بدت نشوة الاستمتاع بليغة على وجوه المتظاهرين يوم الجمعة الماضي، حيث كانت طائرات الهليكوبتر العسكرية المصرية بلون الرمال تحلق فوقهم، وتهبط إلى ما دون مستوى المباني المحيطة بميدان التحرير. يتوقف تدافع الناس تماماً وترتفع آلاف الأكف والأذرع إلى السماء مصفقة. وتميل آلاف الرؤوس وقد غيِّرت تعابير الاسترسال ملامحها. كان المشهد سوريالياً تقريباً، ويحدث كما حدث بعد عامين من إطاحة الكثير من هؤلاء المتظاهرين أنفسهم، الذين يملأون هذه الساحة نفسها، ما فهم العالم أنه نظام استبدادي مدعوم من الجيش.
 
كان على الحشد أن يدرك أن التجمّع في ميدان التحرير استجابة لدعوة وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي للحصول على تفويض لـ"اتخاذ التدابير اللازمة للتعامل مع هذا العنف والإرهاب"، من شأنه أن يؤدّي، بعد أربع وعشرين ساعة، إلى عمليات قتل جماعي لمصريين آخرين مؤيّدين للرئيس المخلوع محمد مرسي، الذين كانوا يحاصرون جسراً يخترق المدينة.
 
قال أحد الشباب، ذو القسمات المحفورة التي بدت وكأنها قد رفعت من إحدى المنحوتات الغائرة في الأقصر، والذي كان قد انضم إلى تظاهرة ميدان التحرير يوم الجمعة الماضي: "لم أكن أتوقع أن يحدث ذلك بهذه السرعة". واستنتج قائلاً: "ظننت أن تبدأ الحملة بعد نهاية شهر رمضان [يتوقع أن ينتهي يوم 7 آب/أغسطس]. لا بدّ أنه كانت لدى الجيش معلومات بأن جماعة الإخوان المسلمين تخطط للقيام بشيء ما". بالنسبة إليه، كان التوقيت هو المفاجأة الوحيدة. وأكد قائلاً: "علينا أن نقضي عليهم. لا يمكننا أن نعيش معاً في مصر". بدا هذا الموقف، الذي يشترك فيه العديد ممن يؤيدون تنحية مرسي، وكأنه يقترب من الإبادة الجماعية.
 
وقالت الروائية المصرية أهداف سويف في 3 تموز/يوليو، وهو يوم عزل مرسي، "هناك غزل عاطفي جداً يحدث الآن بين الناس في الشارع وبين الجيش". واعترفت سويف بوجود تعارض مستشهدة ببضعة "أصوات هامة تذكّر الناس بأن الجيش كان يقتلنا في الشوارع".
 
قد يتطلب فهم هذا التحوّل المذهل، حيث يحتضن الكثير من سكان مصر الآن الجيش نفسه الذي بدا أنهم عازمون على طرده من السلطة خلال ثورة العام 2011، إعادة تقييم تلك الأحداث. 

محتجو العام 2011 لم يثوروا على الجيش

قد يبدو إثبات ذلك أمراً غير متوقع، بالنظر إلى أن الرئيس السابق حسني مبارك خرج من صفوف الجيش. ومع ذلك لم يغضب الثوار من جيش مبارك ولكن من شبكة محكمة من الرأسماليين المسرفين الذين كان ينظر إليهم على أنهم اختطفوا الحكومة المصرية (بما في ذلك الجيش)، والذين أعادوا صياغة القوانين، ومنحوا أنفسهم امتياز الحصول على الأراضي والموارد العامة الأخرى، ووظفوا قمع الشرطة، كل ذلك من أجل تحقيق مكاسب شخصية.
 
يقول محمد الشيوي من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية: "كانت زمرة من رجال الأعمال الكبار المقرّبين من أسرة مبارك والحزب الحاكم". ويضيف: "لقد استخدموا نفوذهم في البرلمان لإصدار قوانين لصالحهم"، وخاصة في ما يتعلق بالمناقصات العامة وتخصيص الأراضي. يثير أسامة دياب، زميل الشيوي، مسألة "استبدال أفراد الطبقة الحاكمة واحداً تلو الآخر". ويقول إن الطبقة الجديدة "أدارت البلاد اجتماعياً واقتصادياً، ومن حيث الخطاب المهيمن. بدا وكأن كل شيء، له شكل حديث وفتي وغربي يشبههم ".
 
تشير رندة الزغبي وزملاؤها في مركز المشروعات الدولية الخاصة إلى "الحرس الجديد" المحيط بجمال ابن مبارك الذي أنشأ "هياكل موازية" داخل الوزارات الحكومية الرئيسة. وتقول الزغبي: "لم يتطرّقوا إلى مناصب أو رواتب البيروقراطيين القدامى، وأنشأوا مجرد هيكل جديد إلى جانب الهيكل القديم"، والذي تم إنشاؤه بناءً على أوامر الزمرة، وفقاً لما يقوله كثيرون. وتضيف: "لم تكن قراراتهم تخضع إلى أي مساءلة".
 
يربط المصريون الرأسمالية الجامحة التي تبنّتها هذه الزمرة والثروات المذهلة التي جمعها أعضاؤها بموجة عمليات الخصخصة التي تكثّفت في أوساط تسعينيات القرن المنصرم، والتي أدّت إلى تسريح مئات الآلاف من الموظفين من العمل. وقد تضرّر العمال في كل القطاعات، من موظفة البنك التي دفعت مهاراتها في الطباعة زملاءها إلى تجنيدها لكتابة منشورات احتجاج، مروراً بالعمال في مصانع الإسمنت أو الغزل والنسيج، وانتهاءً بالموظف في إحدى الشركات المملوكة للدولة التي تنتج أدوات المطبخ الذي أُجبِر على التقاعد المبكر. وروى الشيوي بلا مبالاة ساخرة قائلاً إن "بعض المصريين اشتروا المصنع دون الحاجة إلى الدخول في مناقصات، وقد باعوه إلى شركة أجنبية خلال عام واحد". وأضاف: "لقد فعلوا ذلك لكسب المال من عملية البيع، وليس للاستثمار في تحديث أي شيء".
 
ويوافقه الرأي كمال عباس منسق مركز الخدمات النقابية والعمالية قائلاً إن "المشترين لم يستثمروا في المصانع. لم يكسب المجتمع شيئاً، وأُرسِلت الأرباح إلى الخارج".
 
وفي حين يجعل النقص الحاد في الشفافية في عملية الخصخصة الإثبات مسألة صعب ، يتصوَّر معظم المصريين أن عمليات بيع المؤسسات العامة - بأسعار أقل من قيمة الأرض التي بنيت عليها كما تقول اللازمة - أفادت بشكل ظالم زمرة رأسمالية المحسوبية المحيطة بجمال مبارك. ويقول وائل الزغبي مدير الجمعية المصرية لتطوير الأعمال التابعة لجماعة الإخوان المسلمين: "لقد أبقوا الأمر في ما بينهم". ويضيف: "لم تكن هناك إمكانية للوصول إلى المعلومات". ويعتقد الصحافي الاقتصادي محمد جاد أن "معظم عمليات البيع كانت تتم للحاشية". ويشير مسؤول محلي حكومي متقاعد لأفراد هذه الحاشية بوصفهم "قناصي الأموال". ويتذكر أن الناس اعتادوا ترديد أغنية زفاف مبتدئاً بترديد أنشودة هادئة تقول: "زواج، زواج! الدولة ورأس المال، زواج، زواج!" وفقاً للقاضي يوسف عوف، فقد "كان هذا أحد الأسباب الرئيسة للثورة".
 
وبعبارة أخرى، لم ينظر المصريون إلى ارتفاع معدلات البطالة، التي ألقى العديد من المحللين الغربيين باللائمة فيها على الإطاحة بنظام مبارك في العام 2011، باعتباره ظاهرة اقتصادية كلية هيكلية ناجمة عن السياسات الاقتصادية السيئة. بل اعتبرت نتيجة مباشرة للممارسات الفاسدة من جانب زمرة من رأسماليي المحسوبية استولت على المفاصل الرئيسة للدولة المصرية، وكانت تستغلها لتعزيز أجندتها الخاصة.
 
يسيطر الجيش المصري أيضاً على جزء كبير من الاقتصاد، وهو يستفيد من الوصول التفضيلي إلى الأسواق العامة، مثل توفير أجهزة الكمبيوتر والتموين الغذائي للوزارات، أو بناء الطرق ومشاريع البنية التحتية الأخرى. كما راكم الجيش، المراتب العليا على الأقل، ثروة كبيرة، وتمتع بالوصول المجاني أو المدعوم إلى الفنادق الراقية أو النوادي الأنيقة التي كانت تقسّم بحسب الفرع التابعة له في القوات المسلحة.
 
ومع ذلك، فإن تلك الأشكال من الفساد، بالنسبة إلى معظم المصريين، لاتقارن بطريقة أو بأخرى بتجاوزات رأسمالية المحسوبية. ويقول دياب من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية: "لم يكن الضباط، في الظاهر على الأقل، أغنى بكثير من أي شخص آخر". ويضيف: "حتى اليوم، أنا لا أعتقد أن كبار الضباط أغنياء مثل نجيب ساويرس، على سبيل المثال، أو جمال مبارك. قد يكون لديهم ثلاث فلل وسيارتين. أما أصول جمال فقد كانت غير معقولة. وتبين أن لديه حصة في أربعين أو خمسين شركة، وحوالي سبعين مزرعة، ومن يدري كم عدد حساباته المصرفية".
 
الأهم من ذلك، يعتبر الكثير من المصريين أن الجيش يضفي قيمة على الأمة تكفي للصفح عن فساده. وبرأي المتظاهر الشاب، فإن "الجيش ملك لهذا البلد".

لم تكن الديموقراطية - في حد ذاتها - هدف ثورة العام 2011

لم يطالب المتظاهرون، على العموم، بالتصويت من أجل التصويت. كانوا يطالبون بالمنجزات التي من المفترض أن تنتج عن الديموقراطية. فقد كانت الصور العملاقة لكبار المسؤولين خلف قضبان السجن، والتي عرضت في ميدان التحرير في العام 2011، تعبّر عن المطالبة بأن يكون مرتكبو سرقات الموارد العامة مسؤولين عن نتائج أعمالهم. ودعا الثوار لإعادة الأصول العامة التي تمت سرقتها أو تبديدها؛ ووضع حدّ لتفشي الفساد، الذي يتسلسل من قمة النظام ليشمل عمليات ابتزاز يومية تقوم بها أجهزة الشرطة الاحتياطية، والكسب غير المشروع ذو الطابع المؤسّسي في المناقصات العامة على جميع المستويات الحكومية، والرسوم المخصصة التي يطالب بها حتى المعلمون والأطباء.
 
قد يعكس فشل المحتجين في وضع مقترحات ملموسة أو برنامج ديموقراطي واضح -  غالباً ما انتقد المحللون الغربيون ذلك - وافتقارهم الملحوظ للتطور الدستوري بالمقارنة مع نظرائهم من البلدان الناطقة بالفرنسية في شمال أفريقيا درجة من عدم الاهتمام في ما يتعلق بالآلية التي من شأنها أن تتمخّض عن الأخلاق السياسية والعدالة الاجتماعية السويّة التي كانوا يطالبون بها.

اعتبرت حكومة مرسي بأنها تستبدل شبكات الإخوان المسلمين بشبكات جمال مبارك

تم إطلاق عملية ديموقراطية، وجنت ثمارها جماعة الإخوان المسلمين التي تأخرت في اللحاق بركب الثورة. في البداية، بدا أن مرسي وحكومته يغازلان الجيش، حيث اتّخذ سلسلة من القرارات التي سهّلت مصالحه، مثل الإبقاء على سرّية الميزانية العسكرية أو نقل ملكية الأصول الصناعية والعقارية الرئيسة للمؤسّسات العسكرية.
 
أما الخطوات الأخرى - مثل التسرّع في إقرار دستور متنازع عليه من خلال عملية استفتاء، وتعيين أعضاء من الحزب ينظر إليهم باعتبارهم يفتقرون إلى المؤهلات المطلوبة للمناصب الإدارية الرئيسة بما في ذلك المحافظات، وعدم إطلاق الإصلاح الإداري الذي من شأنه أن يضع حداً لممارسات الفساد، وتوسيع نطاق مشروعية المناقصات العامة التي تتم بالأوامر المباشرة – فقد أقنعت الكثير من المصريين بأنه ليست لدى الإخوان المسلمين نية لإجراء التصويبات الشاملة التي طالب بها الثوار. وبدا أن مسؤولي الإخوان المسلمين يأملون، بدلاً من ذلك، في أن يستحوذوا لأنفسهم على المزايا التي كانت تتمتّع بها زمرة مبارك من قناصي الأموال.
 
وهكذا، لجأت شريحة واسعة من المصريين إلى الجيش لإنقاذهم من محنتهم، متجاهلة التجاوزات التي ارتكبت في ظل حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي استمر ثمانية عشر شهراً  والسلوك الاستبدادي للجيش نفسه.
 
علاوة على ذلك، قام هذا الجيش ببعض الخطوات في العام الماضي. فقد ولّى أعضاء المجلس العسكري مجهولي الهوية والمتقدمين في العمر، الذين لم يتنازلوا حتى لمجرد التحدّث للسكان بصورة مباشرة. أما الفريق السيسي الشاب والقوي فهو يدلي بتصريحات عامة متعددة. ويمكن رؤية صورته إلى جانب صورة البطل القومي جمال عبدالناصر على ملصقات صقيلة ولمّاعة في جميع أنحاء المدينة. أما اللوحات الإعلانية الكبيرة، التي تظهر جندياً وهو يحمل طفلاً صغيراً بين ذراعيه أو يقبل زهرة من إحدى الفتيات على سبيل الهدية، فتظهر الجيش في دور حامي الشعب. وتعرض أشرطة الفيديو الترويجية التي تدوّي أصواتها من المحلات أطفالاً صغاراً يرتدون الزي العسكري ويخضعون لتدريبات كوماندوز وهمية.
 
تقول زينب أبو المجد البروفسورة في كلية أوبرلين والخبيرة العسكرية: "يختلف المجلس العسكري اليوم عن مجلس]المشير محمد حسين[ طنطاوي. فهم ليسوا وحشيين وأغبياء". ولخّص أحد الجنرالات الأمر بالقول: "نحن العمود الفقري لهذا البلد. نحن الغراء الذي يبقي على تماسكه".

الجيش ليس قوياً ولا مؤهلاً كما يبالغ البعض

يركّز المراقبون المصريون والدوليون على حدّ سواء على السلطة السياسية والاقتصادية الهامة التي راكمها الجيش على مر السنين، مستشهدين بأرقام تزعم بأن ما يصل إلى 40 في المئة من الاقتصاد المصري يخضع إلى سيطرة المؤسسة العسكرية. وهم يشيرون إلى عدد كبير من الضباط المتقاعدين الذين يقال إنهم يشغلون مناصب تنفيذية رئيسة في الوزارات والحكومات المحلية والشركات التي تمت خصخصتها. لا بل إن بعض معارضي اختراق الجيش للاقتصاد يعترفون بوجود درجة من الكفاءة تفوق قدرات الدولة في عهد مبارك. ومع ذلك، فإن دراسة معمقة لعدد قليل من الأنشطة العسكرية تبدو كافية لتكشف مدى ضعف هذا المظهر الخادع.
 
الهيئة العربية للتصنيع هي تكتل أسّسته في الأصل جيوش مصر وعدد من دول الخليج العربي لتطوير صناعات دفاعية الخاصة بها بصورة مشتركة. انسحبت الدول الأخرى في تسعينيات القرن المنصرم، تاركة مصر وحيدة. ويتولى إدارة الهيئة عسكري متقاعد برتبة فريق.
 
بدأت زيارتي لهذا المصنع الذي يصنع الإلكترونيات الاستهلاكية مثل أجهزة التلفزيون والمكاوي والغلايات الكهربائية باستجواب يليق بأجهزة مخابرات إحدى بلدان الكتلة السوفييتية. بعد بضع دقائق من الاستجواب، هرعت المحققة التي بدا واضحاً أنها مرتابة – هي موظفة مدنية من قسم الأبحاث والتطوير اسمها عايدة أحمد فؤاد الصبان – إلى خارج الغرفة للتشاور مع الرئيس التنفيذي للمصنع، وعادت لتبلغني أنه يرفض السماح بزيارة صالة المصنع، مع أنه قد تم ترتيب الزيارة مسبقاً.
 
وتبيّن أن المصنع لا يقوم إلا بتجميع مكوّنات صينية منخفضة الجودة لمنتجات بدا واضحاً أنها أدنى من معايير البدائل المتاحة بسهولة من شركة سامسونغ أو سوني. وقد تم بيع إنتاج خطه الخاص بأجهزة الكمبيوتر - توقف منذ قيام الثورة - للوزارات الحكومية فقط. أما في الوقت الحالي، فيركّز قسم الأبحاث والتطوير الذي يضم اثني عشر شخصاً على إنتاج وحدات تحكم كهربائية لمشروع إنارة شمسية محتمل، ويستهدف أيضاً مشترين حكوميين. ولا يقدم القسم، حتى وفقاً لما تقوله الصبان، أي ابتكار. فالمهندسون الشباب، الذين تم توظيفهم عقب تخرجهم مباشرة، انتقلوا إلى وظائف بأجور أعلى في القطاع الخاص، على الأقل حتى منتصف العقد المنصرم، وفقاً لمهندس آخر. وأضافت الصبان قائلة: "ولكن عندما يغادرون المصنع، لا يسمح لهم بالعودة". وهكذا أصبحت الشركة بعيدة عن ديناميكية قطاع تكنولوجيا المعلومات التي نعيشها اليوم.
 
فشلت المواد الغذائية التي ينتجها الجيش أيضاً، والتي يعتبرها المستهلكون ذات نوعية رديئة، في تأمين حصة كبيرة من السوق. وفي أحسن الأحوال، فإنها تتمتع بالقدرة التفضيلية على الدخول إلى بعض المناقصات العامة، مثل مقاصف وزارة الشباب والرياضة.
 
أما بالنسبة إلى الوظيفة الأساسية للجيش المتمثلة بالدفاع عن البلاد، فهي لاتكاد تذكر. وبصرف النظر عن غزوة ناجحة قصيرة إلى ليبيا في العام 1977، لم يمارس الجيش المصري العمل منذ حرب الخليج الأولى. وكان سجلّه في نزاعات الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم في غاية السوء. كما أن تشبّث الجيش المستمر بدبابات (M1A1 ) القديمة، وتركيزه على الحرب التقليدية، يظهر مدى مقاومته لتكييف وضعه الأمني مع بيئة تنطوي على تهديد متزايد تتطابق مع مناعته تجاه الابتكار الصناعي. وبعبارة أخرى، فإن الجيش المصري أشبه بإمبراطور يرتدي ملابس جديدة غير مرئية.

البعض في جماعة الإخوان والجيش لهم مصلحة في أعمال العنف

تشير بعض الملصقات في مخيمات جماعة الإخوان المسلمين في جميع أنحاء القاهرة إلى "مشروع الشهادة". ويتحدث نشطاء من الإخوان عن تطرّف ملحوظ في صفوفهم على مدى الشهر الماضي من الاحتجاجات، ويعترفون بأن البعض يجد فائدة في هذا التطور. وكما اعترف أحد الناشطين المخضرمين فإن العودة إلى المعارضة، التي لاتعود مسؤولة عن النتائج، يمكن أن تكون مريحة أكثر من إدارة بلد يمرّ في أزمة.
 
علاوة على ذلك، فإن لعب دور الضحية الذي لاجدال فيه - سفك الدماء حيث يتم قتل الأعضاء والمتعاطفين بوحشية من جانب أجهزة الأمن – قد يشكّل حدثاً تاريخياً مهماً لحركة يبدو أنها تفتقر إلى خيارات جيدة في الوقت الحالي. هذه المذبحة قد تؤدي وظيفة تحشيد في المستقبل. وربما تحاول إخفاء الأخطاء الصارخة، والصرامة والسلوك الأناني، ناهيك عن التواطؤ الواضح مع الجهاديين، الذي ميّز نظام مرسي.
 
في الوقت نفسه، قد يكون الجيش المصري يسير على النهج الذي اتخذته العديد من الأنظمة الاستبدادية في المنطقة على مرّ السنين، أي تفريغ الجزء الأكثر عقلانية ووسطية من معارضتها، بحيث لا تواجه معارضة في نهاية المطاف، بل عدواً يعتبر استخدام الوسائل العسكرية ضده أمراً مقبولاً. ويبدو قرع طبول القمع، جنباً إلى جنب مع إقصاء شخصيات بارزة من الإخوان المسلمين من المشهد، وكأنه يهدف بصورة متعمدة لدفع الحركة إلى التطرّف. وسيكون الهدف (حققته الحكومة الجزائرية ببراعة في التسعينيات) ,تقديم خيار قاسٍ للشعب والمجتمع الدولي بين الاستبداد والإرهاب.

الإصلاح

يبدو أن المصريين أقنعوا أنفسهم، في الوقت الراهن، بأن هذا في الواقع هو الخيار الذي يواجهونه. وقد اختاروا الخيار السابق. لقد اختاروا الإصلاح.
 
في هذه المرحلة من التحوّل السياسي الثوري، لا يبدو مثل هذا التطور غريباً أو استثنائياً. فقد أعقبت جمهورية كرومويل في إنكلترا عودة سلالة ستيوارت الحاكمة، قبل أن تعيد ثورة العام 1688 المجيدة فرض المؤسّسات الديموقراطية. وبعد التجاوزات التي شهدتها ثورتهم، نصّب الفرنسيون نابليون إمبراطوراً، ثم أعادوا أسرتهم الملكية القديمة – حيث أُخضِعت هذه المرة إلى قيود دستورية - قبل الإعلان أخيراً عن جمهورية ثانية في العام 1848.
 
إن مجرد حقيقة وجود "تجديد" في مصر لايعني في حد ذاته أن العملية التي أطلقت في كانون الثاني/يناير 2011 قد أجهضت. وإذا كان للتاريخ أن يحكم على ما جرى، فلن يظهر حكمه خلال سنوات، إن لم يكن خلال عقود.
 
يستند التحليل الوارد في هذه المادة على مقابلات وأحاديث مع طائفة من المصريين في العام 2011، وفي تموز/يوليو 2013.