لم يسقط حكم الرئيس مرسي، بعد عام قضاهُ في السلطة، نتيجة سلسلةٍ من الأخطاء السياسية الجسيمة وحسب، بل أيضاً نتيجة رفض الدولة للكيان المُسمّى بجماعة الإخوان المسلمين، الذي ظلّ لما يقرب من 85 عاماً خارج دوائر الحكم، وكانت ترتاب منه مؤسسات الدولة وواجهَته مرات عدة.
 
الواقع أن معضلة حكم الإخوان الرئيسة هي أنهم لم يستوعبوا طبيعة اللحظة التي انتقلوا فيها من المعارضة إلى الحكم، وظلّوا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم ضحية مؤامرات الدولة العميقة والإعلام والقوى الخارجية، ولم ينظروا إلى أداء الجماعة في السلطة وصورتها لدى قطاع واسع من المصريين. 

30 حزيرن/يونيو: انتفاضة شعبية وتدخّلٌ للجيش 

يمكن اعتبار ماجرى في 30 حزيران/يونيو أقلّ من ثورة وأكبر من تظاهرة. فهو أقرب إلى انتفاضة شعبية واسعة طالَت معظم المدن المصرية ولاسيما القاهرة، التي شهدت خروجاً غير مسبوقا لملايين الناس، فاقوا في عددهم المشاركين في ثورة 25 يناير، وخصوصاً في يوم 30 حزيران/يونيو.
 
وقد أصدر الجيش فور اندلاع الاحتجاجات بياناً أمهل فيه جميع الأطراف 48 ساعةً لحلّ مشكلات البلاد. ومع استمرار الاحتجاجات، أعلن الجيش في 3 تموز/يوليو عزل مرسي وطرح خريطة طريق جديدة لحكم البلاد تتمثّل في تعيين رئيس انتقالي (رئيس المحكمة الدستورية العليا)، ووضع دستور جديد، ثم إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية. 
 
والمؤكّد أن الجيش تدخّل بصورة أكبر من جماعة ضغطٍ كما جرى في بعض التجارب، وأقل من انقلاب عسكري خشن. وقد تحرّك بصورة أسرع مما توقّع كثيرون، فلم ينتظر أن تسيل الدماء ويسقط آلاف القتلى حتى يتدخّل ويزيح مرسي عن الحكم.
 
لاشك أن فكرة الانقلاب الناعم تقوم على أن تدخّل الجيش لايكون بغرض الحكم المباشر، وإزاحة مَن في الحكم لصالح قادته، مثلما جرى مع الضباط الأحرار في ثورة يوليو، حين أطاحوا النظام الملكي وأسّسوا بقيادة عبد الناصر النظام الجمهوري الجديد. أما هذه المرة، فأعاد الجيش بتدخّله ترتيب العملية السياسية من دون أن يحكم بشكل مباشر.
 
تجدر الإشارة إلى أن تركيا شهدت انقلاباً ناعماً شهيراً في 1997 ضدّ حكومة الراحل نجم الدين أربكان، مؤسِّس الحركة الإسلامية في تركيا، الذي سبق أن وصفت حزبه (الرفاة) بأنه يمثّل النسخة التركية من جماعة الإخوان المسلمين. آنذاك، ضغط الجيش من خلال مجلس الدفاع الوطني على الأحزاب المتحالفة معه للانسحاب من الحكومة التي كان يقودها أربكان، فسقطت وتم حلّ حزبه وملاحقته قضائياً.
 
ومع أن الحكومة التركية لم تواجَه بتحرّكات شعبية واسعة دفعت الجيش إلى التدخّل، مثلما جرى في مصر في 30 حزيران/يونيو، إلا أنها دخلت في خصومة سافرة مع الدولة والتيارات العلمانية أخافت قطاعاً واسعاً من المجتمع ومؤسسات الدولة، ففشلت بعد عامَين على تولّيها الحكم (1995-1997).
 
الواقع أن بيان الجيش المصري في 4 تموز/يوليو الماضي حسم الأمر بعزل مرسي من الحكم، لكنه بالتأكيد جاء بعد تحرّك شعبي غير مسبوق شهدته البلاد، وبعد حالة رفضٍ واسعةٍ لحكم جماعة الإخوان المسلمين. 
 
لم يكن ماجرى في مصر انقلاباً تقليدياً أو خشناً، ولم يكن ثورةً مكتملةَ الأركان، بل كان خروجاً شعبياً واسعاً توافَق على خريطة طريق بديلة من دون أن يمتلك الأدوات لتنفيذها، وهنا جاء تدخّل الجيش ليقدّم الأداة المطلوبة أو جسر النجاح لهذه الملايين كي تحقّق هدفها وهو التخلّص من حكم الإخوان.

كيف سقط الإخوان؟

معضلتان أساسيّتان ساعدتا على سقوط حكم الإخوان، الأولى تتعلّق بالطريقة التي تعاملَ بها مرسي وجماعته مع الدولة ومؤسساتها، ونظرة المجتمع لهذه الجماعة.
 
والحقيقة أن ما اصطُلِح على تسميته بـ"الدولة العميقة"، والذي يتمثّل أساساً في المؤسسة العسكرية والشرطة والقضاء والخارجية والإعلام وجزء من الجهاز الإداري للدولة (يبلغ تعداده أكثر من 6 ملايين عامل وموظّف)، أدّى دوراً كبيراً في رفض حكم الإخوان والمساهمة في إسقاطه. 
 
المؤكّد أن هذه الدولة كانت مهدّدةً بعد ثورة 25 يناير، التي زلزلت كيانها ولكن لم تستطع أن تقدّم قيادة سياسية قادرة على إصلاحها لا الانتقام منها أو تفكيكها. فقد حلم بعض الثوار بسقوطها من دون أن يقدّموا بديلاً سياسياً ومؤسسياً قادراً على تغيير المعادلات السائدة داخلها أو إصلاحها؛ وسعى إخوان الحكم على الانتقام منها بعد وصولهم إلى السلطة، لكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً.
 
وقد نسي الإخوان طوال عام من حكمهم أنهم جماعة تأتي من خارج الدولة المصرية، التي اعتادت أن تقدّم مَن يحكمون البلاد من عبد الناصر إلى مبارك، وحتى سعد زغلول، قائد ثورة 1919 ضدّ الاحتلال البريطاني، الذي شغل منصب وزير المعارف (التعليم) قبل قيادته للحركة الشعبية. ونسوا أن خبرات النجاح تقول بأن أي قوى أو جماعة راديكالية تأتي من خارج المنظومة السياسية السائدة، لابد أن تتبنّى خطاباً مطمئناً وإصلاحياً لهذه المنظومة السياسة التي صاغت ملامحها في مصر "الدولة العميقة". ويجب ألا تبدو هذه القوى أنها ستسيطر على الحياة السياسية أو تحتكرها، وأنها ستضع الدستور والقوانين الأساسية بمفردها، وتعادي الشرطة والقضاء والجيش، وتدخل في معارك مفتوحة مع السلطة القضائية ذات التقاليد العريقة، لا بغرض إصلاحها بل بغرض الهيمنة عليها – ولاسيما أن الجماعة أعدَّت وحلفاؤها قانوناً للسلطة القضائية يقضي بعزل 3500 قاضي بعد خفض سنّ الإحالة إلى التقاعد من 70 إلى 60 عاماً، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة من جانب غالبية القضاة.
 
لاشك أن الدولة المصرية ليست أيديولوجية، فلا يمكن وصف الجيش المصري بأنه حامي العلمانية كنظيره التركي، بل هو جيش يشبه المجتمع في محافظته وتديّنه ومدنيّته أيضاً. كما أن بيروقراطية هذه الدولة لم تعرف حتى في عهد عبد الناصر أي توجّهات عقائدية حين ساد الخطاب الاشتراكي وظهر تنظيم طليعة الاشتراكيين الذي اخترق بعض مؤسسات الدولة. لذلك رفضت الدولة منذ اللحظة الأولى الصورة الأيديولوجية للجماعة، التي وإن لم تسعَ إلى فرض الشريعة على الدولة والمجتمع، ولم تُغيِّر شيئاً يُذكَر في القوانين المدنية، بقيت منطبعةً في الأذهان على أنها جماعة عقائدية مغلقة استفزّت الدولة والمجتمع وأثارت حفيظتهما منذ اليوم الأول لوصولها إلى الحكم.
 
والحقيقة أن قناعة أعضاء جماعة الإخوان المسلمين بأن مجرّد انتمائهم إلى الجماعة هو "جهاد في سبيل الله"، وأن الحفاظ على هذه الجماعة هو هدف وغاية في حدّ ذاته، تحوّلَت بعد وصولهم إلى السلطة إلى عنصر ضعفٍ. فهذه القناعة أصبحت عامل انغلاق وعزلت أعضاء الجماعة عن باقي أفراد المجتمع، وتحوّلت في فترة قليلة إلى عاملٍ رئيسٍ في كراهية الناس لهذا التنظيم، الذي رأوه يحرص على مصلحة أعضائه قبل المجتمع. 
 
فضلاً عن ذلك، تحوّلت الرابطة التنظيمية والتربية الدينية لدى الجماعة إلى شعورٍ بالتمايز والتفوّق على الآخرين، فيما تحوّلت الطاقة الدينية، التي حافظت على تماسك الجماعة حين كانت في المعارضة، إلى طاقة كراهيةٍ وتحريضٍ على المنافسين والخصوم، وتسبّبت بانغلاق الجماعة وعزلها عن باقي المجتمع. 
 
فكثيرا ما استمع الكاتب لشكاوى عشرات العاملين في الوزارات التي قادها الإخوان، عن الحلقة الضيّقة التي يحكم من خلالها هؤلاء المسؤولون. فهم يجتمعون في مابينهم في جلسات خاصة يهمس فيها الوزير الإخواني مع مستشاريه الإخوان، كما اعتادوا أن يفعلوا أثناء وجودهم في المعارضة، من دون أن يعلم الموظفون الآخرون شيئاً عن اجتماعهم الذي انتقل من الأماكن السرية للتنظيم إلى داخل الوزارة والمؤسسات الحكومية. 
 
وقد أصرّت الجماعة بعد وصولها إلى السلطة على أن تبقى سرّية، ورفضت أن تقونن وضعها وتصبح جماعة شرعية وفق قوانين الدولة التي تحكمها، الأمر الذي عمَّقَ التصوّرَ، الذي لايخلو من مبالغة، بأنها جماعة سرّية تحكم البلاد من وراء الستار، ولديها خطط "شريرة" لهدم الدولة والبقاء في السلطة إلى الأبد.
 
لقد أهدرت الجماعة الفرصة الثالثة وهي في الحكم هذه المرة لتطبع نفسها مع الدولة والمجتمع، بعد أن فشلت مرتين وهي في المعارضة، المرة الأولى في نهاية العهد الملكي، والمرة الثانية في عهد عبد الناصر. ودخلت في مواجهات عنيفة مع السلطة القائمة حتى في الفترة الليبرالية التي كانت فيها الجماعة كياناً قانونياً وعرفت نشاطاً اجتماعياً ودعوياً واسعاً. فأضاعت بذلك على مصر فرصة حقيقة لإنجاز تحوّل ديمقراطي، وتلك سابقة غير متكررة في تاريخ الحركات السياسية، التي عادةً ماتتعلّم الكثير عند وصولها إلى السلطة. فالجماعة سارت عكس الطريق الذي كان يجب أن تسير فيه بعد وصولها إلى السلطة، وأخذت البلاد كلها نحو الهاوية، الأمر الذي دفع الكثيرين إلى دعم المزج بين الانتفاضة الشعبية وتدخّل الجيش. 
 
من المهم عدم النظر إلى ماجرى في مصر منذ عزل مرسي بعيداً عن الصورة التي انطبعت في أذهان كثيرٍ من الناس تجاه الجماعة، وحالة الرفض الشعبي غير المسبوقة لهذا الكيان الذي بدا في نظر الكثيرين وكأنه كيان وافد من خارج المجتمع والدولة، فخسر معركته بسهولة. وهذا الأمر يحتاج إلى مراجعة جراحية في فكر الجماعة وتاريخها، مراجعة لم تَقُم بها منذ تأسيسها في العام 1928 إلى الآن.