أصدرت المحكمة الدستورية العليا في مصر مؤخراً حكمها على قانون الانتخابات البرلمانية، وقضت بأنّ عدم منح العسكريين حقّ التصويت يتعارض مع الدستور. وكان مجلس الشورى، وهو الهيئة القائمة بأعمال السلطة التشريعية منذ حلّ مجلس الشعب، قد أحال هذا القرار إلى المحكمة كجزء من نظام الرقابة المكلّفة دستورياً. كما ألغت المحكمة العليا مواد أخرى في قانون الانتخابات البرلمانية، تتعارض مع نظام تقسيم الدوائر الانتخابية وغياب حظر على الدعاية الدينية خلال الحملات الانتخابية. بيد أن قرار المحكمة العسكري هو الأمر الأكثر إشكالية.

في النظام الديمقراطي، يُسمَح للعسكريين بالتصويت في الانتخابات، ولكن إما يتم منعهم أو زجرهم عن أن يكونوا أعضاء في الأحزاب السياسية. وهذا هو الحال في العديد من البلدان في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، يمكن أن يكون الخط الفاصل بين التصويت ودعم الأحزاب ضبابياً جداً في الدول العربية، ولاسيما تلك التي تمرّ في مرحلة انتقالية ديمقراطية.
 
ومع أن حكم المحكمة الدستورية العليا صدر وفقاً للمبادئ الديمقراطية، لايجوز منح العسكريين حقّ التصويت إلى أن تنتهي المرحلة الانتقالية في البلاد. فالتعقيدات والتحديات التي تصاحب عملية التحوّل الديمقراطي في مصر تستلزم مثل هذا المسار.

ردود فعل متباينة

يمكن تقسيم ردود الفعل على حكم المحكمة إلى مجموعتين. ترى إحدى وجهتي النظر، والتي يعبّر عنها بشكل بارز محمد البرادعي، الشخصية المعارضة المدنية الشهيرة وزعيم حزب الدستور، أن الحكم يشكّل موقفاً مبدئياً من أجل الحقوق الديمقراطية. كما يرى البرادعي، ومَن يتبنّون رأيه، أن قرار المحكمة الذي يسمح للعسكريين بالتصويت يتوافق مع ممارسات الأنظمة الديمقراطية.
 
أما وجهة النظر الأخرى، فترى أن الحكم إيجابي أو سلبي اعتماداً على كيف يُنتظَر من أفراد الجيش أن يصوّتوا في الانتخابات.
 
يعتقد البعض أن الغالبية العظمى من أفراد الشرطة والجيش سيختارون مرشحين مدنيين بدلاً من مرشحين أقوياء، وبناءً على ذلك دعموا قرار المحكمة.
 
في المقابل، يعارض جميع القادة الإسلاميين والأحزاب الإسلامية تقريباً فكرة السماح للعسكريين بالتصويت. وتعارض جماعة الإخوان المسلمين والأحزاب الإسلامية المتحالفة معها قرار المحكمة لاعتقادهما أن أفراد الشرطة والجيش سيصوّتون ضدهما. وبالتالي اعتمد قرارهما برفض الحكم بشكل كبير على حسابات سياسية قصيرة الأجل.
 
لكن من الواضح أيضاً أن ثمة أسباباً أعمق لمعارضة مثل هذه الخطوة.

الجيش أساسي للتحوّل الديمقراطي

ليس حكمُ المحكمة تطوراً جديداً تماماً لمصر، ومع ذلك، المخاطر المترتبة على القرار الحالي حقيقية، نظراً إلى الحالة غير المستقرّة للتحوّل الديمقراطي في البلاد.
 
تمتّع أفراد الجيش في مصر بحقّ التصويت قبل ثورة العام 1952 وخلال فترة حكم جمال عبد الناصر، عندما اخترقت التنظيمات اليسارية والليبرالية والإسلامية، ومنها جماعة الاخوان المسلمين، الجيش. آنذاك، لم يكن هناك معارضة سياسية كبيرة تستحقّ الذكر، وكانت البلاد موحّدة تحت قيادة عبد الناصر. وكان في وسع أفراد الجيش الإدلاء بأصواتهم حتى أوائل سبعينيات القرن المنصرم، عندما أُلغي هذا الحق في دستور العام 1971.
 
خلافاً لغالبية الجيوش الأوروبية خلال القرن الماضي، اخترقت التنظيمات السياسية الجيوش في العالم العربي، كما كان حال الجيش المصري قبل ثورة العام 1952. وقد حدا هذا بالدول العربية إلى التركيز على بناء جيوش مهنية قوية موالية للدولة بدلاً من النظام، وعلى إلغاء التنظيمات السياسية داخل المؤسسة العسكرية. كان هذا هدفاً أساسياً للدولة المصرية الحديثة، وقد نجح عبد الناصر في تحقيقه وأعاد هيكلة الجيش على أُسُس مهنية سليمة. ساهمت هذه الجهود في النجاحات العسكرية التي حقّقتها مصر ضد إسرائيل في تشرين الأول/أكتوبر 1973، والتي لايزال صداها يتردّد إلى اليوم. 
 
وهكذا، بدأت مصر عملية التحوّل الديمقراطي وهي تمتلك جيشاً وطنياً. وعلى النقيض من ذلك، لم تقم سورية وليبيا وبلدان أفريقية أخرى بمثل هذه الخطوة، بل واجهت الانتفاضات التي حدثت فيها بجيوش قبلية وطائفية وإيديولوجية موالية للنظام الذي تعرّض إلى انتقادات شديدة، لا للدولة عموماً. ونتيجة لذلك، أضعفت الثورات تلك الجيوش أو تسبّبت بانهيارها، ودفعت الدول ثمناً باهظاً تمثّل في مقتل مئات الآلاف من مواطنيها.
يبقى الجيش المصري استثناءً في كل ذلك. والحفاظ على قوة الجيش وتماسكه أمر ضروري لتحقيق انتقال ديمقراطي ناجح، فللجيش دور خاص يضطّلع به في هذه المرحلة. في مصر، يدافع الجيش عن الدولة لا في مواجهة التهديدات الخارجية وحسب، بل في مواجهة النزاعات الداخلية أيضاً، مثل انهيار العملية السياسية بسبب فشل السلطات، وربما أيضاً في مواجهة المعارضة.
 
في ضوء التحدّيات الحالية، من الطبيعي أن يُضمِر المشرّعون شعوراً مفرطاً بالخوف لرؤية الجيش وهو يعاني من أي ضعف أو انقسام محتمل. ومن الطبيعي أيضاً أن يعبّروا عن هذه المخاوف وهم يعكفون على صياغة الأطر الدستورية والقانونية التي تنظّم المرحلة الانتقالية.
 
هناك العديد من الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار أثناء الفترات الانتقالية. كما أن عملية التحوّل الديمقراطي وقواعد النظام الديمقراطي الناتج عنها ليست ثابتة، ولذا يتعيّن على كل مجتمع إجراء استثناءات وانتهاج مقاربات مختلفة لإقامة نظام ديمقراطي. وهذا الأمر ينطبق على مصر ومسألة ما إذا كان ينبغي منح حقّ التصويت لأفراد المؤسسة العسكرية.

مزالق الاستقطاب

لايعني ما اقترحته المحكمة الدستورية السماحَ للعسكريين بالانضمام إلى الأحزاب أو الانخراط في النشاط السياسي، بل السماح لهم بممارسة حقّهم في التصويت كمواطنين في البلاد. ومع ذلك، عندما يُسمَح للجنود والضباط بالتصويت، يبدأون بإظهار ولاء فردي لحزب أو توجّه سياسي.
 
ويبدو هذا أمراً طبيعياً في ظل نظام ديمقراطي مستقرّ عندما لاتكون الانقسامات بين الأحزاب المختلفة جوهرية، كما في حالة الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة. لكن الحال تختلف في مصر، إذ أن البعض يصف الحزب الحاكم بأنه "احتلال الإخوان المسلمين" فيما يصنّف الآخرين في المعارضة على أنهم "عملاء مأجورون وخونة." وهذا المناخ من الاستقطاب يؤثّر تأثيراً كبيراً على الجيش.
 
والمدهش في الأمر أن بعض الناس ينسَون أن قوة الجيش تكمن في حياده التام تجاه الأحزاب السياسية كافة. تصرّ بعض الجماعات اليوم على اعتبار الجيش متحالفاً مع حزب سياسي، بيد أن في ذلك تجاهلاً لحقيقة أن الانتفاضة نجحت لأن الجيش تخلّى عن الرئيس المصري آنذاك حسني مبارك، ورفض إرث اختراقه من جانب مختلف القوى السياسية قبل العام 1952.
 
ما الذي كان ليحدث في مصر في شباط/فبراير 2011 لو كانت الأحزاب السياسية تسيطر على الجيش، وتنقسم مابين أحزاب موالية لمبارك، وأخرى موالية للإخوان المسلمين، وعناصر موالية للمدنيين؟ كانت هذه الجماعات لتنقلب ضد بعضها بعضاً، كما فعلت الفصائل في البلدان المجاورة، وكان يمكن أن تصبح مصر أشبه بالصومال.

ضرورة التمهُّل

إن المخاطر الناجمة عن التحوّلات الديمقراطية حتمية، وعندما تبرز، ينظر عامة الناس إلى الجيش الوطني، لا الجيش المدين بالفضل لحزب أو لتوجّه سياسي معيّن، على أنه المنقذ.
 
أضِف إلى ذلك أن تجارب التحوّل الديمقراطي، بحكم تعريفها، تتطلّب اتّباع مقاربة تدريجية وتوافقاً سياسياً، لكن هذين العاملين كانا غائبَين عندما أصدرت المحكمة الدستورية حكمها (مع أن ذلك لايعني التشكيك في نوايا المحكمة في تنفيذ القانون ومبادئ الديمقراطية الصحيحة).
 
في الوقت الحاضر، على مصر أن تحرص على إبقاء الجيش خارج إطار أي توجّه أو حزب سياسي معيّن، والتحرك بسرعة كبيرة جداً في مسألة السماح للعسكريين بالتصويت لايساعد على تحقيق هذا الهدف.
 
فضلاً عن ذلك، يتعيّن على الجهات الفاعلة أن تركّز على العمل لإنشاء نظام تنتقل فيه السلطة، وحيث تعتبر جميع الأحزاب والشخصيات السياسية بعضها بعضاً شركاء وطنيين، لا مستبدّين طامحين أو متآمرين ضد الدولة.
 
وسيأتي اليوم الذي يمكن أن يُسمَح فيه لأفراد القوات المسلحة بالتصويت في الانتخابات أسوةً بباقي المواطنين. لكن ينبغي أن تُنجِز مصر أولاً دستوراً قائماً على التوافق – لا دستوراً ينظر إليه قطاع كبير من الشعب المصري على أنه لايخدم إلا الإخوان المسلمين – وتُنشئ نظاماً لاينظر فيه السياسيون بعضهم إلى بعض على أنهم خونة وكفّار.