؤولية عن سقوط معظمهم، بما في ذلك المسؤولية غير المباشرة عبر القتال في المدن واستفزاز الجيش لشنّ هجمات مضادة.
 
اقترح الروس على دمشق - بأدب على الدوام - أن تعمل على تحرير نظامها السياسي المنغلق بشدّة والتواصل مع المعارضة ولكن من دون جدوى للأسف. إذ لم يكن الأسد وأعوانه بحاجة إلى نصيحة من الخارج، سواء من موسكو أو من أنقرة، التي حاولت أيضاً إصلاح ذات البين والتوسّط في بداية الأمر، لكنها سرعان ما توقفت. وعلى رغم أن موسكو كانت تجمعها بالأسد علاقة تجارية مزدهرة، لم تكن لديها قدرة للتأثير عليه. فالتحالف السوري - الروسي الذي كثُر الحديث عنه كان مجرد أسطورة أو خيال. وكما قال الرئيس بوتين ساخراً في وقت لاحق (على نحو صحيح) إن الأسد يتردّد على باريس أكثر مما يتردّد على موسكو.20   ونتيجةً لحالة العداء التي نشأت بين روسيا والمعارضة السورية فإنه، باستثناء بضعة أشخاص متواجدين في دمشق، لم يكن هناك عملياً في المعارضة من هو مستعدّ لقبول جهود المصالحة المدعومة روسياً.
 
اتّسم الواقع الدبلوماسي للاتصالات الروسية - الغربية حول سورية بالدقّة البالغة، وذلك على نحوٍ يفوق كثيراً تلك الصورة العامة للتنافس بينهما ضمن إطار ما يشبه الحرب الباردة. فقد ساندت روسيا والغرب بعثة المراقبين التابعة للجامعة العربية، ومن بعدها بعثة السلام التي قام بها كوفي عنان، والمبعوث المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، علماً أن ثقة موسكو بقدرة عنان على تحقيق النجاح كانت أكبر من ثقة واشنطن. في ربيع العام 2012، دعمت موسكو والعواصم الغربية بشكلٍ رسمي ما سُمّيت "خطة عنان"، والتي تنبّأت بحصول حوار وطني يفضي إلى حلٍّ يقوده السوريون، على رغم أن الغرب بدا وللمرة الثانية أكثر تشكِّكا من روسيا حيال ذلك. ولدى اجتماعهما في قمة العشرين في لاس كابوس بالمكسيك، في حزيران/يونيو 2012، أكد الرئيسان أوباما وبوتين مجدّداً دعمهما لهذا المبدأ العام.
 
في الواقع، كانت نقطة الخلاف الرئيسة بين موسكو والعواصم الغربية والتركية والعربية تتمثّل في إصرار الروس على أن حل الأزمة السورية يجب أن يكون في أيدي السوريين أنفسهم وأنه يتعيّن على الأطراف الخارجية الامتناع عن التدخّل أو معاقبة دمشق. بدلاً من ذلك، حثّت موسكو الأطراف الخارجية على الضغط على الشركاء السوريين الذين لديهم تأثير عليهم – بحيث تضغط موسكو على دمشق، في حين تضغط واشنطن وحلفاؤها على المعارضة - بغية دفعهم عنوةً للجلوس إلى طاولة المفاوضات.21   بطريقة ما كانت هذه الصيغة مشابهة لصيغة دايتون، مع فارق مهم وهو أنه سيكون هناك راعيان رئيسان- روسيا والولايات المتحدة- بدلاً من راعٍ واحد فقط، كما حدث في البلقان في العام 1995.
 
تم في جنيف في 30 حزيران/ يونيو 2012، التوصل إلى اتفاق بين مجموعة العمل حول سورية التي تدعمها الأمم المتحدة، والتي ضمَّت الدول الخمس دائمة العضوية وتركيا والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي. وقد أشار بيان جنيف إلى "جهاز حكم انتقالي،" مكوّن من عناصر من الحكومة الحالية والمعارضة، يتولّى كامل السلطة التنفيذية في البلاد، ويقود الشعب السوري نحو المصالحة الوطنية والتسوية السياسية.22   لكن المؤتمِرين في جنيف فشلوا في الاتفاق على خطوات عملية وفورية تفضي إلى تشكيل سلطة انتقالية.
 
 كان ذلك تطوراً مصيرياً. إذ رفضت جميع عناصر المعارضة السورية عملياً التعامل مع دمشق، وقالت القوى الغربية إن الاتفاق على تشكيل حكومة انتقالية كان يتضمن إزاحة نظام الأسد في بداية العملية. شعر كوفي عنان بالإحباط، وتخلّى عن دوره ككبير الوسطاء الدوليين حول سورية. أما موسكو فشعرت بالغضب وقالت إن الذين أفشلوا الاتفاق يريدون "رأس الأسد" أكثر مما يريدون وضع حدّ للمجازر في سورية، وبالتالي فهم شركاء في المسؤولية عن تزايد أعداد القتلى في البلاد.
 
على رغم أن محاولات موسكو لدعم الحوار بين السوريين كانت عبثيّة إلى حدٍّ كبير، إلا أنه يُنسب لها الفضل أولاً في قبول الأسد بمبادرة سلام الجامعة العربية ثم ببعثة مراقبي الأمم المتحدة إلى سورية، وموافقته بعد ذلك على خطة عنان، وأخيراً، قرار الأسد بعد بيان جنيف بتعيين مفاوض مع المعارضة. ووفقاً للروس، لم تلقَ هذه الخطوات التقدير الكافي من جانب الغرب في حين سخرت المعارضة منها بوصفها نفاقاً.

زلات موسكو 

انتقدت روسيا الحكومات الغربية على خلفيّة محاباتها العلنيّة للمعارضة السورية، وربما لتأثّرها بها. بيد أن موسكو سمحت لسياستها بأن تصبح رهينةً بيد الأسد. وقد تذمَّر مسؤولون روس كبار سرّاً من أن الرئيس السوري لم يصغ إليهم، ومن أنهم يفتقرون إلى النفوذ الكافي لجعله يصغي إليهم.
 
هذا ليس صحيحاً تماماً. إذ استمرّت روسيا، طوال فترة الصراع، في تزويد القوات المسلحة السورية بالأسلحة والمعدات بموجب عقود سابقة، حتى أنها تولّت طباعة العملة السورية لصالح المصرف المركزي السوري. وتعهّدت روسيا بـ"عدم التدخّل" في النزاع السوري، كما رفضت استخدام أسلوب الترهيب والترغيب مع الأسد- مثل تقديم الضمانات الأمنية له أو التهديد بقطع المساعدات عنه - بهدف جعله أكثر تقبّلاً للحوار. وقد كان لهذا الخيار ثمنه، حتى بالنسبة إلى روسيا نفسها.
 
زعم وزير الخارجية لافروف أن الهدف من الأسلحة المرسلة إلى سورية، مثل أنظمة الدفاع الجوي وطائرات الهليكوبتر، كان لاستخدامها في صدّ العدوان الخارجي وليس في الصراع الداخلي. وفي ما يتعلّق بعمليات القصف التي يقوم بها سلاح الجو السوري، فقد تجاهلها باعتبارها نُفِّذت باستخدام أسلحة وذخيرة قدّمها الاتحاد السوفييتي السابق. وأشار المسؤولون الروس أيضاً إلى أنهم حتى وإن كانوا يسلّحون حكومة شرعية بشكلٍ علني - من دون خرق لأي من العقوبات الدولية كانت موسكو نفسها قد حالت دون فرضها - فإن الغرب وتركيا والعرب يسلّحون المعارضة سراً. ولم تتمكن هذه الجهات من تقديم أي ضمان بأن الأسلحة لن تجد طريقها إلى العناصر الجهاديّة مثل جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة، والتي تحارب الأسد أيضاً.
 
ثمة سلبيات واضحة في سياسات روسيا. فهي ترفض التأثير على الأسد بأي شكل من الأشكال باستثناء مناشدته وقف العنف باعتباره مساراً محكوماً بالفشل. في الواقع، كانت روسيا تسلّح أحد الطرفين في حرب أهلية قائمة بحكم الأمر الواقع، وهو وضع كان يمكن بموجبه حظر شحنات الأسلحة وفقاً للتشريعات المحلية في روسيا. والادِّعاء بأن الغرب وحلفاءه كانوا يقومون بالأمر نفسه عبر تسليح المعارضة لم يجلب الكثير من الارتياح. فإذا كان الآخرون يرتكبون خطأً فادحاً، حسب قناعة الروس، فلماذا تحذو روسيا حذوهم؟ كانت موسكو تقترب شيئاً فشيئاً من التورّط في أمرٍ قالت إنها كانت تحاول تجنبه، أي في صراع داخلي في بلد أجنبي.
 
كشفت سياسة موسكو تجاه سورية (وهي السياسة التي أدّعت الحياد وتم انتهاجها باسم مجموعة من المبادئ الأساسية في النظام العالمي وكانت تهدف إلى إحلال السلام في بلد مزّقته الحرب)، عن جانب سلبي حقيقي. فقد سمح الكرملين، عن غير قصد، بأن تستغل جميع أطراف النزاع روسيا على حساب المصالح القومية الروسية.
 
عندما هدأت المخاوف الأولية من حصول تدخّل تقوده الولايات المتحدة، كان لزاماً حتى على سيرغي لافروف أن يعترف بأنه ليست لدى الغرب رغبة في التدخّل العسكري، وأنه كان يستخدم تعنُّت روسيا ذريعة كي لايفعل شيئاً.23   هذا كلام معقول بلا شك، لكن كان على روسيا أن تدفع ثمناً باهظاً لممانعتها، من حيث سمعتها الدولية بين الغربيين والعرب على حدٍّ سواء.
 
في حين لايُعتبر بشار الأسد رجل موسكو بأي شكلٍ من الأشكال، أصبحت موسكو تلعب دور الحامي الدولي له. ومع أن الروس قالوا إنه لامصلحة لهم في إبقاء الأسد في السلطة، فإنهم رفضوا مناقشة الإطاحة به أو منحه حق اللجوء. وقد جاء ردّ لافروف على ذلك خلال مؤتمر صحفي بالقول "دعوا الآخرين يحاولون إقناعه بذلك"، ثم أضاف "لكن الأسد لن يذهب إلى أي مكان".24  
 
على رغم أن الحكومة الروسية لاتُظهر أي كراهية تجاه شخصيات المعارضة السورية ووجهت لهم الدعوة مراراً وتكراراً للقدوم الى موسكو لإجراء محادثات (وقد جاء بعضهم)، فقد اتّهمت المعارضة الروس بالمساعدة في جرائم النظام، حتى أنها طالبتهم بتقديم "الاعتذار" عما قدموه من دعم إلى الأسد.
 
من الواضح أنه ليست لدى موسكو أي خطط بشأن "اليوم التالي" في سورية. قد يكون السبب في ذلك هو أنها تعتقد أن البديل المنطقي الوحيد للأسد في دمشق هو نظام إسلامي راديكالي لن يكون شريكاً لموسكو. وربما خشي الروس أيضاً من أن إجراء الاستعدادات لمرحلة مابعد الأسد من شأنه أن يقوِّض الأسد من الداخل ويعجِّل في انتصار المتطرِّفين. ومع ذلك، تجد روسيا نفسها ضمن أقلّية واضحة داخل الأمم المتحدة، بصحبة الصين وعدد من دول أميركا اللاتينية، في حين تدين أكثر من 130 دولة أخرى عضو في الأمم المتحدة نظام الأسد.
 
على رغم وجود هذا الجانب السلبي، استمرت موسكو في نهجها. فقد أعربت عن أسفها الشديد للاعتراف بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وهو هيئة شاملة تم تشكيلها في الدوحة في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 من جانب عرب الخليج والأتراك والأوروبيين بالدرجة الأولى ثم الولايات المتحدة وقرابة 100 دولة أخرى عضو في الأمم المتحدة، بوصفه الممثّل الشرعي للشعب السوري. وبالإضافة إلى ذلك، وصف الدبلوماسيون الروس موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة على القرار الذي منح الشرعية للائتلاف الوطني بأنه يمثّل تعدّياً على الاختصاصات الحصرية لمجلس الأمن.
 
أدّت إعادة انتخاب الرئيس أوباما في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 إلى البحث على نحوٍ أنشط عن حلّ دبلوماسي للأزمة السورية. وقد أطلق الأخضر الإبراهيمي، الجزائري الذي خلف كوفي عنان كمبعوث دولي إلى سورية، في كانون الأول/ ديسمبر 2012، حواراً مع الولايات المتحدة وروسيا للبحث عن مخرج من الأزمة المستمرة.25   واحتج الإبراهيمي في وقت لاحق على عدم وجود "خطة أميركية روسية سرّية" حول سورية، ولكن الحقيقة هي أن واشنطن وموسكو أصبحتا، للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة، شريكتين في إدارة الصراع وإيجاد حلّ له. لكن حتى الآن لم تظهر نتائج جهودهما المشتركة.

إمكانية التعاون الروسي - الغربي

أصبحت الأزمة السورية تمثل نقطة تحوّل في سياسة موسكو الخارجية. فلم تعد روسيا ذلك المتفرّج السلبي الذي لا يفعل شيئا سوى الغضب، كما كان حالها في العراق في العام 2003، أو المرافق العاجز والحزين، كما كان حالها في ليبيا في العام 2011. فمنذ وقت مبكر، اتّخذت روسيا موقفاً واضحاً، ولم تتوانَ عن الدخول في خلاف قوي جداً مع الولايات المتحدة وأوروبا، كما تحمَّلت وطأة ازدراء الشعوب الغربية والعربية لها، ورفضت الضغوط التي موست عليها لتغيير موقفها. في الوقت نفسه، أظهرت موسكو استعدادها للتعاون مع الأطراف الأخرى، وخاصةً واشنطن، على أساس الندّ للندّ مع مراعاة الاحترام المطلوب للقانون الدولي التقليدي.
 
ولعلّ هذا يثير معضلة. فهل ينبغي على الغرب، ولاسيّما الولايات المتحدة، التعامل مع روسيا وفقاً لشروط موسكو بصورة أو بأخرى، أم أنه يتعيّن عليه ببساطة تجاهل روسيا؟ تتّسم الحجة المؤيدة للخيار الثاني بالقوة والشحن العاطفي. بالنسبة إلى الكثيرين، لاتُعتبر موسكو شريكاً غير كفؤ وحسب، بل هي أيضاً غير جديرة بالاحترام. إذ يُنظر إليها باعتبارها دولة تعيش حالة من التراجع المطَّرد، إلى جانب أفول نفوذها في العالم. وهي لاتزال خاضعة إلى حكومة استبدادية قامت مؤخراً بإعادة تعزيز سلطاتها بعد التحدّيات الداخلية التي تعرّضت لها، كما قضت تقريباً على كامل البنية التحتية التي أنشأتها الولايات المتحدة لدعم الديمقراطية داخل روسيا. ويُعتبر زعيمها على مدى الاثنتي عشر سنةً الماضية، فلاديمير بوتين، بعبعاً بالنسبة إلى وسائل الإعلام الغربية.
 
من وجهة نظر أولئك الذين يشكَّكون في أهميّة روسيا من أجل تسوية سورية في المستقبل، لا تتمتع موسكو بنفوذ قوي على بشار الأسد وتتعرّض إلى الشتم من معارضيه. عندما تتم الإطاحة بالأسد، وهو ما سيحدث على الأرجح في نهاية المطاف، سوف تظهر روسيا بمظهر الخاسر مرةً أخرى، مثلما حدث لها في أعقاب سقوط سلوبودان ميلوسيفيتش وصدام حسين ومعمر القذافي. ويشير المشكِّكون بروسيا أيضاً إلى أن التحالف الصيني - الروسي حول سورية أثبت بأنه يفتقر إلى شيء من الصلابة. فقد نأى الصينيون المعروفون ببراغماتيتهم، (مع أنهم لم يغيروا موقفهم الرسمي الداعم لسيادة الدول والمعارض للتدخّل الأجنبي)، بأنفسهم بهدوء عن المسألة السورية بغية التركيز على المناطق التي لهم فيها مصلحة مباشرة.
 
يجادل البعض بوجوب تجاهل روسيا في الموضوع السوري ويقولون إن الوقت قد حان لمعارضة الكرملين في جبهة واسعة، بدءاً من سياساته المحلية الاستبدادية مروراً بمحاولاته إعادة بناء مركز قوة في أوراسيا السوفييتية سابقاً، وصولاً إلى هيمنته غير العادلة على أسواق الطاقة الأوروبية. فمن شأن مثل هذه الجبهة الواسعة والموحدة، التي تضم الأميركيين والأوروبيين، أن تضع الكرملين أيضاً تحت ضغوط متزايدة داخلياً، وتساهم في تمكين المعارضة المحلية في روسيا. وثمّة من يقول إنه مع مرور الوقت ستشكل نهاية الاستبداد الروسي، كونها تأتي بعد نهاية الشيوعية السوفييتية، انتصاراً مجيداً آخر للغرب وللشعب الروسي على حدّ سواء.
 
يتسم هذا الطرح بالتجانس كما أنه قد يبدو محرّضاً، ولكن كما تبيَّن من خلال سورية والعراق وأفغانستان، قلّما يجلب التورط العميق في الشؤون السياسية الداخلية للدول الأخرى نتائج إيجابية. كما أن فصل القيم عن المصالح، بغضّ النظر عن الاتجاه الذي يتخذه هذا الأمر، هو بمثابة وصفة للفشل. ومن المرجّح أن يتسبّب القيام بحملة جديدة ضد "نظام بوتين" بالمزيد من الضرر، بدل أن يؤدّي إلى نتائج إيجابية في الداخل الروسي، كما أنه قد يضع الغرب في موقف أكثر صعوبة على الصعيد الدولي.
 
وعلى رغم أن الأمر غير مستساغ، فإن صناع السياسة الأميركيين بالكاد يستطيعون تحمُّل تبعات تجاهل روسيا، ولايستطيعون التعامل معها وفقاً لشروط واشنطن. في العام 2012، تغيّرت شروط الاشتباك بين روسيا والولايات المتحدة، إيذاناً بنهاية استكانة روسيا النفسية على مدى عقدين لأميركا وأوروبا. وقد جاء ذلك تتويجاً لـ "فكّ الارتباط" السياسي بين روسيا والغرب، والذي حدث في منتصف العقد الأول من القرن الحالي. بدأ فلاديمير بوتين، بعد إعادة انتخابه رئيساً في العام 2012 لفترة رئاسية ثالثة، بالترويج للهويّة المتميزة لروسيا، التي توجد حالياً اختلافات علنية بينها وبين الهوية الغربية، على مستوى القيم، وليس فقط على المستوى الدبلوماسي. وتمثّل هذه السياسة، التي يدعمها صعود النزعة القومية الروسية، تحولّاً جوهرياً في مكانة روسيا وموقفها في هذا العالم. وليست سورية سوى مثال واحد على ذلك.
 
ثمة قيمة إيجابية للغرب في التعاون مع روسيا حتى ولو لم يكن هو من يحدّد شروط ذلك التعاون. وتتمثّل الصعوبة بالنسبة إلى الدول الغربية في الاعتراف بقيمة التعاون بعد أن اتّضح أن روسيا لن"تنضم" إلى الغرب أو "تساعده" في أماكن مثل سورية. هناك ثلاثة عناصر رئيسة يجب أن تُبنى عليها أي مقاربة غربية جديدة تجاه روسيا.
 
أولاً، يتعين على الغرب تقبُّل التعاون على أساس المصالح المشتركة. ففي سورية على وجه الخصوص، وبغضّ النظر عن مدى قوة الخلاف بين موسكو وواشنطن حول ما إذا كان ينبغي إخراج بشار الأسد بشكل مفاجئ أو تدريجي من السلطة وتوقيت ذلك، فإنه لا الأميركيون ولا الروس يريدون أن تعمّ الفوضى في أعقاب رحيله. كما أنه لا الولايات المتحدة ولا روسيا سترحّبان بوجود نظام إسلامي سنّي متطرّف في سورية تكون له روابط مع تنظيم القاعدة. وقد يشجّع التركيز على هذه الأهداف المشتركة روسيا والغرب على العمل جنباً إلى جنب.
 
يمكن تطبيق هذا النمط من التعاون الروسي - الأميركي القائم على المصالح على عدد من حالات الصراع، بدءاً من ناغورنو - كاراباخ في القوقاز وصولاً إلى أفغانستان. وهذا ينطبق بالتأكيد على الحالتين الرئيستين للانتشار النووي المتمثّلتين بإيران وكوريا الشمالية، حيث إن كلتا الدولتين مجاورتان لروسيا ويجمعها بهما تاريخٌ طويلٌ من العلاقات.
 
ثانياً، على الغرب أن يعترف بأن النظام العالمي يتغيّر. فتلك الحقبة الطويلة من الهيمنة الغربية، التي شكَّل الاتحاد السوفييتي تحدّياً خطيراً لها خلال القرن الماضي، إلا أنها لم تنهزم أمامه، بدأت تصل أخيراً إلى نهايتها. فروسيا ليست جزءاً من الغرب، ولن تكون كذلك، ولكنها ترى نفسها كقوة لترسيخ الاستقرار تقدّم التقاليد والقواعد الإجرائية على العاطفة والإيديولوجيا. هذا الموقف يزعج في الغالب تلك الأطراف الغربية التي أخذت تتبنّى التغيير الثوري. ولكن في حال تبدَّد هذا الحماس الثوري، فإن روسيا ستكون حليفاً طبيعياً لأولئك الذين يسعون إلى جعل العلاقات الدولية تتّسم بدرجة أكبر من قابلية التنبّؤ.
 
ثالثاً، يتعيّن على الدول الغربية الاستفادة من الرؤية الفريدة والبراغماتية لروسيا والتي هي نتاج تجربتها الإمبريالية التي استمرّت على مدى مائة عام، والتي أعقبتها الثورة وحكم الإيديولوجيا، وبلوغ مكانة الدولة العظمى، والتفكُّك الشامل للدولة، وإعادة تشكيلها من جديد في نهاية المطاف. عادةً، يتم رفض هذه التجربة في الولايات المتحدة باعتبارها عديمة القيمة أساساً، حيث تشكِّل روما القديمة وبريطانيا النموذجين الإمبرياليين المفضَّلين لمقارنة الذات.
 
لا تشكِّل روسيا، بطبيعة الحال، نموذجاً مثالياً، لكن تجربتها التاريخية، سواء تجلَّى ذلك في نظرية وتطبيق الثورة الدائمة عند ليون تروتسكي، أو في الغزو السوفييتي لأفغانستان والانسحاب منها في نهاية المطاف، تقدِّم منظوراً مثيراً للاهتمام، وسيكون من الغباء إغفالها تماماً. ففي الشرق الأوسط بشكل عام وفي سورية بشكل خاص، كانت الرؤية الأكثر واقعية وتشكيكاً من جانب موسكو، على رغم ميلها الواضح لارتكاب الأخطاء على الجانب المحافظ، أقرب إلى الواقع في بعض الأحيان من السلسلة المتعاقبة من الحماس واليأس الغربيين.
 
في حال تبلورت هذه المقاربة، فقد تتمخَّض عن شيء كانت تفتقر إليه الولايات المتحدة وأوروبا منذ نهاية الحرب الباردة، والمتمثّل بإستراتيجية سياسة خارجية قابلة للتطبيق تجاه روسيا. ولن تكون هذه إستراتيجية خاصة بروسيا، والتي هي بالطبع شأن يخصّ الروس أنفسهم، كما أنها ليست استراتيجية ضد روسيا، لأن ذلك سيكون خطأً وسوف تتمخّض عنه نتائج سيئة. بيد أن تلك الإستراتيجية ستكون مفهوماً وخطة على المدى الطويل لتحديد المجالات التي تتقاطع فيها المصالح المشتركة، وإيجاد السبل الكفيلة بتعزيز وحماية تلك المصالح. كما تحدّد مجالات الاختلاف، بما فيها القضايا المتعلقة بالقيم، وإيجاد طريقة لإدارتها. وبما أنها تعكس التطوّر المستمر لروسيا، فإن السياسات التي سيتم وضعها بموجبها ستخضع إلى التعديل المستمر وفقاً لذلك التطوّر. ويتطلّب وضع مثل هذه الإستراتيجية إلقاء نظرة بعيدة المدى؛ أما تنفيذها فيحتاج إلى الشجاعة السياسية والقيادة.

نحو مقاربة جديدة في سورية

قد يوفّر اتّخاذ إجراءات الآن بشأن المخاوف قصيرة الأجل الأساس الضروري للتنمية الإستراتيجية طويلة الأجل. فقد بات واضحاً أن ثمّة حاجة للقيام بعمل دولي مشترك في سورية، لكن حالة الجمود في مجلس الأمن الدولي حالت دون ذلك. حتى الآن، لم تنجح سياسات عدم التدخّل التي انتهجتها موسكو، كما أنها تلحق ضرراً بالغاً بعلاقات روسيا مع الغرب والعالم العربي على حدّ سواء. وقد تبيَّن أن تركيز الغرب على رحيل الأسد  من السلطة لم يكن مجدياً. لذلك بات من الضروري إيجاد مقاربة جديدة.
 
يتعيّن على روسيا التخلّي عن موقفها النظري الرافض للتدخّل تجاه التطورات السياسية في سورية، في حين يجب على الولايات المتحدة أن تركّز على التسوية السياسية كهدف مباشر لها، وليس التركيز على الإطاحة بنظام الأسد. وبدلاً من إثارة الخلافات في ما يتعلق ببيان جنيف حول سورية، فإن الولايات المتحدة وروسيا بحاجة إلى التوصّل إلى آلية عملية لتنفيذ الانتقال السياسي.
 
ولدفع هذه العملية قُدُماً، يجب على موسكو وواشنطن تحديد وتحفيز العناصر الأكثر تقبلاً لفكرة الحوار، في المعسكرين المتحاربين، الذي من شأنه أن يفضي إلى المصالحة الوطنية. وعلى المنوال نفسه، ينبغي على الولايات المتحدة وروسيا الضغط على المجموعات السورية الرافضة للحوار من أجل جلبها إلى طاولة المفاوضات. وعليهما عزل ومعاقبة من يعارضون المصالحة كلياً.
 
وفي الوقت الذي تسعيان فيه إلى التوصّل إلى اتفاق سلام يذكِّرنا باتفاق دايتون الذي أنهى الحرب البوسنية، فإن واشنطن وموسكو بحاجة إلى التعاون بشكل وثيق مع جميع الأطراف في المنطقة- الدول العربية وتركيا وإسرائيل وإيران- لضمان دعمها لعملية السلام في سورية. وإلا فإن الأجندات المتنافسة قد تؤدّي إلى خروج التسوية عن مسارها. وفوق ذلك كله، وبهدف ضمان صدقيّة هذه العملية وطمأنة موسكو والدول الأخرى التي تشعر بالقلق من الإجراءات أحادية الجانب، يجب أن تكون عملية السلام السورية، أولاً وقبل كل شيء، جهدأث تقوم به الأمم المتحدة.
 
لقد حان الوقت لكي تعمّق إدارة أوباما والكرملين تعاونهما لوقف المجازر وإقامة سلطة انتقالية في دمشق قادرة على تعزيز المصالحة الوطنية وإعادة الحياة الى الدولة السورية. إذ يتّفق الكثير من المراقبين في الغرب في السرّ على أن نصف الحل موجود لدى الروس. لذلك ينبغي على الولايات المتحدة تقديم النصف الآخر.
 
أسفر الصراع السوري، الذي مضى عليه قرابة سنتين إلى الآن، عن مقتل أكثر من 60 ألف شخص، وجلب الدمار إلى البلاد وزعزع الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. ثمة ضرورة للقيام بعمل دولي مشترك، لكن الجمود في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حال دون ذلك حتى الآن. وقد تبيّن خطل الآمال التي علّقتها الولايات المتحدة وأوروبا على انضمام روسيا إليهما في إقصاء بشار الأسد عن السلطة. ولذا، من الضروري إيجاد مقاربة جديدة لوقف المذبحة وإقامة سلطة انتقالية في دمشق قادرة على تعزيز المصالحة الوطنية.

حسابات موسكو 

  • تّخذت روسيا موقفاً واضحاً بشأن سورية في وقت مبكر ولم تتوان عن خوض غمار خلاف حاد للغاية مع الولايات المتحدة وأوروبا.
     
  • من خلال رفض استخدام نفوذها للضغط على الرئيس الأسد وحثّ طرفي الصراع على العمل من أجل المصالحة، ترى روسيا أنها منصفة.
     
  • يخضع موقف روسيا بشأن سورية إلى مفهومها الخاص للنظام العالمي، والذي يدعو إلى ضبط استخدام القوة من جانب مجلس الأمن الدولي، ورفض تغيير الأنظمة من خارج.
     
  • ترى موسكو أن الربيع العربي ثورة إسلامية من المرجّح أن يهيمن عليها المتطرفون. وهي تخشى من أن يصبح الصراع السوري أكثر تطرّفاً وينتشر أكثر.
     
  • لم تحقق سياسات الكرملين نجاحاً وهي تضرّ بشكل خطير بعلاقات روسيا مع الغرب والعالم العربي.

نحو تعاون أعمق بين روسيا والغرب

  • لايمكن تجاهل دور روسيا، ولايمكن للدول الغربية التعامل مع موسكو وفقاً لشروطها.
     
  • يتعيّن على الغرب تبنّي التعاون مع روسيا على أساس المصالح المشتركة. ففي سورية لايرغب الأميركيون ولا الروس، بغضّ النظر عن مدى قوة الخلافات بين موسكو وواشنطن بشأن رحيل الأسد من السلطة، في حدوث فوضى أو إقامة نظام إسلامي سنّي راديكالي.
     
  • يجب على الدول الغربية الاستفادة من منظور روسيا الفريد والبراغماتي في الشرق الأوسط بشكل عام وفي سورية بشكل خاص. فقد كانت رؤية موسكو في بعض الأحيان أقرب إلى الواقع من الحماس واليأس الغربيين.
     
  • يجب على الولايات المتحدة وأوروبا الاعتراف بأن النظام العالمي بدأ بالتحوّل. فروسيا ليست، ولن تكون، جزءاً من الغرب، لكنها ترى نفسها على أنها قوة استقرار وتُقدِّم التقاليد والقواعد الإجرائية على العاطفة والإيديولوجيا. وتعدّ روسيا حليفاً طبيعياً لمن يسعون إلى مزيد من القدرة على التنبّؤ في العلاقات الدولية.

نحو مقاربة جديدة في سورية

  • ينبغي على روسيا التخلّي عن موقفها النظري القاضي بكفّ اليد وعدم التدخّل تجاه التطورات السياسية في سورية. ويجب على الولايات المتحدة أن تركّز على التوصل إلى تسوية سياسية كهدف مباشر لها بدلاً من إطاحة نظام الأسد.
     
  • الولايات المتحدة وروسيا بحاجة للعمل على وضع آليّة عمليّة لتنفيذ عملية انتقال سياسي في سورية.
     
  • يجب على موسكو وواشنطن تحديد وتحفيز العناصر الأكثر قابلية للحوار في المعسكرين المتحاربين، وينبغي ممارسة الضغط على من لايرغبون في الانخراط بهدف جلبهم إلى طاولة المفاوضات. وينبغي عليهما فرض العزل والمعاقبة التامين على من يعارضون المصالحة.
     
  • روسيا والولايات المتحدة بحاجة إلى العمل بشكل وثيق مع جميع الأطراف في المنطقة - الدول العربية وتركيا وإسرائيل وإيران – لضمان دعمها لعملية السلام في سورية. وينبغي أن تتم إدارة العملية من جانب الأمم المتحدة بغية تحسين صدقيّتها.

العامل الروسيي 

تحوّلت الانتفاضة السورية التي بدأت في آذار/مارس 2011 إلى حرب أهلية عنيفة ذات طابع طائفي قوي. وقد أدّى الصراع المسلح داخل الدولة، حتى أواخر تشرين الثاني/نوفمبر ،2012 إلى مقتل حوالي 60 ألف شخص،  وتقسيم المجتمع الدولي.
 
في حين وقفت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا وبلدان الخليج - قطر والمملكة العربية السعودية بشكل خاص - علناً مع المعارضة المسلّحة للرئيس السوري بشار الأسد، عارضت روسيا والصين ممارسة أي ضغوط على دمشق. وقد دعمت إيران نظام الأسد مادياً. وتنخرط الهند والبرازيل، وكلاهما يسعى للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، في عملية توازن صعبة. وتمثّل الأزمة السورية اختبار قوّة للأمم المتحدة، وبصفة خاصة، لصدقيّة وفعّالية مجلس الأمن التابع لها.
 
ثمّة أمور كثيرة تتوقّف على مواقف وسياسات الحكومة الروسية تجاه التطورات الأخيرة في سورية. فبعد عقدين من زوال الاتحاد السوفياتي، لاتزال روسيا لاعباً دولياً رئيساً بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن. وتتبنّى موسكو منظوراً كونياً متميزاً يختلف على نحو متزايد عن نظيره الغربي، وهي لاتتوانى عن طرح حلول بديلة لمجموعة من القضايا الدولية. وهذا مهم بشكل خاص، لأنها تملك القدرة على عرقلة سياسات الولايات المتحدة في مجلس الأمن، وتجعلها غير قانونية من حيث القانون الدولي إذا ما أرادت واشنطن المضيّ قُدُماً من دون الحصول على موافقة مجلس الأمن. لكن، بالنظر إلى ثقل موسكو الدولي، يمكن للتعاون بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن سورية أن يمهّد الطريق باتجاه وضع حدّ للصراع.
 
كما أن موقف روسيا مهم في ضوء موقف الصين، القوة العالمية الصاعدة التي لاتزال متردّدة عموماً في معارضة الغرب وحدها بشأن القضايا التي لاتؤثّر على مصالحها المباشرة. ومع ذلك، انضمت بكين إلى موسكو أحياناً في معارضة قضايا محدّدة، ما سمح للروس بالاضطلاع بدور قيادي (وتحمّل النقد)، وبالتالي خلق نمط من المعارضة الصينية - الروسية للولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.
 
تحظى موسكو في كثير من الأحيان بدعم دولي لجهودها البارزة في الوقوف في وجه واشنطن. وعادة ما يكون دعم مواقف روسيا علنياً لدى عدد من الحكومات والجهات الفاعلة غير الحكومية التي تعارض سياسات الولايات المتحدة، أو تتشبّث بالقيم التقليدية في العلاقات الدولية، مثل سيادة الدولة وعدم التدخّل، التي تدافع عنها روسيا في مواجهة التدخّل الغربي الإنساني.
 
تهدّد هذه المعارضة بتقسيم مجلس الأمن الدولي بشكل دائم بشأن قضايا السيادة وحقوق الإنسان. وبما أن أكثر الصراعات المسلحة في العالم الآن تحدث داخل الدول وليس بينها – وهو ما كان عليه الحال في منتصف القرن العشرين عندما تمت كتابة ميثاق الأمم المتحدة – فإن هذا الخلاف يمكن أن يشلّ الجهاز الرئيس للهيئة العالمية المسؤولة عن السلام والأمن الدوليين (مجلس الأمن).
 
مع ذلك، وفي ظل تراجع الهيمنة الغربية العالمية، ووجود أمور كثيرة في حالة تغيّر مستمر، تقدم روسيا نفسها كثقل موازن للغرب يمكنه أن يؤثّر في شكل النظام الدولي الناشئ.
 
في الواقع، تمثّل الخلافات حول سورية سجالاً بين وجهات نظر مختلفة من النظام العالمي، وقضايا السيادة وحقوق الإنسان، واستخدام القوة، والمسؤولية عن استخدام القوة بدلاً من السماح لصراع ما بأن "يخمد من تلقاء نفسه". يختلف هذا السجال اختلافاً جوهرياً عن التنافس السوفييتي - الأميركي في حقبة الحرب الباردة في الشرق الأوسط، والذي كان أساساً حول الإيديولوجية والهيمنة الإقليمية. والوضع يختلف أيضاً عما كان عليه في الماضي، لأن في سورية الآن أزمة دولية تضاف إلى صراع محلي حادّ هو جزء من عملية تعمّ المنطقة بأسرها أطلق عليها اسم الربيع العربي.
 
تجسّد سورية من نواحٍ عدّة مواجهة في غاية التطوّر في أوائل القرن الحادي والعشرين، ويمثّل التحدّي الذي يؤلّب روسيا ضدّ الغرب والعالم العربي في مجلس الأمن صعوبة التعامل مع مثل هذه الصراعات على المستوى العالمي. لم يعد بوسع الولايات المتحدة وحلفائها حلّ هذه القضايا وحدهم. إذ تتطلّب الإدارة الناجحة للصراعات وحلّها تعاوناً دولياً وإقليمياً حتى عندما تكون القيم متباينة. وبدوره، يتطلّب التعاون الفعّال في الحدّ الأدنى أن تتفهّم الأطراف بوضوح دوافعها وأهدافها، وخصوصاً روسيا. ويمكن أن يبدأ فهم المقاربة الروسية تجاه سورية انطلاقاً من التجربة في ليبيا.

أصول المقاربة الروسية: مقدمة ليبيا 

جاءت الأزمة السورية في أعقاب اندلاع الأزمة في ليبيا، لكن الأوضاع في البلدين تطوّرت بشكل مختلف تماماً. في ليبيا، حظيت الانتفاضة ضد نظام معمر القذافي، التي بدأت في شباط/فبراير 2011، بدعم حاسم من المجتمع الدولي. ففي آذار/مارس 2011، وفيما كانت قوات القذافي تستعدّ لإخماد المقاومة في بنغازي، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرارين 1971 و1973، حيث أدان ممارسات الزعيم الليبي وفرض منطقة حظر جوي فوق البلاد لحماية المدنيين من مجزرة على أيدي قوات النظام. أدّت الجهود الدولية في ليبيا إلى سقوط نظام القذافي في تشرين الأول/أكتوبر 2011.
 
ساعدت التجربة في ترسيخ موقف موسكو بشأن الأزمة المتطوّرة في سورية، وكشفت للمجتمع الدولي خلفية موقف روسيا من مسألة التدخل العسكري الخارجي في النزاعات الداخلية. 
 
أما بشأن ليبيا، فقد اتّخذت روسيا خطوة غير مسبوقة حيث سمحت باستخدام القوة ضد حكومة ذات سيادة في الصراعات الداخلية. ولم يختلف خطاب الرئيس الروسي آنذاك، ديمتري ميدفيديف، كثيراً عن خطاب القادة الغربيين. إذ قال ميدفيديف إن القذافي "جثة سياسية" قبل أكثر من ستة أشهر من الإطاحة بالديكتاتور الليبي. وبدا السفير الروسي لدى ليبيا، فلاديمير تشاموف، معارضاً لخط الكرملين الجديد في البرقيات الدبلوماسية، حيث تم فصله من دون سابق إنذار وتقاعد في آذار/ مارس 2011.
 
لم تكن هذه المقاربة الجديدة من بنات أفكار ميدفيديف. فحين ناقش مجلس الأمن القومي الروسي القضية قبل التصويت الحاسم في مجلس الأمن، جرى طرح خيارين اثنين: إما الامتناع عن التصويت أو الانضمام إلى القوى الغربية. في النهاية، امتنعت روسيا عن التصويت، واختارت مقاربة أكثر حذراً. واعتبر مجلس الأمن القومي الروسي المعايير المقترحة لاستخدام القوة غير مرضية تماماً.
 
كان واضحاً أن فلاديمير بوتين، (رئيس الوزراء رسمياً آنذاك لكنه كان مع ذلك لايزال الزعيم الأبرز في روسيا ومعلم ميدفيديف)، أكثر تشكّكاً من زملائه الجدد، لكنه لم يعترض على امتناع روسيا عن التصويت، وبالتالي سمح بتمرير القرارات. ومع ذلك، بعد وقت قصير من تصويت مجلس الأمن، أعرب بوتين علناً عن قلقه إزاء "الصليبيين الجدد" وهو سلوك يفترض أنه شهم بينما سمح في الواقع لمنطقة حظر الطيران في ليبيا بأن تصبح نافذة.
 
كان الخلاف الواضح بين الرئيس الروسي الاسمي ورئيس الوزراء القوي، في الواقع، محاولة من جانب موسكو للجمع بين طرفي القضية بشكل منفصل بغية تحقيق أقصى قدر من المكاسب وتقليل الخسائر الناجمة عن أي صراع. كان دور ميدفيديف في اللعبة هو الحصول على دعم الغرب لحملة التحديث في روسيا، والتوصّل إلى حلّ وسط بشأن برنامج الدفاع الصاروخي في أوروبا. أما دور بوتين فكان إنقاذ عقود موقّعة مع ليبيا القذافي بقيمة 8 مليارات دولار.
 
مع  تطور الوضع في ليبيا، أصبحت الشكوك الروسية أكثر وضوحاً. فقد أصبح تنظيم منطقة حظر الطيران مهمة منوطة بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ما أثار الذكريات غير السعيدة لتدخّلات الحلف العسكرية السابقة في منطقة البلقان، بما في ذلك في كوسوفو في العام 1999. يومها، عبّرت موسكو عن حساسية خاصة إزاء أي مقترحات بتولّي حلف الناتو مهمة عالمية، والتي فسّرتها على أنها تغطي بالفعل الفضاء السوفييتي السابق.
 
بعد أن راقبوا، غير مصدّقين، المواجهة الطويلة بين المتمرّدين المدعومين من حلف الناتو والنظام في خضمّ الحرب الأهلية الليبية، صُعق الروس بالنهاية السريعة للُّعبة، والتي شهدت تقديم دعم غربي سرّي للإطاحة بالقذافي ومن ثم قتله بصورة وحشيّة على أيدي المتمردين. وما أن انتهت الحرب في ليبيا، حتى اتّهم المسؤولون الروس الغربيين، بمن فيهم ميدفيديف، بالنفاق في قتل الناس في المدن التي يسيطر عليها القذافي، لإنقاذ الأرواح في الأراضي التي يسيطر عليها الثوار، وبالكذب في المساعدة على إسقاط النظام، في الوقت الذي يعلنون فيه أنهم لايعتزمون القيام بذلك.
 
كما فوجئت موسكو بالتطوّر السريع للموقف الأميركي بشأن الأزمة الليبية. في البداية، تم إيهام الكرملين بأن الولايات المتحدة لن تتدخّل في ليبيا. كان الروس مقتنعين بالحجج العنيدة التي تؤيد الابتعاد عن الصراع الليبي، التي أدلى بها علناً  وزير الدفاع الأميركي آنذاك روبرت غيتس، والذي أوضح أن إنشاء منطقة حظر جوي يعني شنّ عملية عسكرية هجومية وحذّر من تورّط الولايات المتحدة في صراع ثالث في بلد مسلم إلى جانب العراق وأفغانستان. بعد أسبوعين، وعندما تبنّى الرئيس باراك أوباما رأيا مخالفاً، بعد أن أقنعه مساعدوه بذلك، وأمر بالبدء في الاستعدادات المطلوبة للقيام بعملية عسكرية، فوجئت موسكو بعدم القدرة على التنبؤ بما يمكن أن تُقدِم عليه واشنطن. 
 
من الناحية العملية، الموقف الذي اتخذته روسيا بشأن ليبيا في العام 2011 كان يعني أن موسكو لا تحمي بصورة تلقائية الأنظمة التي تعارض الغرب. إذ لم يكن القذافي عميلاً سوفييتياً خلال الحرب الباردة، وعقد سلاماً مع الغرب منذ العام 2003. كانت لروسيا تعاملات تجارية مع ليبيا حتى اندلاع الانتفاضة، رغم أنها كانت أضيق نطاقاً من علاقات الأخيرة مع الأوروبيين. زار الرئيس بوتين ليبيا واستضاف القذافي في موسكو، لكن القادة الروس لم يشعروا بأي مسؤولية ولاتعاطف مع الديكتاتور الليبي ولا بالأسف لرحيله.
 
كما تبيّن أنه إذا ما تمت معاملة روسيا على قدم المساواة مع نظرائها من الغربيين، فإن موسكو ستتعاون معهم في تنظيم وإدارة العمليات العسكرية التي تنطوي على استخدام القوة لحماية الأرواح البشرية والحريات في بلدان أخرى، برعاية مجلس الأمن الدولي. ومع ذلك، فإن استعداد موسكو للتعاون مع الغرب لايرقى إلى مستوى تغيير النظام بصورة مباشرة، أو التخطيط لانقلاب، أو الضغط على الزعماء الأجانب للتخلّي عن السلطة.
 
لاتكمن جذور اعتراضات روسيا على تغيير النظام في البلدان الأخرى، على مبدأي سيادة الدولة وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول، بل أيضاً في القلق بشأن ما سيحدث بعد خلع زعيم ما. في مرحلة مابعد القذافي ليبيا، ظلّ القلق يساور المراقبين الروس بشأن الفوضى العامة، والانهيار الفعلي للبلاد، وانتشار مخزون أسلحة النظام المخلوع.
 
لم يكن لدى القذافي سوى قلّة من الأصدقاء في روسيا، ولم يكن بوتين منهم، ومع ذلك فقد  أثار إسقاط الدكتاتور مسألة صدقيّة الغرب. إذ تتوقّع روسيا أن يعاملها الغرب كشريك على قدم المساواة، ويحترم وجهات نظرها ومصالحها. لكن سرعان ما اكتشفت موسكو أنه ليس لديها نفوذ على الغرب في ليبيا إلا بالقدر الذي يتعلّق بإدارة العملية التي صدر تفويض بالقيام بها.
 
عندما تمت الإطاحة بالقذافي في خاتمة المطاف، سارعت السلطات الليبية الجديدة إلى تجديد العقود التي أبرمتها الشركات الغربية مع القذافي. ومع ذلك، لم تجدّد العقود المبرمة مع الشركات الروسية. وقد زاد هذا الضرر المادي من حجم الإهانة التي تلقتها روسيا من حلف شمال الاطلسي بتجاوزه التفويض الممنوح له من مجلس الأمن لحماية المدنيين الليبيين من خلال إنشاء منطقة حظر جوي، عندما بدأ حملة عسكرية واسعة في البلاد. أثار هذا المزيج استياءً جديّاً  في موسكو، سرعان ما ظهر في سورية. لقد تذكرت موسكو الدرس الليبي.

جذور روسيا العميقة في سورية

ليس من المستغرب أن تتطور الأزمة السورية بشكل مختلف عن الأزمة في ليبيا، نظراً إلى الاختلافات الصارخة بين الدولتين. إذ أن ليبيا بلد واحات في الصحراء ذو كثافة سكانية منخفضة، وثانوي إلى حدّ كبير بالنسبة إلى بقية بلدان العالم العربي. ففيما تقع سورية، التي  يزيد عدد سكانها عن 22 مليون نسمة، في قلب منطقة الشرق الأوسط، وقد كانت بلداً محورياً طيلة تاريخ المنطقة على مدى الثلاثة آلاف سنة الماضية. من الناحية العملية، تعتبر القوات المسلحة الموضوعة تحت تصرّف الرئيس بشار الأسد أكثر تفوقاً بكثير من الجيش الليبي في ظل حكم القذافي.
 
كان ينبغي أن يكون واضحاً منذ البداية أنه لن يكون هناك مجال لسيناريو شبيه بالسيناريو الليبي كي يطبّق في سورية. وبالتأكيد لم يكن ثمّة أي مجال لذلك. واعتباراً من أول كانون الثاني/يناير 2013، وصل المتمردون وقوات الحكومة السورية إلى مرحلة من الجمود في ساحة المعركة. قطع المتمردون شوطاً كبيراً مع نهاية العام 2012 ولكنهم ليسوا قادرين حتى الآن على هزيمة النظام، حيث يسعى كلا الجانبين بإصرار إلى تحقيق نصر عسكري كامل. أما الشعب السوري، العالق بين طرفي القتال، فهو ينزف ويفقد العديد من الأرواح كل يوم. يعارض الكثير من السوريين بالتأكيد نظام الأسد، لكن الكثيرين أيضاً يخشون من انتصار المتمردين. فخلال السنتين اللتين مرّتا منذ بدء الانتفاضة، لم يتفكّك الجيش السوري، ولم تنتفض طبقات التجار في حلب، التي دمّرتها الحرب، ولا العاصمة دمشق شبه المحاصرة في وجه النظام.
 
تأثّر موقف موسكو تجاه التطورات في سورية بالتأكيد بالدروس المستفادة في ليبيا، لكن الروس ليسوا غرباء عن سورية. فمنذ ستينيات القرن الماضي وحتى أوائل تسعينياته، حافظت موسكو على علاقات وثيقة شبيهة بالتحالف مع دمشق، التي حكمها حافظ الأسد، والد بشار من العام 1970 حتى العام 2000. في العام 1980، وقّعت موسكو ودمشق معاهدة تنصّ على التشاور في حال وجود تهديد للسلام، وعلى التعاون العسكري.
 
خلال النصف الثاني من القرن العشرين، كانت سورية في المرتبة الثانية بعد مصر من حيث الأهمية بين الدول العربية المنخرطة في الصراع مع إسرائيل، وهو والصراع الذي كان مظهراً أساسياً للمواجهة الأوسع في الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. ونتيجة لذلك، وعلى مدى ربع قرن في أعقاب حرب الأيام الستة في العام 1967 التي احتلت فيها  إسرائيل مرتفعات الجولان السورية، دعم الاتحاد السوفييتي دمشق سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
 
على رغم أن حافظ الأسد اعتمد بشكل كبير على الاتحاد السوفييتي، فقد بقي الآمر الناهي في الداخل السوري وفي "الخارج القريب". ففي العام 1976، غزت القوات السورية لبنان، وظلت هناك لمدة ثلاثين عاماً. وفي العام 1982، سحقت قوات الأسد انتفاضة في مدينة حماة السورية حيث ذُكر أن عدد الضحايا وصل إلى 20 ألف شخص. ربما عبّر السوفييت في بعض الأحيان عن الأسف إزاء السلوك المتعمّد للأسد الأب، لكنه كان يمثّل بالنسبة إليهم الرهان الأكثر أماناً في المنطقة.
 
عندما "انشقّ" الرئيس المصري آنذاك أنور السادات إلى المعسكر الأميركي في العام 1972، أصبحت سورية الحليف الفعلي السوفييتي الرئيس في الشرق الأوسط واحتفظت بهذا الوضع حتى العام 1991. لم تكن كل أسلحتها تقريباً سوفييتية الصنع وحسب، بل استضافت سورية أيضاً ما يصل إلى 6000 من المستشارين والفنيين العسكريين السوفييت وكذلك الموظفين المدنيين ومن يعولونهم. وقد تخرّج عشرات الآلاف من الطلاب السوريين من الجامعات والكليات والأكاديميات العسكرية السوفييتية، وتزوج الكثيرون منهم أيضاً من مواطنين سوفييت.
 
وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، استمرّ عدد من المستشارين العسكريين، الذين يمثّلون الاتحاد الروسي حالياً، في تقديم خدماتهم للحكومة السورية. أصبحت طرطوس، وهي مرفأ سوري كان يستخدمه السرب الخامس في أسطول البحر المتوسط  السوفييتي خلال الحرب الباردة، مرفق روسيا الوحيد للإمداد البحري خارج الاتحاد السوفييتي السابق. واصلت موسكو تسليح سورية، على رغم أنها ألغت في العام 2005 مبلغ 10 مليارات دولار من ديون سورية التي تعود إلى الحقبة السوفييتية والبالغة 13 مليار دولار، بهدف بيع أسلحة جديدة إلى دمشق.
 
مع ذلك، لم تكن دمشق "آخر حلفاء روسيا في الشرق الأوسط"، كما أطلق عليها العديد من المعلقين مؤخراً. فقد انسحبت موسكو من المنافسة الجيوسياسية في المنطقة في وقت مبكّر من العام 1990. يومها ابتعد الزعيم السوفييتي ميخائيل غورباتشوف ووزير الخارجية إدوارد شيفرنادزة عن حليفهم الآخر، عراق صدام حسين، الذي غزا الكويت وضمّها، وسمحا لقوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة بهزيمة قوات صدام في حرب الخليج الأولى. في خريف العام 1991، وقبيل تفكّك الاتحاد السوفييتي رسمياً، أعادت موسكو علاقاتها الدبلوماسية مع اسرائيل و"أعادت التوازن" إلى مقاربتها الخاصة بالقضية الفلسطينية. 
 
منذ ذلك الحين، استرشد الوجود الروسي في المنطقة بمزيج من المصالح التجارية والمخاوف بشأن الدعم الآتي من المنطقة للمسلحين والإرهابيين في شمال القوقاز الروسي، وأيضاً بشأن معالم الجذب الروحي المكتشفة حديثاً في الأراضي المقدسة والشواطئ الطبيعية للبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والخليج. ثمّة رقمان يحكيان قصة تحوّل وجود موسكو في المنطقة أفضل من أي شيء آخر. فعندما حوّل أنور السادات ولاء مصر من موسكو إلى واشنطن، أعاد ما لا يقل عن 20 ألف مستشار عسكري سوفييتي إلى بلادهم. وعندما أطاحت الثورة بحسني مبارك، وريث السادات، بعد ما يقرب من أربعين عاماً، تقطّعت السبل بأكثر من 40 ألفاً من المصطافين الروس في الغردقة وشرم الشيخ والمنتجعات المصرية الأخرى، لكن هؤلاء واصلوا قضاء عطلاتهم، سواء كانت هناك ثورة أم لا.

أربعة مستويات لموقف موسكو بشأن سورية

ينطلق تحليل المقاربة الروسي تجاه سورية بأفضل صوره من أربعة مستويات، وفقاً لأهميتها نزولاً: الحسابات القائمة على النظام الدولي المتغيّر، وآثار الربيع العربي، والمصالح المادية في سورية، ودور الدين.

النظام الدولي

في المستوى الأول، يأتي قلق روسيا بشأن النظام الدولي. إذ غالباً مايشير المسؤولون الروس إلى ميثاق الأمم المتحدة، ولاسيّما دعمه للسيادة والسلامة الإقليمية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وفي حين كان الاتحاد السوفييتي يدافع لغوياً  فقط عن ميثاق الأمم المتحدة، ويعتمد بدلاً من ذلك على قوته العسكرية وعلى السيطرة السياسية - الإيديولوجية لإمبراطوريته العالمية الواسعة، لم يعد الاتحاد الروسي الذي يصغره كثيراً في حجمه قوة عظمى أو ثورية، وينظر إلى مجلس الأمن والقانون الدولي التقليدي فعلاً باعتباره حصناً للنظام العالمي. وتصرّ موسكو على ضرورة أن يركّز مجلس الأمن على المسائل المتعلقة بصون السلم والأمن الدوليين. وبالتالي، فإن عليه الامتناع عن دعم الأطراف المتقاتلة في صراع داخلي، كما هو الحال في سورية.
 
لكن روسيا تقبل، من حيث المبدأ، حدوث تغيير تدريجي وتوافقي في القانون الدولي. وهي تعترف رسمياً بمسؤولية الحماية، أي المبدأ القائل إن اعتبارات حقوق الإنسان يمكن أن تجعل التدخّل العسكري من جانب الأمم المتحدة أو أحد أعضائها ضرورياً. في الواقع، كانت موسكو قد أشارت إلى ذلك المبدأ خلال الحرب القصيرة مع جورجيا في العام 2008، والتي خاضتها معها شكلياً دفاعاً عن سكان أوسيتيا الجنوبية.
 
حتى عندما تتم الموافقة على التدخّل لأسباب إنسانية على النحو الواجب، ينبغي أن تقتصر العملية العسكرية، برأي موسكو، على حماية المدنيين، وليس تغيير النظام أو مساعدة المعارضة المسلحة في قتال النظام. يجب ألا يتحوّل "التغيير التدريجي في المهمة" إلى تورّط مباشر في الحرب الأهلية المحلية. قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف: "نحن لسنا في وارد تغيير النظام"، مضيفاً أن مجلس الأمن "لا يتعامل مع الثورات".  ويثني الروس على عمليتهم القصيرة في جورجيا في العام 2008، في حين لم يؤدّ الزحف من مناطق النزاع في جنوب أوسيتيا وأبخازيا إلى جورجيا ذاتها، إلى الأطباق على تبليسي والإطاحة بالحكومة الجورجية، كما كان يخشى الكثيرون في الغرب – وكان البعض يرغب في روسيا بالتأكيد - في ذلك الوقت.
 
يصرّ الروس أيضاً على ألا يكون هناك أي استخدام للقوة أو تهديد باستخدامها من هذا القبيل، إلا عندما يقرّر مجلس الأمن الدولي، حيث تمتلك موسكو حق النقض (الفيتو)، خلاف ذلك. إذ إن الفشل في البحث عن، أو الحصول على، مثل هذا التفويض، يجعل التدخّل غير مشروع، من وجهة نظر روسيا. وتصرّ موسكو على أن استخدام القوة في العلاقات الدولية يجب ألا يقتصر على الحصول على التفويض اللازم وحسب، بل يجب أن يشرف عليه ويراقبه عن كثب أيضاً مجلس الأمن الدولي طيلة الفترة التي تستغرقها العملية.
 
يبدو أن روسيا تعترف بوجود استثناءات لهذه القاعدة. ففي أوسيتيا الجنوبية، تصرّفت روسيا من دون الحصول على تفويض دولي، مايعني أن موسكو تعتقد أن التدخّل، في بعض الحالات، قد يكون ملحّاً وله ما يبرّره حتى دون وجود ضوء أخضر من مجلس الأمن الدولي. وعندها  يصبح العمل العسكري خياراً سياسياً مثقلاً بنتائج سياسية وقانونية دولية.
 
تمقت روسيا، على وجه الخصوص، الاستخدام الليبرالي للقوة من جانب الولايات المتحدة. وبوصفها عضواً دائماً، يمتلك حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، فإن لدى روسيا القدرة على حماية مصالحها المباشرة وضمان بيئة دولية أكثر قابلية للتنبّؤ. وبمعنىً أوسع، فإن الإدارة العالمية المثالية، من وجهة نظر موسكو، مبنيّة على التوافق بين القوى العظمى: وهذه هي الضبط فكرة روزفلت بشأن رجال الشرطة العالميين الأربعة. إذ إن"التعددية القطبية" التي يتم التباهي بها هي مجرّد أحدث تكرار للمفهوم الذي تجسّد للمرة الأولى في حقبة "الوفاق الأوروبي" – المعروف أيضاً بنظام فيينا للعلاقات الدولية - في القرن التاسع عشر، والذي شعرت من خلاله الإمبراطورية الروسية بالاطمئنان التام.
 
سورية، من وجهة نظر الكرملين، هي مجرّد حالة أخرى ينشغل فيها الغرب بإدارة عملية تغيير النظام. ففي العراق، نفّذت الولايات المتحدة عملية غزو لإطاحة صدام حسين. وقد عاشت إيران فترة طويلة في ظل تهديد مماثل. في يوغوسلافيا، أدّت الحملة الجوية لحلف الناتو إلى فصل كوسوفو عن صربيا، وتمت إطاحة سلوبودان ميلوسيفيتش بعد ذلك بوقت قصير، في أول ثورة مما عرف آنذاك بالثورات الملوّنة. وفي الآونة الأخيرة، في ليبيا، اختار الكرملين أولاً عدم معارضة إقامة "منطقة حظر طيران" لإنقاذ الأرواح البريئة، لكنه غضب فيما بعد عندما  تحوّلت العملية الإنسانية إلى عملية تغيير للنظام.

الربيع العربي

في المستوى الثاني، هناك تقييم الحكومة الروسية للتطورات المحلية في سورية، وعلى نطاق أوسع، للربيع العربي، الذي وضع حدّاً لحكم مبارك الديكتاتوري، وأسفر عن الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية في تونس واليمن وليبيا. منذ البداية كان المراقبون الروس لمنطقة الشرق الأوسط أقلّ تفاؤلاً بشكل ملحوظ من نظرائهم الغربيين حول طبيعة واتّجاه التغيير في المنطقة. 
 
إذ يمكن تسمية ما يراه معظمهم بأنها "ثورة إسلامية كبرى."  وفي حين رأى الأوروبيون والأميركيون في العالم العربي تكراراً للانتفاضات الديموقراطية التي شهدتها أوروبا في العام 1848 أو العام 1989، رسم الروس أوجه تشابه مع ثورتهم التي جرت في العام 1917، وكان السؤال الوحيد يتعلّق بالشهر الذي يعادل "أكتوبر الأحمر".
 
في مرحلة مبكّرة، كان صنّاع السياسة الروس يخشون من أن استيلاء الإسلاميين على السلطة سيعقب الإطاحة بالحكام المستبدّين العلمانيين. فقد كانوا يعتبرون أن الدول الغربية والليبراليين المؤيّدين للغرب في الدول العربية يمهّدون الطريق للمتطرّفين الدينيين أو حلفاء تنظيم القاعدة. وكانت الإشارات إلى الربيع العربي والديموقراطية في هذا السياق، بالنسبة إلى وزير الخارجية سيرغي لافروف، مجرّد "حديث أطفال". 
 
لم يكن هناك تقريباً أي ابتهاج في المجتمع الروسي تجاه "انتصارات الشعب" في مصر وتونس، وهما البلدان اللذان أصبحا من المعالم السياحية لكثير من الروس (ذهب 2.8 مليون من المصطافين الروس إلى مصر في العام 2010 و2.5 مليون في العام 2012). وجادل المراقبون الروس المتشكّكون بأن الحرية السياسية شيء، لكن الرّفاه الاقتصادي شيء آخر، وبأن خيبة الأمل المريرة مسألة وقت. علاوة على ذلك، تعطي الحرية في مجتمع غير ناضج أفضلية للطرف الأقوى والأكثر قسوة. وقد زوّد التلفزيون الروسي الحكومي مشاهديه بالكثير من صور الدراما السياسية التي كانت تتكشّف شيئاً فشيئاً، ولاسيّما في القاهرة، حيث امتزجت أصوات الأمل والطموح بأصوات الخوف واليأس.
 
كانت الرسالة التي تلقاها المشاهدون الروس هي أنه حتى الثورات التي لاتنتهي بحروب أهلية، كما هو الحال في مصر وتونس، تعني الموت والدمار وتنتهي إلى الفوضى، والتي يمكن أن تؤدّي إلى نظام أكثر وحشية من النظام الذي تخلّصت منه. وكانت هذه في الغالب حجّة مقنعة بالنسبة إلى المشاهدين الروس الذين هم على دراية كافية بتاريخ بلادهم في القرن الماضي. في ليبيا، حيث فاز الليبراليون، وليس الإسلاميون، في انتخابات العام 2012، كانت القضية التي أثارها الروس هي عمليات النهب التي قام بها الثوار لترسانات أسلحة القذافي الضخمة وانتشار هذه الأسلحة في جميع أنحاء المنطقة، بدءاً من مالي. هناك، تمكّن الانفصاليون والمتطرفون الإسلاميون المقربون من تنظيم القاعدة من السيطرة على الجزء الشمالي من البلاد لإقامة معقل لهم.
 
هذا الخوف يبدو واضحاً تماماً في ما يتعلق بسورية، حيث تتضمّن قائمة معارضي  بشار الأسد عناصر جهادية، بعضها يرتبط بتنظيم القاعدة، وحيث يبدو خطر نشوب حرب طائفية بين السنة والشيعة، والعرب والأكراد، والمسلمين والمسيحيين حقيقياً جداً. وعلاوة على ذلك، تحوي ترسانات الأسد صواريخ وأسلحة كيميائية يمكن أن تجد طريقها إلى خارج البلاد، وتؤجّج الصراعات في أماكن أخرى أقرب هذه المرة إلى حدود روسيا، على عكس ليبيا. وفي نهاية المطاف، المسافة من دمشق إلى ماخاتشكالا، في جمهورية داغستان الروسية، تقلّ عن ألف ميل.
 
لا بد من التذكير بأن الروس العاديين شهدوا مؤخراً اندلاع أعمال عنف واسعة أقرب إلى بلدهم من الأميركيين أو حتى الأوروبيين العاديين. فقد كانت الشيشان جرحاً نازفاً على مدى عقد تقريباً في مطلع القرن الحالي، حيث استخدم الجيش الروسي الكثير من القوة النارية لسحق المتمردين. وقد توجّب إعادة بناء العاصمة الشيشانية غروزني من نقطة الصفر تقريباً. وحتى اليوم، لاتزال منطقة شمال القوقاز من داغستان في الشرق إلى كاباردينو - بلكاريا في الغرب مضطربة، على الرغم من أن الشيشان نفسها، على عكس التوقعات، أصبحت حصناً للاستقرار النسبي في المنطقة.
 
في حساب التفاضل والتكامل الأوّلي للحكومة الروسية، كان من المرجّح أن يمسك الأسد بالسلطة لبعض الوقت، وقد ثبت أن هذا كان تقييماً أكثر دقّة من التنبّؤات الغربية المتكرّرة بأن أيام الأسد "معدودة". كان الروس يعتقدون أيضاً أن الإطاحة بالأسد في نهاية المطاف لن تعني نهاية الحرب الأهلية ولكن بداية المرحلة التالية فيها. وكما قال الرئيس بوتين، فإن الحكومة السورية والمعارضة، في هذه الحالة سيتبادلان الأماكن ليس إلا، لكن القتال سيستمر. ووجود مثل هذا المرجل من العنف واسع النطاق على بعد بضع مئات من الأميال عن منطقة شمال القوقاز الروسية المضطربة ليس بالخبر الطيّب بالنسبة إلى موسكو، خاصة وأنه لا يفصلها سوى عام واحد فقط عن دورة الألعاب الاولمبية الشتوية لعام 2014 في سوتشي.
 
عموماّ، تردّدت أصداء الربيع العربي بالفعل في جميع أنحاء الاتحاد السوفييتي السابق. لم تجر أي محاولات جادّة حتى الآن لإسقاط حكام الجمهوريات السوفييتية السابقة، ولكن العديد من المشكلات التي تواجهها تلك البلدان لاتختلف عن تلك التي يواجهها العالم العربي. فعندما نظّمت الطبقات الوسطى الحضرية في روسيا، التي أغضبتها انتخابات كانون الأول/ديسمبر 2011 البرلمانية والتي شابتها بعض العيوب، احتجاجات واسعة في موسكو، كان بعض منتقدي فلاديمير بوتين في الداخل والخارج يأملون في أن يؤدّي "الربيع الروسي" إلى انهيار ما تسمى روسيا بوتين. 
 
لم يكن حكام الكرملين أنفسهم حذرين من "الجماهير المحتشدة" في روسيا، التي قد تتمرّد عليهم، بقدر حذرهم من التدخّل الغربي، سواء من خلال التشجيع على الثورة داخل البلاد أو التدخّل من الخارج. فقد اتّهم بوتين المتظاهرين الروس علناً بأنهم يحصلون على الأموال من الحكومة الأميركية. ولم يكن الربيع العربي بالنسبة إلى بعض مساعدي بوتين، مثل نائب رئيس الوزراء السابق والرئيس الحالي لشركة النفط الروسية التابعة للدولة "روسنفت – Rosneft"، إيغور سيتشين، سوى أحدث شكل من أشكال تغيير النظام المستوحاة من الغرب والتي يقودها الغرب نفسه. 
 
على هذه الخلفية، وبعد عودة بوتين الرسمية إلى الكرملين في أيار/مايو 2012، أصبحت الأزمة السورية تمثّل اختباراً لحلقة جديدة من سياسة موسكو الخارجية.

مصالح روسيا المادية

المصالح المادية الروسية في سورية نفسها متواضعة نسبياً، وهي تأتي في المستوى الثالث فقط. إذ توقفت دمشق عن كونها حليف موسكو قبل عقدين من الزمن، عندما انسحبت روسيا من المنافسة الجيوسياسية في المنطقة. وعلى غرار والده، لايزال بشار الأسد يشتري الأسلحة الروسية، لكنه يفعل ذلك بوصفه عميلاً تجارياً لا شريكاً إستراتيجياً. والعلاقة ليست مربحة خصوصاً بالنظر إلى شروط صفقة سداد الديون.
 
المنشأة البحرية في طرطوس مفيدة للبحرية الروسية، خاصة أنها الوحيدة من هذا النوع خارج الاتحاد السوفييتي السابق. وبما أن عدد أفرادها يصل إلى نحو 50، فإنها بعيدة كل البعد، بطبيعة الحال، عن كونها قاعدة بحرية. ومع ذلك، أصبحت الأزمة السورية مناسبة للبحرية الروسية لتذكير الآخرين بوجودها. فمنذ العام 2011، قامت سفن تابعة للبحرية الروسية بزيارات عدة إلى ميناء طرطوس. وفي كانون الثاني/يناير 2013، تجمّعت سفن من جميع الأساطيل الروسية الأربعة في شرق البحر المتوسط للقيام بأكبر تدريبات بحرية لها منذ سقوط الاتحاد السوفييتي.  وخلص العديد من المراقبين إلى أن الغرض من التدريبات لم يكن إجلاء المواطنين الروس من سورية، بل إرسال رسالة مفادها أن البحرية الروسية، بعد استراحة استمرت عشرين عاماً، عادت مرة أخرى إلى المياه الدولية.
 
هناك أيضا الآلاف من المواطنين الروس الذين يعيشون في سورية. وهؤلاء في الغالب زوجات مواطنين سوريين، الكثير منهم من ضباط الجيش الذين درسوا في السابق في الاتحاد السوفييتي. ومع ذلك، فإن ثلاثة آلاف منهم فقط مسجّلون بشكل صحيح لدى القنصلية الروسية في دمشق. وقد عاد حوالي 1000 ممن يحملون جوازات سفر روسية إلى روسيا منذ بداية الحرب في سورية، ولكن الغالبية العظمى ظلوا فيها.  وبما أن سياسة موسكو الخارجية الآن تولي المزيد من الاهتمام، قولاً وفعلاً، لرفاهية المواطنين الروس في الخارج، فهذه بالتأكيد مسألة لايمكن تجاهلها.
 
كانت موسكو أكثر حذراً في ما يتعلق بحوالي 200 ألف من الشركس تقريباً، الذين لجأ أجدادهم إلى سورية وأجزاء أخرى من الشرق الأوسط في القرن التاسع عشر، هرباً من الغزو الروسي لشمال القوقاز. في خضمّ الصراع السوري، قدّم آلاف عدة من هؤلاء الأشخاص المهجّرين، طلبات للحصول على إذن لإعادة توطينهم في شمال القوقاز الروسي. ومع ذلك،  سمحت الحكومة الروسية بعودة حفنة من الأشخاص فقط، وذلك من باب الحرص على عدم تصعيد الوضع العرقي - السياسي المعقّد في شمال القوقاز.

دور الدين

في المرتبة الرابعة يأتي العنصر "الروحي" لموقف روسيا تجاه سورية خاصةً، وتجاه الشرق الأوسط بشكلٍ عام. فالنسخة المُحافظة من القومية الروسية، التي باتت تمثّل الاتّجاه السائد الجديد للكرملين، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمسيحية الأرثوذكسية. وثمّة سعي للارتقاء بالدين كي يصبح محوراً للهوية الوطنية الروسية، كما يجري اعتماد مبادئه الأخلاقية التقليدية كأساس لسياسة موسكو الخارجية. وتقوم القيم التي تعتنقها القيادة الروسية، كما يقول سيرغي لافروف، على "التقاليد التي تعود إلى ألف سنة والتي تشكِّل قاسماً مشتركاً للأديان الرئيسة في العالم".  
 
في الآونة الأخيرة أصبح القادة والمسؤولون والعديد من المواطنين العاديين في روسيا زواراً دائمين إلى الأرض المقدسة، وذلك بفضل نظام الإعفاء من التأشيرات الذي تم اعتماده في العام 2008 بين روسيا وإسرائيل. وقد أدّت إعادة تنشيط الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية، التي تأسّست في العام 1882 وتحظى بدعم الكرملين، إلى تمكينها من المطالبة باستعادة الممتلكات أو إصلاحها في القدس وبيت لحم (والتي فيها شارع باسم بوتين، تماماً مثل غروزني)، وأماكن أخرى، وهو ما أدّى إلى تعزيز وجود روسيا في الأراضي المقدسة. وقد زار البطريرك كيريل، رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، سورية في العام 2011 ثم سافر إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية والأردن في السنة التالية.
 
في سورية، كما في مصر والعراق، عبَّر المسؤولون الروس علناً عن قلقهم بشأن سلامة وحقوق الأقليات المسيحية التي علقت في دوّامة الصحوة الإسلامية. فقد قال سيرغي لافروف، خلال حديثه إلى الجمعية الأرثوذكسية الفلسطينية، إن من مصلحة روسيا "بذل كل ما بوسعها لمنع تشكُّل دول تسيطر عليها الجماعات المتطرّفة ويسودها التمييز ضد أي مجموعة عرقية أو دينية". بل ذهب لافروف إلى أبعد من ذلك حين قال "إن الممارسة المستخدمة من قبل أحفاد المسيحيين الأوروبيين في مجال حقوق الإنسان"، "تثبت بشكل متزايد أن الحقيقة ليست هناك".  هذا الاقتباس يوضح أن ثمّة قناعة لدى الكثيرين في موسكو بأن أوروبا الحالية ابتعدت كثيراً عن جذورها وبالغت في إباحة التسامح وأنكرت هويتها المسيحية.
 
في هذه الحالة، يسعى فلاديمير بوتين وحليفه البطريرك كيريل إلى ارتداء عباءة المدافعين عن الدين المسيحي، وذلك ليس في مواجهة الأديان الأخرى، التي تُعامَل باحترام، بل في مواجهة "مجدّفي" الداخل، مثل فرقة "بوسي رايوت – Pussy Riot" الموسيقية و"الأوروبيين الملحدين - godless Europeans" في الجوار- وهو ما يُعدُّ تحوّلاً لافتاً آخر في التاريخ الروسي. بطبيعة الحال، الرئيس بوتين ليس نسخة طبق الأصل عن القيصر نيقولا الأول، الذي تولّى لعب دور حامي المسيحيين الأرثوذكس في الإمبراطورية العثمانية السابقة، ولكن الشيء المؤكّد هو أن الدين يدخل في صلب تفكير الكرملين.

علاقات موسكو الأخرى 

الموقف الروسي تجاه سورية تحكمه أيضاً علاقات موسكو مع اللاعبين الآخرين الذين لهم مصالح في المنطقة، بما في ذلك إيران وإسرائيل والغرب. إذ ترى موسكو أن سياسات العديد من الجهات الإقليمية الفاعلة تجاه سورية لا تنطلق من مخاوف تلك الدول إزاء معاناة المواطنين السوريين العاديين بقدر ما تنطلق من رغبة مشتركة لحرمان إيران من أهم حليف عربي لها، وهو سورية. علاوةً على ذلك، من شأن الإطاحة بالنظام العلوي في سورية أن يضرّ بإيران بأشكال أخرى أيضاً، ما يؤدّي إلى إضعاف جماعة حزب الله الشيعية المقاتلة في لبنان، بوصفها وكيلاً يحظى بدعم كلٍّ من طهران ودمشق، هذا بالإضافة إلى القوى الشيعية الأخرى المتحالفة مع إيران في المنطقة. بالنسبة إلى موسكو، ينطبق هذا الاستنتاج على الولايات المتحدة وتركيا والمملكة العربية السعودية وقطر وإسرائيل على حدٍّ سواء. وبالإضافة إلى ذلك، سيكون موقف الولايات المتحدة وحلفائها أكثر قوة في أي مواجهة مستقبلية مع إيران في حال سقوط النظام السوري. ولا يخفي المسؤولون الروس شكوكهم بأن نشر حلف الناتو بطاريات صواريخ باتريوت على الحدود التركية - السورية موجَّه في الحقيقة ضد إيران وليس سورية.
 
تدرك روسيا طبيعة الروابط التي تجمع بين إيران وسورية، بيد أنها تبنّت وجهة نظر مختلفة كلياً حيال ذلك. ويعتقد الروس أن طهران يجب أن تكون جزءاً من أي حل للقضية السورية. وقد شعرت موسكو بالإحباط نتيجة رفض السعوديين السنَّة مناقشة الوضع السوري مع إيران الشيعية، وكذلك جرّاء دعم الولايات المتحدة للموقف السعودي. بالنسبة إلى مراقبي الشرق الأوسط الروس، لاتمارس الولايات المتحدة القيادة من وراء الستار في ما يتعلق بالوضع السوري، بل هي تتبع إلى حد كبير السياسة السعودية، التي تنطلق من أجندة الرياض الإقليمية والمتمحورة حول التنافس السنّي - الشيعي.
 
وقد فسَّر الروس حقيقة انضمام إسرائيل إلى المعسكر المعادي للأسد بأنها ناتجة عن القلق المتزايد لحكومة نتنياهو بشأن البرنامج النووي الإيراني. وحتى لو كان الروس لا يوافقون على بعض ما يذهب إليه الإسرائيليون في تحليلاتهم تجاه إيران، فإنهم مع ذلك يتفهّمون موقف إسرائيل. والذي يدعو إلى السخرية هو أن الروس، بالنظر إلى تاريخ الحرب الباردة، يُظهرون الآن الكثير من التعاطف تجاه الدولة اليهودية. فقد أصبحت إسرائيل موطناً لأكثر من مليون من المواطنين الروس السابقين الذين لا زالوا يتحدثون اللغة الروسية، كما تواجه الدولتان العديد من التحدّيات المتشابهة (مثل الإرهاب) والأعداء المشتركين (كالجهاديين). وقد زار الرئيس بوتين إسرائيل في حزيران/يونيو 2012 بعد وقت قصير من تولّيه منصبه، ويتفق معظم الروس والإسرائيليين حول طبيعة الربيع العربي، باعتباره صحوة إسلامية، وليست ديمقراطية.
 
تتباين وجهات نظر موسكو حيال سياسات مختلف الدول العربية تجاه بسورية. فقد رحَّبت موسكو بجهود الرئيس المصري محمد مرسي لإشراك إيران والمملكة العربية السعودية وتركيا في عملية التسوية في سورية. لكن منذ العام 2003، كانت الحركة الأوسع التي ينتمي إليها مرسي، "جماعة الإخوان المسلمين"، على قائمة موسكو للمنظمات الإرهابية، وذلك نتيجةً للأنشطة التي مارستها في شمال القوقاز خلال حرب الشيشان.   وقد كانت تلك الحرب الطويلة السبب في جعل موسكو تدرك أن في العالم العربي بعض بؤر التطرّف الإسلامي التي تشكل خطراً على روسيا وجوارها القريب في آسيا الوسطى وجنوب القوقاز.
 
ترى موسكو أن الأنظمة الإسلامية الموجودة حالياً في السلطة في مصر وتونس، وكذلك الثوار في ليبيا، بمثابة مناصرين إيديولوجيين للمعارضة السورية، كما ترى أن الأنظمة الملكية المُحافظة في الخليج تمثّل الحليف الجيوسياسي والطائفي لتلك المعارضة. ووفقاً لوجهة النظر الروسية، كان تصدير التطرّف الإسلامي إلى مختلف البلدان يمثّل دائماً إستراتيجية بقاء بالنسبة إلى النظامين السعودي والقطري. صحيحٌ أن الروس لايشعرون بالسرور جرّاء ازدياد حدّة المشاعر المناهضة لهم وفقدانهم لما تبقّى لهم من نفوذ في جزء كبير من العالم العربي، بيد أن تأثير ذلك لم يكن بالقدر الذي يجعلهم يغيِّرون نهجهم في بسورية.
 
الروس ليسوا الوحيدين الذين يشعرون بأنهم تضرّروا جراء التغييرات التي تجتاح الشارع العربي. فقد شاهدوا المعاملة القاسية التي تعرّضت إليها الولايات المتحدة على خلفية عرض المقطع الإعلاني لفيلم "براءة المسلمين". إذ كان مقتل كريستوفر ستيفنز، سفير الولايات المتحدة في ليبيا، في بنغازي يوم 11 أيلول/سبتمبر، 2012، بمثابة دلالةً بالنسبة إلى العديد من الروس حول السذاجة المطلقة للأميركيين فيما يتعلّق بالاضطرابات الشعبية الأخيرة التي شهدها العالم العربي. ويُحسب للمسؤولين الروس أنهم اعترفوا علناً بأنه "ما من أحد يفهم تماماً ما الذي يجري في الشرق الأوسط".  
 
في محاولتها للحفاظ على هدوئها، كانت موسكو تسعى إلى احتواء التوتر، ولاسيّما مع الرياض والدوحة. وقد تواصلت مع جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي في الوقت الذي بقيت على اتصال مع جميع جيران سورية، بما في ذلك الأردن والعراق ولبنان.
 
امتنعت روسيا أيضاً عن توجيه انتقاد علني إلى الموقف التركي المتشدّد إزاء سورية، كما تجاهلت تقريباً انتقادات أنقرة للموقف الروسي. لا بل سافر الرئيس بوتين إلى إسطنبول في كانون الأول/ديسمبر 2012 لإثبات حسن النيّة تجاه رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان وإبرام صفقات تجارية جديدة مع تركيا.
 
كان موقف روسيا لدى الرأي العام الغربي أسوأ حالاً مما هو عليه في العالم العربي. إذ ادّعت موسكو بأنها تتخذ موقفاً "متوازناً" في سورية، لكن تم رفض هذه التأكيدات باعتبارها مثيرة للسخرية. وأسبغ الغرب على روسيا صفة الحليف لكل من دمشق وطهران، والشريك في المسؤولية عن مقتل عشرات الآلاف من الشعب السوري. فقد صوَّر غلاف مجلة الإيكونومست الصادرة في 20 كانون الأول/ديسمبر 2012، فلاديمير بوتين في الجحيم مع صحبة شريرة مكوَّنة من الأسد وأحمدي نجاد وبجوارهم الراحل القذافي. ساهمت هذه الصورة العامة، إلى جانب تزايد المخاوف في الغرب بشأن تغوُّل الاستبداد داخل روسيا نفسها ردّاً على الاحتجاجات المناهضة لبوتين خلال عامي 2011 و2012، في إيصال العلاقات الروسية الغربية بحلول نهاية العام 2012 الى أدنى مستوى لها منذ الحرب الروسية - الجورجية في العام 2008.
 
بالكاد فهم الروس حقيقة أن الولايات المتحدة وأوروبا كانتا تميَّزان بين روسيا والصين، حيث تنظران إلى بكين نظرةً أكثر ايجابية. وقد استخدمت موسكو وبكين حق النقض ضد مشروعي قرارين في مجلس الأمن. لكن في حين كان موقف روسيا بشأن سورية صريحاً، اتّسم موقف الصين بدرجة أكبر من الصمت. إذ كان اهتمام موسكو منصبّاً في معظمه على النظام العالمي، في حين ركّزت بكين على مصالحها الخاصة. وكانت مخاوف الصين في الشرق الأوسط تتمحور بشكل رئيس حول إمدادات الطاقة، الأمر الذي جعل بكين تولي المزيد من الاهتمام لطروحات المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى. في الوقت الذي قام الصينيون بالالتفات مجدّداً إلى مصالحهم في المناطق المحيطة بهم، كما هو الحال في بحرَي الصين الشرقي والجنوبي، بدا جليّاً أنهم رأوا أنه ليس من الحكمة إرهاق علاقاتهم الدبلوماسية مع الغرب عبر إضافة صراع في دولة بعيدة لاتحظى بأهمية تُذكر بالنسبة إليهم، فضلاً عن أنهم لايفهمونها بشكلٍ جيد. على النقيض من روسيا، امتنعت الصين عن الدخول في جدلٍ معلن مع الغرب بشأن سورية. وردّاً على ذلك، عمد الأميركيون والأوروبيون بهدوء إلى عدم توجيه اللوم إلى بكين، وركَّزوا انتقاداتهم على موسكو وحدها.
 
وصف بعض أشهر المعلقين في مجال السياسة الخارجية سياسة روسيا في سورية بأنها "بارعة" لأنها نأت بنفسها عن الصراع دون أن تخون أحد حلفائها.   لكن ثمّة في روسيا أيضاً منتقدون لسياسة الكرملين حول سورية. فالجماعات الليبرالية داخل المؤسسة الروسية، والتي تنظر إلى السياسة الخارجية من منظور الحاجة إلى تحديث البلاد، تحمِّل الكرملين مسؤولية تدهور العلاقات الروسية مع كبار منتجي الطاقة، السعودية وقطر، وذلك عبر التخلّي عن التنسيق السياسي معهما بخصوص النفط والغاز، على رغم الحاجة الماسّة لهذا التنسيق، ومواصلة الاستثمار في تلك الحالة الميؤوس منها التي تُدعى سورية، والعمل الدائم على مساندة الخاسرين، بدءاً من صدام وصولاً إلى القذافي والأسد، وتجاهل الرابحين الذين كان يمكن أن يكونوا شركاء قيّمين.  
 
في المقابل، تطالب القوى المحافظة والقوميّة المتطرّفة - بما في ذلك الشيوعية - روسيا بالوقوف على نحوٍ أكثر حزماً في وجه الولايات المتحدة والتعاون مع أعدائها. وهم يأسفون لـ "تخلّي" موسكو عن القذافي، ومن قبله صدام حسين وسلوبودان ميلوسيفيتش.
 
هذه الآراء التي تتحكّم بها الإديولوجيا ليست ذات أهمية كبيرة، لكن منتجي الأسلحة الروس الذين  قد يفقدون عميلاً آخر إذا ما سقط الأسد، بعد ليبيا مباشرةً، يتمتّعون بثقل بيروقراطي حقيقي في مجلسي الحكومة الروسية، الدوما والاتحاد. نتيجةً لذلك، وعلى رغم عدم إبرام أي عقود أسلحة جديدة مع الأسد منذ بداية الأزمة السورية، فإن الشحنات التي ترسلها موسكو بموجب العقود القائمة ظلَّت تصل في موعدها.

تطور السياسة الروسية

كل هذه الاعتبارات- بدءاً من المخاوف بشأن النظام الدولي مروراً بآراء ومواقف الجهات الخارجية الفاعلة وصولاً إلى المخاوف السياسية الداخلية- أدّت إلى بلورة سياسة روسيا تجاه سورية، وكانت تتغيّر مع مرور الوقت وفقاً لتطّور هذه القوى.
 
في بداية الأزمة السورية في آذار/مارس 2011، كانت الحكومة الروسية ترى أن نظاماً صديقاً/ لكنه بعيد ومستبدّ، يواجه تحديّاً من قبل مجموعة متنوّعة من المحتجين. وقد أدركت بطبيعة الحال أن سورية تعاني من العديد من المشاكل الجيوسياسية المماثلة لتلك التي تعاني منها تونس ومصر، والمتمثّلة بنظام متحجّر أمضى ردحاً طويلاً من الزمن في السلطة وغارق في الفساد، وأخفق في إحداث تغييرات في مجتمع يطالب بمزيد من الانفتاح والديموقراطية.   كان ينبغي تنفيس الاحتقان في هذا الوضع الخطِر عبر مزيج من الحزم الحكومي وتقديم بعض التنازلات للمعارضة.
 
خلص خبراء الحكومة الروسية منذ وقت مبكّر إلى أن نتيجة الأزمة السورية ليست قدراً محتوماً، بل رأوا أن بشار الأسد يستطيع الصمود في وجه أعدائه لفترة طويلة إلى حدّ ما. في الواقع، كان من المستبعد بالنسبة إلى الجيوب العلوية القابعة غرب سورية، بما في ذلك طرطوس، أن ترحِّب بالقوى المتطرّفة التي يقودها السنّة. واعتبر الروس أن أي تغيير سريع للنظام في دمشق سيكون على الأرجح ناتجاً عن تدخّل خارجي.
 
خلال الأشهر الستة الأولى، كان اشتداد الأزمة السورية يسير بالتوازي مع العملية العسكرية التي قادها حلف الناتو في ليبيا. وهكذا، فقد أصبح الهمّ الرئيس لموسكو يتمثّل في منع تكرار حدوث "السيناريو الليبي" في سورية. وبعد التغيير الكلي الذي طرأ على موقف واشنطن إزاء ليبيا خلال آذار/مارس 2011، لم يكن ثمة يقين بأن الولايات المتحدة لن تفكر في شنّ هجومٍ ما ضد القوات الحكومية السورية. وقد علَّق وزير الخارجية سيرغي لافروف على ذلك بنبرة جافة، قائلاً "الأميركيون لا يستبعدون أي شيء".  
 
سعياً منها لانتهاج سياسة عملية، ليس في الشرق الأوسط فقط، تفضِّل موسكو التعامل مع الحكومات الممسكة بالسلطة لا مع معارضيها، ولاسيّما في البلدان غير الديموقراطية. من الواضح أن موسكو فضَّلت بقوة الحكومة القائمة في دمشق،كما هي، على المعارضة. وقد اعترف المسؤولون الروس سرّاً بأن الحكومة السورية قمعيّة بلا شك، لكنها لاتتفوّق في ذلك كثيراً على معظم الأنظمة الموجودة في المنطقة. فهي على الأقلّ، برأيهم، حكومة علمانية وتشكِّل حصناً منيعاً في مواجهة التطرّف الإسلامي والإرهاب من نمط إرهاب تنظيم القاعدة.
 
لم يكن الروس معجبين أبداً بالمعارضة السورية. وعموماً، يشعر الكرملين حالياً بالكراهية تجاه الثورات من حيث المبدأ، كما أنه يقدّم روسيا بوصفها مدافعاً قوياً عن الوضع الراهن. وقد عبَّرت موسكو عن رفضها تقريباً لذلك الجزء من المعارضة السورية المكوَّن من سياسيين سابقين ومثقفين موالين للغرب، ممّن يقيمون منذ زمن بعيد خارج سورية ولاتوجد لديهم أي روابط تُذكر في داخل البلاد، بما في ذلك المجلس الوطني السوري، الذي يشكّل الآن جزءاً من تجمّع أوسع للمعارضة. هذا في حين كانت نظرة الروس أكثر دفئاً تجاه معارضي النظام من المعتدلين والعلمانيين الموجودين داخل البلاد الذين تقبَّلوا الحوار مع السلطات مثل هيئة التنسيق الوطني للتغيير الديموقراطي.
 
في المقابل، ينظر الروس إلى متطرّفي الجيش السوري الحر الذين يريدون إسقاط نظام الأسد بالقوة بوصفهم مجموعة خطيرة. تضم هذه المجموعة بعض الديموقراطيين لكن نسبة الإسلاميين بين صفوفها أكثر بكثير. وقد رصدت موسكو، في وقت مبكّر، وجود أنماط على غرار تنظيم القاعدة كامنة بين ظهراني المعارضة السورية. ومع استمرار الصراع، يخشى الروس من أن تصبح لهؤلاء المقاتلين اليد العليا بين معارضي النظام.
 
طوال فترة الصراع، رأت موسكو أن المعارضة المتطرفة تسعى باستمرار لاستفزاز الحكومة وجرِّها للاستخدام المفرط والعشوائي للقوة، على نحو يجلب أكبر قدرٍ من المعاناة للسكان ويحرِّك الرأي العام الغربي ضدها. كما يشكّ الروس بأن المعارضة تسعى إلى إثارة الصراع بين سورية وتركيا من خلال جلب القتال مباشرةً إلى الحدود السورية - التركية. ويعتقدون أيضاً أن المجازر التي وقعت بحق المدنيين الأبرياء، والتي ألقت الجماهير والحكومات الغربية اللوم فيها على القوات الحكومية السورية، كانت من تنظيم قبل المعارضة. من جانبهم، انتقد المسؤولون الروس نظراءهم الغربيين لفشلهم في إدانة الهجمات الإرهابية التي شُنَّت ضد الأهداف الحكومية. وبرأيهم، لايمكن أن يكون هناك "إرهابيون جيدون".  
 
من بين القضايا العديدة التي يشتمل عليها الصراع في سورية، تبرز بوضوح إمكانية استخدام الأسلحة الكيميائية. وقد أخذت موسكو تلك المسألة على محمل الجدّ، حيث حذَّر العديد من المعلقين الروس من أن خطر حصول هجوم كيماوي في سورية قد يشكّل ذريعة لتدخّل عسكري تقوده الولايات المتحدة، على غرار غزو العراق في العام 2003، عندما اتّهمت إدارة جورج بوش الابن بغداد بأنها تعمل سرّاً على تطوير أسلحة دمار شامل. ولايتمثّل التهديد الرئيس في سورية الآن، من وجهة النظر الروسية، في قيام الجيش السوري باستخدام الذخائر الكيماوية ضد قوات المعارضة. فمن الواضح أن موسكو صدَّقت دمشق عندما قالت إن هذه الأسلحة لن تُستخدم إلا ضد معتدٍ أجنبي، وبعبارة أخرى، ستبقى رادعاً ضدّ التدخّل الخارجي. وحسب وجهة النظر الروسية، يتمثّل التهديد الرئيس فيما يتعلق بالأسلحة الكيميائية في انتشارها المحتمل إذا مافقدت الحكومة السورية السيطرة عليها.
 
دعت مشاريع القرارات التي قدمتها روسيا والصين إلى مجلس الأمن في خريف العام 2011 طرفي الصراع في سورية إلى وقف القتال والانخراط في الحوار. وكان من شأن وقف إطلاق النار وفقاً لتلك الشروط أن يبقي حكومة الأسد في السلطة، وهو ما لم يكن مقبولاً بالنسبة إلى الدول الغربية ولا إلى المعارضة السورية، بطبيعة الحال.
 
على النقيض من ذلك، كانت الاقتراحات الغربية المضادة تلقي بالمسؤولية على عاتق الحكومة السورية، ملزمةً إياها، وليس المعارضة، بالانسحاب من المدن. وقد استخدمت موسكو وبكين حق النقض ضد تلك الاقتراحات مرتين. ونتيجةً لذلك، أصيب مجلس الأمن بالشلل، ما أدى إلى إثارة الأسئلة مجدّداً، في دول الخليج وغيرها، حول شرعيّته، وخاصةً في ضوء الدور "المتضخِّم" لروسيا.
 
كان الدبلوماسيون الروس في الأمم المتحدة حريصين جداً على ألا يتضمن أي قرار لمجلس الأمن لغة من شأنها أن تعطي ميزة تكتيكية للمعارضة وتكون بمثابة ذريعة للتدخّل. وعندما رأت موسكو أن مشروعي القرارين يميلان لصالح معارضي الأسد أو يفرضان على الحكومة السورية عقوبات بموجب الفصل السابع، فإنها لم تتردد في استخدام حق النقض ضدهما.
 
في كانون الثاني/يناير 2012، عيَّن الكرملين مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى سورية، وهو نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، الذي يتمتع بمعرفة ممتازة في شؤون الشرق الأوسط.  والرسالة التي كان يتعيّن عليه إيصالها إلى طرفي النزاع في سورية كانت "ابدأوا بالحوار واعملوا من أجل مصالحة وطنية". وقد حضَّت روسيا على إنهاء العنف في سورية كما أسفت لتزايد أعداد القتلى، الذين حمَّلت المعارضة المسؤولية عن سقوط معظمهم، بما في ذلك المسؤولية غير المباشرة عبر القتال في المدن واستفزاز الجيش لشنّ هجمات مضادة.
 
اقترح الروس على دمشق - بأدب على الدوام - أن تعمل على تحرير نظامها السياسي المنغلق بشدّة والتواصل مع المعارضة ولكن من دون جدوى للأسف. إذ لم يكن الأسد وأعوانه بحاجة إلى نصيحة من الخارج، سواء من موسكو أو من أنقرة، التي حاولت أيضاً إصلاح ذات البين والتوسّط في بداية الأمر، لكنها سرعان ما توقفت. وعلى رغم أن موسكو كانت تجمعها بالأسد علاقة تجارية مزدهرة، لم تكن لديها قدرة للتأثير عليه. فالتحالف السوري - الروسي الذي كثُر الحديث عنه كان مجرد أسطورة أو خيال. وكما قال الرئيس بوتين ساخراً في وقت لاحق (على نحو صحيح) إن الأسد يتردّد على باريس أكثر مما يتردّد على موسكو.   ونتيجةً لحالة العداء التي نشأت بين روسيا والمعارضة السورية فإنه، باستثناء بضعة أشخاص متواجدين في دمشق، لم يكن هناك عملياً في المعارضة من هو مستعدّ لقبول جهود المصالحة المدعومة روسياً.
 
اتّسم الواقع الدبلوماسي للاتصالات الروسية - الغربية حول سورية بالدقّة البالغة، وذلك على نحوٍ يفوق كثيراً تلك الصورة العامة للتنافس بينهما ضمن إطار ما يشبه الحرب الباردة. فقد ساندت روسيا والغرب بعثة المراقبين التابعة للجامعة العربية، ومن بعدها بعثة السلام التي قام بها كوفي عنان، والمبعوث المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، علماً أن ثقة موسكو بقدرة عنان على تحقيق النجاح كانت أكبر من ثقة واشنطن. في ربيع العام 2012، دعمت موسكو والعواصم الغربية بشكلٍ رسمي ما سُمّيت "خطة عنان"، والتي تنبّأت بحصول حوار وطني يفضي إلى حلٍّ يقوده السوريون، على رغم أن الغرب بدا وللمرة الثانية أكثر تشكِّكا من روسيا حيال ذلك. ولدى اجتماعهما في قمة العشرين في لاس كابوس بالمكسيك، في حزيران/يونيو 2012، أكد الرئيسان أوباما وبوتين مجدّداً دعمهما لهذا المبدأ العام.
 
في الواقع، كانت نقطة الخلاف الرئيسة بين موسكو والعواصم الغربية والتركية والعربية تتمثّل في إصرار الروس على أن حل الأزمة السورية يجب أن يكون في أيدي السوريين أنفسهم وأنه يتعيّن على الأطراف الخارجية الامتناع عن التدخّل أو معاقبة دمشق. بدلاً من ذلك، حثّت موسكو الأطراف الخارجية على الضغط على الشركاء السوريين الذين لديهم تأثير عليهم – بحيث تضغط موسكو على دمشق، في حين تضغط واشنطن وحلفاؤها على المعارضة - بغية دفعهم عنوةً للجلوس إلى طاولة المفاوضات.   بطريقة ما كانت هذه الصيغة مشابهة لصيغة دايتون، مع فارق مهم وهو أنه سيكون هناك راعيان رئيسان- روسيا والولايات المتحدة- بدلاً من راعٍ واحد فقط، كما حدث في البلقان في العام 1995.
تم في جنيف في 30 حزيران/ يونيو 2012، التوصل إلى اتفاق بين مجموعة العمل حول سورية التي تدعمها الأمم المتحدة، والتي ضمَّت الدول الخمس دائمة العضوية وتركيا والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي. وقد أشار بيان جنيف إلى "جهاز حكم انتقالي،" مكوّن من عناصر من الحكومة الحالية والمعارضة، يتولّى كامل السلطة التنفيذية في البلاد، ويقود الشعب السوري نحو المصالحة الوطنية والتسوية السياسية.   لكن المؤتمِرين في جنيف فشلوا في الاتفاق على خطوات عملية وفورية تفضي إلى تشكيل سلطة انتقالية.
 
 كان ذلك تطوراً مصيرياً. إذ رفضت جميع عناصر المعارضة السورية عملياً التعامل مع دمشق، وقالت القوى الغربية إن الاتفاق على تشكيل حكومة انتقالية كان يتضمن إزاحة نظام الأسد في بداية العملية. شعر كوفي عنان بالإحباط، وتخلّى عن دوره ككبير الوسطاء الدوليين حول سورية. أما موسكو فشعرت بالغضب وقالت إن الذين أفشلوا الاتفاق يريدون "رأس الأسد" أكثر مما يريدون وضع حدّ للمجازر في سورية، وبالتالي فهم شركاء في المسؤولية عن تزايد أعداد القتلى في البلاد.
 
على رغم أن محاولات موسكو لدعم الحوار بين السوريين كانت عبثيّة إلى حدٍّ كبير، إلا أنه يُنسب لها الفضل أولاً في قبول الأسد بمبادرة سلام الجامعة العربية ثم ببعثة مراقبي الأمم المتحدة إلى سورية، وموافقته بعد ذلك على خطة عنان، وأخيراً، قرار الأسد بعد بيان جنيف بتعيين مفاوض مع المعارضة. ووفقاً للروس، لم تلقَ هذه الخطوات التقدير الكافي من جانب الغرب في حين سخرت المعارضة منها بوصفها نفاقاً.

زلات موسكو 

انتقدت روسيا الحكومات الغربية على خلفيّة محاباتها العلنيّة للمعارضة السورية، وربما لتأثّرها بها. بيد أن موسكو سمحت لسياستها بأن تصبح رهينةً بيد الأسد. وقد تذمَّر مسؤولون روس كبار سرّاً من أن الرئيس السوري لم يصغ إليهم، ومن أنهم يفتقرون إلى النفوذ الكافي لجعله يصغي إليهم.
 
هذا ليس صحيحاً تماماً. إذ استمرّت روسيا، طوال فترة الصراع، في تزويد القوات المسلحة السورية بالأسلحة والمعدات بموجب عقود سابقة، حتى أنها تولّت طباعة العملة السورية لصالح المصرف المركزي السوري. وتعهّدت روسيا بـ"عدم التدخّل" في النزاع السوري، كما رفضت استخدام أسلوب الترهيب والترغيب مع الأسد- مثل تقديم الضمانات الأمنية له أو التهديد بقطع المساعدات عنه - بهدف جعله أكثر تقبّلاً للحوار. وقد كان لهذا الخيار ثمنه، حتى بالنسبة إلى روسيا نفسها.
 
زعم وزير الخارجية لافروف أن الهدف من الأسلحة المرسلة إلى سورية، مثل أنظمة الدفاع الجوي وطائرات الهليكوبتر، كان لاستخدامها في صدّ العدوان الخارجي وليس في الصراع الداخلي. وفي ما يتعلّق بعمليات القصف التي يقوم بها سلاح الجو السوري، فقد تجاهلها باعتبارها نُفِّذت باستخدام أسلحة وذخيرة قدّمها الاتحاد السوفييتي السابق. وأشار المسؤولون الروس أيضاً إلى أنهم حتى وإن كانوا يسلّحون حكومة شرعية بشكلٍ علني - من دون خرق لأي من العقوبات الدولية كانت موسكو نفسها قد حالت دون فرضها - فإن الغرب وتركيا والعرب يسلّحون المعارضة سراً. ولم تتمكن هذه الجهات من تقديم أي ضمان بأن الأسلحة لن تجد طريقها إلى العناصر الجهاديّة مثل جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة، والتي تحارب الأسد أيضاً.
 
ثمة سلبيات واضحة في سياسات روسيا. فهي ترفض التأثير على الأسد بأي شكل من الأشكال باستثناء مناشدته وقف العنف باعتباره مساراً محكوماً بالفشل. في الواقع، كانت روسيا تسلّح أحد الطرفين في حرب أهلية قائمة بحكم الأمر الواقع، وهو وضع كان يمكن بموجبه حظر شحنات الأسلحة وفقاً للتشريعات المحلية في روسيا. والادِّعاء بأن الغرب وحلفاءه كانوا يقومون بالأمر نفسه عبر تسليح المعارضة لم يجلب الكثير من الارتياح. فإذا كان الآخرون يرتكبون خطأً فادحاً، حسب قناعة الروس، فلماذا تحذو روسيا حذوهم؟ كانت موسكو تقترب شيئاً فشيئاً من التورّط في أمرٍ قالت إنها كانت تحاول تجنبه، أي في صراع داخلي في بلد أجنبي.
 
كشفت سياسة موسكو تجاه سورية (وهي السياسة التي أدّعت الحياد وتم انتهاجها باسم مجموعة من المبادئ الأساسية في النظام العالمي وكانت تهدف إلى إحلال السلام في بلد مزّقته الحرب)، عن جانب سلبي حقيقي. فقد سمح الكرملين، عن غير قصد، بأن تستغل جميع أطراف النزاع روسيا على حساب المصالح القومية الروسية.
 
عندما هدأت المخاوف الأولية من حصول تدخّل تقوده الولايات المتحدة، كان لزاماً حتى على سيرغي لافروف أن يعترف بأنه ليست لدى الغرب رغبة في التدخّل العسكري، وأنه كان يستخدم تعنُّت روسيا ذريعة كي لايفعل شيئاً.   هذا كلام معقول بلا شك، لكن كان على روسيا أن تدفع ثمناً باهظاً لممانعتها، من حيث سمعتها الدولية بين الغربيين والعرب على حدٍّ سواء.
 
في حين لايُعتبر بشار الأسد رجل موسكو بأي شكلٍ من الأشكال، أصبحت موسكو تلعب دور الحامي الدولي له. ومع أن الروس قالوا إنه لامصلحة لهم في إبقاء الأسد في السلطة، فإنهم رفضوا مناقشة الإطاحة به أو منحه حق اللجوء. وقد جاء ردّ لافروف على ذلك خلال مؤتمر صحفي بالقول "دعوا الآخرين يحاولون إقناعه بذلك"، ثم أضاف "لكن الأسد لن يذهب إلى أي مكان".  
 
على رغم أن الحكومة الروسية لاتُظهر أي كراهية تجاه شخصيات المعارضة السورية ووجهت لهم الدعوة مراراً وتكراراً للقدوم الى موسكو لإجراء محادثات (وقد جاء بعضهم)، فقد اتّهمت المعارضة الروس بالمساعدة في جرائم النظام، حتى أنها طالبتهم بتقديم "الاعتذار" عما قدموه من دعم إلى الأسد.
 
من الواضح أنه ليست لدى موسكو أي خطط بشأن "اليوم التالي" في سورية. قد يكون السبب في ذلك هو أنها تعتقد أن البديل المنطقي الوحيد للأسد في دمشق هو نظام إسلامي راديكالي لن يكون شريكاً لموسكو. وربما خشي الروس أيضاً من أن إجراء الاستعدادات لمرحلة مابعد الأسد من شأنه أن يقوِّض الأسد من الداخل ويعجِّل في انتصار المتطرِّفين. ومع ذلك، تجد روسيا نفسها ضمن أقلّية واضحة داخل الأمم المتحدة، بصحبة الصين وعدد من دول أميركا اللاتينية، في حين تدين أكثر من 130 دولة أخرى عضو في الأمم المتحدة نظام الأسد.
 
على رغم وجود هذا الجانب السلبي، استمرت موسكو في نهجها. فقد أعربت عن أسفها الشديد للاعتراف بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وهو هيئة شاملة تم تشكيلها في الدوحة في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 من جانب عرب الخليج والأتراك والأوروبيين بالدرجة الأولى ثم الولايات المتحدة وقرابة 100 دولة أخرى عضو في الأمم المتحدة، بوصفه الممثّل الشرعي للشعب السوري. وبالإضافة إلى ذلك، وصف الدبلوماسيون الروس موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة على القرار الذي منح الشرعية للائتلاف الوطني بأنه يمثّل تعدّياً على الاختصاصات الحصرية لمجلس الأمن.
 
أدّت إعادة انتخاب الرئيس أوباما في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 إلى البحث على نحوٍ أنشط عن حلّ دبلوماسي للأزمة السورية. وقد أطلق الأخضر الإبراهيمي، الجزائري الذي خلف كوفي عنان كمبعوث دولي إلى سورية، في كانون الأول/ ديسمبر 2012، حواراً مع الولايات المتحدة وروسيا للبحث عن مخرج من الأزمة المستمرة.   واحتج الإبراهيمي في وقت لاحق على عدم وجود "خطة أميركية روسية سرّية" حول سورية، ولكن الحقيقة هي أن واشنطن وموسكو أصبحتا، للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة، شريكتين في إدارة الصراع وإيجاد حلّ له. لكن حتى الآن لم تظهر نتائج جهودهما المشتركة.

إمكانية التعاون الروسي - الغربي

أصبحت الأزمة السورية تمثل نقطة تحوّل في سياسة موسكو الخارجية. فلم تعد روسيا ذلك المتفرّج السلبي الذي لا يفعل شيئا سوى الغضب، كما كان حالها في العراق في العام 2003، أو المرافق العاجز والحزين، كما كان حالها في ليبيا في العام 2011. فمنذ وقت مبكر، اتّخذت روسيا موقفاً واضحاً، ولم تتوانَ عن الدخول في خلاف قوي جداً مع الولايات المتحدة وأوروبا، كما تحمَّلت وطأة ازدراء الشعوب الغربية والعربية لها، ورفضت الضغوط التي موست عليها لتغيير موقفها. في الوقت نفسه، أظهرت موسكو استعدادها للتعاون مع الأطراف الأخرى، وخاصةً واشنطن، على أساس الندّ للندّ مع مراعاة الاحترام المطلوب للقانون الدولي التقليدي.
 
ولعلّ هذا يثير معضلة. فهل ينبغي على الغرب، ولاسيّما الولايات المتحدة، التعامل مع روسيا وفقاً لشروط موسكو بصورة أو بأخرى، أم أنه يتعيّن عليه ببساطة تجاهل روسيا؟ تتّسم الحجة المؤيدة للخيار الثاني بالقوة والشحن العاطفي. بالنسبة إلى الكثيرين، لاتُعتبر موسكو شريكاً غير كفؤ وحسب، بل هي أيضاً غير جديرة بالاحترام. إذ يُنظر إليها باعتبارها دولة تعيش حالة من التراجع المطَّرد، إلى جانب أفول نفوذها في العالم. وهي لاتزال خاضعة إلى حكومة استبدادية قامت مؤخراً بإعادة تعزيز سلطاتها بعد التحدّيات الداخلية التي تعرّضت لها، كما قضت تقريباً على كامل البنية التحتية التي أنشأتها الولايات المتحدة لدعم الديمقراطية داخل روسيا. ويُعتبر زعيمها على مدى الاثنتي عشر سنةً الماضية، فلاديمير بوتين، بعبعاً بالنسبة إلى وسائل الإعلام الغربية.
 
من وجهة نظر أولئك الذين يشكَّكون في أهميّة روسيا من أجل تسوية سورية في المستقبل، لا تتمتع موسكو بنفوذ قوي على بشار الأسد وتتعرّض إلى الشتم من معارضيه. عندما تتم الإطاحة بالأسد، وهو ما سيحدث على الأرجح في نهاية المطاف، سوف تظهر روسيا بمظهر الخاسر مرةً أخرى، مثلما حدث لها في أعقاب سقوط سلوبودان ميلوسيفيتش وصدام حسين ومعمر القذافي. ويشير المشكِّكون بروسيا أيضاً إلى أن التحالف الصيني - الروسي حول سورية أثبت بأنه يفتقر إلى شيء من الصلابة. فقد نأى الصينيون المعروفون ببراغماتيتهم، (مع أنهم لم يغيروا موقفهم الرسمي الداعم لسيادة الدول والمعارض للتدخّل الأجنبي)، بأنفسهم بهدوء عن المسألة السورية بغية التركيز على المناطق التي لهم فيها مصلحة مباشرة.
 
يجادل البعض بوجوب تجاهل روسيا في الموضوع السوري ويقولون إن الوقت قد حان لمعارضة الكرملين في جبهة واسعة، بدءاً من سياساته المحلية الاستبدادية مروراً بمحاولاته إعادة بناء مركز قوة في أوراسيا السوفييتية سابقاً، وصولاً إلى هيمنته غير العادلة على أسواق الطاقة الأوروبية. فمن شأن مثل هذه الجبهة الواسعة والموحدة، التي تضم الأميركيين والأوروبيين، أن تضع الكرملين أيضاً تحت ضغوط متزايدة داخلياً، وتساهم في تمكين المعارضة المحلية في روسيا. وثمّة من يقول إنه مع مرور الوقت ستشكل نهاية الاستبداد الروسي، كونها تأتي بعد نهاية الشيوعية السوفييتية، انتصاراً مجيداً آخر للغرب وللشعب الروسي على حدّ سواء.
 
يتسم هذا الطرح بالتجانس كما أنه قد يبدو محرّضاً، ولكن كما تبيَّن من خلال سورية والعراق وأفغانستان، قلّما يجلب التورط العميق في الشؤون السياسية الداخلية للدول الأخرى نتائج إيجابية. كما أن فصل القيم عن المصالح، بغضّ النظر عن الاتجاه الذي يتخذه هذا الأمر، هو بمثابة وصفة للفشل. ومن المرجّح أن يتسبّب القيام بحملة جديدة ضد "نظام بوتين" بالمزيد من الضرر، بدل أن يؤدّي إلى نتائج إيجابية في الداخل الروسي، كما أنه قد يضع الغرب في موقف أكثر صعوبة على الصعيد الدولي.
 
وعلى رغم أن الأمر غير مستساغ، فإن صناع السياسة الأميركيين بالكاد يستطيعون تحمُّل تبعات تجاهل روسيا، ولايستطيعون التعامل معها وفقاً لشروط واشنطن. في العام 2012، تغيّرت شروط الاشتباك بين روسيا والولايات المتحدة، إيذاناً بنهاية استكانة روسيا النفسية على مدى عقدين لأميركا وأوروبا. وقد جاء ذلك تتويجاً لـ "فكّ الارتباط" السياسي بين روسيا والغرب، والذي حدث في منتصف العقد الأول من القرن الحالي. بدأ فلاديمير بوتين، بعد إعادة انتخابه رئيساً في العام 2012 لفترة رئاسية ثالثة، بالترويج للهويّة المتميزة لروسيا، التي توجد حالياً اختلافات علنية بينها وبين الهوية الغربية، على مستوى القيم، وليس فقط على المستوى الدبلوماسي. وتمثّل هذه السياسة، التي يدعمها صعود النزعة القومية الروسية، تحولّاً جوهرياً في مكانة روسيا وموقفها في هذا العالم. وليست سورية سوى مثال واحد على ذلك.
 
ثمة قيمة إيجابية للغرب في التعاون مع روسيا حتى ولو لم يكن هو من يحدّد شروط ذلك التعاون. وتتمثّل الصعوبة بالنسبة إلى الدول الغربية في الاعتراف بقيمة التعاون بعد أن اتّضح أن روسيا لن"تنضم" إلى الغرب أو "تساعده" في أماكن مثل سورية. هناك ثلاثة عناصر رئيسة يجب أن تُبنى عليها أي مقاربة غربية جديدة تجاه روسيا.
 
أولاً، يتعين على الغرب تقبُّل التعاون على أساس المصالح المشتركة. ففي سورية على وجه الخصوص، وبغضّ النظر عن مدى قوة الخلاف بين موسكو وواشنطن حول ما إذا كان ينبغي إخراج بشار الأسد بشكل مفاجئ أو تدريجي من السلطة وتوقيت ذلك، فإنه لا الأميركيون ولا الروس يريدون أن تعمّ الفوضى في أعقاب رحيله. كما أنه لا الولايات المتحدة ولا روسيا سترحّبان بوجود نظام إسلامي سنّي متطرّف في سورية تكون له روابط مع تنظيم القاعدة. وقد يشجّع التركيز على هذه الأهداف المشتركة روسيا والغرب على العمل جنباً إلى جنب.
 
يمكن تطبيق هذا النمط من التعاون الروسي - الأميركي القائم على المصالح على عدد من حالات الصراع، بدءاً من ناغورنو - كاراباخ في القوقاز وصولاً إلى أفغانستان. وهذا ينطبق بالتأكيد على الحالتين الرئيستين للانتشار النووي المتمثّلتين بإيران وكوريا الشمالية، حيث إن كلتا الدولتين مجاورتان لروسيا ويجمعها بهما تاريخٌ طويلٌ من العلاقات.
 
ثانياً، على الغرب أن يعترف بأن النظام العالمي يتغيّر. فتلك الحقبة الطويلة من الهيمنة الغربية، التي شكَّل الاتحاد السوفييتي تحدّياً خطيراً لها خلال القرن الماضي، إلا أنها لم تنهزم أمامه، بدأت تصل أخيراً إلى نهايتها. فروسيا ليست جزءاً من الغرب، ولن تكون كذلك، ولكنها ترى نفسها كقوة لترسيخ الاستقرار تقدّم التقاليد والقواعد الإجرائية على العاطفة والإيديولوجيا. هذا الموقف يزعج في الغالب تلك الأطراف الغربية التي أخذت تتبنّى التغيير الثوري. ولكن في حال تبدَّد هذا الحماس الثوري، فإن روسيا ستكون حليفاً طبيعياً لأولئك الذين يسعون إلى جعل العلاقات الدولية تتّسم بدرجة أكبر من قابلية التنبّؤ.
 
ثالثاً، يتعيّن على الدول الغربية الاستفادة من الرؤية الفريدة والبراغماتية لروسيا والتي هي نتاج تجربتها الإمبريالية التي استمرّت على مدى مائة عام، والتي أعقبتها الثورة وحكم الإيديولوجيا، وبلوغ مكانة الدولة العظمى، والتفكُّك الشامل للدولة، وإعادة تشكيلها من جديد في نهاية المطاف. عادةً، يتم رفض هذه التجربة في الولايات المتحدة باعتبارها عديمة القيمة أساساً، حيث تشكِّل روما القديمة وبريطانيا النموذجين الإمبرياليين المفضَّلين لمقارنة الذات.
 
لا تشكِّل روسيا، بطبيعة الحال، نموذجاً مثالياً، لكن تجربتها التاريخية، سواء تجلَّى ذلك في نظرية وتطبيق الثورة الدائمة عند ليون تروتسكي، أو في الغزو السوفييتي لأفغانستان والانسحاب منها في نهاية المطاف، تقدِّم منظوراً مثيراً للاهتمام، وسيكون من الغباء إغفالها تماماً. ففي الشرق الأوسط بشكل عام وفي سورية بشكل خاص، كانت الرؤية الأكثر واقعية وتشكيكاً من جانب موسكو، على رغم ميلها الواضح لارتكاب الأخطاء على الجانب المحافظ، أقرب إلى الواقع في بعض الأحيان من السلسلة المتعاقبة من الحماس واليأس الغربيين.
 
في حال تبلورت هذه المقاربة، فقد تتمخَّض عن شيء كانت تفتقر إليه الولايات المتحدة وأوروبا منذ نهاية الحرب الباردة، والمتمثّل بإستراتيجية سياسة خارجية قابلة للتطبيق تجاه روسيا. ولن تكون هذه إستراتيجية خاصة بروسيا، والتي هي بالطبع شأن يخصّ الروس أنفسهم، كما أنها ليست استراتيجية ضد روسيا، لأن ذلك سيكون خطأً وسوف تتمخّض عنه نتائج سيئة. بيد أن تلك الإستراتيجية ستكون مفهوماً وخطة على المدى الطويل لتحديد المجالات التي تتقاطع فيها المصالح المشتركة، وإيجاد السبل الكفيلة بتعزيز وحماية تلك المصالح. كما تحدّد مجالات الاختلاف، بما فيها القضايا المتعلقة بالقيم، وإيجاد طريقة لإدارتها. وبما أنها تعكس التطوّر المستمر لروسيا، فإن السياسات التي سيتم وضعها بموجبها ستخضع إلى التعديل المستمر وفقاً لذلك التطوّر. ويتطلّب وضع مثل هذه الإستراتيجية إلقاء نظرة بعيدة المدى؛ أما تنفيذها فيحتاج إلى الشجاعة السياسية والقيادة.

نحو مقاربة جديدة في سورية

قد يوفّر اتّخاذ إجراءات الآن بشأن المخاوف قصيرة الأجل الأساس الضروري للتنمية الإستراتيجية طويلة الأجل. فقد بات واضحاً أن ثمّة حاجة للقيام بعمل دولي مشترك في سورية، لكن حالة الجمود في مجلس الأمن الدولي حالت دون ذلك. حتى الآن، لم تنجح سياسات عدم التدخّل التي انتهجتها موسكو، كما أنها تلحق ضرراً بالغاً بعلاقات روسيا مع الغرب والعالم العربي على حدّ سواء. وقد تبيَّن أن تركيز الغرب على رحيل الأسد  من السلطة لم يكن مجدياً. لذلك بات من الضروري إيجاد مقاربة جديدة.
 
يتعيّن على روسيا التخلّي عن موقفها النظري الرافض للتدخّل تجاه التطورات السياسية في سورية، في حين يجب على الولايات المتحدة أن تركّز على التسوية السياسية كهدف مباشر لها، وليس التركيز على الإطاحة بنظام الأسد. وبدلاً من إثارة الخلافات في ما يتعلق ببيان جنيف حول سورية، فإن الولايات المتحدة وروسيا بحاجة إلى التوصّل إلى آلية عملية لتنفيذ الانتقال السياسي.
 
ولدفع هذه العملية قُدُماً، يجب على موسكو وواشنطن تحديد وتحفيز العناصر الأكثر تقبلاً لفكرة الحوار، في المعسكرين المتحاربين، الذي من شأنه أن يفضي إلى المصالحة الوطنية. وعلى المنوال نفسه، ينبغي على الولايات المتحدة وروسيا الضغط على المجموعات السورية الرافضة للحوار من أجل جلبها إلى طاولة المفاوضات. وعليهما عزل ومعاقبة من يعارضون المصالحة كلياً.
 
وفي الوقت الذي تسعيان فيه إلى التوصّل إلى اتفاق سلام يذكِّرنا باتفاق دايتون الذي أنهى الحرب البوسنية، فإن واشنطن وموسكو بحاجة إلى التعاون بشكل وثيق مع جميع الأطراف في المنطقة- الدول العربية وتركيا وإسرائيل وإيران- لضمان دعمها لعملية السلام في سورية. وإلا فإن الأجندات المتنافسة قد تؤدّي إلى خروج التسوية عن مسارها. وفوق ذلك كله، وبهدف ضمان صدقيّة هذه العملية وطمأنة موسكو والدول الأخرى التي تشعر بالقلق من الإجراءات أحادية الجانب، يجب أن تكون عملية السلام السورية، أولاً وقبل كل شيء، جهدأث تقوم به الأمم المتحدة.
 
لقد حان الوقت لكي تعمّق إدارة أوباما والكرملين تعاونهما لوقف المجازر وإقامة سلطة انتقالية في دمشق قادرة على تعزيز المصالحة الوطنية وإعادة الحياة الى الدولة السورية. إذ يتّفق الكثير من المراقبين في الغرب في السرّ على أن نصف الحل موجود لدى الروس. لذلك ينبغي على الولايات المتحدة تقديم النصف الآخر.
 
  1. تقديرات الأمم المتحدة، صدرت في 3 كانون الثاني/يناير 2013.

  2. For a first-hand account of Soviet/Russian-Syrian relations, see Evgeny Primakov,  Russia and the Arabs: Behind the Scenes in the Middle East from the Cold War to the Present (New York: Basic Books, 2009). 

  3.  “Lavrov: ‘Either Secure Syria’s Chemical Weapons, or Arm Its Rebels,’” interview in Russia Today, December 24, 2012, http://rt.com/politics/lavrov-interview-rtsyria-628

  4.  Vitaly Naumkin, Islamsky radikalizm v zerkale novykh konceptsiy (Islamic Radicalism in Light of New Concepts) (Moscow: KomKniga, 2005). See also Georgy Mirsky, “Kogda obruch lopnul” (When the belt burst), Nezavisimaya Gazeta, September 7, 2011,
    www.ng.ru/ideas/2011-09-07/5_revolution.html.
  5. “Iz otvetov Ministra inostrannyh del Rossii S.V. Lavrova na voprosy SMI po itogam sammita Rossija-ES v Brjussele” (Foreign Minister Lavrov’s press conference after the 30th EU-Russia Summit in Brussels), December 21, 2012, www.mid.ru/brp_4.nsf/newsline/A81DB48408DE76FD44257ADC004D10C7.

  6. For an assessment of the internal developments in Russia in 2011–2012 see “The Russian Awakening,” Carnegie Paper, Carnegie Moscow Center, November 2012.

  7.   See Deputy Prime Minister Igor Sechin’s interview. Greg White, “Russia’s Sechin Defends Investment Climate,” Wall Street Journal, February 22, 2011, 
    http://online.wsj.com/article/SB10001424052748704476604576158140523028546.html.

  8.   See “Moskva otvetila na slukhi o zapasnom rossiisko-amerikanskom plane po Siriii evakuatsii na voennykh korablyakh” (Moscow has replied to rumors about the Russian-American backup plan on Syria and evacuation on naval vessels), Newsru. com, December 27, 2012,
    www.newsru.com/world/27dec2012/syr.html.

  9.  “MChS vyvezlo iz Sirii uzhe tysjachu rossijan” (EMERCOM of Russia evacuated 1000 Russians from Syria), Kommersant, January 23, 2013,
    www.kommersant.ru/doc/2110770.
     

  10.   Speech of Minister of Foreign Affairs of Russia S. V. Lavrov on the Jubilee International Conference, “Russia in the World of Force of the XXI century,” dedicated to the twentieth anniversary of the Council on Foreign and Defense Policy and the tenth anniversary of the journal Russia in Global Affairs, Moscow, December 1, 2012 
    www.mid.ru/bdomp/brp_4.nsf/e78a48070f128a7b43256999005bcbb3/1ee ac193a9c09f3d44257ad100377746!OpenDocument.

  11. Lavrov’s Statement of the Council of the Imperial Orthodox Palestine Society, “On the Need to Maintain the Spiritual and
    Cultural Heritage of the Holy Land and Protect the Christian Values and Sanctities,” Moscow, November 28, 2012
    ,
    www.mid.ru/bdomp/brp_4.nsf/e78a48070f128a7b43256999005bcbb3/77b345bbe815903
    944257adf00424467!OpenDocument

  12. مع ذلك، لا يفرض حكم المحكمة الروسية قيوداً على الاتصالات الرسمية مع أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين.

  13. خطاب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في مؤتمر اليوبيل العالمي "روسيا في عالم القوة في القرن الحادي والعشرين".

  14. Cf, e.g., “Itogi goda: Mir stal bolee opasnym I nepredskazuemym” (Year in review: The world has become more dangerous and unpredictable), Sergey Karaganov interview, Ezhednevny Zhurnal, January 8, 2013
    , http://ej.ru/?a=note&id=11612.

  15. Vladislav Inozemtsev, “Voprosy diletenta: Zachem nam Siriya?” (Dilettante’s question:Why do we need Syria?), Vedomosti, December 24, 2012. 

  16. Foreign Minister Lavrov’s interview with Al Ahram, November 5, 2012, www.mid.ru/bdomp/brp_4.nsf/e78a48070f128a7b43256999005bcbb3/14fc5941c3f3147d44257ab0003cfb19!OpenDocument.

  17.   “Interv’ju Ministra inostrannyh del Rossii S.V. Lavrova radiostancii ‘Kommersant FM’” (Foreign Minister Lavrov’s interview to Kommersant FM), March 20, 2012,
     
    www.mid.ru/bdomp/brp_4.nsf/2fee282eb6df40e643256999005e6e8c/5dfa97af48053e5e442579c700638ae3!OpenDocument.

  18. “Lavrov: ‘Either Secure Syria’s Chemical Weapons, or Arm Its Rebels.’”

  19. Mikhail Bogdanov served in Syria twice; he was also Russian ambassador to Israel and Egypt; since 2011 he has been deputy minister of foreign affairs. “Mikhail Bogdanov Appointed Special Presidential Envoy for the Middle East,” January 23, 2012, http://eng.kremlin.ru/acts/3352.

  20. Press conference with Vladimir Putin and President of France François Hollande,Paris, June 1, 2012, http://eng.kremlin.ru/transcripts/3945.

  21. Speech and Q&A with Minister of Foreign Affairs of Russia S. V. Lavrov on the results of the meeting with U.S. Secretary of State Hillary Clinton in St. Petersburg, June 29, 2012, 
    www.mid.ru/bdomp/brp_4.nsf/e78a-  48070f128a7b43256999005bcbb3/b214ad5f69fdd1e844257a31003cd438! OpenDocument

  22. Action Group for Syria, Final Communiqué, Geneva, June 30, 2012, 
    www.mid.ru/bdomp/brp_4.nsf/e78a48070f128a7b43256999005bcbb3/6f87414751c6b3a044257a2e0038cfd6!OpenDocument.

  23. المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية لافروف بعد القمة الثلاثين بين روسيا والاتحاد الأوروبي في بروكسل.

  24. المصدر السابق.

  25. يشار إلى هذ الحوار أحياناً بوصفه "حوار الثلاث باءات"، أي الأخضر الإبراهيمي ونائب وزير الخارجية الأميركي وليام بيرنز والموفد الرئاسي الروسي ونائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف.