تواجه البلدان العربية، سواء تلك التي شهدت تحوّلات سياسة مثل تونس ومصر، أو تلك التي تعمل على تكييف اقتصادها لاستيعاب المطالب الاجتماعية الداخلية وتداعيات الظرفية الاقتصادية العالمية، تحدّيَ الانتقال إلى اقتصادٍ متنوّع وتنافسي يحقّق نمواً كافياً لإيجاد فرص التوظيف اللائق لقوة عاملة شابة على مقدارٍ متزايد من التعليم. وتُطرَح في هذه البلدان تساؤلات حول منظومة النمو الاقتصادي التي ينبغي اتّباعها، وعن مدى قدرة القطاع الخاص على الاضطلاع بدور المحرّك الأساسي للنمو الاقتصادي، وعن الدور المنوط بالقطاع الحكومي في الإنتاج والتوزيع، إضافة إلى مسؤوليته التقليدية في تقديم الخدمات الأساسية.

وثمة تشكيك في قدرة القطاع الخاص على رفع تحديات النمو، وتنويع بنيات الإنتاج والتوظيف، في جلّ بلدان المنطقة لسببَين أساسيَّين. أولاً، لم تفِ تجربة الانتقال نحو اقتصاد يقوم على القطاع الخاص خلال العقود الأخيرة في الدول العربية، بوعدها وأدّت إلى رفع مستويات البطالة والتهميش وتوسيع الهوة بين الأغنياء والفقراء. ثانياً، أدّت الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية وما صاحبها من أصوات تنادي بإعادة النظر في النظام الرأسمالي، إلى نوعٍ من الارتباك في الخطاب الاقتصادي على المستوى الدولي، وزادت من منسوب التشكيك داخل البلدان العربية.
 
للمساهمة في هذا النقاش الحيوي الذي تشهده الدول العربية في هذه الفترة الدقيقة، من الضروري التأكيد على أربع قضايا:
 
الحسن عاشي
الحسن عاشي خبير اقتصادي في التنمية والاقتصاديات المؤسسية، والتجارة والعمل، تتركّز أبحاثه على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
More >
أولاً، إن المنظومة الاقتصادية التي عرفتها دول عربية كثيرة خلال العقود الأخيرة، لم تَقُم على الانفتاح على القطاع الخاص والمبادرة الحرة لأصحاب المشاريع، بل كانت استمراراً لاقتصاد الريع الذي تستفيد في إطاره أقلية من رجال الأعمال من المزايا والهبات في مقابل دعمها للنخب السياسة الحاكمة. وتمكّنت أعداد محدودة من كبار رجال الأعمال من تجميع ثروات هائلة من خلال عمليات وضع الممتلكات العامة تحت غطاء سياسة التخصيص، والاستحواذ على الصفقات التجارية مع الدوائر الحكومية. ويبدو أن جزءاً مهمّاً من الخلل الذي ميّز الفترة السابقة لا يكمن في السياسات التي تعلنها الدوائر الرسمية، بل في طرق تنفيذها التي غالباً ما تتّسم بالانتقائية والتعسف وانعدام الشفافية. فمثلاً، أشاد البنك الدولي بالتحسّن الباهر الذي عرفته التشريعات والقواعد المُنظِّمة للأعمال في مصر مباشرةً قبل قيام الثورة.
 
ثانياً، إن تبنّي نموذج يعتمد على القطاع الخاص كمحرّك أساسي للنمو لا يؤدي إلى إضعاف القطاع الحكومي. وتحتاج المؤسسات الحكومية مثل إدارة الجمارك، ومصالح تحصيل الضرائب، والهيئات المسؤولة عن الاستثمار، جهازاً لحماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، وإلى محاكم تجارية تقوم على تنفيذ سياسات تحفز القطاع الخاص استناداً إلى الصدقية والصرامة والاتساق، حتى تدعم ثقة المستثمرين لجهة الالتزام بالتشريعات والقواعد في شكل عادل وشفاف. وتشير التجارب الدولية إلى أن إيجاد بيئة أعمال تخلو من الغموض في تنفيذ القواعد، ومن الإجراءات التمييزية المجحفة، يحرّر المبادرة ويطلق العنان للاستثمار والابتكار وتحسين الإنتاجية، خصوصاً لدى أصحاب المشاريع المتوسطة والصغيرة الذين يشكّلون العمود الفقري في الاقتصادات الصاعدة.
 
ثالثاً، إن دور القطاع الحكومي يبقى أساسياً جداً في تقديم الخدمات الأساسية، وضمان الحدّ الأدنى من الحماية الاجتماعية. وتُعَدّ معدلات الإنفاق الحكومي في الدول العربية من بين المعدلات الأكثر ارتفاعاً في العالم، إلا أنها تعاني تمركزاً شديداً حول أجور الموظفين وإعانات الاستهلاك، وضعف استهداف للفئات الأكثر حاجة إلى المساعدة. وتحتاج الحكومات العربية إلى مراعاة مبادئ الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية في توجيه إنفاقها.
 
رابعاً، في ظلّ الأنظمة الاستبدادية التي عرفتها دول عربية، تسكِت الحكومات الأصوات التي تطالب بتغيير الوضع القائم، بما فيها الأصوات المُدافِعة عن أصحاب المشاريع الصغيرة والمتناهية في الصغر. ويحتاج الانتقال من اقتصاد يقوم على توزيع المزايا في مقابل الدعم السياسي، إلى اقتصادٍ يعتمد على قطاع خاص مُنتِج وتنافسي، إلى إصلاحات سياسية تضمن مساحة كافية لفئات القطاع الخاص والمجتمع المدني كلها للتعبير عن مصالحها، والتأثير في سياسات الحكومة، وتوجد سبل مساءلتها ومحاسبتها.
 
تشير التجارب الناجحة إلى وجود شروط كثيرة لتحقيق نمو مرتفع يقوده القطاع الخاص، إلا أن حالات الفشل التي عرفتها دول أخرى تؤكّد عدم وجود وصفة مثالية جاهزة للاستعمال. وتفيد أيضاً بأن الإصلاحات السياسية، التي تُغيِّر من نمط العلاقة بين صانعي السياسات والمستثمرين، وتدعم الوظائف الرقابية للدولة، وتقدّم قنوات للحوار والتواصل مع القطاع الخاص، تساهم في بناء الثقة لدى المستثمرين وغالباً ما تكون حاسمة في إطلاق النمو، والدفع قدماً بالإنتاجية والتنويع الاقتصادي، وإيجاد الوظائف المناسبة.
 
تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة