بعد مرور عام على انتخاب الرئيس محمد مرسي، تعاني مصر شللاً سياسياً وأزمة اقتصادية. كما كشفت الثورة التي أطاحت الرئيس السابق حسني مبارك والشخصيات الرئيسة في نظامه، عن حجم التحدّيات الاجتماعية والسياسية التي تواجه البلاد. وأسفر سوء إدارة الفترة الانتقالية عن مفاقمة هذه التحديات ومنع أول رئيس مدني لمصر من تنفيذ أي إصلاحات سياسية بارزة.

اعتمدت التجارب الديمقراطية الناجحة في بيئات أخرى على عاملَين اثنين محفوفَين بالمخاطر ولكن حاسمَين: الإجماع السياسي على القواعد الدستورية والقانونية التي تنظّم العملية السياسية والحياة السياسية الحزبية، وتنفيذ الإصلاحات في هيئات الدولة ومؤسّساتها. بيد أن مصر فشلت في إرساء أساسٍ قوي للإجماع لتنظيم العملية السياسية. فكان من شأن هذا الأساس أن يساعد في تجنّب حالة الاستقطاب الراهنة في الحياة السياسية المصرية، والتي أوقفت عملية التحوّل الديمقراطي في البلاد.

المعركة حول الدستور والتشريعات الرئيسة

طالبت المجموعات الثورية والعديد من الهيئات المدنية المتحالفة معها بإلغاء دستور العام 1971، بحجّة ضرورة صياغة دستور جديد في ضوء سقوط النظام القديم. غير أن الأحزاب الإسلامية لم تتّخذ مواقف واضحة بشأن هذه المسألة، مع أن الليبراليين هم الذين صاغوا الدستور السابق لا الفقهاء القانونيين الإسلاميين. ومع ذلك، كانت بعض الشخصيات من الجماعات الليبرالية واليسارية هي الأشدّ إلحاحاً في الدعوة إلى إلغاء دستور العام 1971.
 
أجرى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي حكم مصر في الفترة بين سقوط مبارك وانتخاب مرسي، استفتاءً على دستور العام 1971، صوّتت فيه نسبة 77 في المئة من السكان لتعديل ثماني مواد في الدستور القديم بدلاً من إلغائه تماماً. لكن قرار المجلس العسكري بتجاهل هذه النتيجة ورفض الدستور، بعد أن صوّت المصريون لصالح تعديله، فاجأ البلاد. وأعقب المجلس هذه الخطوة بإصدار إعلان دستوري ليكون بمثابة القانون الأساسي للبلاد إلى أن يصبح بالإمكان انتخاب قيادة جديدة وسنّ دستور دائم. لكن الإعلان كان مُخيِّباً للآمال وتسبّب بالمزيد من الارتباك في الساحة السياسية.
 
لم تبدأ البلدان التي سبق أن أرست الديمقراطية بنجاح، مثل بولندا، فتراتها الانتقالية إلا بعد إقرار دستور نهائي. فهي إما عدّلت دساتيرها القديمة وأطلقت المراحل الانتقالية الديمقراطية ضمن ذلك الإطار، وإما توصّلت إلى توافق في الآراء بشأن دستور جديد قبل إجراء الانتخابات. وكان يتعيّن على مصر أن تحذو حذوها، لكنها بدلاً من ذلك قلبت هذه العملية رأساً على عقب.
 
أسفر المسار الذي اتخذته مصر عن انتخاب برلمان (جرى حلّه بعد أربعة أشهر) ورئيس، وذلك قبل تحديد سلطاتهما الدستورية، وقبل أن يتّفق المصريون حول نظام الحكم الذي يجب اعتماده (برلماني أو رئاسي أو مختلط). وقد دلّ هذا الأمر أيضاً على أن الجهود الرامية إلى صياغة دستور جديد بُذِلَت بعد أن وصل الإخوان المسلمون بالفعل إلى السلطة.
 
وقد أُنشِئَت الجمعية التأسيسية بغية صياغة هذا الدستور الجديد. وإذا مانحّينا جانباً مناقشة كيف أُنشِئَت هذه الجمعية، والاتهامات المتبادلة بين الجماعات السياسية المتنافسة، وانسحاب الممثلين العلمانيين والليبراليين وسواهم من غير الإسلاميين من الجمعية، جعلت حقيقة أن الإخوان المسلمين وصلوا الى السلطة قبل إنشاء الجمعية التأسيسية، الكثيرَ من المصريين ينظرون إلى هذه الهيئة على أنها من صنع الحزب الحاكم. وقد ساهم هذا التصوّر في حدوث أزمة ثقة داخل المعارضة، التي شعرت بأنه جرى تهميشها في العملية التي أنتجت الدستور، ونتيجة لذلك، اعتبرت أن الدستور مصمّم خصيصاً لمَن هم في السلطة.

الاستقطاب والإصلاحات المتوقّفة

ازداد الاستقطاب السياسي في مصر منذ أن قرّر الرئيس مرسي في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 كشف النقاب عن إعلان دستوري يحصّن قراراته السياسية من أي طعن قانوني. وقد أدى هذا التصرّف إلى تبنّي المعارضة مفردات جديدة أكثر مناوأةً أدّت إلى تعميق الهوّة بينها وبين النظام. وتشمل هذه المفردات دعوات إلى مواجهة "احتلال" جماعة الإخوان للنظام السياسي وتنفيذ "الخونة الليبراليين" أوامرَ الولايات المتحدة والغرب؛ كما شاعت بعض المصطلحات مثل "كافر". وقد نزلت شريحة كبيرة من الشباب المصري إلى الشارع مرة أخرى للاحتجاج، وأطلقت حركة "تمرّد" التي تعكف على جمع تواقيع على عريضة تطالب بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.
 
لكن على الرغم من حملة التعبئة المتجدّدة من المجموعات المدنية، التي نزلت إلى الشوارع خلال الثورة وفترة حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة، يبقى أن يتبلور بديل سياسي قوي لحكم الإخوان المسلمين. وقد حدا هذا الأمر ببعض المصريين إلى اعتبار الجيش، لا المعارضة المدنية، بديلاً محتملاً لجماعة الإخوان المسلمين. 
 
حالة الاستقطاب الراهنة هي نتاج تصوّرَين اثنين أعاقا محاولات الإصلاح السياسي والمؤسّسي. ينطوي التصوّر الأول، والذي تضمره النخبة السياسية وشرائح واسعة من الناس، على فكرة مفادها أن جماعة الإخوان المسلمين تسعى إلى السيطرة على مؤسّسات الدولة بدلاً من إصلاحها. ويرى التصوّر الثاني، الذي يضمره مَن يسيطرون حالياً على هذه المؤسّسات، أن جهود الإصلاح هي بمثابة انتقام منهم. ولم تتمكّن جماعة الإخوان من إقناع هؤلاء الأفراد بأن عليهم السماح بإجراء عملية الإصلاح المؤسّسي للصالح العام وصالح المؤسّسات نفسها.

سوء إدارة الإصلاحات المؤسّسية للدولة

في أيار/مايو 2013، ضغطت جماعة الإخوان المسلمين وحلفاؤها على أعضاء مجلس الشورى، الذي انتخبه 6 في المئة فقط من الشعب المصري، لمناقشة التشريعات التي تنظّم عمل السلطة القضائية. اقترحت إحدى المواد الجديدة خفض سنّ تقاعد القضاة من سبعين إلى ستّين سنة، وهو ماكان سيؤدّي إلى التقاعد القسري لحوالى 3500 قاضٍ من أصل 13 ألفاً في البلاد. وقد أثارت المادة المذكورة شكوكاً حول محاولات الإخوان تعيين قضاة متعاطفين معهم مكان مَن أُجبِروا على التقاعد.
 
في الوقت نفسه، نظّمت جماعة الإخوان المسلمين احتجاجاً عنيفاً ضد السلطات القضائية أمام المحكمة العليا في وسط القاهرة. دعا الاحتجاج إلى تطهير السلطة القضائية، وطالب بمحاسبة القضاة المسؤولين عن نادي القضاة، وهو الهيئة التي تقوم بدور ممثّل السلطة القضائية في مصر وكثيراً ماتدخل في صراع مع الحكومة التي تقودها جماعة الإخوان، لمعارضتهم السلطة القضائية لسياسات الإخوان.
 
اعتمدت جماعة الإخوان المسلمين، التي فضّلت الخطاب المحافظ عندما كانت في المعارضة، خطاباً أكثر ثورية منذ وصولها إلى السلطة. ويعتمد الحكام الجدد على لغة الشرعية الثورية أداةً ضد الخصوم السياسيين، ووسيلةً للسيطرة على مؤسّسات الدولة، مثل القضاء، من دون إجراء إصلاحات.
 
بدت الاتهامات التي وجّهها الإخوان إلى السلطة القضائية بعد أن أصبح مرسي رئيساً، مثيرة للدهشة، خصوصاً أنها السلطة نفسها التي أشرفت على الانتخابات الرئاسية. وهي أيضاً السلطة نفسها التي حكمت مراراً بإطلاق سراح عدد من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في القضايا التي لفّقها لهم النظام القديم. وقد أحيلت بعض هذه القضايا يومذاك إلى المحاكم العسكرية التي أدانت في نهاية المطاف شخصيات بارزة، مثل عضو جماعة الإخوان ومرشح الإخوان الرئاسي السابق، خيرت الشاطر، في العام 2007.
 
وكان بفضل هذا القضاء أن أُجريَت الانتخابات التشريعية في العام 2005 في ظل ظروف عادلة إلى حدّ ما. وتعرّض القضاة الذين أشرفوا على تلك الانتخابات إلى الشتم من جانب شخصيات النظام، بعد محاولات قام بها حزب مبارك للتلاعب بالجولة الانتخابية الثالثة في تلك السنة. أدّت هذه الأحداث إلى ترديد المصريين هتافهم الشهير "يا قضاة يا قضاة، خلصونا من الطغاة".
 
سمح هذا الإشراف القضائي لجماعة الإخوان بالفوز بـ88 مقعداً في البرلمان في انتخابات العام 2005، ولأحزاب المعارضة الأخرى بحصد 30 مقعداً إضافياً. وماكان للمعارضة أن تحقّق هذه النتائج من دون الإشراف القضائي على الانتخابات. وهذا مايفسّر إلغاء مبارك دور السلطة القضائية الانتخابي في العام 2010، الأمر الذي أدّى إلى واحدة من أكثر الانتخابات تزويراً في تاريخ مصر الحديث. وقد كانت هذه الانتخابات أحد محفّزات الثورة.
 
بعد الانتفاضة، اتفقت جميع الأحزاب على أنه لايمكن إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية حرة ونزيهة إلا بإشراف قضائي كامل. وهكذا، طلب النظام الانتخابي غير التقليدي في مصر بأن يكون هناك إشراف قضائي كامل، وأن تُجرى انتخابات تشريعية على مدى أكثر من شهر (وهي خصوصية يمكن اعتبارها اختراعاً مصرياً في الأساس). ويشهد إجماع المجموعات السياسية على أن إجراء انتخابات نزيهة أمر مستحيل من دون هذا الإشراف القضائي، على ثقة المصريين في كل أطياف النظام السياسي بالسلطة القضائية في البلاد.
 
تبدو دعوة الإخوان إلى تطهير الجهاز القضائي ملائمة للأنظمة البعثية أو الستالينية أكثر منها لمصر، التي تُعَدّ سلطتها القضائية منذ فترة طويلة شبه مستقلة. ويحتاج النظام القضائي إلى إجراء إصلاحات، خصوصاً في إجراءاته المتعلّقة باختيار الأعضاء الجدد والمبادئ التوجيهية للتطوير المهني، بيد أن هذا الأمر لايبرّر التقاعد القسري لآلاف القضاة.
 
ومع ذلك، فشلت مصر في التوصّل إلى توافق في الآراء بشأن القواعد الأساسية التي تنظّم العملية السياسية، وفَشِل مَن هم في السلطة في تنفيذ أي إصلاحات ذات مغزى، سواء في السلطة القضائية أم في أي من مؤسّسات الدولة الأخرى، بما في ذلك الشرطة ووسائل الإعلام والخدمة المدنية. فالأزمة الاقتصادية والسياسية تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، فضلاً عن انعدام الأمن العام، حيث تواجه البلاد مستقبلاً صعباً. ولذا هذا هو المستقبل الذي ينبغي أن يكون نقطة محورية في الحوار والنقاش المقبلَين.