أبقى معمر القذافي قبضته محكمةً على قطاع الإعلام في ليبيا، مستخدماً إياه أداةً للدعاية لصالح نظامه. وبعد سقوط الدكتاتور في خريف العام 2011، انفتح قطاع الإعلام الليبي، إلا أن جهود إعادة بنائه افتقرت إلى الرؤية ووقعت ضحية الوضع المضطّرب على الأرض. وبالتالي، لايزال وجود قطاع إعلامي غير منحاز وحرّ يُعَدّ وهماً. وتتطلّب عودة الإعلام الليبي إلى الحياة انتهاج مقاربة شاملة تقوم على إصلاح تنظيمي، وترمي إلى تطوير مهارات الصحافيين.

حالة الإعلام الليبي

  • اتّخذت الهيئات الانتقالية التي أُنشِئَت بعد الثورة لإعادة تنظيم قطاع الإعلام، تدابير جذرية للانفصال عن الماضي، قضت بإقفال العديد من وسائل الإعلام السابقة بغية إنشاء نظام يتّسم بقدر أكبر من الحرية. وقد رأى الصحافيون الرسميون السابقون في هذه الإجراءات عقاباً على تواطئهم مع النظام. 
     
  • يواجه الصحافيون الليبيون بعد رحيل القذافي أشكالاً جديدةً من الرقابة، تمارسها الميليشيات والفصائل المسلّحة والمجموعات الإسلامية المتطرّفة. ولذلك، أصبح الصحافيون اليوم يفرضون على أنفسهم أشكالاً جديدةً من الرقابة الذاتية.
     
  • لاتزال المهارات المهنية الضعيفة للصحافيين الليبيين تقوّض الجهود الرامية إلى بناء قطاع إعلام جديد.
     
  • لم تتقبّل القبائل الليبية النقاش المفتوح، الأمر الذي يعيق تطوّر الصحافة الاستقصائية.
     
  • ثمة شرخ بين الصحافيين من عهد القذافي، وبين الموجة الجديدة من "الصحافيين الثوريين".
     
  • أعاق الصراع على أصول الإعلام الرسمي السابق عملية تحرير قطاع الإعلام وتحديثه.
     
  • تشهد وسائل الإعلام الخاص ازدهاراً، إلا أنها تعاني من ضعف الهياكل والتمويل المبهم، وتفتقر إلى الأطر التنظيمية. 

سبيلُ الليبيين إلى تطوير قطاع إعلامي أكثر حريةً

الضغط لصَون حقوق الصحافيين وأمنهم. تقع على الحكومة الليبية مسؤولية توفير الأمن للصحافيين في وجه الإساءات وعمليات الترهيب والاعتداءات المستمرة. ولابد للمجتمع الإعلامي أن يضغط على الحكومة لضمان حقوقه وسلامته.
 
إنشاء هيئة خبراء متخصّصة لقيادة عملية تحرير الإعلام الليبي وإعادة بنائه. يجب أن تُمنَح هذه الهيئة سلطات تنفيذية تخوّلها إعادة تنظيم الإعلام الرسمي السابق، ووضع القوانين الخاصة بالإعلام الخاص. وينبغي أن تستفيد هذه الهيئة من دروس المستخلصة في البلدان الأخرى التي تخوض مراحل انتقالية.
 
إعادة دمج الصحافيين من عهد القذافي في قطاع الإعلام الجديد. يمكن لموظّفي الإعلام الرسمي السابق أن يضيفوا خبرتهم وقيادتهم إلى مجتمع الإعلام الوطني.
 
تطبيق برامج تدريبية متخصّصة وطويلة الأمد. يجب ألا يضمّ التدريب فقط برامج قصيرة الأمد على الطراز الغربي، بل لابد أيضاً من تطبيق برامج تدريب طويلة الأمد تُخصَّص للمشكلات والتحديات التي تواجه الإعلام الليبي. 
 

مقدمة

انتقل الإعلام الليبي من كونه قطاعاً مغلقاً للغاية إلى إعلام منفتح نسبياً بعد ثورة العام 2011 في البلاد. بيد أن قطاع الإعلام في ليبيا لايزال يفتقر إلى رؤية واضحة، وذلك بعد مرور أكثر من عام على إطاحة نظام معمر القذافي. وثمة الكثير من المشكلات المتنوعة والمعقّدة التي تعيق تطوره، ينبع بعضها من النظام القديم، فيما تعكس مشكلات أخرى تحدّيات التحوّل السياسي الحالي في البلاد.
 
هذه المشكلات تجعل من الصعب تحديد بداية عملية تحديث قطاع الإعلام. فقد أصبحت وسائل الإعلام الوطنية، والتي استُغِلَّت على مدى عقود كبوقٍ للنظام، طرفاً غير منحاز يقدم معلومات بعيدة عن مجرد الدعاية. ومع ذلك، العقبات التي تواجه انطلاق هذا القطاع كبيرة. فمهارات الصحافيين الليبيين، الذين ظلوا معزولين لسنوات عن تجارب نظرائهم العرب والأجانب، تُعَدّ ضعيفةً للغاية. وتجهد وسائل الإعلام الرسمية التي تطوّرت في ظل حكم القذافي، لتجدَ لها مكاناً في هذه المرحلة الجديدة من تاريخ ليبيا. أما وسائل الإعلام الخاصة فتحقّق تقدّماً وازدهاراً، غير أنها تعاني من مشكلات ضعف الهياكل، والتمويل الغامض، وتفتقر إلى الأطر التنظيمية. ويعيق كلُّ من انعدام الأمن في ليبيا مابعد القذافي، وتنامي سلطة الجماعات والميليشيات المسلحة، بناء صناعة إعلامية وطنية مهنيّة وحرّة، الأمر الذي يجعل من التغطية الميدانية والصحافة الاستقصائية تحدّيَين كبيرين للعامِلين في وسائل الإعلام المحلية.1 

الإعلام الليبي قبل الثورة: آلة الدعاية

بعد أن استولى القذافي على السلطة في انقلاب في العام 1969، تحوّلت وسائل الإعلام إلى أداة دعاية للنظام الجديد. فقد أُخضِعَت المؤسّسات المستقلّة، بما فيها وسائل الإعلام، إلى سيطرة الحكومة. ونظر القذافي إلى هذه المؤسّسات على أنها تشكّل تهديداً للعلاقة بين الحكومة والمجتمع.
 
أوضح "الكتاب الأخضر" 2 الذي وضع فيه القذافي فلسفته السياسية، أن "الصحافة وسيلة تعبير للمجتمع وليست وسيلة تعبير لشخص طبيعي أو معنوي. إذن، منطقياً وديمقراطياً لايمكن أن تكون ملكاً لأي منهما".3  ورُبِطَت المؤسّسات العامة كافة، بما فيها المؤسّسات الإعلامية، باللجان الشعبية التي كانت هيئات محلية تعمل بمثابة وسيط بين المواطنين والحكومة. وادّعى الكتاب أن هذه اللجان تمثّل الكيانات المحلية أو المهنية مباشرة، وبالتالي كان النظام يؤسّس ديمقراطية شعبية مباشرة. والواقع أنه جرى اختيار موالين للقذافي لإدارة اللجان الشعبية، التي كانت مرتبطة أيضاً، في كثير من الأحيان، بالأجهزة الأمنية، الأمر الذي أدّى إلى تعزيز سيطرة النظام.4
 
وكانت وسائل الإعلام الرسمية خاضعةً إلى سيطرة مؤسّسات مختلفة، تبعاً لمزاج النظام واستعداده لإرخاء قبضته أو تشديدها. ففي العام 1971، وُضِعَت وسائل الإعلام الحكومية تحت مظلة وزارة الإعلام. وفي العام التالي، صدر قانون الصحافة الذي يحدّد بالتفصيل القيود الحكومية على وسائل الإعلام والعقوبات المفروضة بسبب التجاوزات. أقرّ القانون معاقبة مَن "يشوهون سمعة البلاد" بالسجن المؤبّد، وفرض عقوبة الإعدام على كلّ من يتجرّأ على الدفاع داخل ليبيا عن "نظريات أو مبادئ تهدف إلى تغيير المبادئ الأساسية للدستور الوطني أو البنى الأساسية للنظام الاجتماعي، أو تهدف إلى إسقاط البنى السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية للدولة".5
 
في العام 1979، جرى تغيير اسم وزارة الإعلام ليصبح الأمانة العامة للإعلام، ثم أُعيدَت تسميتها في العام 1988 لتصبح وزارة الإعلام والثقافة. في العام 2001، أنشأ النظام هيئة تنفيذية تسمّى المؤسسة العامة للإعلام الجماهيري، تتولّى إدارة قطاع الإعلام بشكل مباشر وضمان تبعيّته. وقد أشرفت هذه الهيئة على وسائل الإعلام كافة وأدارتها، وشملت كلاً من الهيئة العامة لإذاعات الجماهيرية العظمى الخاصة بوسائل الإعلام السمعية والبصرية، والهيئة العامة للصحافة الخاصة بالمطبوعات، إضافة إلى هيئات ذات صلة.
 
بدأت عملية التوسع في وسائل الإعلام الوطنية في أواخر سبعينيات القرن المنصرم، وانتهت مع الاضطراب الاقتصادي الذي شهدته البلاد في أواخر الثمانينيات. فقد أضرّت العقوبات الاقتصادية في العام 1993، والتي فرضتها الأمم المتحدة على ليبيا في أعقاب تفجير لوكربي، بوسائل الإعلام الوطنية الليبية، عن طريق حظر واردات أجهزة الكمبيوتر وغيرها من التكنولوجيا. وأُدخِل الاتصال بشبكة الإنترنت إلى ليبيا في العام 2001، لكن لم تتمكّن من تجاوز احتكار الدولة لمقدمي خدمات الإنترنت سوى أنشطة إعلامية سرّية وصغيرة في شرق ليبيا.
 
لم يكن للإعلام الرسمي أي وظيفة سياسية حقيقية سوى نشر المعلومات التي يزوّده بها النظام. وكان قطاع الإعلام يوظّف حوالى 5 آلاف شخص، معظمهم من الفنّيّين والعمّال الإداريين، في حين كان عدد الصحافيين أقلّ من نصف عدد الموظفين الإداريين. كانت وكالة الجماهيرية الوطنية للأنباء (جانا) المعتمدة من النظام تحتكر الأخبار السياسية، أي أن النظام كان قادراً على التحكّم بالمحتوى باستمرار، إذ كانت الوكالة تخضع إلى رقابة مشدّدة من القذافي والمكتب الإعلامي النافذ التابع له، والذي كان يقدم توجيهات بشأن كل خبر. على سبيل المثال، كان خبر عاصفة تضرب الولايات المتحدة يجب أن يُنقَل على أنه غضب الطبيعة على أميركا الامبريالية، وكان يجب الإشارة إلى الدكتاتور العراقي السابق صدام حسين في نشرات الأخبار بوصفه بـ"الخائن".
 
كان الإعلام الحكومي ينقل مثل هذه الأخبار من دون تعديل. ولم يكن هناك سوى بعض الفروق الطفيفة بين أهم الصحف الرسمية–الجماهيرية – الشمس، الزحف الأخضر، الفجر الجديد – لأن وكالة الأنباء الوطنية هي التي كانت توفّر عناوين الصحف والافتتاحيات والأخبار السياسية. هذا وكان نص الخبر مسهباً للغاية، يقوم على مطوّلات في مدح النظام تتخلّلها شتائم لمعارضيه.
 
وبسبب العدد المحدود للوسائل الإعلامية الرسمية والتغييرات المستمرة في بنيتها، كان الصحافيون يُنقَلون من وظيفة إلى أخرى داخل الجهاز الإعلامي نفسه. الواقع أن هذا الإجراء كان، في بعض الأحيان، عقاباً على سوء سلوك صحافي ما. وقد استخدم النظام مجموعة متنوّعة من الأدوات لفرض سطوته، بما في ذلك فصل الصحافيين من وظائفهم، أو منعهم من الإنتاج، أو تكليفهم بدور أقلّ أهمية أو حتى بمهنة مختلفة.
 
اعتمد أداء القنوات الإعلامية في جزء منه على أسلوب الإدارة الذي اختاره النظام خلال مراحل مختلفة. ويصف محمد بايو، الذي كان يشغل منصب مدير المؤسسة العامة للصحافة قبل الثورة مباشرة، بعضاً من "إنجازات" حُقِّقَت في ظل رئاسته للمؤسسة، قائلاً: "تمكّنت من تنفيذ العديد من الإصلاحات، ولاسيما في مجال تزويد هذه القنوات الإعلامية بتجهيزات جديدة. أما المحتوى فكان مقيّداً دوماً".
 
تجنّبت الصحافة نشر أي مواد قد تُعتَبَر مسيئةً، ولاسيّما إلى الإسلام والأمن القومي والسلامة الإقليمية، أو القذافي نفسه.6 غير أن وصف الصحافيين لممارساتهم يثبت أن القوانين الفعلية كانت أقلّ تأثيراً على المحتوى من الرقابة الذاتية ومراقبة النظام والأجهزة الأمنية.
 
كانت الصحافة تعمل في هامش ضيق جداً من الحرية. فعلى سبيل المثال، شجّع القذافي وسائل الإعلام المحلية المطبوعة والإذاعية، التي "وفّرت مجالاً للإبداع للصحافيين والمثقفين الليبيين في ظل البيئة السائدة للصحافة الأيديولوجية". تجنّب الإعلام المحلي القطاعات السياسية، في حين ركّزت أنشطة الإعلام الرسمي الكبيرة على الأخبار الدولية والوطنية ذات الصلة بالنظام. وأصبحت الصحف المحلية أرضاً خصبة لمزيد من الصحافة المعنية بشؤون المجتمع المحلي.7 
 
كما أُتيح للصحافيين التابعين للدولة هامشٌ أكبر للمناورة بشأن المواضيع الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية، ولاسيّما في السنوات الأخيرة من نظام القذافي. وقال العديد من الصحافيين إن رؤساء التحرير الطليعيين شجّعوهم عبر منحهم فرصاً للتقدّم، خصوصاً في مجال تقديم تقارير ميدانية حول القضايا المحلية. ولأن وسائل البث الإعلامي كانت تخضع إلى سيطرة رسمية محكمة، فقد تركت هذه التجربة مجالاً لمساءلة أداء مسؤولٍ رفيعٍ أو انتقاد أوجهِ القصور في الإدارة العامة. بيد أنه كان ممكناً تلمُّسُ حضور النظام في هذا المجال أيضاً. فوفقاً لعبد الرزاق داهش، رئيس التحرير السابق لصحيفة الجماهيرية، "كان النظام يملي حتى اللهجة الانتقادية لبعض المنشورات... تم تشجيعنا على التسبّب في إثارة المتاعب من داخل النظام أحياناً، ولكن في إطار توجيهاتهم فقط".
 
يقرّ صحافيو الإعلام الرسمي القديم بوجود بعض العناصر الإيجابية في تجاربهم. فمع أن وسائل الإعلام الرسمية كانت قمعية، إلا أنها أتاحت لهؤلاء الصحافيين بيئة عمل آمنة ذات خطوط تحريرية محدّدة بوضوح. كذلك، بدأ الوضع على الأرض يتغيّر بصورة طفيفة في العقد الأول من القرن الحالي. فسمح النظام، في ظل ضغوط دولية، بانفتاح إعلامي منظّم بدقّة في البلاد. وتميّزت هذه الفترة بنهاية عقوبات الأمم المتحدة على ليبيا في العام 2003، ومايسمّى تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع المملكة المتحدة والولايات المتحدة. وبدأ القذافي في تبنّي عملية تحرير اقتصادي محدودة من أعلى، تشبه تلك التي شهدتها الأنظمة الدكتاتورية العربية الأخرى في وقت سابق. هذا وزار كلٌّ من منظمة العفو الدولية ومنظمة "هيومن رايتس ووتش" البلاد رسمياً لأول مرة في العامين 2004 و2005، على التوالي. وتمكّنت منظمة مراسلون بلا حدود، بعد عشرين عاماً على حظر دخولها البلاد، من مقابلة صحافيين معارضين في ليبيا في العام 2006.8  وفي المرحلة الأكثر إشراقاً في مسيرة الإعلام في عهد القذافي، أطلق نجل الرجل القوي، سيف الإسلام، مشروعاً لتحرير الاقتصاد شمَلَ الصحافة أيضاً.
 

مشروع الغد

سعى سيف الإسلام القذافي إلى تغيير صورة النظام وجذب معارضيه وإدماجهم – جماعة الإخوان المسلمين في المقام الأول – من خلال مبادرة إصلاحية مزعومة. وكان انتقاد سيف الإسلام لغياب حرية الصحافة في ليبيا لافتاً في العام 2006. 9 وفي العام التالي، أطلقَ مجموعةَ الغد، وهي مشروع إعلامي طموح وفّر للصحافيين بيئة أكثر انفتاحاً حيث الرقابة كانت محدودة.
 
ضمّ مشروع الغد قناة تلفزيونية رئيسة (الليبية)، وصحيفتين (أويا وقورينا)، ووكالة أنباء (ليبيا برس). وقد حدّد سيف أربع قضايا تُحظَّر مناقشتُها: الإسلام السياسي و"أمن ليبيا واستقرارها"، و"السلامة الإقليمية" لليبيا، ومعمر القذافي نفسه. ولم تَعَد المجالات الأخرى كافة عصيّةً على النقد. وظهرت منشورات الصحافة الأجنبية في أكشاك بيع الصحف بعد حظرٍ استمرّ خمسة وعشرين عاماً، وفتحت ثلاث وكالات أنباء أجنبية مكاتب لها في طرابلس. 10
 
غير أن مشروع الغد انتهى بالفشل التام، إذ لم تَدُم الشجاعة الجديدة التي اكتسبتها وسائل الإعلام طويلاً، حيث استسلمت بفعل ضغط المعارك الداخلية بين الحرسَين القديم والجديد. وأُغلِقَت القناة الرئيسة للمشروع، قناة الليبية، فجأةً في العام 2009، بعد أن بثّت برنامجاً شارك فيه صحافي مصري مثير للجدل. كما أُغلِقَت وكالة ليبيا برس بعدما نشرت مقالاً ينتقد الحرس القديم. وجرى إغلاق صحيفة أويا، بعد أن نشرت مقالاً يدعو إلى عودة منشقّ ليبي بارز،11  ثم أُعيدَ افتتاحها في العام 2010 تحت اسم "صباح أويا"، وتعهّدت بالولاء للقذافي. وهكذا، كانت المحصّلة النهائية لمشروع تحرير الإعلام مجرّد نسخة جديدة من الإعلام الرسمي القديم.
 
على الرغم من النتيجة المخيّبة لمشروع الغد الإعلامي، لايزال معظم الصحافيين يعتبرونه فرصة نادرة لخوض تجربة الصحافة المهنية لأول مرة. فيصف محمود المصراتي، رئيس تحرير صحيفة ليبيا الجديدة، عمَلَه كمراسل لصحيفة أويا قائلاً: "توقّفنا عن استخدام الخطاب المطوّل في نص الخبر"، مضيفاً أنه "أصبح في وسعنا القيام بأعمال استقصائية تتعلّق بمشاكل الناس اليومية والمواضيع المثيرة للجدل مثل الفساد وارتفاع أسعار السلع".
 
لكن لايتّفق كل الصحافيين مع المصراتي في رأيه. فالصحافي في الإعلام الرسمي محمد بييو يرى أن تجربة مشروع الغد كانت مجرّد استعراض، ويقول: "لقد أخذوا أفضل المواهب الليبية، بيد أن التغيير اقتصر على الشكل لا على المضمون. كان هذا المشروع فقاعة انفجرت في نهاية المطاف".
 
كان أسلوب التحرير الذي استخدمه مشروع الغد على الأقل ابتعاداً تاماً عن الأسلوب القديم للإعلام الرسمي. وحتى لو كان المشروع تجميلياً إلى حدّ كبير، إلا أنه مثّل تغييراً كبيراً في صناعة الإعلام الوطني، إذ وفّر المشروع للصحافيين قنوات للتدريب تمكّنوا بفضلها من تطوير مهاراتهم الأساسية. وقد شجّع الانفتاح النسبي للقنوات الإعلامية الخاصة بمشروع الغد، الإعلام الحكومي على توسيع حدود ماهو مسموح. في هذا الإطار، يقول محمود الشركسي، مقدم البرامج الحوارية في قناة العاصمة: "ما كنّا لنقدر على إدارة قنوات إعلامية اليوم من دون تجربة مشروع الغد". ويضيف: "تلقّينا تدريباً مناسباً آنذاك وتعرّفنا لأول مرة على شيء اسمه المهارات المهنية". وتؤكّد الأمر نفسه رنا العقباني، الصحافية السابقة في وكالة أنباء ليبيا برس، فتقول: "تدرّبنا على أيدي صحافيين ليبيين كانوا يعملون في الجزيرة. كنا نتعامل مع نبض الشارع، وأمكننا أن نجرّب الصحافة الاستقصائية، ولكننا واجهنا أيضاً العديد من القيود".
 
اختبر الصحافيون العاملون في وسائل الإعلام الرسمية طعم هذه الحرية والتطوّر المهني مرة أخرى في الأشهر التي سبقت الثورة مباشرة. يومئذ، جرى توفير اشتراكات لوسائل الإعلام الرسمية في وكالات الأنباء العالمية، ما أدّى إلى احتكاكها بالإعلام العالمي والقنوات التلفزيونية الفضائية العربية. فتقول مريم الحجاجي، مديرة إذاعة "الليبية - أف أم": "لقد استمتعت كثيراً بالشهرين اللذين سبقا الثورة، حيث كان لدينا هامش فريد من الحرية، وذلك بفضل الظروف الخاصة للثورتين في تونس ومصر". وتضيف: "كان بمقدورنا أن نتحدث عن أفلام الرسوم المتحركة، والعنف، والكتابة على الجدران (فن الغرافيتي)، ومعنى المواطنة، والأوضاع في الحرم الجامعي... كنا لانزال نواجه صراعات داخل مؤسساتنا، ولكن تلك المرحلة كانت مرحلة ذهبية، أفضل من الوضع الحالي الآن بعد الثورة".

الثورة وقمع القذافي

عندما اندلعت الثورة، أيقن النظام أهمية السيطرة على وسائل الإعلام لضمان بقائه. فوفقاً لعبدالله راشد، وهو صحافي في الاعلام الحكومي ظلّ في وظيفته حتى سقوط القذافي، "أراد النظام أن يكسب المعركة بأي ثمن. كانت المعركة الإعلامية أكثر أهمية من المعركة الميدانية".
 
كانت لدى وسائل الاعلام الرسمية توجيهات واضحة للصحافيين: كان يجب وصف المحتجّين بأنهم بلطجية أو من بقايا تنظيم القاعدة، ويجب تسمية التظاهرات الغاضبة بأنها تظاهرات تأييد، وتصوير أفراد الجمهور على أنهم مؤيّدون لقائدهم القذافي.12  وفيما كان النظام يصارع للتشبّث بالسلطة، كان الإعلام الرسمي ماضياً في حملات التضليل، حتى أنه كان يلفّق القصص حول الجرائم الجماعية التي يقول إن الثوار ارتكبوها. فاحتدمت المعركة للاستحواذ على قلوب الليبيين وعقولهم (ما إذا كان ينبغي أن يثقوا بالإعلام الحكومي أو المحطات التلفزيونية الفضائية العربية الإقليمية، التي كانت تمثّل الصوت الرئيس للتمرّد). كانت وسائل الإعلام التقليدية، خصوصاً محطات التلفزيون، أداة الدعاية الرئيسة للنظام أثناء الأزمة. فجرى تغيير اسم قناة الليبية لتصبح "الجماهيرية 2"، واستخدمها النظام آلةً دعائيةً رئيسةً له. واستغلّ نجوم البرامج الحوارية الذين تحوّلوا إلى ناقدين، مواقعَهم لإطلاق حملات مشحونة سياسياً ضد المنشقّين. وسرعان ما استقطبت هذه الشخصيات الإعلامية الاهتمام بسبب سلوكياتها الغريبة. المثال الأبرز كانت هالة المصراتي، وهي مذيعة تلفزيونية شهرت مسدساً في استوديو تلفزيون "الليبية"، ووعدت بالدفاع عن النظام حتى النهاية. وعُرِفَت المصراتي أيضاً بالحوارات التي أجرتها مع صحافيين في سجون النظام بأسلوب التحقيق البوليسي. 13
 
في غضون ذلك، توسّع استخدام وسائل الإعلام الجديدة بسرعة بعد أن أخذت سلطة الدولة بالتلاشي. فكانت وسائل الإعلام الاجتماعي تكتسب قوة جذب بفضل مايسمّى "الجيش الإلكتروني الليبي" الذي ضمّ أنصاراً للنظام من شبابٍ بارعين في استعمال الكمبيوتر. وحتى الآن، لايزال هذا "الجيش" ناشطاً على صفحته على موقع فايسبوك، ويدعو إلى الثأر "للقائد الشهيد القذافي". 14

عملية إعادة البناء

عندما سقط نظام القذافي في نهاية المطاف في العام 2011، واجهت الحكومة الليبية الانتقالية المهمّة الشاقّة المتمثّلة في تحويل الإعلام الليبي، الذي طالما كان مكبوتاً، إلى قطاع فاعل. كان معظم الصحافيين الحكوميين السابقين قد فقدوا مراكز عملهم خلال الصراع.15  فقد دمّرت الضربات الجوية التي شنّها حلف شمال الأطلسي (ناتو) جزءاً من محطة التلفزيون الرسمية، وهاجمت كتائب القذافي مكاتب الصحف والمطبوعات بعد سقوط طرابلس.
 
اتّخذت الهيئات الانتقالية التي أُنشِئَت بعد الثورة لإعادة تنظيم القطاع الإعلامي، تدابير جذرية للقطيعة مع الماضي. فقد كفلت المادة 14 من الإعلان الدستوري المؤقت في ليبيا حرية التعبير وحرية الصحافة، وألغت القوانين المقيّدة لحرية الصحافة والكلام والتعبير إلى أن يتم تنصيب حكومة تسنّ إطاراً تشريعياً جديداً. ووفقاً لقرار الحكومة الصادر في 7 كانون الأول/ديسمبر 2011، حُدِّد الجهاز الإعلامي الرسمي الجديد بمحطة تلفزيون رسمية واحدة، ومحطة إذاعية رسمية واحدة، وصحيفة رسمية واحدة.16  ويمكن للحكومة أن تموّل القنوات الإعلامية الأخرى لفترة، لكن هذه القنوات الثلاث فقط هي التي ستمثّل الصوت الرسمي للنظام الليبي. مع ذلك، من غير الواضح أي وسائل إعلامية تعتبر "إعلاماً رسمياً"، وماهو الدور الذي ستضطّلع به.
 

الصحف

قرّرت هيئة دعم وتشجيع الصحافة (CESP)، التي تشُكِّلَت في أعقاب سقوط النظام، تفكيك الصحف الرسمية الرئيسة وإطلاق صحف جديدة. كان الغرض من هذه الصحف توفير بنية عمل جديدة للموظفين السابقين في وسائل الإعلام الرسمية، وتشجيع المنشورات التي تموّلها الدولة في المناطق النائية، كما يقول إدريس المسماري، رئيسهيئة دعم وتشجيع الصحافة.
 
أُنشِئَت هذه الصحف الجديدة من دون أي معايير واضحة أو موارد كافية. وتبدو هوية هذه الصحف، التي تموّلها الدولة ولكن لاتخضع إلى مراقبة تحريرية من جانبها، غير واضحة. كما أن مضمونها بعيد كل البعد عن المهنيّة، وكثيراً ماتُتّهم بأنها تكرّر ممارسات الإعلام الرسمي القديم من خلال تملّق شخصيات النظام الجديد. وقد توقّفت إحدى الصحف الأسبوعية التي تموّلها الدولة، "المسار"، عن الصدور في الآونة الأخيرة، فيما توظّف صحيفة أخرى، "البلاد الآن"، صحافيي الإعلام السابق في محاولة لإعادة إدماجهم.
 
تُعَدّ صحيفة "فبراير" اليومية الصحيفة الرسمية للدولة.17  الجودة التحريرية للصحيفة متواضعة، والانتقادات الكبيرة التي طالتها ولّدت دعوات – حتى من موظفي الصحيفة نفسها – إلى إعادة تشكيل هويتها أو إغلاقها. ويوضّح مدير تحرير الصحيفة أحمد الغماري ذلك بالقول: "تأسّست صحيفتنا كي تكون صوت الثورة. والآن انتهت هذه المرحلة، وينبغي تحويل هذه الصحيفة إلى صحيفة مهنيّة حقيقية. لهذه الغاية، نحن في حاجة إلى موظفين فنّيين وصحافيين حقيقيين، وهيكل داخلي منضبط، وإلى التحلّي بمزيد من الشجاعة في معالجة الموضوعات التي تتعلّق بمشاكل الناس". ويضيف الغماري: "أعتقد أن البدء من جديد يمكن أن يكون أقلّ صعوبة من إصلاح هيكل متردّ". 18
 
تبدو قدرة هذه المنشورات على الاستمرار أمراً مشكوكاً فيه. فهي ذات بنية فضفاضة، وتعاني من نقص في الموظفين وعدم وجود رؤية وتخطيط حقيقيين. كما أن مقارّها الجديدة ضيقة المساحة تفاقم مشاكل الصحف الجديدة التي تموّلها الدولة.
 
لايمكن لهذه الصحف الهشّة اجتذاب الصحافيين السابقين في الإعلام الرسمي، الذين يرون أن قرار تفكيك الصحف الرسمية القديمة عقاب لهم على تواطئهم المفترض مع النظام. وهم يرفضون أيضاً العودة إلى العمل لأنهم لازالوا يحصّلون على أجورهم من الدولة، مع أنهم ماعادوا في مناصبهم. ويقول المسماري: "لا أستطيع إجبار الناس على العودة إلى العمل، مع أن هذا الوضع يسبّب لنا مشكلة كبيرة... في ليبيا، يُعتَبَر الراتب حقاً للشخص وعائلته، خصوصاً في هذه الفترة الحساسة". وتتمثّل خطته في التخلّص تدريجياً من وسائل الإعلام الرسمية القديمة من خلال إدماجها بصورة تدريجية في وسائل الإعلام الخاصة.
 
وبغية تشجيع هذه العملية، يتم "عرض" موظفين على الصحف الخاصة، بحيث تستمر الدولة في دفع أجورهم، إضافة إلى بعض تكاليف التجهيزات والنشر. في المقابل، يُطلَب من الصحف تقاسم بعض عائدات الإعلانات مع هيئة دعم وتشجيع الصحافة. ويُؤمَل في نهاية المطاف أن تتمكّن الصحف الخاصة من تحمّل المسؤولية الكاملة عن الموظفين. نجاح التجربة ليس مؤكّداً، لكن هيئة دعم وتشجيع الصحافة ماضية في توقيع اتفاقات مع المطبوعات الخاصة الجديدة.
 

الإعلام المرئي والمسموع

تبدو حالة الإعلام المرئي والمسموع الذي تموّله الدولة، أقل وضوحاً. فمعظم محطات التلفزيون والإذاعة الحكومية السابقة لم تَعُد إلى العمل، وباتت تخضع إلى سيطرة بعض الفصائل والميليشيات المسلّحة.
 
أعادت وزارة الثقافة تسمية قناة التلفزيون الرئيسة، "الليبية"، التي كانت سُمِّيَت "الجماهيرية 2" خلال الثورة، لتصبح "قناة ليبيا" ومحطة التلفزيون الرسمية الوحيدة. لكن مع أن هذه المحطة تتمتّع بقدرات تكنولوجية عالية، تُعَدّ الحالة الأكثر إثارة للجدل في عملية التحوّل الإعلامي. ونظراً إلى وجود مشاكل إدارية وصراع على أصولها، فهي تبثّ الآن الأفلام الوثائقية القديمة والأغاني الثورية فقط.
 
ويؤدّي الصراع من أجل السيطرة على محطات التلفزيون والإذاعة السابقة إلى عرقلة عملية إعادة إطلاقها. على سبيل المثال، شهدت قناة "الجماهيرية" التلفزيونية السابقة، وهي محطة التلفزيون الرئيسة في عهد القذافي، معارك شرسة على موظفيها وشعارها. فوفقاً لعلي محمد سالم، رئيس الخدمات الإخبارية في محطة التلفزيون، حاولت الحكومة الانتقالية فرض إدارة جديدة، وقد تصدّى لها الموظفون بالإضرابات والاعتصامات.
 
فرضت المحطة التي تسمّى الآن "الوطنية"، نفسها باعتبارها محطة التلفزيون الرسمية الرئيسة، مع أنها ليست كذلك بموجب القانون، ورفضت إعطاء هذا الدور إلى محطة "الليبية" السابقة، التي تكافح للاستمرار. قبلت الحكومة في نهاية المطاف هذا الوضع بحكم الأمر الواقع، ومنحت قناة "الوطنية" الحقوق الحصرية لتغطية النشاطات الرسمية. ومثل غيرها من محطات التلفزيون والإذاعة، تبقى إدارتها في حالة تغيّر مستمر.
 
ومع أن فكرة تحويل وسائل الإعلام الرسمية القديمة إلى قنوات إعلام عام، على غرار هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، كانت مثار نقاش في المرحلة الانتقالية الأولى، إلا أن هذه الرؤية أصبحت الآن أقلّ جاذبية نظراً إلى الأوضاع السيئة لوسائل الإعلام الرسمية السابقة، والاتجاهات المتنامية التي تشجّع وسائل الإعلام الخاصة.

التنظيم

يبدو أن التنظيم هو الحلقة الأضعف في عملية تجديد قطاع الإعلام. فالتشريعات الإعلامية الشاملة لاتزال غائبةً إلى الآن، مع أن قوانين التشهير والقدح الموجودة تمنح الناس الحق في مباشرة الدعاوى المدنية. وليس ثمّة اتفاق إلى الآن حول ماهية المؤسّسة التي ينبغي أن تشرف على قطاع الإعلام بالضبط.
 
بعد فترة وجيزة من سقوط النظام، قرّرت الحكومة الانتقالية وضع قطاع الإعلام تحت إشراف وزارة الثقافة والمجتمع المدني. وبعد أقل من عام، في أيار/مايو 2012، أقرّ المرسوم 44 إنشاء المجلس الأعلى للإعلام الذي يرفع تقاريره مباشرة إلى المجلس الوطني الانتقالي، ويكون مسؤولاً عن الإشراف على قطاع الإعلام. وقد كُلِّف المجلس بإعادة تنظيم صناعة الإعلام في ليبيا – صياغة الأنظمة والقوانين الخاصة بوسائل الإعلام، واعتماد مدوّنة لقواعد السلوك، ومنح التراخيص اللازمة للمجموعات الإعلامية المختلفة.19  ووُضِعَت تحت سلطة إدارة المجلس أصولُ الإعلام الرسمي، والإعلام المكتوب والمرئي والمسموع، والمراكز الإعلامية كافة داخل البلاد وخارجها.
 
أدّت الانتقادات الشديدة إلى تعليق القرارات الخاصة بالمجلس الأعلى للإعلام في حزيران/يونيو 2012 حتى اختتام انتخابات المؤتمر الوطني العام الذي حلّ محلّ المجلس الوطني الانتقالي.20  ومع أن المجلس الوطني الانتقالي صادق على المجلس الجديد في تموز/يوليو 2012، إلا أنه أكّد أيضاً على الدور الانتقالي للمجلس، "إلى أن يقوم المؤتمر الوطني العام بواجباته ومسؤولياته، ويتّخذ الإجراءات التي يراها ضرورية بعد ذلك".21  وقد أدّى الصراع بين هاتين الهيئتين، اللتين يزعم كلٌّ منهما أنه يمثّل الصحافيين، إلى تعميق الانقسام في مجتمع الإعلام.
 
أصبح المجلس الأعلى للإعلام في حدّ ذاته محور صراع على السلطة. في ظل النظام السابق، سُمِح بتأسيس نقابات الصحافيين تحت شعار "الجمعيات"، الأمر الذي جعل وظيفتها تقتصر على كونها نادياً اجتماعياً. مع ذلك، انتخب الصحافيون، في مؤتمر عُقِد في جادو في غرب ليبيا في حزيران/يونيو 2012، 22 مجلساً أعلى ثانياً للإعلام. وقد أثار هذا المجلس المؤلّف من 21 عضواً، عاصفة جديدة من الانتقادات، يعود سببها أساساً إلى أن الهيئة الانتخابية كانت تتألّف إلى حدٍّ كبير مما يُعرَف بالمواطنين الصحافيين إضافة إلى فنيين بدلاً من "صحافيين" محترفين.
 
لاتزال المناقشات حول إعادة تنظيم قطاع الإعلام تركّز على إنشاء مجلس أعلى للإعلام ليتولّى الإشراف على القطاع بدلاً من وزارة الإعلام، على أن يتمتّع المجلس بسلطات تنفيذية. ويعتقد أنصار هذه الفكرة أن تعيين وزير للإعلام سيؤدّي بلا شكّ إلى عودة هيمنة الحكومة على قطاع الإعلام، مع مايترتّب عن ذلك من تداعيات على الإعلام المستقلّ.
 
وكان البرلمان الليبي صوّت أخيراً وسط معارضة قوية، على إعادة وزارة الإعلام إلى سابق عهدها لمعالجة تركة النظام السابق، وترتيب أمور قطاع الإعلام الذي يتّسم بالفوضى.23  أما وزير الإعلام الجديد، يوسف الشريف، فهو روائي وليست لديه خبرة مباشرة في مجال الإعلام.24 
 
يخشى الكثيرون من أن إعادة الإعلام إلى سابق عهده ستؤدّي إلى خنق حرية التعبير. إضافة إلى ذلك، ثمّة تصوّر عام بأن الإعلام الرسمي يفتقر إلى سبب وجوده في ليبيا مابعد القذافي، وهو شعور يتشاطره الأشخاص الذين كانوا على رأس الاعلام القديم، ومنهم عبدالرزاق داهش الذي يقول: "لا أؤمن بالإعلام الرسمي اليوم. إذا سمحوا لوسائل الإعلام المموّلة من الدولة بانتقاد الحكومة، فماذا سيكون الفرق بين هذه الصحف وبين الصحف الخاصة؟" 25

الخصخصة: مَن يسيطر على وسائل الإعلام الليبية الجديدة؟

في الوقت الذي يكافح الإعلام الرسمي ليجد مكانته في ليبيا مابعد القذافي، يزدهر القطاع الخاص ويحقق النجاح. فقد أطلقت وسائل الإعلام الخاص العديد من المشاريع الجديدة، يُعتَقَد أن معظمها مرتبط بأجندات سياسية. وفي حين يستخدم السياسيون قطاع الإعلام الجديد إلى حدّ كبير لمصالحهم الخاصة، يبدو رجال الأعمال متواطئين بالقدر نفسه. فقنوات البث المرئي والمسموع هي المنبر الإعلامي الأكثر جاذبية لخوض المعارك السياسية واقتناص فرص الأعمال على حدّ سواء، وقطاع الإذاعة المزدهر أثبت أنه الأكثر شعبية.

انتشار القنوات الإعلامية

عادة مايُصَنَّف الإعلام الوطني الخاص واحداً من ثلاثة أنواع وفقاً للتصورات الشعبية: الإعلام الليبرالي الذي يدعم بصورة أساسية الزعيم السابق للمجلس الانتقالي محمود جبريل، والإعلام الذي يدعم جماعة الإخوان المسلمين، والإعلام الذي تموّله قطر مباشرة. ومع ذلك، ترفض الجهات الإعلامية الرئيسة الفاعلة هذا التصنيف، وتقدّم نفسها عادة على أنها مستقلة. وهي إلى ذلك تزعم أن تمويلها الأساسي يأتي من رجال الأعمال الليبيين وعائدات الإعلانات.
 
وثمة تقارير غير مؤكّدة عن تلقّي وسائل الاعلام الليبية أموالاً من رجال أعمال من النظام السابق يعيشون في الخارج. ويقال إن محطة تلفزيون ليبيا، على سبيل المثال، تُموَّل من رجل الأعمال حسن تاتاناكي، وهو مدير تنفيذي سابق في نظام القذافي يموّل أيضاً جمعية ليبيا الحرة الخيرية. 26
 
وتنتشر أيضاً مزاعم حول قيام جماعة الإخوان المسلمين بضخّ الأموال في وسائل الإعلام المختلفة، إلا أنها تبقى مزاعم غير مؤكّدة حتى الآن. وردّاً على سؤال حول العلاقة بين محطة ليبيا الحرة التلفزيونية وجماعة الإخوان المسلمين، نفى صالح المجدوب، مدير المحطة، وجود صلة مباشرة، قائلاً: "أنا عضو في الجماعة ولكنها لاتموّل المحطة".27 يدّعي المجدوب أن المحطة تمُوَّل من رجال أعمال ليبيين. ولدى سؤاله عن السبب في عدم رغبته في الكشف عن مزيد من المعلومات عن تمويل المحطة، قال: "هل تكشف قناة الجزيرة، مثلاً، عن مصادر تمويلها؟"
 
تسلّط القنوات الإعلامية المحلية، التي يموّلها عادة رجال أعمال محليين، الضوء على القضايا المحلية. ومع ذلك، أصبح بعض هذه القنوات المنابر الرئيسة للتحريض على التناحر القبلي الذي تزداد وتيرته الآن في ليبيا، مثل المعركة بين مدينة بني وليد، وهي معقل أخير لأنصار القذافي، وبين مصراتة، وهي من أوائل المدن المتمردة. في تشرين الأول/أكتوبر 2012، شنّت القوات الحكومية الليبية عملية عسكرية كبيرة ضدّ بني وليد، بعد أن رفضت البلدة تسليم المتّهمين بتعذيب أحد المتمردين وقتله. وقد نفذّت العملية وحدات مصراتة، الأمر الذي أدّى إلى إشعال التوتّرات القبلية التاريخية. وقد تحوّلت محطات التلفزيون المحلية (قناة توباكتس التلفزيونية في مصراتة، وقناة دردنيل في بني وليد) إلى منابر للتحريض القَبَلي.28  ووصفت قناة تلفزيون دردنيل قوات الجيش بأنها "عصابات"، عارضةً لقطات لأطفال قتلى وجرحى. 29 بيد أن التوتّر على الأرض، والموقف المتحيّز للقنوات التلفزيونية، وترهيب الطواقم الإعلامية، منع وسائل الإعلام الوطنية من تقديم تقارير مباشرة من الميدان وتناول القضية من مختلف أوجهها.
 
إضافةً إلى ذلك، تشهد ليبيا صعود وسائل الإعلام التابعة للتيار السلفي. حالياً، يوجد عدد قليل من هذه القنوات، وهي لاتعمل إلا في الأماكن التي تنشط فيها الجماعات الإسلامية المتطرّفة. وهذا على النقيض من الوضع في مصر، على سبيل المثال، حيث تمتلك القنوات التلفزيونية السلفية جمهوراً كبيراً، وتنشط في الدعاية لأجندتها السياسية والدينية. أما في ليبيا، فتستخدم معظم وسائل الإعلام التابعة للتيار السلفي، إذاعات الـ"أف أم"، بما فيها إذاعةً في بلدة درنه، وإذاعة "الإيمان" في بنغازي، وإذاعة أخرى في صبراتة. وبدلاً من تبنّي هوية سلفية علنية، تقدّم هذه المحطات برامج متنوّعة حول الموضوعات الاجتماعية منتهجةً خطاباً سلفياً.
 
فضلاً عن ذلك، تأخذ القنوات الإعلامية الناطقة باللغة الأمازيغية في الازدايد عدداً. فثمة محطات إذاعية صغيرة تبث باللغة الأمازيغية، أغلبها من المناطق التي يعيش فيها الأمازيغ. وقد تم مؤخراً إطلاق محطة تلفزيونية فضائية اسمها "أبرارن" Abrarn (أي "تنوّع")،30  لكنها لاتزال في المرحلة التجريبية. كما يزداد عدد المحطات التلفزيونية والإذاعية التي تقدم هذه الثقافة في البرامج المحلية والوطنية. ولايقتصر هذا التطوّر على القطاع الخاص، إذ أُصدِرَت مجلة أسبوعية خاصة باللغة الأمازيغية بدعم من أموال الدولة.
 
وتنعكس المعركة بين الأجندات المؤيّدة لليبرالية والمؤيدة للإسلام، والتي تدور رحاها في بلدان عربية عدة تمرّ في مراحل انتقالية، أيضاً في المشهد الإعلامي الليبي الجديد والمتنوّع، مع أنها ليست معركة شرسة في ليبيا. ويُنظَر عموماً إلى قناة العاصمة التلفزيونية على أنها منبر للأصوات الليبرالية، وهو الوصف الذي لاينكره تماماً صاحب القناة، جمعة الأسطى. ويصف جمعة دعم القناة لمحمود جبريل، رئيس تحالف القوى الوطنية الذي فاز في الانتخابات العامة في تموز/يوليو 2012، قائلاً: "خلال الانتخابات، لم نُخْفِ انتماءنا ودعمنا لترشيح جبريل، لكننا عاملنا الآخرين على قدم المساواة في مايتعلّق بشروط بث برامج الدعاية الانتخابية الخاصة بهم".31  تبث قناة ليبيا الدولية، التي يموّلها رجال أعمال ليبيون، وتعتبر عادة محطة تلفزيون ائتلاف جبريل، مجموعةً متنوّعةً من البرامج من دون أي لون ليبرالي مباشر، علماً أن إنتاجها لايزال محدود النطاق. 32
 
أما في مايتعلّق بالإعلام ذي التوجّهات الإسلامية، فتعتبر قناة ليبيا الحرة الصوت الرئيس لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا. وقد اتُّهمت المحطة بالانحياز إلى الفصائل الإسلامية المتطرّفة عند تغطيتها التظاهرات الشعبية في بنغازي. 33 وقد هاجم المتظاهرون مكتب القناة حيث اتّهموها بتقديم تغطية متحيّزة في أزمة بني وليد. 34 يرفض مدير المحطة، صالح المجدوب، الطابع الإسلامي للقناة، مشيراً إلى أنها تقف على مسافة واحدة من مختلف الانتماءات. 35
 
تقدّم قناة ليبيا الأحرار التلفزيونية، التي تبث من الدوحة ولها أنشطة كبيرة داخل ليبيا، أكبر تغطية إخبارية إضافة إلى البرامج الحوارية. 36 وتُتَّهم القناة التي يُطلَق عليها شعبياً اسم ليبيا "الأشرار" بدلاً من ليبيا "الأحرار"، بأنها تخدم أجندة قطر التي تموّلها. كما تُتَّهم المحطة بدعم مقترحات مثيرة للجدل، مثل تقسيم البلاد. إلا أن  رئيس مكتب القناة في طرابلس، إبراهيم المزوغي، يدحض هذه الاتهامات التي يَعتقد أنها تنبع من حقيقة أن الجمهور الليبي لايزال غير قادر على استيعاب النقاش الإعلامي الحر، وبالتالي، يعتبر أي نقد هجوماً ضد مجموعة أو قبيلة. 37

الصراع من أجل البقاء

أُنشِئَت غالبية قنوات القطاع الخاص لدعم الثوار من خلال التصدّي لدعاية الإعلام الرسمي. وقد نشأ معظمها خارج البلاد، ولاسيّما في تونس ومصر، وقد أقفل العديد منها بعد المرحلة الانتقالية. أما تلك التي بقيت، فتكافح الآن لإعادة تحديد هويتها في مرحلة مابعد الثورة.
 
يقول جمعة الأسطى، على سبيل المثال، إن قناة العاصمة "ولدت لمرحلة الثورة فقط. أردنا أن نوقف هذا المشروع مع سقوط النظام، ظنّاً منا أن الإعلام الرسمي السابق سيستأنف العمل، لكن ذلك لم يحدث. مادفعنا إلى الاستمرار هو خطاب بعض وسائل الإعلام التي تتّهم الذين ظلوا داخل البلاد في ظل النظام بالخيانة. ومع انتشار الإعلام المموّل من جماعة الإخوان المسلمين، وجدنا أن لدينا مهمة وطنية لمواصلة البث؛ لم يكن الهدف الإعلام نفسه، بل تحدّيات الحياة السياسية الجديدة". 38
 
تكافح قناة العاصمة الآن لاعتماد نموذج تجاري قابل للاستمرار. يقول الأسطى إنه يسعى إلى تطبيق نموذج تمويل مختلط للمحطة. ومع أن المجال مفتوح أمام الجمهور لشراء الأسهم، إلا أنه سيحتفظ بحصة تبلغ 51 في المئة من أسهم القناة، وذلك للحفاظ على خطّها التحريري.
 
يتمثّل التحدي الرئيس الذي تواجهه هذه المشاريع الإعلامية الجديدة في إمكانية الاستمرار في ظلّ محدودية الأموال المخصصة للطباعة والتوزيع ومن دون دعم الدولة. وبما أن أكثر هذه المشاريع ليس قابلاً للاستمرار، من المستحيل أن نجد أرقاماً دقيقة عن حجم توزيعها. فضلاً عن ذلك، لايُطلَب من هذه المشاريع الكشف عن مصادر تمويلها، مع أنها يجب أن تحصل من وزارة الثقافة على رخصة مؤقتة لمدة ستة أشهر (المرئي والمسموع) مع إمكانية التجديد. أما في وسائل الإعلام المطبوعة، فمن غير الواضح ما إذا كان ينبغي على المنشورات الخاصة الجديدة أيضاً أن تلتزم بنظامٍ للترخيص.
 
تُموَّل المشاريع الإعلامية الصغيرة عادة من أنشطة الأعمال الخاصة بأصحابها. ومع ذلك، لم تكن لدى أصحاب معظم وسائل الإعلام الجديدة أي خبرة سابقة في الإعلام، وكان اهتمامهم في هذا المجال وسيلة في كثير من الأحيان لشقّ طريقهم إلى المجال السياسي. وهكذا، تفتقر الغالبية العظمى من هذه المشاريع إلى التخطيط على المدى الطويل، وتعمل باستخدام متطوّعين أو شباب يتقاضون أجوراً زهيدة. وقد أُطلِقَت بعض المشاريع الإعلامية على يد أطباء ومهندسين وطلاب جامعات، أو غيرهم من المهنيين، لكنها نادراً مانجت من ضغط الصناعة الإعلامية وواقعها.
 
تتمثّل الخيارات الأكثر جدوى للحصول على التمويل، في رعاية رجال الأعمال الأثرياء الذين يُمنَحون، في المقابل، إمكانية التدخّل في القرارات التحريرية، أو يؤمّنون رعاية شهرية من الوزارات والإدارات الحكومية في شكل إعلانات أو اشتراكات شهرية.
 
يبدو أن هذه الخيارات مضمونةً أكثر من الاعتماد على إعلانات القطاع الخاص. وتعتبر "راديو زون" Radio Zone،39  وهي محطة إذاعية موجّهة إلى الشباب تبثّ الموسيقى الغربية والبرامج الحوارية الاجتماعية باللهجة الليبية، مثالاً في هذا الإطار. وهي تحظى بشعبية بين الشباب وطلاب الجامعات الليبيين. ووفقاً لأحد أصحابها الثلاثة، اعتمد إطلاق المحطة الإذاعية على اتجاهات السوق الاعلانية، ومع ذلك، لاتجذب إعلانات كافية لتغطية تكاليف التشغيل. 40
 
على سبيل المثال، تمكّن محمود المصراتي، مالك صحيفة ليبيا الجديدة، من تحويل هذه المطبوعة من أسبوعية إلى يومية، عن طريق استخدام مزيج من عائدات الإعلانات والدعم المالي من الدولة، الذي حصل عليه في مقابل استخدام موظفين سابقين في وسائل الإعلام الرسمية. ويعتمد المصراتي بشكل رئيس على صحافيين يعملون بدوام حرّ ويتقاضون أجراً بالتجزئة، فيما يستخدم عدداً قليلاً من الموظفين بدوام كامل. وقد عرض عليه بعض رجال الأعمال شراء أسهم أو مساحات إعلانية ثابتة بسبب شعبية المطبوعة المتنامية. بيد أن بيع جزء كبير من أسهم الصحيفة يبدو محفوفاً بالمخاطر، فهو يفضل الحفاظ على هوية صحيفته واستقلالها. 41
 
في حين يُظهِر بعض هذه المشاريع عموماً مؤشّرات على الاستمرارية، يثبت العديد من المشاريع الأخرى، مثل إذاعة الجوهرة التي تزداد شعبيةً، أنه أكثر عشوائية في التنفيذ. عند سؤال مالك هذه المحطة الخاصة الجديدة، وهو تاجر، عن خططه لتمويلها وضمان استمراريتها، أشار بإصبعه إلى السماء ليدلّ على اتّكاله على الله لإيجاد التمويل الكافي للاستمرار في تشغيلها. 42

الصحافيون في ليبيا الجديدة

يتكوّن مجتمع الإعلام الليبي في حقبة مابعد القذافي من ثلاث مجموعات مختلفة. تشمل الأولى موظفي جهاز الإعلام الرسمي السابق. ويعمل عدد قليل من هؤلاء الإعلاميين في المؤسّسات الإعلامية بعد الثورة. وقد هرب بعض كبار المحررين والمدراء السابقين إلى خارج البلاد، في حين تمت مصادرة جوازات سفر آخرين ممَّن مُنِعوا من العمل في المنشآت الإعلامية الرسمية السابقة، وهم ينتظرون المراجعة القضائية. وتتكوّن المجموعة الثانية، أو مايسمّى بإعلام الثورة – أو إعلام خط المواجهة – من صحافيين مواطنين وثّقوا عمليات الثورة على الأرض. وتضمّ هذه المجموعة عموماً أطباء ومهندسين ومهنيين وعاملين آخرين. أما المجموعة الأخيرة فتتألّف من معارضين من عهد القذافي، وهؤلاء لايمتلكون خبرة سابقة في التحرير الصحافي، ومعظمهم من الكتاب والشخصيات الثقافية.
 
يدور رحى الصراع من أجل السيطرة على قطاع الإعلام بين هذه المجموعات الثلاث، حيث تبرهن المجموعة الأولى – وهي المجموعة الوحيدة التي حصلت على تدريب إعلامي سابق – على أنها الحلقة الأضعف.
 
بعد الثورة، أسفرت حملة من الاتهامات عن تقسيم المجتمع الإعلامي. فأصبح مَن وُصِفوا بأنهم مؤيّدون للثورة في مواجهةٍ مع مَن اتُّهِموا بدعم نظام القذافي، وأُطلِقت عليهم شعبياً تسمية "الطحالب". وقد استُبعِدَت شخصيات بارزة من وسائل الإعلام الرسمية السابقة، عن عملية إعادة هيكلة الإعلام، ومُنِعَت من العودة إلى العمل في إطار حملة أوسع لعزل المسؤولين السابقين في عهد القذافي. وقد تمكّن بعض المسؤولين الإعلاميين السابقين من الفرار من البلاد إلى تونس المجاورة أو إلى القاهرة. وتعرّض آخرون إلى الترهيب، وهم ليسوا مستعدّين للاندماج في القنوات الإعلامية الجديدة.
 
وأثبتت ردود الفعل على أعضاء هذه المجموعة، الذين حاولوا العودة إلى الإعلام، أنها غير متوقّعةً، إذ يبدو أنه ثمة رغبة في تجنّب الدخول في صراعات معهم في صالات التحرير، أو رفضٌ لوجودهم. وتبدو تجربة عبد الحكيم معتوق، رئيس التحرير السابق لصحيفة الشمس المملوكة سابقاً للدولة، معبرةً هي الأخرى، إذ يقول معتوق: "بعد سقوط النظام جمعت فريقي السابق في صحيفة الشمس لمناقشة إعادة إطلاق الصحيفة بخطاب جديد. في منتصف الجلسة، اقتحم ثلاثة أشخاص مسلحون الغرفة واقتادوني. استجوبوني وأهانوني. وتمكّنت أخيراً من التحدث إلى زعيمهم الذي بدا أكثر حكمة. أطلقوا سراحي بعد أن أخذوا جواز سفري. بعد أسبوع، تمكّنت من الاتصال بزعيمهم الذي قَبِل أخيراً أن يعيد إليّ جواز سفري".
 
في المقابل، يرفض الصحافيون من المستوى المبتدئ إلى المتوسط في وسائل الإعلام الحكومية السابقة، استئناف العمل ولاسيّما أنهم يتقاضون أجراً من الحكومة الليبية سواء حضروا إلى مقرّات عملهم أم لم يحضروا. فالسلطة الانتقالية تفتقر إلى السلطة، الأمر الذي يؤدّي إلى مشاكل انعدام الأمن وغياب الحماية للصحافيين. لكن الأهم من ذلك هو أن البيئة الإعلامية الجديدة لاتبدو جذّابة لهؤلاء الصحافيين. فقد أنشئت معظم المطبوعات الصحافية الجديدة التي تموّلها الدولة من دون رؤية واضحة، وهي تسعى جاهدة في الوقت الحالي إلى تطوير هياكل داخلية حديثة وفعّالة.
 
ثمة صراع كبير بين الصحافيين من عهد القذافي وبين أولئك المستجدين على المهنة، أو المواطنين الصحافيين الذين برزوا على الساحة خلال الثورة. تقول مريم الحجاجي، التي عُيِّنَت مديرة لإذاعة "الليبية – أف أم"، إنه لم يَعُد للإعلاميين السابقين مكان: "جلبت لنا الثورة موجة جديدة من الصحافيين الذين لاعلاقة لهم بهذا المجال. ونجد أنفسنا وقد تعرّضنا إلى غزو من آلاف الأشخاص الذين يدّعون أنهم عملوا في المجال الإعلامي خلال الثورة مع أننا لم نسمع بهم. الصحافيون الحقيقيون يقبعون في بيوتهم. وقد تولّى المستجدون زمام الأمور مستغلّين علاقاتهم الثورية". ويرى إعلاميو النظام السابق أن الصحافيين المستجدين زادوا المشاكل المستشرية في وسائل الإعلام الرئيسة. فهؤلاء الصحافيون التقليديون يرون أنه لايمكن تحويل المواطن العادي إلى صحافي محترف بين ليلة وضحاها. 
 
أما الصحافيون الجدد، فيعتقدون أنه لم يكن هناك صحافيون حقيقيون في ظل نظام القذافي، وأن الذين كانوا يعملون في وسائل الإعلام الرسمية كانوا ببساطة لسان حال النظام. وهؤلاء الصحافيون الجدد يردّون عادة بابتسامة ساخرة عندما يُذكَر أمامهم موضوع الصحافة المحترفة قبل الثورة. 
 
إن هؤلاء الصحافيين المواطنين السابقين والصحافيين الجدد من الشباب هم الأكثر حماسة إزاء عملية دمجهم في الإعلام الليبي الجديد. وهذا يعني أنهم الصحافيون المرحَّب بهم في هذا القطاع بغضّ النظر عن كفاءتهم. لقد شارك عدد قليل منهم في دورات تدريبية، لكن عملياً يُدَرَّب معظمهم داخل القنوات الإعلامية، حيث يتوقّع منهم أن يطوّروا مهاراتهم المهنية بسرعة.

تغطية الشؤون السياسية: خطوط حمراء جديدة؟

أصبحت العلاقة بين الصحافيين ومصادرهم الإخبارية أكثر تفاعلية وديمقراطية في مرحلة مابعد الثورة. ففي الساحة السياسية الجديدة المعقّدة التي نشأت في أعقاب الانتخابات البرلمانية وتشكيل الحكومة الجديدة، 43 يمكن للصحافيين أن يعارضوا القوى السياسية، وإن كان ذلك ضمن حدود معينة.
 
تتمثّل إحدى مزايا الصراع الجديد بين الفصائل المختلفة في الحياة السياسية الليبية، في أن الصحافيين الآن يتحقّقون من صحة المعلومات من مصادر مختلفة. وهذه الخطوة هي خطوة بارزة في اتّجاه تحقيق مزيد من الشفافية في بلد كانت الأخبار فيه تخضع سابقاً إلى تعتيم شامل. في هذا السياق، يقول محمد كمال بزازه، وهو طالب هندسة سابق أصبح مقدم برنامج حواري على قناة تلفزيون ليبيا الحرة، إن تنافس المصادر يوفّر مادة مفيدة للحوارات السياسية. ويوضح بزازه قائلاً: "لدي مصادر مطّلعة داخل شبكتي الشخصية. أستخدم هذه المعلومات لتحدّي ضيوفي. كما أستفيد من التوتّرات بين ممثّلي مختلف الأحزاب السياسية في البرلمان. وإذا التقيت شخصاً من هذا الحزب، يزوّدني بمعلومات ضد حزب آخر".
 
تؤثّر لعبة "تسريب الأخبار" كثيراً في التغطية الإخبارية السياسية.  فالساسة الغرماء يجدون في وسائل الإعلام منبراً ممتازاً لإبراز أوجه قصور منافسيهم. يرى المصراتي، مالك صحيفة ليبيا الجديدة، أن التسريبات يمكن أن تكشف كواليس النشاط السياسي، ويقول: "التسريبات أكثر صدقاً وشفافية من المصادر الرسمية. فعلى سبيل المثال، أُبلِغنا عن صفقة مشبوهة تمت في وزارة الداخلية. سألنا الوزير فقدّم لنا معلومات كاذبة. لكن موظفاً نزيهاً داخل الوزارة سرّب لنا وثيقة تتعلق بالصفقة". ومع ذلك، تبقى هذه اللعبة خطيرة، إذ يمكن فيها استغلال الصحافيين عديمي الخبرة بسهولة.
 
إذا كانت مساءلة الأطراف الفاعلة في المجال السياسي الجديد قد أصبحت أمراً ممكناً في نهاية المطاف، فإن تلك العملية ليست بسيطة ومباشرة. لم يتأقلم الصحافيون ومصادرهم تماماً حتى الآن مع أجواء العمل السياسية المخالفة لممارسات النظام السابق. وتجربة محمد الصغير، وهو مراسل حرّ سبق أن عمل لقناة الليبية، هي خير مايعكس هذا الوضع. يقول الصغير: "في السابق كان لدينا خط أحمر واحد فقط: القذافي وعائلته. بعد التحرير، لدينا مئات الخطوط الحمراء. إذا انتقدت حزباً سياسياً، فأتلقى مكالمة هاتفية غاضبة. وإذا انتقدت وزيراً بسبب أدائه أو قراراته، فأوصف، أو توصف حتى المؤسّسة الإعلامية التي أعمل فيها، بأننا مسبّبين للمشاكل... وقد أخاطر أيضاً بفقدان وظيفتي".
 
أَضِف إلى ذلك أن نقص خبرة الساسة الجدد في التعامل مع وسائل الإعلام الحرة يعيق تطوير الصحافة الاستقصائية. في حقبة ماقبل الثورة، كانت الأخبار مايناقشه الناس في بيوتهم وراء الأبواب المغلقة. وكانت المعلومات الحساسة غير قابلة للنشر، حتى بعد التحقّق منها. هذا ولايزال الساسة الليبيون غير قادرين على استيعاب حقيقة أن المعلومات أصبحت الآن معمّمة، ولم يَعُد ممكناً أن تقتصر على جهات مغلقة. يصف مدير تحرير صحيفة ليبيا الجديدة، فيصل الهمالي، هذا الإرث بقوله: "ثمة أيضاً ثقافة موروثة من النظام [السابق]، وهي النظر بعين الريبة إلى أي نشاط صحافي. وعادة مايتجنّب المسؤولون التفاعل مع وسائل الإعلام خوفاً من الانتقام أو من فقدان مناصبهم. فهم لم يتعوّدوا على التعامل مع الإعلام بطريقة منفتحة".44  ولاتزال قدرة الصحافيين على الوصول إلى مصادر المعلومات عرضة إلى العرقلة بسبب انعدام هياكل التواصل في المجال السياسي الجديد. ووفقاً للهمالي، إن "هذا الهيكل لم يكن موجوداً في ظل النظام [السابق]، ولم تقُم الحكومة الجديدة بعد بتأسيسه". 45
 
 
وتُفرَض "الخطوط الحمراء" الجديدة تحت عناوين مختلفة. على سبيل المثال، يوضح جمعة الأسطى من قناة العاصمة أن المناقشات الجديدة الجارية في البلاد أصبحت في الواقع "أداة جديدة لترويع وسائل الإعلام"، الأمر الذي يعيق قدرتها على مناقشة الموضوعات المثيرة للجدل بصورة علنية. ويقول: "ثمة حوادث لايمكن لوسائل الإعلام أن ترويها اليوم. أن تكون ناقداَ في ليبيا اليوم أمرٌ غير ممكن. فلا يمكن للطرف الآخر أن يقبل الانتقاد بوصفه تعبيراً مشروعاً عن الرأي".
 
أصبحت الهجمات التي يتعرّض إليها الصحافيون الليبيون تنذر بالخطر. فقد أعربت منظمة "مراسلون بلا حدود" عن قلقها إزاء " التهديدات المتكرّرة، بما فيها التهديدات بالقتل، ضد صحافيين ليبيين، والتي غالباً ماتصدر، لكن ليس بصورة حصرية، عن جماعات مسلحة شبه رسمية أو عن جماعات دينية". وقد صدر هذا التقرير بعد اعتداء حراس الأمن على طاقم تلفزيوني خارج مبنى المؤتمر الوطني في طرابلس، يوم 1 شباط/فبراير 2013. 46
 
يطبع الصراع بين الإسلاميين والليبراليين الحياة السياسية في ليبيا الجديدة، إلا أنه صراع محدود النطاق. ومع أنه يؤثّر على المشهد الإعلامي، إلا أنه لايمثّل تكراراً للمشهد في مصر وتونس، حيث أصبحت السيطرة على الإعلام الوطني جزءاً من صراع شديد بين القادة الجدد وبين المعارضة. تقول الصحافية والكاتبة رزان المغربي: "لاتكمن المشكلة في أن وسائل الإعلام المحلية ليس لها أي انتماء سياسي واضح، بل إن افتقارها إلى المهارات والخبرات يجعلها غير قادرة على القيام بحملات دعائية مماثلة لما تقوم به نظيرتها في تونس وخصوصاً في مصر".
 
فضلاً عن ذلك، يُعَدّ احترام أهمية الدين في المنابر الإعلامية أمرا مفروغاً منه في المجتمع الليبي المحافظ. فقد كان ارتداء الحجاب طبيعياً بالنسبة إلى النساء في عهد القذافي، ولايزال من النادر رؤية نساء غير محجّبات في ليبيا. وأصبحت البرامج الدينية، التي كانت مسموحة في ظل النظام السابق، شائعة في الإعلام المرئي والمسموع ولاسيّما المحطات الإذاعية. وباستثناء عدد قليل من وسائل الإعلام ذات الانتماءات السلفية الصريحة، توفّر هذه البرامج محتوًى دينياً معتدلاً.
 
مع ذلك، تفرض السلطة المتزايدة للميليشيات ذات الأجندات الإسلامية المتطرّفة، بصورة تدريجية قانوناً اجتماعياً صارماً يمارس فيه الإعلام رقابة ذاتية. ولذا، يتردّد الصحافيون في تغطية الموضوعات المتعلقة بهذه الجماعات، وخصوصاً في الإبلاغ عن انتهاكاتها. والواقع أنه كان بإمكان الصحافيين، لفترة وجيزة، تناول موضوعات مثيرة للجدل مثل التعذيب في السجون في فترة مابعد القذافي. بيد أنهم فقدوا حماسهم لهذا النوع من التحقيق الاستقصائي، بعد التهديدات المتكرّرة ضد الطواقم الإعلامية. على سبيل المثال، بعد أن نشرت صحيفة ليبيا الجديدة رسماً كاريكاتورياً يسخر من تنامي قوة الجماعات المسلحة المتطرّفة، قام رجل مجهول ذو لحية طويلة بتسليم رسالة تهديد باليد إلى رئيس تحرير الصحيفة من دون أن ينبس ببنت شفة. 47
 
وإذا كانت مثل هذه التغطية محفوفة بالمخاطر بالنسبة إلى وسائل الإعلام الوطنية في طرابلس، فإن الضغوط التي تمارسها هذه المجموعات على وسائل الإعلام المناطقية شديدة، وخصوصاً في الأماكن التي حلّت سلطتها محل سلطة الدولة. في بعض المناطق، تتدخّل الميليشيات في حرية الإعلام إلى حدّ التدخّل في مضمون البرامج. فعلى سبيل المثال، أثار تصريح ورد أخيراً في برنامج حواري عن مكانة حجاب المرأة في الإسلام، ردَّ فعلٍ غاضباً تجاوز البرنامج نفسه. وقد نشر المجلس الأعلى لثوار ليبيا دعوة على صفحة الفايسبوك الخاصة به للقيام بتظاهرة في بنغازي ضد محامية قالت إن الحجاب ليس واجباً في الإسلام. 48
 
تختصر مدينة درنه في شرق ليبيا معاناة الإعلام المحلي الذي يعمل في ظل هيمنة الجماعات المسلحة.49  ففي هذه المدينة الساحلية التي ينعدم فيها القانون، تفرض الجماعات الجهادية القريبة من فكر تنظيم القاعدة سلوكاً اجتماعياً صارماً، وتتدخّل في الأنشطة الإعلامية على نطاق واسع، مع أن مستوى هذا التدخّل ونتائجه تبدو مختلفة. يقول فتحي المريمي، الذي يعمل لحساب صحيفة المختار الأسبوعية: "كنا قادرين على إجراء مقابلات مع قادة هذه الجماعات، وطرحنا عليهم أسئلة تتّسم بالشجاعة، مع أننا نعيش في مدينة ينعدم فيها أمن الدولة انعداماً مطلقاً". ويقدّم صحافي آخر، تحدّث بسرّيةٍ، صورةً أكثر قتامةً، إذ يقول: "كانت وسائل الإعلام في المنطقة قادرةً في البداية على الحديث عن الحريات والديمقراطية فضلاً عن الفنون والثقافة. الوضع مختلف تماماً الآن. فهذه الجماعات [الجهادية] تتدخّل في وسائل الإعلام، وتحظّر الموسيقى والأغاني، وكذلك عمل الصحافيين الذكور والإناث معاً داخل صالات التحرير. وأخيراً، جرى الضغط على معظم وسائل الإعلام الموجودة هنا لوقف أنشطتها".
 
يرى هذا الصحافي، الذي يعيش في درنه، أن التدخّل يشمل تحديد شكل البرامج مثل فرض داعية أنثى في برنامج إذاعي كي تحثّ النساء على ارتداء الحجاب الكامل. وحتى لو كانت الحياة اليومية تبدو طبيعية، تبقى تغطية انتهاكات هذه المجموعات أمراً مستحيلاً. وتُنشَر على صفحة في موقع فايسبوك باسم "مركز معلومات درنه"، وتحت شعار "درنه الجهادية"، تهديدات ضد وسائل الإعلام وغيرها من مؤسّسات الدولة، وهي تسخر من سلطة الدولة بالإشارة إلى هذه المؤسّسات على أنها "كافرة". وقد أعلنت الجماعة على هذه الصفحة عن شنّ هجوم ضد قناة ليبيا أولاً في طرابلس، واصفةً ذلك بأنه "الإنذار الأول" ردّاً على "تشويه صورة المجاهدين".50  وفي اليوم نفسه، تحدثّت وسائل الإعلام المحلية عن هجوم ضد مكاتب المحطة التلفزيونية.
 
نُظِّمَت تظاهرات عدة تنديداً بهيمنة هذه الجماعات المتطرّفة وتحدّيها المستمر لمؤسّسات الدولة. فخرج آلاف الليبيين إلى الشوارع بعد مقتل السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز في هجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي، في أيلول/سبتمبر 2012. وانتهت التظاهرة باشتباكات دامية مع ميليشيا أنصار الشريعة، الجماعة التي يُقال إنها مسؤولة عن مقتل ستيفنز. ووقعت احتجاجات مماثلة في مدينة درنه، حيث نظّم النشطاء والسكان اعتصاماً دعوا فيه القبائل إلى وضع حدّ لـ"دولة الإرهاب" التي أنشأتها الميليشيات.51  ومع أن المتظاهرين عمدوا إلى طرد هذه الجماعات، إلا أنها عادت الآن إلى العمل.

تحوّل متعثّر من الأنماط الإخبارية الجاهزة إلى الاحتراف

مع أن صناعة الإعلام في مرحلة مابعد القذافي شهدت تغييراً جذرياً، إلا أن التحوّل السريع من نظام إعلامي مراقب إلى نظام منفتح ترك الصحافيين في حالة من الارتباك. هذه التطورات جعلت الإعلاميين يتساءلون عما يعنيه أن يكون المرء صحافياً، وكيف يمكن له أن يعمل من دون مبادئ توجيهية وحدود واضحة، وماذا يعني أن يكون المرء مهنياً.
 
في ظل نظام القذافي، كان كل الإنتاج الإعلامي – السياسي أو غير السياسي، والمرئي والمسموع أو المطبوع – مرتبطاً بالأجندة الوطنية والإقليمية والدولية للحكومة. فكانت كل القصص، حتى الموضوعات الثقافية، تبدأ عادة بمقدّمات مطوّلة تشيد بإنجازات النظام. وبعد سنوات من تطبيق هذه الصيغ الجاهزة، يواجه الصحافيون الليبيون تحدّياً أساسياً يتمثّل في معرفة ماهو "الخبر" بالضبط.
 
يمكن لمحترفي الإعلام في ليبيا مابعد القذافي تجربة العديد من الأنواع الصحافية، بما في ذلك التحقيقات الصحافية وكتابة المقالات. ووفقاً للصحافيين، إن المجال الصحافي الاكثر جاذبية هو التقارير السياسية. ومع ذلك، لاتزال التغطية السياسية إشكالية. وقد تكون تجربة وكالة الأنباء الليبية (لانا)، التي كانت تسمّى سابقاً (جانا) أفضل مثال على ذلك. 52 فعلى مدى عقود، كانت (جانا) الناقل الرسمي لرسائل النظام. وبعد أن تم تغيير اسمها إلى (لانا)، أثبتت تحويل الوكالة القديمة إلى مزوّد للأخبار أنه عملية شائكة. 53
 
كان على صحافيي الوكالة الانتقال من كتابة التقارير المطوّلة وغير الإخبارية إلى نمط إخباري تُعرَض فيه العناصر الرئيسة للخبر عرضاً واضحاً. بيد أن الوكالة لاتزال بعيدة عن تحقيق هذا الهدف. ويتحدّث بشير زغبية، الذي اختارته الحكومة الانتقالية لرئاسة لجنة لادارة وكالة الأنباء الليبية، عن هذه العملية الشاقة قائلاً: "قلنا للموظفين إنه ينبغي أن يكون لكلّ خبر مصدر محدّد، وإنه ينبغي تسجيل أي بيان. تمثّلت معركتنا الكبرى في استعادة ثقة المصادر بنا واحترامها لنا كوكالة مهنية تقدّم أخباراً دقيقة وموضوعية".
بدأت الوكالة عملية إعادة التأهيل من خلال تدريب المراسلين المحليين في مختلف المناطق، كي يتمكّنوا من تقديم الخبر المحلي لجمهور دولي بصورة أفضل. لكن المهمة هذه لم تكن سهلة نظراً إلى عدد المراسلين المحدود (تضمّ الوكالة 30 صحافياً بالمقارنة مع 240 من الموظفين الإداريين)، ومهاراتهم الضعيفة في كتابة التقارير. ووفقاً لعبد الباسط أبو دية، رئيس قسم الأخبار في وكالة الأنباء الليبية، "كان التحدّي الأول قتل عامل الخوف في قلوب الصحافيين. قلنا لهم إن في وسعهم أن ينشروا قصة إخبارية، وإذا أخطأوا فلا بأس في ذلك، لأنها يمكن أن تصحّح... لاتوجد خطوط حمراء، باستثناء وحدة ليبيا وسلامة أراضيها. بإمكان المحرر أن ينشر القصة من دون إذن رئيس التحرير. أما في السابق، فكانت حتى القصة البسيطة تحتاج إلى موافقة".
 
على الرغم من هذه الجهود، يوضح زغبية أن الصحافيين يلجأون في بعض الأحيان إلى استخدام النمط القديم: "من الصعب للغاية على الصحافيين أن يتحرّروا من الممارسات التي تعلّموها وطبّقوها لسنوات في التغطية الإخبارية. في الذكرى السنوية الأولى للثورة، استخدموا أسلوب التمجيد نفسه الذي كان يطبّق في تغطية مناسبات ثورة النظام. لقد استبدلوا عبارة "ثورة الفاتح من سبتمبر" (القذافي) بعبارة "ثورة فبراير"".
 

البرامج الحوارية تتعرّض إلى الهجوم

ازدهرت البرامج الحوارية في ليبيا مابعد ثورة باعتبارها ممارسة غير مسبوقة للنقاش العام.
 
في الماضي، كانت هذه البرامج أيضاً تخضع إلى سيطرة النظام. وأثناء الثورة وفي أوائل المرحلة الانتقالية، هدفت هذه البرامج إلى التشجيع على الانشقاق عن النظام السابق. كانت زينب الزايدي، وهي مقدمة برامج في الإعلام الرسمي القديم، واحدة ممَّن حملوا رسالة الثوار. تقول الزايدي: "كانت مهمتي جعل الليبيين يبكون. أنا نفسي كنت أبكي عندما أتحدث عن فظائع النظام. كان ذلك أمراً مهماً لتحرير الليبيين من الخوف". 54
 
أما في ليبيا بعد الثورة، التي تعجّ بالتوترّات القبلية والصراعات السياسية وتزايد سلطة الجماعات المسلحة، فباتت مناقشة السياسة في المجال العام ممارسة خطيرة. ولذلك، أصبح محتوى البرامج الحوارية أكثر رتابة إلى حدّ ما.
 
هناك نقص في الفقرات الإخبارية في معظم قنوات الإعلام المرئي والمسموع، ولذلك قدّمت هذه البرامج نشرات إخبارية من مناطق مختلفة من البلاد. إلا أن مقدّمي هذه البرامج الحوارية عديمي الخبرة وضيوفهم يجعلون هذه البرامج بعيدةً عن الاحتراف. فمعظم هؤلاء المقدّمين لم يتلقَّ تدريباً إعلامياً، وضيوفهم يأتون عادةً من الساحة السياسية الجديدة.
 
يتيح الشكل العام للبرنامج الحواري مشاركةً غير مسبوقة من جانب الجمهور. ويقدّم العديد من البرامج مواضيع مثيرة للجدل، وتمنح جمهورها فرصة الاتصال الهاتفي. وينقل بعض هذه البرامج الحوارية تقارير من الشارع، حيث يُطلَب من أشخاص يُختارون عشوائياً أن يعبّروا عن آرائهم حول آخر التطورات السياسية. لكن في بعض الأحيان، ينحدر هذا التعبير المرتجل عن الرأي ليتحوّل إلى شتائم وافتراء وتشهير.
 
لهذه الحرية حدودها أيضاً. يقول مضيف البرنامج الحواري الرئيس في قناة العاصمة التلفزيونية، محمود الشركسي، أنه من المستحيل بكل بساطة استضافة أصوات متنافسة على المنبر نفسه. فمعظم ضيوفه يرفضون المشاركة جنباً إلى جنب مع منافسيهم. ومع أن الشركسي تناول مواضيع حساسة مثل سلطة الميليشيات المتطرّفة، إلا أن التهديدات المستمرة دفعته إلى أن يصبح أقل انتقاداً. فقد أسرّ قائلاً: "أرسلوا إليّ تهديدات غير مباشرة تذكّرني بأن لدي عائلة وأطفالاً. لست خائفاً منهم، ولكنني أصبحت أكثر حكمة وأقل حماسة. أنا الآن أحصي المخاطر وأحدّ من نطاقها".
 
ويروي محمد كمال بزازة، وهو طالب جامعي أصبح مقدم برنامج حواري في قناة ليبيا الحرة، تفاصيل الأخطار المترتّبة عن مناقشة السياسة خلال الفترة الانتقالية المعقّدة: "لبعض الجماعات المسلحة ثقافة القذافي نفسها. وأنا حريص في استخدام المصطلحات. على سبيل المثال، غالباً ما أستخدم مصطلح "كتائب الثورة" بدلاً من الميليشيات، فمصطلح "الميليشيات" غير مقبول من جمهورنا. كما أني أتأكد من عدم ربط الأخبار بي. أنا فقط أذيع الخبر وأترك التعليق للضيف".
 
في المقابل، يقول مقدم البرامج في إذاعة "بنغازي أف أم"، أحمد مقصبي، إن "الصداقة" مع قادة الميليشيات توفّر له بعض الحماية. ويصف المقصبي، الذي عمل في ظل النظام السابق وانشقّ في الأيام الأولى للثورة، هذا الوضع بالقول: "استضفت أحد زعماء الكتائب المسلحة الذي وضع مسدسه على الطاولة بيننا. لم أكن خائفاً. ومع أنه صارم جداً، إلا أن قدراً من الصداقة يجمعنا. هم يثقون بي بسبب موقفي ضد النظام. وهذا لايؤثّر على النقاش نفسه، إذ إني أؤيّد الكتائب عندما تقوم بأشياء جيدة، ولكن يمكن أن أنتقد المسائل المتعلقة بانتشار الأسلحة وانعدام الأمن".

نحو إعلام حرّ

حاولت الحكومة الانتقالية الليبية إرساء قطيعة تامة مع الماضي، في إطار سعيها إلى إعادة هيكلة قطاع الإعلام في البلاد. لكن على الرغم من إحراز بعض التقدم في مجال الابتعاد عن الممارسات الراسخة لنظام القذافي، قد يكون وجودُ صناعة إعلامية غير منحازة وحرّة ضرباً من الوهم اليوم.
فقد جلبت إدارة المرحلة الانتقالية لوسائل الإعلام مشكلات إضافية، الأمر الذي يضاعف التركة السيئة التي خلّفها النظام السابق. فعملية إعادة الهيكلة المتقلّبة كانت غير واضحة وتفتقر إلى الرؤية طويلة الأمد. هذا وتفتقر قنوات الإعلام الرسمية الجديدة التي أعيد تشكيلها، إلى نماذج التمويل الشفافة ومعايير التشغيل المستدامة. أما قطاع الإعلام الخاص الذي ازدهر في الآونة الأخيرة، فيتّسم بالفوضى.
 
أدّى الصراع من أجل السيطرة على الإعلام الرسمي، إلى وضع هذا القطاع في حالة من الاضطراب. فقد اعتُبِرَت التدابير الصارمة التي اتّخذتها الهيئات الانتقالية في مايتعلق بالإعلام الرسمي السابق، بمثابة عقاب لهذا القطاع. وتشكّل عزلة الإعلام الليبي لعقود طويلة عن الأسواق العربية والدولية، تحدّياً خاصاً لعملية إعادة بناء هذا القطاع، وخصوصاً عند مقارنته بالإعلام الانتقالي في كلٍّ من مصر وتونس.
 
يتطلّب إصلاح الإعلام في ليبيا حلولاً خاصة به تعالج الاحتياجات المحلية. وهناك حاجة ماسّة لإنشاء هيئة متخصّصة يتم منحها سلطة تنفيذية بحيث تتولّى المسؤولية عن إعادة تنظيم الإعلام الرسمي السابق وصياغة قوانين للقطاع الخاص. كما أن إعادة إدماج موظفي الإعلام الرسمي السابق أمر بالغ الأهمية، خصوصاً في ظل النقص الحادّ في المهارات والقيادة داخل الإعلام الوطني.
 
كما ترتبط عملية إعادة بناء الإعلام بقوة بإعادة البناء السياسي في ليبيا مابعد القذافي. فعملية الانتقال السياسي تسير ببطء وتعثُّر، فيما تؤثر التوتّرات القبليّة في الثقافة الإعلامية. ويعتبر الإعلام المستقل الركيزة الأساسية في بناء الدولة. لكن صناعة الإعلام الناشئة في ليبيا لاتزال تبحث عن دورها في مناخ سياسي معقّد. وبينما أصبح الإعلام الليبي الجديد في النهاية قادراً على مساءلة الساسة، تعيق أوجه القصور الهيكلية قدرتَه على العمل كمحفّز لعملية التحوّل الديمقراطي. والواقع أن قيام إعلام مهني وقوي سيساهم في إعادة بناء ليبيا وترسيخ المصالحة الوطنية الهشّة في مرحلة مابعد القذافي.
 
إن الصحافيين الليبيين ليسوا أحراراً اليوم. فمع أن سقوط نظام القذافي حرّرهم من الدور الذي اضطّلعوا به بصفتهم ناشرين للدعاية الرسمية، إلا أن الخطوط الحمراء الخفيّة – مثل الميليشيات والدين – دفعت بهم إلى فرض رقابة على أنفسهم بحجّة الحفاظ على أمنهم الشخصي.
 
مرة أخرى، تعبّر شهادة محمد الصغير عن هذه المحنة. فقد اعتقل الصغير وتعرّض إلى التعذيب بعد أن عبّر عن معارضته لنظام القذافي على قناة الجزيرة أثناء الثورة. وبعد أن تحرّرت ليبيا، ظنّ الصغير أنه أصبح قادراً على مزاولة عمله بلا خوف. ومع ذلك، اعتقله متمرّدون سابقون بسبب تغطيته موضوعات مثيرة للجدل. ويقول الصغير متحسّراً: "في السابق كان لدينا قذافي واحد، أما اليوم فلدينا المئات من القذافي".
 
لقد أثبتت الصحافة التقليدية في ليبيا الجديدة أنها مرآة تعكس ماضيها. ولاتزال الرحلة طويلة على درب بناء إعلامٍ مهنيٍّ وغير منحاز.
 

هوامش

1. تستند هذه الدراسة إلى بعض النتائج الرئيسة للمشروع البحثي "الثورات العربية: ثورات الإعلام"Arab Revolutions: Media Revolutions، الذي ينظر في التحولات التي تشهدها وسائل الإعلام العربية خلال العمليات الانتقالية السياسية. يتولّى إدارة المشروع مركز "بوليس" Polis، وهو مركز أبحاث الصحافة والمجتمع في قسم الإعلام والاتصالات في كلية لندن للاقتصاد.
 
2.الكتاب الأخضر (1975)، الذي وضع الفلسفة السياسية للقذافي، متوفر باللغة الإنكليزية على الموقع التالي: 
موقع المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، وهو معهد ليبي مهم، متوفر على العنوان التالي:
 
3. كارولا ريشتر، "وسائل الإعلام والصحافة في ظل حكم القذافي: محطة "الجماهيرية" وغيرها من أدوات التعبئة الثورية والتنمية الوطنية"، موقع "إعادة صياغة المجال العام في ليبيا".
 
4. “Libya Media Assessment,” Internews, May/June 2011,
 
5. أنظر موقع "إعلام ليبيا" Libya Media Wiki:
 
 6. أنظر:
“Libya,” Freedom of the Press 2009, Freedom House, www.freedomhouse.org/report/freedom-press/2009/libya.
 
7. ريشتر، "وسائل الإعلام والصحافة في ظل حكم القذافي".
 
8.  Reporters Without Borders, International Secretariat, “The Birth of ‘Free Media’ in Eastern Libya,” report directed by ServaneViguier in Benghazi and Tobruk, April 2011.
 
9. “Special Report: How Gaddafi Scion Went From Reformer to Reactionary”, Reuters, April 11, 2012, www.reuters.com/article/2012/04/11/us-libya-saif-idUSBRE83A0DL20120411.
 
10. سيف الإسلام القذافي، خطاب ألق في الاجتمعا الثاني لشباب بنغازي، بنغازي، 20 آب/أغسطس 2007.
 
11. أنظر المقال الصادر على موقع مغاربية حول إطلاق الصحافيين من مشروع الغد ضمن هذه الحملة. جمال عرفاوي، "القذافي يطلق 20 صحافياً وصحافية، مغاربية، 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2010.
 
12. مقابلة مع الكاتبة، طرابلس، تشرين الأول/أكتوبر 2012.
 
13. "هالة مصراتي تحقّق مع الصحافية رنا العقباني المعتقلة في ليبيا".
 
14. أنظر صفحة الجيش الإلكتروني الليبي على موقع فايسبوك:
 
15. أنظر:
“UN Official Deplores NATO Attack on Libyan Television Station,” UN News Centre, August 8, 2011, www.un.org/apps/news/story.asp?NewsID=39255&.
 
16. Taher Zaroog, “The Media Should Be Free of Government Influences,” Reinventing the Public Sphere in Libya website, www.reinventinglibya.org/lnmu.php
 
17.أنظر الموقع الإلكتروني لصحيفة فبراير اليومية:
 
18. مقابلة مع الكاتبة، طرابلس، تشرين الأول/أكتوبر 2013.
 
19. "المرسوم الرقم 44"، موقع "إعلام ليبيا" Libya Media Wiki (ترجمة غير رسمية).
 
20. “Letter Ref: 497/2012,” Libya Media Wiki, http://en.libyamediawiki.com/index.php?title=Letter_Ref:_497/2012
 
21. “Decree Number 62,” Libya Media Wiki, 
 
 
23.George Grant, “Libyan Media to Be Regulated by New Ministry of Information,” Libya Herald, November 26, 2012, www.libyaherald.com/2012/11/26/national-congress-votes-to-create-new-ministry-of-information.
 
24.  أنظر:
“New Media Minister Promises to Defend Freedom of Press,” Libya Herald, February 11, 2013, www.libyaherald.com/2013/02/11/new-media-minister-promises-to-defend-freedom-of-press.
 
25.مقابلة مع الكاتبة، طرابلس، تشرين الأول/أكتوبر 2012. 
 
26. أنظر:
“Private TV,” Libya Media Wiki, http://en.libyamediawiki.com/index.php?title=Private_TV#Libya_Awalan; Kevin Bogardus, “Libyan Oilman Who Promoted Gadhafi Back in the Influence Game,” Hill, December 3, 2012, 
 
27. مقابلة مع الكاتبة، تشرين الأول/أكتوبر 2012. 
 
28. في مايتعلّق بقناة توباكتس، أنظر:
في مايتعلّق بقناة دردنيل، أنظر:
 
 
29.Chris Stephen, “Gaddafi Stronghold Bani Walid Captured by Libya Government Troops: At Least 20 Die in Battle for Desert Town Which Remained Loyal to Late Libyan Dictator,” Guardian, October 24, 2012, www.guardian.co.uk/world/2012/oct/24/bani-walid-captured-by-libya-government.  
 
30. أنظر صفحة "من أجل مليون أمازيغي" على موقع فايسبوك:
 
31. مقابلة مع الكاتبة، طرابلس، تشرين الأول/أكتوبر 2012.
 
32. أنظر صفحة محطة ليبيا الدولية التلفزيونية على موقع فايسبوك:
 
33.  أنظر:
Maggie Michael, “Benghazi Anti-Militia Protest: Libyans March Against Armed Groups After U.S. Embassy Attack,” Huffington Post, September 21, 2012,
www.huffingtonpost.com/2012/09/21/benghazi-anti-militia-protest_n_1903846.html.
34. أنظر:
“Protesters Storm Libyan TV Station Over Gaddafi’s Son’s Capture,” Sapa/Agence France-Presse, October 22, 2012, www.timeslive.co.za/africa/2012/10/22/protesters-storm-libyan-tv-station-over-gaddafi-s-son-s-capture.
 
35. مقابلة مع الكاتبة، بنغازي، تشرين الأول/أكتوبر 2012.
 
36. أنظر تقرير الجزيرة عن "انطلاق قناة ليبيا الأحرار في الدوحة":
 
37.مقابلة مع الكاتبة، طرابلس، تشرين الأول/أكتوبر 2012.
 
38.مقابلة مع الكاتبة، تشرين الأول/أكتوبر 2012.
 
39. أنظر موقع "راديو زون" Radio Zone على شبكة الإنترنت:
 
40.مقابلة مع الكاتبة.
 
41.مقابلة مع الكاتبة، تشرين الأول/أكتوبر 2012.
 
42.مقابلة مع الكاتبة، تشرين الأول/أكتوبر 2012. 
 
43.“UN Welcomes New Government,” Libya Herald, November 1, 2012
, www.libyaherald.com/2012/11/01/un-welcomes-new-government.
 
44.مقابلة مع الكاتبة، طرابلس، تشرين الأول/أكتوبر 2012.
 
45.مقابلة مع الكاتبة، طرابلس، تشرين الأول/أكتوبر 2012.
 
46.أنظر:
“Threats and Violence Against Journalists Reach Alarming Level,” February 5, 2013/updated February 6, 2013, http://en.rsf.org/libya-threats-and-violence-against-05-02-2013,44029.html.
 
47.مقابلة مع الكاتبة، طرابلس، تشرين الأول/أكتوبر 2012.
 
48. أنظر صفحة المجلس الأعلى لثوار ليبيا على موقع فايسبوك:
 
49.أنظر:
Abigail Hauslohner, “After Benghazi Attacks, Islamist Extremists Akin to al-Qaeda Stir Fear in Eastern Libya,” Washington Post, October 26, 2012, http://articles.washingtonpost.com/2012-10-26/world/35500987_1_benghazi-islamist-militias-eastern-libyan-city; Abigail Hauslohner, “With Libya’s Ascendant Islamists: ‘Don’t Get the Wrong Idea,’” Time, March 30, 2012, www.time.com/time/world/article/0,8599,2110520,00.html.
 
50. أنظر صفحة مركز درنه الإعلامي على موقع فايسبوك :
 
51.Michael, “Benghazi Anti-Militia Protest: Libyans March Against Armed Groups After U.S. Embassy Attack.”
 
52. موقع وكالة الأنباء الليبية على شبك الإنترنت:
 
53.“News Agencies,” Libyan Media Wiki, http://en.libyamediawiki.com/index.php?title=News_Agencies.
 
54.مقابلة مع الكاتبة، طرابلس، تشرين الأول/أكتوبر 2012.